كتبت – أسماء حمدي
في حالات الحرب يلجأ الناس عادة إلى العواصم باعتبارها الملاذ الأخير والأكثر تحصينا، لكن في السودان المسرح الرئيسي للحرب الدائرة بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع شبه العسكرية، والتي أدت إلى مقتل 512 شخصًا حتى الآن وإصابة الآلاف، هي العاصمة الخرطوم.
ومع احتدام المعارك في الخرطوم، باتت الحياة أصعب وبات سكانها يتسابقون للخروج منها نحو الولايات الأخرى وإلى دول الجوار، إذ يفر السودانيون سيرا على الأقدام نحو مصير مجهول، هربا من نيران القصف وبحثا عن فرصة للنجاة من القذائف والذخائر التي تتساقط في كل مكان وبشكل عشوائي، زادهم في رحلتهم حقيبة في اليد وبعض ذكريات عن مكان كان آمنًا.


الفرار من الجحيم
كانت العاصمة الخرطوم التي يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة مقصدا لإيجاد فرص حياة أفضل للسودانيين، لكن مع اشتداد الحرب واستمرار القصف تحولت إلى مدينة أشباح وحوصر السكان في منازلهم ولم يخرجوا منها إلا للحصول على مستلزماتهم من المتاجر التي تعرضت للنهب والتي تتقلص الإمدادات الموجودة فيها.
ومع دخول الحرب أسبوعها الثاني، شهدت العاصمة نزيفا بشريا للقاطنين فيها، كما شهدت نزوح عكسي نحو الولايات القريبة، إذ فر مئات المواطنين إلى ولاية الجزيرة وقراها القريبة، كما اتجه مئات المواطنين إلى بورتسودان وكسلا وولايات أخرى أقل خطورة مما يحدث في الخرطوم.
ولم تقتصر حملة النزوح على الداخل السوداني، لكنها امتدت إلى دول الجوار التي كان لها نصيب أيضا، ووفقا لتقرير الأمم المتحدة نزح حوالي 20 ألف شخص نحو تشاد في الأيام الأولى للاشتباكات، كما نزح حوالي 10 آلاف لاجئ نحو جنوب السودان مع توقعات بازدياد الأعداد.
وفي الوقت الذي تشتد فيه المعارك، كان للجارة مصر النصيب الأكبر من التدفقات البشرية للراغبين في الفرار من جحيم الاشتباكات وتدهور الأوضاع الأمنية في البلاد، عبر المعابر البرية بين البلدين، إذ وصلت مئات الحافلات الممتلئة بالمسافرين إلى الحدود.
وشهد معبر “أرقين” البري في الأيام الأخيرة أمواجا من السودانيين الذين قطعوا مسافات طويلة إلى الحدود المصرية، تقترب من 800 كم بينهم مسنون ونساء وأطفال وطلاب، في رحلة وصفوها بأنها تحمل الكثير من المجازفة، بالإضافة إلى كلفتها المادية الباهظة، وفترات الانتظار الطويلة بسبب الطوابير.
ولم يفوت تجار الأزمات من أصحاب الحافلات فرصة استغلال الظرف الإنساني الذي تشهده البلاد، فدخول السودانيون من الخرطوم إلى مصر لم يكن يتعدى حدود 50 دولارا إلا انها الآن وصلت إلى ما يقرب من 500 دولار والرقم في ازدياد.


رحلات محفوفة بالمخاطر
تقول الناشطة السودانية أسمرة أدانيس، في حديثها لصحيفة الجارديان البريطانية، إن شقيقها استغرق 53 ساعة من لحظة مغادرته موقف قندهار وصولا إلى ختم جواز سفره عند الحدود المصرية بالقرب من أسوان، وإنه لم يعبر الحدود إلى مصر إلا بعد عدة ساعات أخرى بسبب الزحام.
وتشير أدانيس إلى أن بين طوابير الزحام على الحدود السودانية، مرضى كانوا يعانون بالفعل في الخرطوم من عدم الحصول على الأدوية التي تشتد الحاجة إليها، كما هناك أشخاص ذوو إعاقة كانوا في حالة مزرية للغاية، بالإضافة إلى عدم وجود طعام أو ماء أو ملابس أو حفاضات للأطفال.
تحكي أفنان حساب، وهي طبيبة شابة أغلق القتال مستشفاها، أن العثور على مخرج من الخرطوم كان مرهقا، تقول: “كنت بحاجة إلى دعم من أقاربي في الخارج، وهم الذين ساعدوني في العثور على المال لدفع الرسوم للسائقين، فبسبب إغلاق البنوك وانهيار تطبيقات الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول، كان علي جمع الأموال من أجل الرحلة من خلال عملية معقدة من التحويلات غير الرسمية”.
تقول حساب: “سائقو الحافلات لا يمكن الاعتماد عليهم، وبعضهم محتالون، يأخذون المال ويختفون”، وفي النهاية نجحت الطبيبة في العثور على حافلة مع مجموعة من الناس وحصلت على مقعد بها بتكلفة 170 ألف جنيه سوداني (240 جنيهًا إسترلينيًا)، والتي ستقلها فقط إلى وادي حلفا في شمال البلاد، حيث سيتعين عليها إيجاد وسيلة نقل إضافية إلى الحدود المصرية.
تشير الطبيبة الشابة، إلى أن الكثير من الناس علقوا في القتال لأنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى المبالغ الكبيرة اللازمة لدفع أجور السائقين، مضيفة: “بعض النساء يحاولن بيع الذهب على فيسبوك لجمع الأموال، وكثير منهن عالقات بسبب أسعار التذاكر المجنونة، حتى الذهاب إلى المدن والولايات الأخرى أصبح بتكلفة عالية”.


تكاليف باهظة
بعد أن تقطعت بهم السبل، فر علاء السيد سرالختم (25 عامًا)، مع شقيقته إلى ود مدني جنوب الخرطوم، وقرر أن رحلة الذهاب إلى إثيوبيا ستكون أقصر من الذهاب إلى مصر، وحصل على تأشيرة دخول من القنصلية الإثيوبية في القضارف بالقرب من الحدود، لكنه قال إن المعبر نفسه كان فوضويًا، ولم يتمكن موظفو الأمم المتحدة على الحدود من تقديم المساعدة.
يقول سرالختم الذي يخطط لمغادرة إثيوبيا ثم إلى بلد آخر: “كان هناك ارتباك، لم يكن لدى الناس الوثائق الصحيحة ولكنهم كانوا يجربون حظهم، كما أن فرق مراقبة الحدود من كلا الجانبين كانت غارقة في محاولتها مساعدة الناس على الخروج، لكنها كانت تساعد فقط أولئك الذين لديهم أموال”.
يضيف: “الغالبية ليست قادرة على العبور، معظم الناس ببساطة لا يستطيعون تحمل تكاليف السفر الباهظة، وهناك عدد كبير من الناس لا يستطيعون الوصول إلى النقد لأن البنوك مغلقة وأجهزة الصراف الآلي فارغة، كما أنه على الحدود الإثيوبية كانوا يرفضون أولئك الذين ليس لديهم تأشيرات”.


أزمة إنسانية
يطالب السودانيون وعائلاتهم في الخارج بتدخل دولي أكثر فاعلية، تقول أدانيس: “تخيلوا أن تكونوا في وسط الصحراء وأنت عطشان، جائع، مصدوم، ومتعب بعد رحلة استمرت 20 ساعة، وبعد الانتظار لمدة 20 ساعة أخرى، يقول لك أحدهم: “معذرة، لا يمكنك القدوم لأنك بحاجة إلى تأشيرة سياحية”.
تضيف: “وعليك الشروع في رحلة أخرى لنفس المدة للحصول على تأشيرة، ثم العودة للانضمام إلى قائمة انتظار تضم أكثر من 100 حافلة، نحن بحاجة إلى أن يدرك العالم الأزمة الإنسانية وأزمة اللاجئين المطروحة ويتعامل معها على الفور”.
وبحسب صحيفة الإندبندنت، أطلقت امرأة سودانية متزوجة من رجل هندي نداء استغاثة يائسًا لإجلائها مع ابنها البالغ من العمر 21 شهرًا، والتي وجدت نفسها عالقة لأن أوراقها لا تزال غير مكتملة، على الرغم من دعوة زوجها السلطات الهندية للمساعدة.
وتقول طالبة الطب براء أبابكر (23 عامًا): “أرجوكم ساعدوني أنا وابني، لم نكن نعلم أننا سنبقى عالقين هنا، ولم أفكر أبدًا في أن بلدي سيتحول إلى قطعة من الجحيم بالنسبة لنا وأن تتحول أرضنا إلى حرب وصراع”.
كانت أبابكر طبيبة بيطرية في سنتها الأخيرة، وكانت ستجري امتحاناتها قبل أن تعود إلى زوجها في مدينة حيدر أباد جنوب الهند، تقول: “كنت بصدد الحصول على تأشيرة وكنت على اتصال بشخص من السفارة الهندية قبل اندلاع النزاع، لكن عندما اتصلت به مرة أخرى، أخبرني أنه غادر البلاد”.
وتشير إلى إن منزل والدتها، الواقع بالقرب من المقر الرئيسي للجيش، دُمر ورشقت كامل جدرانه بالرصاص، مضيفة: “لا يمكننا حتى التنقل في المنزل، وابني ما زال صغيرًا ولا يستطيع تحمل أصوات إطلاق النار، إنه في حالة رعب ونختبئ تحت الأسرة لإنقاذ حياتنا”.
وتشير إلى أن مخزون الطعام ينفد، ولا يكاد يكون هناك ما يكفي ليوم أو يومين، كما تفاقمت المشكلة بسبب نقص المياه وانقطاع الكهرباء وشبكة الاتصالات والإنترنت التي تمنعها من الاتصال بزوجها في الهند، لافتة إلى أن المستشفيات مغلقة ولا يوجد طاقم طبي في الحي لرعاية الجرحى، كما تعرضت مخازن المواد الغذائية والأسواق للقصف، وما تبقى فقد استولى عليه المدنيون، مضيفة: “آمل أن نحصل على نفس مصير العائلات التي تم إجلائها”.
يقول المدير القُطري لجنوب السودان في منظمة كريستيان إيد، جيمس واني، إن تقديراتهم بالنسبة للفارين إلى جنوب السودان وصل ما يقرب من 9000 وافد، وهو أعلى من تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وتشمل الأرقام عودة اللاجئين من جنوب السودان.
ويشير واني، إلى أنه في جنوب السودان حاليا لا توجد مرافق لاستقبال أولئك الذين يعبرون الحدود، لافتا إلى أن الذين وصلوا أقاموا معسكرًا في مدرسة، وآخرين في مجمع للقضاة.
من جانبها، أوضحت المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كاثرين ماهوني، أن اللاجئين في تشاد يحتاجون أيضًا إلى مساعدة عاجلة، مضيفة: “معظم الوافدين الجدد من النساء والأطفال، إنهم ينامون في العراء، وفي ملاجئ مؤقتة أو تحت الأشجار، ويحتاجون إلى الحماية والمساعدة العاجلة”.