كتبت – أماني ربيع

مثل القرن العشرين بداية جديدة في مسيرة ذوي البشرة السوداء من الأفارقة سواء في الشتات أو داخل القارة الأم، جاء القرن الجديد حاملًا معه رياح التغيير والتحرر، ليس اجتماعيًّا وسياسيًّا على الأقل في النصف الأول منه، لكن فنيًّا وموسيقيًّا، وهو الأمر الذي ربما غذى حركات النضال والتحرر للخلاص من الاستعمار البغيض.

بدأ وعي الأفارقة بهويتهم يتشكل ويظهر في صورة أشعار وأغاني، إنهم الآن يبحثون صوتهم الخاص وألمهم الخاص، ويريدون التعبير عن مشاكلهم وفنهم وتقاليدهم بالكلمات وبالإيقاع، حتى في أمريكا فرض ذوي الأصول الأفريقية نوعهم الموسيقي على الساحة في خضم منافسة كبيرة، ونجحوا في تكوين معجبين كُثر، وامتد تأثيرهم للعالم.

فَهِمَ ذوو البشرة السمراء أخيرًا، أن المقاومة ليست بالقتال والمعارك فحسب؛ فالذاكرة والتذكر أيضًا فعل مقاومة، وحبذا لو كانت الذاكرة محمولة على الأنغام العذبة والألحان الجذابة، يقول الكاتب والصحفي الراحل كامل زهيري -في كتابه “ممنوع الهمس” الذي يروي فيه تفاصيل زيارته لأمريكا- إن ذوي الأصول الأفريقية ببلاد العم سام، تمسكوا بذاكرة الرق القاسي دون وعي، في طريقة السير الراقصة بسبب حفلات التعذيب والضرب بالعصا على الأقدام، الصوت العالي والنبرات المميزة، حيث كان الإقطاعيون البيض يجبرونهم على الكلام بصوت عالٍ، ويمنعونهم من الهمس، خوفًا من تخطيطهم للهروب، فكانوا يصدحون بالغناء وكأنهم يبتهلون صارخين للخلاص خوفًا من سوط الإقطاعي الأبيض.

الموسيقى فعل مقاومة

امتد هذا للأجيال اللاحقة، وأصبح أسلوبًا يميز ذوي البشرة السوداء وطريقة غنائهم، وموسيقاهم التي غلب عليها طابع الحزن الأزرق، فخرج “البلوز”، وكذلك موسيقى الجاز الحماسية، وكأنهم يستدعون حكايات الجدات عن الماضي عن الوطن عن أفريقيا.

وفي القارة السمراء نفسها، كان التفاعل الاجتماعي والسياسي والفني على أشده خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، بعدما بدأت معظم البلدان المستعمرة في جني ثمار أبنائها الوطنيين من المتعلمين الذين حاولوا بكل جهد مكافحة الاستعمار في بلادهم وتحريرها، وأصبحوا أبطالًا في عيون شعوبهم، في ذلك المناخ ظهر إيبو تايلور، أحد كبار الموسيقيين في غانا.

رغم أن شهرته كانت في القرن الماضي، إلا أنه حتى بعد دخول موسيقى “هاي لايف- Highlife”، و”أفروبيت- afrobeat ” إلى المسرح العالمي، بدأ نجوم القرن الجديد من الشباب في استثمار أعمال تايلور وإعادة تقديمها للجماهير، ومنهم المطرب العالمي ونجم موسيق الآر أند بي آشر، وفي عام 2010 قدم “She Don’t Know”، وكذلك مغني الراب لوداكريس، وثنائي الهيب هوب الكندي غيتو كونسيبت، وبدأ تأثير الموسيقار الغاني في الذيوع مجددا مع انتشار موسيقى الغرب الأفريقي بواسطة نجوم منهم درايك.

واللافت، أن تايلور الذي يبلغ الآن 84 عامًا، ما زال محبًّا للغناء بعد كل هذا الزمن، ويدخل الاستوديو من وقت لآخر لتسجيل الأغاني، بحسب موقع سي إن إن الأمريكي.

“العم إيبو”، هكذا يطلق عليه السكان المحليون في سالت بوند، البلدة الغانية الصغيرة التي تعيش على الصيد، وهي مسقط رأسه، حيث يعيش الآن ملتزمًا ببروتوكولات الوقاية من فيروس كوفيد-19، ويسجل في الاستوديو الخاص به هناك أغنيات جديدة لألبومه الثالث خلال عشر سنوات.

ومنذ إصدار ألبومه “الحب والموت” عام 2010 ، وبعد تعاونه مع أكاديمية أفروبيت التي تتخذ من برلين مقراً لها عام 2011 ، ترقت مكان تايلور على المستوى الدولي، وفي عام 2017، احتل نشيد غانا “Come Along” صدارة قوائم تشغيل الدي جي على مستوى العالم، ما جعل الكل يتساءل عن هذا الموسيقار الفريد صاحب الإيقاعات المميزة.

ربما تم اكتشاف تايلور عالميًّا حديثًا، ونال شهرة كان يفترض أن يتمتع بها منذ عقود تليق بمكانة موسيقاه، لكن هذه الشهرة لم تأت من فراغ، وليست وليدة الصدفة أو “التريند” الموسيقي السائد، وإنما هي تتويج لتأثير إيبو تايلور على موسيقى الغرب الأفريقي منذ أوائل الستينيات.

 جذور

ولد تايلور عام 1936، ونشأ وهو يستمع إلى موسيقى “هايلايف”، التي كانت دائمًا في صميم أسلوبه، والتي تدمج عناصر موسيقى الجاز، مع الطرب الراقي التقليدي ليخرج في النهاية أسلوب فريد ومدهش.

وعن إلهامه الموسيقي وأسلوبه الخاص، قال -في مقابلة أجريت معه مؤخرًا- ” كان عازف الساكسفون الرائد بالإضافة إلى البوق، إي تي منساه، وفرقته The Tempos، مصدر إلهامي”.

انضم تايلور إلى  فرقة Stargazers، رفيعة المستوى التي قادها عازف الساكسفون تيدي أوسي وعازف الطبول سول أمارفيو ، اللذان سيُكلفان فيما بعد بتشكيل فرقة الروك الأفرو الأسطورية البريطانية ” Osibisa”.

في عام 1962، وبعد فترة وجيزة من تركه للكلية، انتقل تايلور إلى لندن لدراسة الموسيقى في مدرسة إيريك جيلدر للموسيقى بتمويل من برنامج ثقافي حكومي وضعه الرئيس الغاني في ذلك الوقت كوامي نكروما، الذي حدت غانا بفضل جهوده ورفاقه الوطنيين على استقلال غانا من الحكم البريطاني، وفي لندن التقى تايلور لأول مرة بعازف الساكسفون النيجيري بيتر كينج وأسطورة أفروبيت فيلا كوتي، وتعاونا معًا.

قال تايلور: “اعتاد فيلا على القدوم إلى شقتي في ويلسدن في كثير من الأحيان وكنا نقضي ساعات في العزف والتسجيل، وعندما جاء إلى غانا عام 1967، توجه إلى كيب كوست لرؤيتي وقضينا فترة ما بعد الظهر نتحدث عن الوحدة الأفريقية.”

ينسب تايلور الفضل إلى كوتي في دفعه وآخرين لتأليف موسيقى أفريقية مميزة، موضحًا أن فيلا كوتي، لم يفهم أبدًا سبب حب الأفارقة لعزف الجاز، وقال: “لقد أرادنا فيلا أن نكون أنفسنا، وأن نكون أصليين ونحكي قصصنا الخاصة”.

بعد عودته إلى غانا عام 1965، أصبح تايلور عازف الجيتار في الوطن، ومنظمًا ومنتجًا لشركة التسجيلات الغانية المؤثرة Essiebons، التي أسسها المنتج الموسيقي ديك إسيلفي بوندزي.

 خلال تلك الفترة، سجل تايلور أكثر من 10 ألبومات ووضع بصمته على مشاريع أساطير الموسيقى في غرب إفريقيا مثل بات توماس ، سي. مان وجيدو بلاي أمبوللي، وكانت جودة أستوديو Essiebons وعبقرية تايلور سببًا في تحويل الأستوديو للمكان المفضل للموسيقيين في جميع دول غرب أفريقيا، لكن للأسف، أدت البيئة السياسية والاقتصادية المضطربة في غانا خلال السبعينيات والثمانينيات، التي تميزت بالانقلابات المتعددة بعد الإطاحة بنكروما، إلى خنق تطور صناعة الموسيقى في غانا، ليتوقف معها صعود تايلور إلى النجومية العالمية.

تأثير عالمي

ومع ذلك ، يمكن رؤية تأثير تايلور عبر الأنواع الموسيقية الموجودة اليوم، لا سيما مع ظهور موسيقى أفروبيتس في بدايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث تم دمج أفروبيت وهاي لايف مع موسيقى الرقص الإلكترونية والهيب هوب والريجي.

هذا التأثير لا يراع تايلور مستغربا، بالنظر إلى الموسيقى التي قدمها وزملائه في الماضي يقول: “كانت الموسيقى التي صنعناها موسيقى حقيقية، تجعلك تتوقف وتفكر، وليس غريبًا أن يتواصل الناس الآن أكثر مع أفروبيتس، بعد أن تشربوا عناصر الموسيقى التي صنعناها”.

يعمل تايلور حاليًا على إصداره المرتقب، دون دعم من مساعديه الرئيسيين إسيلفي بوندزي، التي كانت المنتجة التنفيذية لأعمال تايلور طوال مسيرته، وتوني ألين عازف الدرامز النيجيري الأسطوري الذي تعاون معه على نطاق واسع في مشاريعه الأخيرة، للأسف مات الاثنان بفارق أشهر عن بعضهما البعض في وقت سابق من هذا العام، يتذكر إيبو كليهما باعتزاز، وكيف كانت جلسات الاستوديو التي تجمعهم، حيث يتدفق الإلهام والإبداع مثل السحر.

على مدى السنوات القليلة الماضية، قام تايلور بجولات موسيقية واسعة في جميع أنحاء أوروبا مع فرقته سالت بوند سيتي، التي نظمها ابنه روي، ربما لم تعد الجولات ممكنة في الوقت الحالي، لكن إيبو، رغم ذلك، سيستمر في صناعة الموسيقى يقول: “هذا ما أحب أن أفعله، إنه ما أنا عليه”.

ويعتزم الموسيقار الغاني تقديم موسيقاه إلى الجماهير الأصغر سنا، بالتعاون مع مغنيين الراب الغانيين الجدد مثل: إم أنفيست، وريجي روكستون.

مثل بطله نكروما، الذي يعتقد تايلور أنه كان شخصا فريدا بين القادة الأفارقة في الماضي والحاضر، لاهتمامه بمشكلات الرجل العادي، يريد تايلور أن يتذكره الناس كرجل منهم، وليس كنجم موسيقي في برج عاجي يقول: “أريد أن يتم تذكري لموسيقاي وفني، وكرجل عادي اسمه إيبو تايلور”.