كتب – د. محمود زكريا محمود إبراهيم

مدرس العلوم السياسية ونائب مدير مركز دراسات حوض النيل بكلية الدراسات الأفريقية العليا – جامعة القاهرة

تعد قضية مكافحة الإرهاب العابر للحدود أحد أبرز القضايا ذات الطبيعة المركزية في القارة الأفريقية، وذلك من منظور أن استشراء الإرهاب بات يشكل أحد أبرز التحديات الأمنية الرئيسية المواجهة للنظام الإقليمي الأفريقي، وذلك انطلاقًا مما يشكله من تهديدات ومخاطر للكيان القانوني للدولة الوطنية وواقع التنمية في أفريقيا على نحو ما هو وارد في إطار أجندة أفريقيا 2063، وهو ما تفاقم بشكل كبير ولاسيما مع تنامي ظاهرة الإرهاب العابر للحدود، حيث باتت أنشطة الجماعات الإرهابية غير قاصرة على الحدود السياسية للدول الأفريقية فحسب فطبيعتها أصبحت عابرة للحدود، من قبيل حركة الشباب المجاهدين في إقليم شرق أفريقيا، وجماعة بوكو حرام في إقليم غرب أفريقيا، وجيش الرب للمقاومة في إقليم وسط أفريقيا، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي وغيرها.

وترتيبًا على ما سبق تصبح مسألة الاستجابة النابعة من الدول الأفريقية لمواجهة التهديدات المصاحبة للإرهاب العابر للحدود مسألة ذات أولوية قصوى لواقع ومستقبل هذه الدول، والمرتبطة بالأساس بكثافة التفاعلات التعاونية الأفريقية البينية القائمة على تفعيل مبدأ “الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية”، وذلك على نحو يشكل معه الضمانة الحقيقية للتعامل الجاد والفعال مع هذا التحدي شديد الخطورة على منظومة السلم والأمن الإقليميين في أفريقيا، ولذا فإن هذه الدراسة تستهدف التركيز على الاستجابة الأفريقية لمكافحة الإرهاب العابر للحدود وذلك عبر التركيز على جملة من المحاور الرئيسية والمتمثلة فيما يلي:

أولًا: مفهوم مكافحة الإرهاب

يمكن تبني مفهوم مكافحة الإرهاب وفقًا لما ورد في إطار الاستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب Global Counter-Terrorism Strategy، والتي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 سبتمبر 2006م، لتعد بمثابة أداة عالمية لتعزيز الجهود الوطنية والإقليمية والدولية لمكافحة الإرهاب، واتفقت في إطارها الدول الأعضاء على تبني اقتراب عملياتي واستراتيجي مشترك لمواجهة الإرهاب، وقد جاءت في صورة قرار ومرفق به خطة عمل، وتقوم الجمعية العامة بمراجعة هذه الاستراتيجية كل عامين، بحيث يتم جعلها أكثر اتساقًا مع أولويات مكافحة الإرهاب المتعلقة بالدول الأعضاء، وترتكز هذه الاستراتيجية على أربعة دعامات رئيسية تتمثل فيما يلي[1]:

  • معالجة الأوضاع المؤدية إلى انتشار الإرهاب، والتي تتضمن في إطارها كل من مواجهة الانجذاب للإرهاب، منع وحل الصراعات، تعزيز الحوار والفهم، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
  • إجراءات منع ومكافحة الإرهاب، والتي تتضمن في إطارها كل من أنشطة فرض القانون والسيطرة على الحدود، أنشطة منع الهجمات عبر أسلحة الدمار الشامل، أنشطة مكافحة تمويل الإرهاب، فضلًا عن أنشطة حماية البنية التحتية الرئيسية.
  • إجراءات بناء قدرة الدول لأجل منع ومكافحة الإرهاب وتدعيم نظام الأمم المتحدة في هذا الشأن وتتضمن في إطارها تسهيل التنفيذ المتكامل للاستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب، تسهيل تنفيذ الأطر الدولية والقانونية، وتقديم المساعدات القانونية.
  • إجراءات تعزيز احترام حقوق الأنسان وحكم القانون كأساس لمواجهة الإرهاب، وتتضمن في إطارها التدريب وبناء القدرات بشأن فرض القانون الخاص بحقوق الانسان ومنع الإرهاب وحكم القانون، دعم ضحايا الارهاب، والأطر المرجعية لحقوق الأنسان الرئيسية.

ثانيًا: الأطر التنظيمية الحاكمة للاستجابة الأفريقية المشتركة لمكافحة الإرهاب العابر للحدود

يوجد ثمة جملة من الأطر الناظمة للاستجابة الأفريقية المشتركة لمنع ومكافحة الإرهاب والتي تعود جذورها إلى مطلع عقد التسعينيات من القرن العشرين، فعلى المستوى القاري تبنت منظمة الوحدة الأفريقية قرارًا في إطار الجلسة العادية (28) المنعقدة في (داكار) بالسنغال في عام 1992م بشأن تقوية التعاون والتنسيق بين الدول الأفريقية وذلك بشأن محاربة المنظمة لظاهرة التطرف والإرهاب، كما تبنت المنظمة “إعلان قواعد السلوك للعلاقات الأفريقية البينية” في إطار الجلسة العادية (30) المنعقدة في (تونس) وذلك في يونيو 1994م، والذي رفضت المنظمة من خلاله كافة أشكال التطرف والإرهاب واعتبرتها بمثابة أعمال إجرامية، وأكدت على ضرورة تعزيز التعاون من أجل مكافحة الإرهاب[2].

وتمثل اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لمنع ومكافحة الإرهاب المرجعية القانونية الرئيسية للاستجابة الأفريقية المشتركة لمكافحة الإرهاب في أفريقيا، والتي تم تبنيها في (الجزائر) في 14 يوليو 1999م ودخلت حيز النفاذ في 6 ديسمبر 2002م، والتي قدمت تعريفيًا لمفهوم الإرهاب وأكدت على تعزيز التعاون البيني الأفريقي بشأن منع ومكافحة الإرهاب وفقًا للتشريعات والإجراءات الوطنية، وتلا ذلك تبني الاتحاد الأفريقي جملة من الأطر لدعم الاستجابة الأفريقية المعنية بمنع ومكافحة الإرهاب[3]، والمتمثلة في خطة عمل الاتحاد الأفريقي المتعلقة بالاجتماع الحكومي رفيع المستوى بشأن منع ومكافحة الإرهاب والتي صدرت في (الجزائر) وذلك في الفترة (11- 14) سبتمبر 2002م، والتي حددت ثلاثة آليات لمنع ومكافحة الإرهاب في أفريقيا والمتمثلة في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، مفوضية الاتحاد الأفريقي والمركز الأفريقي للبحوث والدراسات المتعلقة بالإرهاب[4].

ويضاف لذلك بروتوكول اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لمنع ومكافحة الإرهاب والذي تم تبنيه في (مابوتو) وذلك في 8 يوليو 2004م، والذي أكد على المسئولية المركزية لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي فيما يخص تنسيق الجهود القارية من أجل منع ومكافحة الإرهاب على أن يعاونه كل من مفوضية السلم والأمن التابعة لمفوضية الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية الفرعية في أفريقيا[5]، كما يشكل النموذج الأفريقي لمكافحة الإرهاب أحد الأطر الحاكمة للاستجابة الأفريقية المشتركة لمنع ومكافحة الإرهاب في أفريقيا، والذي تمت الموافقة عليه من مؤتمر الاتحاد الأفريقي في (مالابو) في يوليو 2011م، ويكمن الهدف منه في معاونة الدول الأفريقية على تنفيذ كافة البنود الواردة في إطار الآليات الدولية والقارية المتنوعة المتعلقة بمكافحة الإرهاب[6].

وعلى المستوى الإقليمي الفرعي تبلورت جملة من الأطر الحاكمة للاستجابة الأفريقية المشتركة لمنع ومكافحة الإرهاب على مستوى التجمعات الاقتصادية الإقليمية، ولعل من بينها الإعلان المتعلق بالإرهاب التابع لجماعة التنمية للجنوب الأفريقي “سادك” الصادر في يناير 2002م[7]، برنامج بناء القدرات لمكافحة الإرهاب التابع للهيئة الحكومية للتنمية “إيجاد” (ICPAT) الصادر في عام 2006م[8]، فضلًا عن الإعلان السياسي والموقف المشترك ضد الإرهاب المتعلق بالجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس” الصادر في فبراير 2013م[9].

وفي إطار المساعي المتعلقة بتطوير الأطر المؤسسية المعنية بمكافحة الإرهاب في أفريقيا، فإن ثمة مقترح قائم متعلق بإنشاء وحدة خاصة بمكافحة الإرهاب تابعة للقوة الأفريقية الجاهزة، والذي قامت قمة الاتحاد الأفريقي المنعقدة في (أديس أبابا) في فبراير 2020م بتقديمه لمجلس السلم والأمن الأفريقي وذلك من أجل دراسة مختلف جوانبه، وبالفعل عقد المجلس اجتماعًا في 28 أكتوبر 2020م لمناقشة هذا المقترح، وعلى الرغم من أن الدول الأعضاء بالمجلس أكدت على أن التطرف العنيف بات يشكل تهديدًا واسع المجال وهو ما يتطلب تعزيز الاستجابة الأفريقية تجاهه غير أنه لم يتم التوافق بشأن ما إذا كان خيار تشكيل هذه الوحدة يعد أنسب استجابة لمواجهة الإرهاب.

وقد تم تكوين قوة مهام تكمن مهمتها في تقييم الأمور الفنية والهيكلية والمالية لهذه الوحدة المقترحة، والتي تضم عدد من أطراف المصالح من قبيل لجنة أركان الحرب التابعة لمجلس السلم والأمن الأفريقي والآليات الإقليمية ووكالات التعاون الأمني التابعة للاتحاد الأفريقي، على أن تقوم بتقديم جملة من المقترحات لمجلس السلم والأمن الأفريقي في هذا الشأن في غضون ستة أشهر، وبالقطع سيسهم تأسيس مثل هذه الوحدة تحت مظلة للقوة الأفريقية الجاهزة في وجود دعم من قبل كافة مكونات بناء السلم والأمن الأفريقي (APSA) وعلى رأسها صندوق السلم الذي يشكل الذراع المعني بتوفير الموارد المالية اللازمة لدعم المبادرات والسياسات الأمنية للاتحاد الأفريقي[10].

ثالثًا- مبادرات الاستجابة الأفريقية المشتركة لمكافحة الإرهاب العابر للحدود

يستهدف هذا الجانب من الدراسة إلقاء الضوء على نماذج لمبادرات الاستجابة الأفريقية المشتركة لمكافحة الإرهاب العابر للحدود، والتي تعتمد بالأساس على التنسيق والتعاون الأفريقي البيني على مستوى التخطيط والتنفيذ، وذلك كما يلي:

  1. قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات لمواجهة جماعة بوكو حرام (MNJTFMultinational Joint Task Force

تعد بمثابة أحد أطر الاستجابة الأفريقية المشتركة للتعامل مع جماعة بوكو حرام، والتي تعد بدورها أحد الجماعات الإرهابية العابرة للحدود في القارة الأفريقية وتحديدًا في إقليم غرب أفريقيا، حيث بدأت ممارسة عملياتها الإرهابية في مواجهة الحكومة المركزية في نيجيريا بعد مقتل زعيمها (محمد يوسف) في عام 2009م وأعلنت الجهاد في مواجهة هذه الحكومة والولايات المتحدة الأمريكية في عام 2010م على يد قائدها ” أبوبكر شيكاو” (Abubakar shekau)[11]، وعلى الرغم من تركيز وتكثيف هذه الجماعة لعملياتها في إطار شمال شرق نيجيريا، غير أنها قامت بتنفيذ هجمات إرهابية في بعض دول الجوار الإقليمي لنيجيريا من قبيل تشاد والكاميرون والنيجر منذ عام 2014م[12]، كما تُصنف هذه الجماعة كثاني أخطر وأكثر الجماعات دموية في العالم والأولى على مستوى أفريقيا جنوب الصحراء في عام 2019م وذلك وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي الصادر في عام 2020م[13].

وتشكل قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات الإطار الحاكم للاستجابة الأفريقية المشتركة لمواجهة جماعة بوكو حرام، والتي تعود جذور نشأتها إلى عام 1994م وكانت تتمركز مقراتها في مدينة “باجا” (Baga) التابعة لولاية بورنو(Borno) النيجيرية، وكانت تتكون بالأساس من قوات تابعة لدولتي نيجيريا وتشاد، وهدفت إلى كبح جماح تهريب الأسلحة في إطار منطقة بحيرة تشاد، وقد تم توسيع نطاق التفويض الممنوح لها في عام 1998م ليشمل مواجهة كافة المخاطر والتهديدات الأمنية العابرة للحدود بين كل من نيجيريا وتشاد والنيجر، كما تم تعزيز نطاق التفويض الممنوح لها مرة أخرى في أبريل 2012م ليشمل مكافحة التمرد والأعمال التخريبية، وكنتيجة لتدهور الموقف الأمني الإقليمي في منطقة بحيرة تشاد والسيطرة الإقليمية لبوكو حرام على شمال غرب نيجيريا وزيادة الأثر الانتشاري للعنف في دول الجوار الإقليمي لنيجيريا منذ مطلع عام 2014م، تم تبني قرار من قبل وزراء الدفاع ورؤساء الأركان لدول مفوضية حوض بحيرة تشاد في (ياوندي) وذلك في مارس 2014م بشأن تأسيس قوة متعددة الجنسيات لتحقيق السلم والأمن في الإقليم[14].

وتشكلت بالفعل هذه القوة بناءً على قرار صادر من القمة الاستثنائية لرؤساء الدول والحكومات لمفوضية حوض بحيرة تشاد Lake Chad Basin Commission (LCBC) المُنعقدة في (نيامي) بالنيجر وذلك في 7 أكتوبر 2014م[15]، وقد صدر التفويض الزمني المتعلق بنشر هذه القوة لمدة (12) شهرًا من قِبل مجلس السلم والأمن الأفريقي وتم نشرها بالفعل في 29 يناير 2015م، والذي أوصى أن يكون العدد الإجمالي لها نحو (7500) عنصرًا من الأفراد العسكريين والشرطين والمدنيين، وقد شهد القوام العددي لهذه القوة تزايد تدريجي حيث ارتفع ليصل إلى نحو (10) آلاف عنصر وذلك في إطار اجتماع مجلس السلم والأمن الأفريقي المنعقد في 3 مارس 2015م، وارتفع مجددًا ليصل إلى نحو (11150) عنصر وذلك في إطار اجتماع رؤساء الأركان لدول المفوضية المشاركة في هذه القوة وبنين وذلك في أغسطس 2015م، ويبلغ القوام الإجمالي لهذه القوة حاليًا نحو (10) آلاف عنصر عسكري[16].

وتضم هذه القوة الدول الأعضاء في مفوضية بحيرة تشاد وهي (نيجيريا، النيجر، تشاد، الكاميرون) وذلك إلى جانب بنين كدولة غير عضو في المفوضية، وتساهم نيجيريا بالجانب الأكبر من هذه القوة وأعطيت القيادة لها طوال فترة عملها، وتقع مقرات القيادة الخاصة بها في إطار العاصمة التشادية (أنجامينا)، ويتضمن نطاق عمل هذه القوة على أربعة قطاعات رئيسية وهي: “مورا” Mora بالكاميرون، “باجا سولا” Baga-Sola في تشاد، “باجا” Baga في نيجيريا، و”ديفا” Diffa بجنوب غرب النيجر، وتعمل هذه القوة تحت القيادة والسلطة المباشرة لرؤساء دول وحكومات مفوضية حوض بحيرة تشاد، ويساهم الاتحاد الأفريقي – كشريك استراتيجي وفني بالتعاون مع الأمانة التنفيذية للمفوضية – في رفع فعالية العمليات المتعلقة بهذه القوة، وقد كانت نقطة البداية الفعلية لعملياتها مع مطلع عام 2016م.

وقد تمثل التفويض الممنوح لهذه القوة في القيام بعدة مهام رئيسية والمتمثلة في خلق بيئة آمنة في إطار المناطق المتأثرة بنشاط جماعة بوكو حرام والجماعات الإرهابية الأخرى، تسهيل تنفيذ برامج تحقيق الاستقرار من قِبل الدول المشاركة في هذه القوة، بما في ذلك الاستعادة التامة لسلطة الدولة وإعادة اللاجئين والنازحين وتسهيل العمليات الإنسانية وتوزيع المساعدات على السكان في إطار المناطق المتأثرة بنشاط جماعة بوكو حرام، قيادة العمليات العسكرية من أجل منع توسع نطاق أنشطة جماعة بوكو حرام، ومنع نقل الأسلحة واللوجستيات إليها، فضلًا عن القيام بأفعال محددة في مجالات حقوق الإنسان والمعلومات ووسائل الإعلام والمخابرات[17].

ويعد الاتحاد الأوروبي بمثابة أكبر الداعمين لعمل هذه القوة، حيث قام بالتوقيع على اتفاقية مع مفوضية الاتحاد الأفريقي وذلك في أغسطس 2016م والممتدة حتى نهاية ديسمبر 2020م، وقد بلغت قيمة الدعم المقدم من مفوضية الاتحاد الأوروبي نحو (44,7) مليون يورو عبر مرفق السلام الأفريقي African Peace Facility (APF) وذلك من أجل تعزيز التنسيق الإقليمي الفعال وقيادة العمليات العسكرية عبر توفير الأصول اللازمة لعمل هذه القوة من قبيل (الخدمات الطبية، معدات الاتصال وغيرها)، وهو ما يمثل أحد العناصر المندرجة ضمن الاستراتيجية الموسعة والمتكاملة للاتحاد الأوروبي لدعم الاستقرار والانتعاش الاقتصادي لدول مفوضية حوض بحيرة تشاد، حيث أن أكثر من (700) مليون يورو تم تخصيصهم لدول هذه المنطقة تشمل المساعدات الإنسانية وصندوق ائتمان المخاطر وتمويل الاستقرار وبرامج وطنية وإقليمية، كما أن ثمة مساهمات أخرى لهذه القوة مقدمة من قبل أطراف أخرى من قبيل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية[18].

ويمكن القول: إن هذه القوة ساهمت في تحقيق تحسن في الموقف الأمني في العديد من المناطق المحيطة بحوض بحيرة تشاد عبر تقليص التهديدات المرتبطة بجماعة بوكو حرام، غير أن ثمة جملة من التحديات المواجهة لها، ولعل من بينها عدم وجود تقديرات دقيقة متعلقة بقدرات جماعة بوكو حرام، غياب التضامن والتكامل الإقليمي الحقيقي بين دول الإقليم، حيث أن تفاعلها الجماعي في إطار هذه القوة يتوقف على مدى التهديد المباشر الذي يطال أراضيها أو أقاليمها، وهو ما يجعلها تفضل تبني الأعمال الفردية أو الثنائية في مواجهة تهديدات هذه الجماعة، فضلًا عن القيود المالية ولاسيما في إطار المراحل الأولية لها والتي أرجأت من بداية تفعيلها، فعلى الرغم من تسلم الاتحاد الأفريقي الدعم المالي المقدم لهذه القوة من الاتحاد الأوروبي غير أنه لم يصل لمفوضية حوض بحيرة تشاد إلا بعد عامين من بداية القوة عملها في 2015م (أي في عام 2017م)، وهو ما جعل نيجيريا تتحمل نفقات وتكاليف العمليات في هذين العامين[19].

  • مبادرة التعاون الإقليمي للتخلص من جيش الرب للمقاومة (RCI-LRA)

 Regional Cooperation Initiative for the Elimination of the Lord’s Resistance Army

تعد بمثابة الإطار الحاكم للاستجابة الأفريقية المشتركة لمواجهة جيش الرب للمقاومة، والذي يعد بمثابة أحد أبرز التنظيمات أو الجماعات الإرهابية العابرة للحدود في إطار إقليم وسط أفريقيا، وقد تبلورت بالأساس في شمال أوغندا من خلال (جوزيف كوني) وذلك في عام 1987م، ومارست أنشطة إرهابية بالأساس في أوغندا ودول مجاورة لها وهي (جمهورية أفريقيا الوسطى، جمهورية الكونغو الديمقراطية، جنوب السودان)، وتعود جذور تبني هذه المبادرة إلى مؤتمر الاتحاد الأفريقي المُنعقد في (طرابلس) في 31 أغسطس 2009م، والذي دعا فيه الدول الأعضاء من أجل تجديد جهودها بما فيها الحل العسكري، وذلك من أجل تقويض عمليات جيش الرب للمقاومة.

وتلى ذلك طلب مؤتمر الاتحاد الأفريقي من مفوضية الاتحاد الأفريقي تسهيل تنسيق التحرك الإقليمي من أجل مقاومة جيش الرب للمقاومة وذلك في 27 يوليو 2010م، وبالفعل عقدت المفوضية أكثر من اجتماع إلى أن تم تبني هذه المبادرة من قِبل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في 22 نوفمبر 2011م، ويكمن التفويض الممنوح لهذه المبادرة في تقوية القدرات الخاصة بالدول المتضررة من جيش الرب للمقاومة، وذلك بهدف التخلص من هذا الفصيل وخلق أوضاع تقود إلى تحقيق الاستقرار في هذه الدول وتسهيل توزيع المساعدات الإنسانية على سكانها[20]، وتتكون هذه المبادرة (RCI-LRA) من ثلاث مكونات رئيسية، وهي[21]:

  • آلية التنسيق المشتركة Joint Coordination Mechanism (JCM): يترأسها مفوض الاتحاد الأفريقي للسلم والأمن، وتتكون من وزراء دفاع الدول المُتأثرة بعمليات جيش الرب للمقاومة، فضلًا عن هيكل خاص لتنسيق جهود الاتحاد الأفريقي مع هذه الدول المتأثرة على المستوى الاستراتيجي، وقد افتتح الاتحاد الأفريقي مقر الأمانة الخاصة بها في مدينة (بانجي) في مارس 2012م، وقد عقدت هذه الآلية الاجتماع الوزاري الأول لها في 8 مايو 2012م ، والذي تم خلاله تبني الأطر الزمنية والإجراءات المتعلقة بتفعيل قوة المهام الإقليمية، كما تم الاتفاق خلاله على أن تعقد مفوضية الاتحاد الأفريقي منتدي لدعم مبادرة التعاون الإقليمي للتخلص من جيش الرب للمقاومة (RCI-LRA)، والذي يشمل الدول الإقليمية ودول أفريقية أخرى المهتمة بالأمر والشركاء على المستوى الثنائي ومتعدد الأطراف، وذلك من أجل حشد وتعبئة الدعم اللازم لنجاح المبادرة[22].
  • قوة المهام الإقليمية Regional Task Force (RTF): تعد بمثابة المكون العسكري للمبادرة، والتي تتكون من نحو (5) آلاف كحد أقصى من القوات التابعة للدول المُشاركة، وأطلقت رسميًا مع مطلع عام 2012م، وتقع المقرات المركزية لها في مدينة (يامبيو) في جنوب السودان، وقد تم تقسيم جيوش الدول المشاركة في إطار هذه القوة إلى ثلاث مناطق عملياتية، أما الأولى فتقع في جمهورية أفريقيا الوسطى وتقودها قوة دفاع الشعب الأوغندي (UPDF)، بينما الثانية فتتمركز في جنوب السودان ويقودها الجيش الشعبي لتحرير السودان ((SPLA، في حين تقع الثالثة في جمهورية الكونغو الديمقراطية وتقودها القوات المسلحة لجمهورية الكونغو الديمقراطية (FARDC)، ويتكون العدد الإجمالي لهذه القوة منذ بداية تفعيلها من (3085) عنصرًا، حيث ساهمت أوغندا بنحو (2000) عنصرًا ونحو (500) عنصر لكل من جنوب السودان وجهورية الكونغو الديمقراطية، وأفريقيا الوسطى بنحو (85) عنصرًا.
  • مقرات قوة المهام المشتركة Headquarters of the RTF: تشمل مركز العمليات المشتركة، والذي يضم هيئة الضباط التابعين للدول المتضررة أو المتأثرة بعمليات جيش الرب للمقاومة.

وعلى الرغم من تمكن هذه القوة منذ بداية عملها من تقليص قدرة جيش الرب للمقاومة على الهجوم والتأثير على المدنيين وتقليل المناطق المتأثرة بشدة بعمليات جيش الرب للمقاومة، غير أن مساهمتها تأثرت بعدم كفاية المعدات والدعم اللوجستي وذلك بالرغم من وجود مساعدات خارجية في هذا الصدد، ضعف التنسيق والاتصالات بين وحدات الدول المشاركة فيها من قبيل صعوبة التواصل بين الضباط المتحدثين باللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية، كما أن قادة الوحدات كانوا يعملوا بشكل مستقل بعيدًا عن التنسيق مع المقرات المركزية للقوة في مدينة (يامبيو) في جنوب السودان.

ويضاف لما سبق كون أن آلية التنسيق والمشاركة المخابراتية والمتمثلة بالأساس في مركز العمليات المخابراتية المشتركة Joint Intelligence Operations Centre (JIOC) والذي تقوده الأمم المتحدة ويقع في مدينة (دونجو) في جمهورية الكونغو الديمقراطية ليس جزءًا أو مكونًا في قوة المهام الإقليمية (RTF) ومن ثم فإنه لا يمتلك القدرة على صنع القرار بطبيعة الحال، فضلًا عن تلقي العناصر المشاركة في هذه القوة التعليمات من كل دولة من الدول التابعة لها على حدي بعيدًا عن التنسيق تحت مظلة الاتحاد الأفريقي وذلك بفعل عدم اتاحة الأخير التمويل اللازم لعملها، وهو ما دفع وحدات هذه الدول لاعتبار ذاتها غير تابعة للاتحاد الأفريقي، ومن ثم فإن هذه القوة باتت لا تعدو كونها أكثر من ترتيب موسع لعمليات عسكرية فردية لكل دولة مشاركة في إطارها، والتي يسعى كل منها لهزيمة جيش الرب للمقاومة بالقوة[23].

  • بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (AMISOM)

African Union Mission in Somali

تجسد هذه البعثة الاستجابة الأفريقية المشتركة لمواجهة حركة الشباب المجاهدين والتي كانت بمثابة أبرز المليشيات المكونة للجناح العسكري لاتحاد المحاكم الإسلامية (ICU) Islamic Courts Union والمنشقة عنه في ديسمبر 2006م، ويعد هذا الاتحاد بمثابة اتحاد للمحاكم الإسلامية المحلية والعشائرية والذي تأسس في جنوب الصومال في عام 2004م، وتمكن من فرض سيطرته على الصومال في يونيو عام 2006م، وقام بتغيير اسمه إلى المجلس الصومالي للمحاكم الإسلامية العليا Somali Supreme Islamic Courts Council (SSICC)[24].

وقد ارتبطت حركة الشباب المجاهدين بعلاقات وثيقة مع تنظيم القاعدة منذ أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين[25]، وتسعى الحركة للسيطرة على الأراضي الصومالية لإقامة دولة جديدة تحكم وفق تفسيرها الصارم للشريعة الإسلامية، وتمثل أحد الجماعات الإرهابية العابرة للحدود في أفريقيا، حيث لديها أنشطة إرهابية في دول مجاورة للصومال من قبيل كينيا وإثيوبيا وأوغندا، وتحمل الحركة عدة تسميات لعل من أهمها “حزب الشباب”، “حركة الشباب المجاهدين”، “حركة الشباب في الصومال”، “حركة الشباب الإسلامي”، فضلًا عن “جناح الشباب”[26]، وتُصنف من بين أخطر وأكثر الجماعات دموية في العالم في عام 2019م، وذلك وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي الصادر في عام 2020م[27].

وتعد بعثة “أميصوم” بمثابة أحد بعثات دعم السلم الحالية التابعة للاتحاد الأفريقي، والتي نشأت من قبل مجلس السلم والأمن الأفريقي وذلك في 19 يناير 2007م، وقد فوض مجلس الأمن الدولي الاتحاد الأفريقي بنشر هذه البعثة لمدة ستة أشهر وذلك بناءً على القرار رقم (1744) الصادر في 20 فبراير 2007م، وقد تم تجديد التفويض الممنوح لهذه البعثة باستمرار وصولًا لنهاية العام الجاري (31 ديسمبر 2021م) وفقًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم (2568) الصادر في 12مارس 2021م[28]، وقد حلت هذه البعثة محل بعثة دعم السلم التابعة للهيئة الحكومية للتنمية (IGASOM)، والتي كانت قد تشكلت من قِبل الاتحاد الأفريقي في سبتمبر 2006م وبموافقة من قِبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وذلك لأسباب تتعلق بتامي النفوذ والسيطرة المتعلقة باتحاد المحاكم الإسلامية في إطار العاصمة الصومالية (مقديشيو) منذ منتصف عام 2006م.

ويكمن التفويض الممنوح لهذه البعثة في بعض المهام ولعل من أبرزها تقليص التهديد المرتبط بجماعة الشباب المجاهدين وجماعات المعارضة المسلحة الأخرى، توفير البيئة الآمنة لإتمام العملية السياسية على كافة المستويات وجهود تحقيق الاستقرار والمصالحة وبناء السلم، المساعدة والمعاونة وتوفير الحماية للسلطات الصومالية من أجل تمكينها من القيام بوظائفها وتوفير الأمن للمنشآت الحيوية في الدولة وذلك من أجل تحقيق التمكين التدريجي لقوات الأمن الصومالي من تحمل مسئوليات الأمن الواقعة على كاهل بعثة “أميصوم”، فضلًا عن تأمين طرق الإمداد الرئيسية الضرورية لتحسين الأوضاع الإنسانية واللازمة لتقديم الدعم الفني للبعثة[29].

ويشارك في إطار هذه البعثة نحو تسع دول أفريقية بقوات عسكرية وشرطية، وتتمثل هذه الدول في كل من (أوغندا، زامبيا، بوروندي، كينيا، جيبوتي، إثيوبيا، نيجيريا، سيراليون، غانا)، وينتمي أكثر من نصفهم إلى إقليم شرق أفريقيا، ويبلغ القوام العددي لها (19926) عنصرًا، وتعد أوغندا بمثابة المساهم الأول ضمن بعثة حفظ السلم في الصومال، حيث نشرت القوات العسكرية التابعة لها في مارس 2007م والقوات الشرطية في عام 2010م، وتعد بمثابة المساهم الأكبر من المنظور العددي في البعثة، حيث أن لديها نحو (6223) عنصرًا من القوات العسكرية، والمتمركزين بالأساس في إطار العاصمة الصومالية (مقديشيو) وأقاليم (شابيل) الوسطى والسفلى ولديها نحو (12) مجموعة قتالية في إطار مناطق العمليات الخاصة بالبعثة[30].

ويمكن القول: إن هذه البعثة بوجه عام تمكنت من تحقيق بعض النجاحات ولعل من أهمها تسهيل انسحاب القوات الإثيوبية -التي تدخلت في الصومال في نهاية العام 2006 لمساندة الحكومة الصومالية في مواجهة اتحاد المحاكم الاسلامية- من الصومال في يناير 2009، تقليص المناطق الخاضعة لسيطرة حركة الشباب وتوسع نطاق البعثة خارج مقديشو ودمج قوات جديدة من كينيا وجيبوتي في عام 2012، تسهيل عملية إنشاء إدارات إقليمية جديدة في جنوب وسط الصومال من قبيل إدارة جوبالاند في عام 2013، إدارة المنطقة الجنوبية الغربية في عام 2014، إدارة غالمودوغ في عام 2015 ، وإدارة هيرشابيل في عام 2016، الأمر الذي من شأنه أن يسهل من بناء نظام حكم فيدرالي، فضلًا عن توفير الأساس الأمني الذي مكّن معظم الأوساط الدبلوماسية والإنسانية الدولية من العمل خارج مقديشو وتحديدًا في جنوب ووسط الصومال مما أتاح إيلاء مزيد من الاهتمام للصومال في العديد من المحافل الدولية[31].

وعلى الرغم مما سبق غير أن ثمة جملة من التحديات المعرقلة لعمل هذه البعثة ولعل من أهمها عدم استغلال النخب الصومالية الحيز السياسي الذي ساعدت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال في تيسيره لإنهاء الانقسامات الداخلية بين الحكومة والمعارضة السياسية، والتي أدت إلى نتائج ذات تداعيات سلبية على المشهد الداخلي في الصومال ولعل آخرها إعلان الرئيس الصومالي “محمد عبد الله فرماجو” إلغاء الانتخابات البرلمانية المقررة في نوفمبر 2020 وهو ما انعكس على تأجيل الانتخابات الرئاسية عن موعدها الدستوري[32]، يضاف لذلك قيام إثيوبيا بسحب نحو (3) آلاف عنصرًا من قواتها المستقلة الكائنة في الصومال وذلك لاحتياجها لهذه العناصر العسكرية في تعاملها مع أزمة الصراع في إقليم تيجراي التي اندلعت في نوفمبر 2020م، وتتواجد هذه القوات إلى جانب القوات الإثيوبية الأخرى المشاركة في إطار بعثة “أميصوم”.

وتعد القوات الإثيوبية المستقلة أو المشاركة في إطار هذه البعثة بمثابة فاعل مؤثر في الواقع الداخلي الصومالي، ذلك أن ثقلها العسكري يفوق إلى حد كبير ثقل عناصر الجيش الوطني الصومالي (SNA) والشرطة الوطنية الصومالية (SPN)، وهو ما سيؤثر سلبًا على الاستقرار الداخلي في الصومال، حيث قد يسمح ذلك لحركة الشباب المجاهدين بإعادة تجميع صفوفها والاستفادة من الفراغ الأمني لتعزيز أنشطتها في الصومال أو خارجها، وهو ما سيؤثر على قدرة بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال على أداء مهامها، والتي من المقرر أن تنهي مهمتها رسميًا وتقوم بنقل مسؤولياتها إلى قوات الأمن الصومالية بحلول نهاية 2021م[33].

ويعزز من صعوبة الموقف أمام هذه البعثة وجود احتمالية لقيام دول أخرى بسحب قواتها المشاركة في إطارها وعلى رأسها كينيا، والتي تحتفظ بعلاقات متوترة مع الصومال وذلك على خلفية النزاع البحري القائم بين الدولتين منذ عام 2009م، ويضاف إلى ذلك قيام الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس السابق “دونالد ترامب” بتبني قرار بسحب قوات العمليات الخاصة وإعادة توجيهها إلى قواعد عسكرية في شرق أفريقيا وذلك في 4 ديسمبر 2020م، وهو ما سيؤثر بشكل غير مباشر على عمل هذه البعثة، ذلك كون أن هذه القوات الأمريكية كانت معنية بتوفير التدريب والاستشارات والمساعدة للقوات الحكومية المحلية، ويصل عددها إلى نحو (700) عنصر[34].

  • مبادرة أكرا لمواجهة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي

تعد بمثابة أحد أطر الاستجابة الأفريقية المشتركة للتعامل مع الإرهاب في منطقة الساحل ويكمن الهدف الرئيسي منها في منع انتشار الإرهاب في منطقة الساحل والتصدي للجريمة المنظمة العابرة للحدود والتطرف العنيف في المناطق الحدودية للبلدان الأعضاء، وتعتبر بمثابة آلية أمنية تعاونية تم إطلاقها من قِبل كل من (بنين، بوركينا فاسو، ساحل العاج، غانا وتوغو)، وذلك في سبتمبر 2017، وقد تم قبول مالي والنيجر كمراقبين في ذات العام وذلك لقربهما من الدول الساحلية وخبرة كل منهما في مواجهة الإرهاب، وتعمل مبادرة أكرا بالاعتماد على أمانة عامة دائمة للأمن القومي مقرها في “أكرا” ونقاط اتصال في كل من الدول الأعضاء[35].

وترتكز المبادرة على ثلاث ركائز أساسية متمثلة في تبادل المعلومات والاستخبارات، تدريب أفراد الأمن والاستخبارات، فضلًا عن إجراء عمليات عسكرية مشتركة عبر الحدود، وُتعقد الاجتماعات المتعلقة بالمبادرة على مستويين أما الأول فيتمثل في اجتماعات على مستوى رؤساء أجهزة الأمن والاستخبارات بشكل ربع سنوي، بينما يكمن الثاني في اجتماعات على مستوى الوزراء الحكوميين المسؤولين عن الأمن[36]، وقد قامت هذه المبادرة بتنفيذ عملية أمنية مشتركة عُرفت باسم” كودانلغو الأولى” (Koudanlgou I) من قبل كل من (بوركينا فاسو، غانا، توغو) وشاركت بنين بصفة مراقب وذلك في مايو 2018م، كما نفذت عملية “كودانلغو الثانية” (Koudanlgou II) من قبل كل من (بوركينا فاسو، غانا، وكوت ديفوار) وشاركت مالي بصفة مراقب وذلك في نوفمبر 2018م، في حين تم تنفيذ “عملية كودانلغو الثالثة” (Koudanlgou III) من قبل (توغو، غانا)، وقد نتج عنهم اعتقال عدد كبير من عناصر للجماعات الإرهابية ومصادرة أسلحتهم، بالإضافة إلى عقد تدريب للأفراد في كوت ديفوار في عام 2020م[37].

ويمكن القول بوجود جملة من نقاط القوة لهذه المبادرة وهي أنها لا تعتمد على هيكل إداري ضخم حيث تعتمد على منسق مركزي في الأمانة الدائمة في غانا وجهات تنسيق في كل من الدول الأعضاء، الأمر الذي من شأنه أن يقلل من القيود البيروقراطية ويسهل من عملية التواصل والتعاون بين الدول الأعضاء، ومساهمة الاجتماعات الدورية لرؤساء الأمن والاستخبارات بشكل كبير في بناء الثقة بين الدول الأعضاء، فضلًا عن التمسك بأن تكون المبادرة بمثابة مبادرة أفريقية خالصة بحيث يتم تمويلها من قِبل الدول الأعضاء وعدم الاعتماد على التمويل الخارجي وهو ما يمنحها الاستقلالية السياسية اللازمة لنجاح عملها.

ويمكن رصد جملة من التحديات التي تواجه المبادرة ولعل من أهمها محدودية النطاق الزماني والمكاني للعمليات العسكرية، ومحدودية القدرات الاستخباراتية للدول الأعضاء مما يؤدي إلى ضعف تتبع حركة الجماعات المتطرفة والسيطرة عليها بشكل فعال عبر حدودها، فضلًا عن العوائق المتعلقة بتباين اللغات المستخدمة بين الدول، مثل غانا الناطقة بالإنجليزية ونظرائها الناطقين بالفرنسية والتي أعاقت في كثير من الأحيان التواصل الفعال بينهم[38].

رابعًا: رؤية تقييمية للاستجابة الأفريقية المشتركة لمكافحة الإرهاب العابر للحدود

يمكن القول إنه على الرغم من وجود بعض المبادرات الأفريقية المشتركة لمكافحة الإرهاب العابر للحدود على النحو السابق الإشارة إليه، والتي تمكنت من تحقيق حالة من النجاح النسبي من منظور تحسين الموقف الأمني في الدول التي تتمركز فيها الجماعات الإرهابية العابرة للحدود أو المتأثرة بأنشطتها وعملياتها وذلك عبر تعزيز سلطة وسيطرة الحكومات المركزية وتقليص التهديدات والمخاطر المختلفة لهذه الجماعات، غير أنه يلاحظ أن الاستجابة الأفريقية في هذا الشأن تعد محدودة للغاية بالمقارنة بالاستجابة الخارجية غير الأفريقية (الدولية)، والتي تبلورت عبر جملة من الأطر والمبادرات التي دشنتها القوى الدولية ولاسيما في إطار المرحلة التالية على أحداث الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001م.

وتأتي الولايات المتحدة الأمريكية على رأس هذه القوى الدولية في هذا الشأن، إذ أن لديها العديد من المبادرات من قبيل “قوة المهام المشتركة للقرن الأفريقي” (CJTF-HOA) في أكتوبر 2002م الكائنة في القاعدة الأمريكية المعروفة باسم “ليمونيه” بجيبوتي منذ مايو 2003م[39]، و”مبادرة عبر الساحل” (PSI) في نوفمبر 2003م، و”مبادرة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء” (TSCTI) في يناير 2005م، فضلًا عن “الشراكة من أجل مكافحة الإرهاب في إقليم شرق أفريقيا” (PREACT) في عام 2009[40]، وكذلك فرنسا تعد من بين القوى الدولية التي لديها عدد من المبادرات في هذا الشأن من قبيل “القوة المشتركة لدول الساحل الأفريقي” (G5) والتي تم توقيع الاتفاقية المنشئة لها في ديسمبر 2014م[41]، وكان قد سبقها تدشين عمليتي “سرفال” و”برخان” في يناير 2013م وأغسطس 2014م على التوالي[42]، بالإضافة إلى تدشين آلية “التحالف من أجل الساحل” في 13 يناير 2020م[43].

ويمكن تفسير محدودية تأثير الاستجابة الأفريقية من جانب وغلبة الاستجابة الدولية لمكافحة الإرهاب العابر للحدود في أفريقيا من جانب آخر في ضوء جملة من العوامل الرئيسية، ولعل من أبرزها ما يلي:

  • محدودية الموارد المالية المتاحة لدى الدول الأفريقية سواء على مستوى الاتحاد الأفريقي أو التجمعات الاقتصادية الإقليمية اللازمة لجهود مكافحة الإرهاب، وهو ما يدفع باتجاه الاعتماد على التمويل الخارجي المدفوع بمنظومة المصالح الذاتية للجهات أو الأطراف المانحة، حيث يعد الاتحاد الأوروبي عبر مرفق السلام الأفريقي بمثابة المساهم الأكبر في عمليات دعم السلام الأفريقية وتفعيل بناء السلم والأمن الأفريقي (APSA)، حيث قدم ما يزيد عن (2,7) مليار يورو منذ عام 2004م[44].
  • التباين والاختلاف بشأن قدرات الدول ومستوى الإرادة السياسية اللازمة لدعم التنسيق البيني المشترك بشأن المبادرات الأفريقية المتعلقة بمنع ومكافحة الإرهاب، حيث أن تفاعل وانخراط الدول تجاه هذه المبادرات يتوقف على مدى ومستوى تأثرها بالتهديدات والمخاطر الإرهابية التي تطال أقاليمها، فعلى سبيل المثال استشراء الجماعات الإرهابية العابرة للحدود في أقاليم الشمال والشرق والغرب والوسط في أفريقيا يدفع دول هذه الأقاليم للاهتمام بتطوير استراتيجيات وطنية أو دعم الاستراتيجيات الإقليمية القارية والفرعية المعنية بمنع ومكافحة الإرهاب، وذلك على النقيض من حالة إقليم الجنوب، والذي يوجد لدى دوله مدركات منخفضة بشان التهديدات الإرهابية، وهو ما يؤثر بدوره على تطوير إطار استراتيجي قاري شامل لمواجهة الإرهاب في أفريقيا[45].
  • محدودية التنسيق والتعاون الكلي والتام -على الرغم من وجود أطر قانونية عديدة تحكم ذلك- بين الاتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمي الفرعية بشأن منع ومكافحة الإرهاب، وهو ما قد يجعل الطابع التنافسي يسيطر على العلاقة بين الطرفين حيال التعامل مع التهديدات الإرهابية في القارة، على نحو ما حدث بين إيكواس والاتحاد الأفريقي بشأن التعامل مع الجماعات الإرهابية التي ظهرت في مالي عقب بداية الصراع الداخلي في أبريل 2012م، وذلك على خلفية الانتقال من بعثة إيكواس في مالي (MICEMA) إلى بعثة الدعم الدولية في مالي بقيادة أفريقية (AFISMA)[46].

وتطرح الرؤية المستقبلية لتعزيز الاستجابة الأفريقية المشتركة لمكافحة الإرهاب التركيز على عدة جوانب رئيسية، ولعل من أبرزها تجاوز الاقتراب التقليدي القائم على المواجهة العسكرية بحيث تستند إلى اقتراب شامل يرتكز على تبني إجراءات وقائية تعالج المسببات الهيكلية المحفزة لوجود التطرف والإرهاب، وتبني الإجراءات المعنية بتفعيل كافة الأطر القانونية والمؤسسية القارية والإقليمية الفرعية المعنية بمنع ومكافحة الإرهاب، وإتاحة الموارد المادية والتكنولوجية والبشرية والمعلوماتية اللازمة لمنع ومكافحة الإرهاب العابر للحدود عبر تعزيز التعاون المشترك بين الدول الأفريقية لتقليل الاعتماد على الخارج في هذا الشأن، فضلًا عن تعزيز التنسيق والتعاون بين الأطر المؤسسية الأفريقية (على رأسها مجلس السلم والأمن الأفريقي) والدولية (على رأسها مجلس الأمن الدولي) المعنية بمنع ومكافحة الإرهاب.


[1]– United Nations , United Nations General Assembly adopts Global Counter-Terrorism Strategy , Available at : https://bit.ly/3uV8gEs

[2]– African Union, The African Union Counter Terrorism Framework, Available at: https://bit.ly/3mV0BmD

[3] – OAU, Convention on the Prevention and Combating of Terrorism , Algiers on 14 July 1999 , Articles:1,5.

[4]-African union, Plan of action of the African union high-level inter-governmental meeting on the prevention and combating of terrorism in Africa (Algeria, 11-14 September 2002) pp:8-9

[5] – African Union, Protocol to the OAU convention on the prevention and combating of terrorism, Addis Ababa, 8 July. 2004, Articles:4-6.

[6] – African Union , The African model anti-terrorism law ( Malabo, 30 June – 1 July 2011)

[7] – SADC , Declaration On Terrorism (Blantyre, Jan. 2002).

[8]– IGAD, IGAD Security Sector Program: Background, Available at: https://bit.ly/3nbI5qg

[9] – ECOWAS, ECOWAS political declaration and common position against terrorism (Yamoussoukro: 28 February 2013).

[10] – Institute for African Studies, “Counter-terrorism in Africa must adapt to new realities”, Available at: https://bit.ly/3szXP7D

[11] – The Institute for Economics and Peace, Global Terrorism Index 2015 (Australia: IEP, Nov.2015) p.41

[12]Idem

[13] – Institute for Economics & Peace, Global Terrorism Index 2020: Measuring the Impact of Terrorism, (Sydney, November 2020) p.16

[14] – David Doukhan, Multinational Joint Task Force (MNJTF) against Boko Haram – Reflections ( International Institute for Counter terrorism , December 2020) p.1

[15] – African Union, Peace and Security Council, Report of the chairperson of the commission on regional and international Efforts to combat the boko haram terrorist group and the way forward, Addis Ababa, Ethiopia, 29 Jan. 2015 , pp:3-4

[16] – William Assanvo and (Others) , Assessing the Multinational Joint Task Force against Boko Haram ( Institute For Security Studies , Issue.19 , Sep.2016) p.6

[17]Ibid., pp:2-3 , 7-10.

[18] – African Union, “The Africa EU Partnership: Projects”, Available at: https://bit.ly/3uUfHf3

[19] – DW, “Regional armies in Africa must ‘share intelligence’ to defeat Boko Haram: ICG”, Available at: https://bit.ly/3apQNMr

[20] – African Union , 3rd Ministerial Meeting of the Regional Cooperation Initiative for the Elimination of the Lord’s Resistance Army (RCI-LRA), Available at : https://bit.ly/3uYDF8Z

[21] – African Union, AU Handbook 2020 “Silencing the Guns: creating conductive conditions for Africa’s development” (Addis Ababa & Wellington: African Union Commission and New Zealand Ministry of Foreign Affairs and Trade ,2020 ) p.89

[22] – African Union, 3rd Ministerial Meeting of the Regional Cooperation Initiative for the Elimination of the Lord’s Resistance Army (RCI-LRA), Op.Cit.

[23] – Ben Shepherd , In New Light: protection of civilians, the Lord’s Resistance Army and the African Union Regional Task Force ( London : Conciliation Resources ,  May.2015) p.6,7,9.

[24]– Britannica, “ Al-Shabaab: Somali-based militant group”, available at: https://bit.ly/32w8Ts0

[25]–  Stanford University: Center for International Security and Cooperation (CISAC),“Al Shabaab is an affiliate organization of Al Qaeda based in Somalia”, available at: https://stanford.io/3dDOI1H

[26]– Australian National Security, “Terrorist organisations: Al-Shabaab”, available at: https://bit.ly/32vPOWA

[27] – Institute for Economics & Peace, Op.Cit.,p.14

[28] – UN, “Security Council Reauthorizes African Union Mission in Somalia, Unanimously Adopting Resolution 2568 (2021)” Available at: https://bit.ly/3go4CPw

[29] – African Union , African Union Mission in Somalia (AMISOM) , Available at : http://amisom-au.org/amisom-background/

[30]Idem

[31]-Global Observatory,The Positive Impacts and Challenges Facing the African Union Mission in Somalia” ,Available at : https://bit.ly/3elz1ej

[32] -Atalayar, “Somalia elections postponed”, 7 February 2021, Available at:  https://bit.ly/3dArj0T

[33]– “Regional conflicts add to Somalia’s security concerns”, 17 Dec 2020, Available at: https://bit.ly/2QSacyz

[34]-“Trump orders withdrawal of US troops from Somalia ”, 5 December 2020, Available at: https://bbc.in/3gxaS7y

[35]– European Council on Foreign Relations, “Accra initiative”, Available at: https://bit.ly/3tK9Qc9

[36] – Sampson Kwarkye and Others, ”Can the Accra Initiative prevent terrorism in West African coastal states?”, Institute for Security Studies, Available at: https://bit.ly/3tLDxJO

[37] – European Council on Foreign Relations, Op.Cit.

[38]– Sampson Kwarkye and Others, Op.Cit.

[39] – United states Africa Command, “Combined Joint Task Force – Horn of Africa”, Available at: https://bit.ly/3vg5Nol

[40] – US Department of State, “Bureau of counter terrorism: programs and initiatives”, Available at: https://bit.ly/3avivaG

[41] African Union, Peace and Security Council, Peace And Security Council 679th meeting, Addis Ababa, Ethiopia, 13 April. 2017 , P.1

[42]– Finable: European Army Interoperability Centre ,“External Operations and Civil-Military Relations: Questioning Representation in the Case of Barkhane”, 17 February 2021, Available at: https://bit.ly/3tVqPIg

[43] – Ministry for Europe and Foreign Affairs, “The International Coalition for the Sahel”, Available at: https://bit.ly/32NBWXP

[44] – African Union, “The Africa-Eu Partnership: Financing the partnership”, Available at: https://bit.ly/3sHpQKx

[45] – Anneli Botha, “Challenges in Understanding Terrorism in Africa”, in Wafula Okumu and Anneli Botha (Ed.s), Understanding Terrorism in Africa Building Bridges and Overcoming the Gaps (Pretoria : Institute for Security Studies, 2008) p.18

[46] – Simone Haysom, “Security and humanitarian crisis in Mali: The role of regional organisations”, HPG Working Paper (London: Humanitarian Policy Group, Overseas Development Institute,  2014) p.4,10.

error: كل الحقوق محفوظة!!