كتبت – د. سمر أبوالسعود

باحثة متخصصة في الشئون الأفريقية

الفساد ظاهرة عالمية تعاني منها كافة دول العالم وقاراته، فهو غير مقتصر على دولة دون الأخرى، ولا على قارة دون غيرها، وبرغم ذلك دائمًا ما توصف أفريقيا بأنها قارة فسادٍ بامتياز، ولعل مرجع ذلك إلى أن انتشار وتفشي الفساد في أفريقيا أكبر كثيرًا وأوسع مدىً عن نظيره في باقي أنحاء العالم، فالفساد في أفريقيا يتفشى في كافة قطاعات الدولة ومناحيها بصورة خارجة عن السيطرة. وعلى الرغم من أن توافر الرغبة وربما الجهد في وضع حد للفساد في أفريقيا ومكافحته والقضاء عليه ليس أمرًا مشكوكًا فيه، ولكن توافر الإرادة السياسية الوطنية والدولية الفعلية اللازمة لتنفيذ وتطبيق البرامج التي تستهدف مكافحة الفساد هي المشكلة؛ فعلى المستوى الدولي يتم تهريب أموال وثروات المسئولين الفاسدين في أفريقيا إلى البنوك الأجنبية في الدول المتقدمة، حيث تمثل هذه الأموال والثروات المنهوبة نسبة كبيرة من رأس المال الذي تستخدمه هذه الدول في تحقيق المزيد من النمو والتقدم على حساب الشعوب الأفريقية[1]، أما على المستوى الإقليمي والداخلي، والمتعلق بالإرادة السياسية للدول الأفريقية ذاتها؛ فغالبية الحكومات في الدول الأفريقية ليست فقط عاجزة عن التصدي للفساد المستشري والمنتشر فيها وإنما هي تخافه وتخشاه؛ فالنخب الحاكمة في أفريقيا غالبًا ما تكون إما متورطة في هذا الفساد أو أضعف من أن تتصدى له، خاصةً وأن بقاء واستمرار غالبية هذه النخب مرهون ببقاء الفساد واستمراره، وهو ما انعكس على القوانين والمؤسسات المعنية بمكافحة الفساد في أفريقيا، وجعلها تتسم -في غالبيتها- بالضعف والهشاشة.

وتعاني تنزانيا -شأنها شأن باقي الدول الأفريقية- من تفشي وانتشار الفساد واستفحاله فيها منذ الاستقلال، ولكنها تختلف عنها من حيث كونها استطاعت أن تحقق معدلات كبيرة وملحوظة في مجال مكافحة الفساد والتصدي له، فمؤشر مدركات الفساد* الخاص بتنزانيا يتصاعد بوتيرةٍ دائمة ومستمرة، مما يؤكد على أنها تخطو بقوة إلى الأمام في مجال مكافحة الفساد، خاصة في أعقاب تولي الرئيس الحالي “جون ماجوفولي” الحكم عام 2015، الذي قام بشن حملةٍ واسعةٍ لمكافحة الفساد واجتثاثه من تنزانيا بصورةٍ قويةٍ وحاسمة.

ظهرت تنزانيا للوجود عام 1964 في أعقاب اندماج كل من تنجانيقا وزنزبار معًا في كيانٍ سياسيٍ واحدٍ هو “جمهورية تنجانيقا وزنزبار” والذي تم تغيير اسمه فيما بعد ليصبح “جمهورية تنزانيا الاتحادية”، وكانت كلتا الدولتين من المُستَعمرات البريطانية حتى عام 1961، واستمرت تنزانيا تحت حكم “جوليوس نيريري” منذ إعلان قيامها عام 1964 وحتى عام 1985، وبرغم كل مساوئ حكم “نيريري” في تنزانيا، إلا أنه يُحسب له بعض الإصلاحات التي قام بها، لعل من أبرزها انخفاض نسبة الأمية في تنزانيا؛ فعند توليه الحكم كانت نسبة الأمية في تنزانيا تصل إلى 85%، وفي أعقاب تنحيه مباشرةً كانت هذه النسبة قد انخفضت لتصل إلى 9% فقط، كما انعدمت نسبة تسرب الأطفال من التعليم في عهده، فقد كان جميع الأطفال التنزانيين الذين وصلوا إلى سنّ المدرسة يذهبون إلى المدرسة بالفعل، وهو ما جعل بعض المتخصصين يعتبرون تنزانيا نموذجًا للدول التي تمكنت من تحقيق قدرٍ كبيرٍ من التنمية دون أن يوازي ذلك تحقيق قدرٍ مماثلٍ من النمو الاقتصادي، وأن النمو الاقتصادي هو واحدٌ من عوامل أخرى كثيرة تؤثر في مسار التنمية للدول الأفريقية[2].

أولًا: أبرز ملامح الفساد في تنزانيا:

عانت تنزانيا على مدار تاريخها من غياب الشفافية وآليات المسائلة في المؤسسات والهيئات الحكومية، فقد كانت غالبية الأعمال الحكومية تتسم بالسرية وعدم القابلية للتدقيق والمراجعة، خاصةً عندما تتعلق بكبار المسؤولين الحكوميين السياسيين والإداريين، مما أدى إلى زيادة فرص الفساد بصورةٍ كبيرةٍ، فالإجراءات التي كان يتم اتخاذها بشأن الموظفين العموميين في تنزانيا تخضع بصورةٍ كبيرةٍ للاعتبارات التقديرية، وربما تعد فضيحة فساد عام 2008 أكبر دليلٍ على ذلك، حيث أعلن رئيس الوزراء “إدوار لواسا” هو واثنين من الوزراء استقالتهم إثر ثبوت تورطهم في قضية (مولدات الطاقة الكهربائية)، والتي كانت سببًا في وقوع أزمة الطاقة في تنزانيا عام 2006، وذك عندما وافقوا على تجديد التعاقد مع إحدى الشركات الأمريكية المسئولة عن توريد هذه المولدات بعكس توصيات اللجنة المختصة، وذلك في مقابل حصولهم على عدد من المكاسب الشخصية[3]، ومما يثير الدهشة والتساؤل في هذا الشأن هو “إدوار لواسا” الذي كان يشغل في عهد الرئيس التنزاني الأسبق “علي مويني” منصب وزير الزراعة، كان قد تم إعفاؤه من منصبه لذيوع العديد من المزاعمٍ بتورطه في عددٍ من قضايا الفساد المتعلقة ببيع أراضي الدولة، وعلى الرغم من ذلك تم اختياره فيما بعد رئيسًا للوزراء!

1- تداول السلطة:

    لم يتولّ أي رئيسٍ في تنزانيا الحكم لأكثر من فترتين رئاسيتين منذ عهد “جوليويوس نيريري” وحتى الآن*، وهو ما يوحي بوجود حالة من التداول السلمي للسلطة في تنزانيا، إلا أن هذا التداول لا يتعدى كونه تداولًا صوريًا للسلطة بدرجةٍ كبيرةٍ، فكافة الرؤساء الذين حكموا تنزانيا ينتمون لحزب “تشاما تشا مابيندوزي”، وهو الحزب الحاكم الذي ينتمي له غالبية السياسيين، سواءٌ رؤساء الدولة أو وزراؤها أو أعضاء البرلمان … إلخ[4]، والمهيمن على كافة المؤسسات السياسية في الدولة خاصةً الحكومة والبرلمان، مما أدى إلى أن تصبح المحسوبية والمحاباة هي السلوكيات السائدة بين أعضاء الحكومة والبرلمان، وهو ما ترتب عليه انتشار الفساد السياسي في تنزانيا وتفشيه بشكلٍ كبير بل والتستر عليه، فعلى سبيل المثال لا الحصر لم يتم إدانة أي مسئولٍ ينتمي للحزب الحاكم بأي تهمةٍ تتعلق بالفساد منذ عام 1995 وحتى عام 2012 على الرغم من ثبوت تورط العديد منهم في الكثير من تلك القضايا[5].

2-  العملية الانتخابية:

          يشوب العملية الانتخابية في تنزانيا الكثير من الجدل؛ فدائمًا ما يتم توجيه الاتهامات إلى اللّجان المشرفة على الانتخابات لمحاباتها للحزب الحاكم ومرشحيه وتقديم الدعم لهم خلال العملية الانتخابية، وكثيرًا ما ثَبُتَ استغلال المال العام للتأثير على الناخبين وتوجيه العملية التصويتية لصالح الحزب الحاكم بل ووصل الأمر إلى حدّ تقنين ذلك، ففي عام 2000 صدر ما عرف باسم “قانون الضيافة التقليدية”، وهو قانون ينص على أنه يحق للمرشحين في الانتخابات تقديم الطعام والمشروبات وغيرهما من وسائل الترفيه لمكافئة مؤيديهم، وهو ما يعد انتهاكًا صارخًا لمبدأ تكافؤ الفرص، وعملية شراٍء واضحة وصريحة لأصوات الناخبين بصورةٍ رسمية، خاصةً وأن كافة مرشحي المعارضة لم يكونوا يمتلكون الموارد التي تسمح لهم بمكافأة ناخبيهم[6]،  وعلى الرغم من أنه قد تم وقف العمل بهذا القانون بعد تعرضه للعديد من الانتقادات، إلا أن الكثير من المراقبين يؤكدون على استمرار استخدام هذه الممارسات أثناء الانتخابات في تنزانيا خاصة في المحافظات والأقاليم النائية[7].

3- التوازن بين السلطات:

    تعد هيمنة السلطة التنفيذية في تنزانيا على السلطة التشريعية والقضائية واحدةً من أبرز مظاهر الفساد السياسي فيها، حيث وصل الأمر إلى درجة أن أصبحت السلطة التنفيذية هي العائق الرئيسي الذي تواجهه كافة المحاولات والمبادرات الرامية إلى مكافحة الفساد في تنزانيا، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يتم تعيين مسئولي السلطة القضائية دون الاستناد إلى أي معايير تتعلق بمدى كفاءتهم المهنية، وإنما تستند لولائهم الحزبي وموقعهم من شبكات المصالح بصورةٍ رئيسية، وهؤلاء يمتلكون حصانة من التحقيقات الجنائية مما يتيح لهم ارتكاب المخالفات والانتهاكات دون أي شكلٍ من أشكال المسائلة[8].

4- فساد الجهاز البيروقراطي:

تعاني تنزانيا من القوانين الروتينية المعقدة، والافتقار إلى الكفاءة الإدارية، وهو ما أدى إلى خلق بيئةٍ مواتيةٍ لتفشي الممارسات الفاسدة في الجهاز البيروقراطي لدرجة أن ما يزيد عن 50% من المواطنين المتعاملين مع القطاع العام أكدوا على أنهم قاموا بتقديم رشوةٍ للحصول على الخدمات التي يحتاجون إليها، كما صرَّحت الحكومة التنزانية بأن الفساد مسئولٌ عن خسارة 20% من الميزانية الحكومية، فعلى سبيل المثال أبدت هيئة تنظيم المشتريات العامة في تنزانيا في أعقاب مراجعة الحسابات الخاصة بعددٍ من المشروعات البالغ عددها 136 مشروعًا تخوُّفها وقلقها الشديدين من جرَّاء ما وجدته من احتيالٍ وفسادِ في المحليات أدى إلى إهدارٍ شديدٍ للمال العام.

وتعد عملية استخراج التصاريح والتراخيص في تنزانيا من أكثر العقبات التي تواجه المستثمرين المحلِّيين والأجانب وتُعيق عمليات التنمية، فالبيروقراطية الحكومية والإجراءات الروتينية اللازمة لاستخراج التراخيص والتصاريح من هيئة الموانئ التنزانية تُشكِّل العقبة الرئيسية أمام المستوردين، فعلى سبيل المثال حصلت تنزانيا على المركز 132 من أصل 148 في إحدى الاستطلاعات التي تم من خلالها سؤال الشركات الخاصة العاملة في تنزانيا عما إذا كانت قد قدمت رشاوى أو رسومٍ إضافيةٍ غير موّثقةٍ للهيئات والمؤسسات الحكومية من أجل تسهيل أعمالها عام 2014، أي أنها في مركز متدني للغاية فيما يتعلق بمكافحة الفساد البيروقراطي[9].

ثانيًا: آليات مكافحة الفساد في تنزانيا:

أُنشئت أقدم لجنةٍ من لجان مكافحة الفساد في أفريقيا في تنزانيا عام 1968، وبحلول عام 1995 تم تعزيز جهود مكافحة الفساد في تنزانيا عندما أعلن الرئيس المنتخب حديثًا وقتها “بنجامين مكابا” الحرب على الفساد، حيث اتخذ عدد من الخطوات في هذا السياق شملت تشكيل لجنةٍ رئاسيةٍ لمكافحة الفساد تختص بتقييم حالة الفساد في الدولة وصياغة التوصيات بشأنها، وهي اللجنة التي أصدرت تقريرها الشهير المعروف باسم تقرير “Warioba”، وفي عام 2005 جدد الرئيس الجديد “جاكايا كيكويتي” التزامه بالاستمرار في جهود مكافحة الفساد التي بدأها سلفه[10]، ومع تولي “جون ماجوفلي” السلطة في عام 2015 أُطلق عليه لقب “قاهر الفساد” نتيجةٌ للإجراءات الجذرية التي قام بها في مجال مكافحة الفساد في تنزانيا.

1- قوانين مكافحة الفساد في تنزانيا:

أ) قانون منع الفساد 1971: هذا القانون يعد بمثابة الجوهر الذي يستند عليه الإطار القانوني لمكافحة الفساد في تنزانيا، وقد تم تعديل هذا القانون لأول مرة عام 2002، ثم تم تعديله مرةً أخرى في عام 2007 ليتوافق مع النصوص الواردة في اتفاقيتي الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لمكافحة الفساد، حيث أُدرجت ضمنه جرائم الفساد المتعلقة بالقطاع الخاص[11].

ب) قانون رقم (13) لعام 1995: صدر هذا القانون ليحكم سلوكيات وأخلاق ذوي المناصب القيادية، حيث نصَّ القانون على ضرورة التزام ذوي المناصب القيادية في تنزانيا بأعلى المعايير الأخلاقية والسلوكية، وتضمن القانون المسائل المتعلقة بتقديم ذوي المناصب القيادية لإقرار الذمة المالية السنوي لهم، فضلًا عن أنه حدد ما هو مسموح التصريح به من قبل المسئولين وما هو غير مسموح[12].

ج) قانون المشتريات العامة 2004: تم بموجب هذا القانون إنشاء الهيئة العامة لتنظيم المشتريات، والتي تهدف بصورةٍ رئيسيةٍ إلى منع ومكافحة الممارسات الفاسدة المرتبطة بإجراءات توريد المشتريات في أي كيانٍ عام، حيث نص القانون بوضوح على منع أي عروض شراءٍ تحتوي على عناصر فاسدة[13].

د) قانون مكافحة غسيل الأموال 2006: صدر هذا القانون في البداية بغرض مكافحة عمليات غسيل الأموال، ثم تم تعديله عام 2012 ليتماشى مع التوجه العام لمكافحة هروب رؤوس الأموال وتمويل الإرهاب[14].

هـ) قانون تنظيم النفقات الانتخابية 2010: صدر هذا القانون في محاولةٍ من الدولة للسيطرة على الممارسات غير القانونية لمرشحي الأحزاب السياسية في تعبئة الناخبين باستخدام الموارد المالية وغيرها أثناء الانتخابات، ولكن حتى الآن يُعد هذا القانون غير فعَّالٍ لعدم توافر الآليات اللازمة لرصد ومراقبة عملية تمويل الأحزاب[15].

و) قانون حرية تداول المعلومات 2016: حتى صدور هذا القانون لم تكن تنزانيا تمتلك قانونًا ينظم عملية تداول البيانات والمعلومات، خاصةً تلك المتعلقة بتقارير الذمة المالية للمسئولين، والتي لم تكن متاحةً للجمهور سوى في ظل ظروفٍ محدودةٍ للغاية[16]، وفي أعقاب صدور هذا القانون ثارت بعض المخاوف بشأنه؛ خاصةً وأنه تضمَّن الكثير من الاستثناءات والقيود؛ من أبرزها الإعفاء من الإفصاح عن الأصول الثابتة التي يمتلكها المسئولون في إقرارات الذمة المالية الخاصة بهم[17].

2- مؤسسات مكافحة الفساد في تنزانيا:

  قام الرئيس التنزاني الأسبق “بينجامين مكابا” في عام 1998 بتعيين رئيس الوزراء الأسبق “جوزيف واريوبا” رئيسًا للجنة الرئاسية لمكافحة الفساد، حيث بدأت اللجنة بتصنيف ومراجعة الشكاوى العامة المقدمة لها بشأن الفساد في تنزانيا، وأعلنت اللجنة من خلال تقريرها الشهير الذي حمل اسم رئيس اللجنة “واريوبا” (Warioba)، أن المواطنين التنزانيين فقدوا الثقة تمامًا في قدرة ورغبة الحكومة على احتواء الفساد والتصدي له، وقد تم اعتبار هذا التقرير من أفضل التقارير التي تناولت الفساد في تنزانيا بالرصد والتحليل؛ فكان هو القاعدة الرئيسية التي ارتكزت عليها تشكيل كافة مؤسسات مكافحة الفساد التي ظهرت في تنزانيا فيما بعد[18]، وفي عام 1999 تم اعتماد استراتيجية وخطة العمل الوطنية الشاملة لمكافحة الفساد (NACSAP) بِناءً على ما جاء في تقرير “واريوبا”، ثم تم تعزيز هذه الاستراتيجية مرةً أخرى من خلال وضع برنامجٍ جديدٍ لمكافحة الفساد خلال الفترة (2008- 2011) كخطوةٍ تكميليةٍ لاستراتيجية (NACSAP) ، وفي إطار ذلك تم تشكيل وتأسيس عدد من المؤسسات المعنية بمكافحة الفساد والتصدي له في تنزانيا والتي كان من أبرزها[19]:

  • لجنة منع ومكافحة الفساد (PCCB): هي أقدم لجان مكافحة الفساد في أفريقيا، وهي هيئةٌ مستقلةٌ تختص برفع مستوى الوعي وتوجيه الحكومة بشأن قضايا مكافحة الفساد، كما أنها تمتلك السلطة لإلقاء القبض على المتهمين في قضايا الفساد والتحقيق معهم وملاحقتهم قضائيًا، ولكن بشرط الحصول على إذن النيابة العامة مسبقًا، وجديرٌ بالذكر أن الحصول على مثل هذه الموافقة هو أمرٌ صعبٌ للغاية، مما جعل اللجنة تواجه عقباتٍ كبيرةٍ فيما يتعلق بالملاحقة القضائية للمسئولين الفاسدين.

ب) مكتب المُراقب المالي العام (CAG): هو المكتب المسئول عن مراجعة الحسابات الخاصة بالوزارات والمؤسسات والهيئات العامة سواءٌ على مستوى الحكومة المركزية أو المحلية، وينصُّ الدستور على استقلال مكتب المراقب المالي العام (CAG)، ويتم تخصيص الميزانية الخاصة به من قبل السلطة التنفيذية.

ج) لجنة حقوق الإنسان والحكم الرشيد (CHRGG): حيث تعمل هذه اللجنة كأمينٍ عامٍ للمظالم، حيث تختص بتلقي شكاوى المواطنين، وتقديم التوصيات بشأنها ولكنها توصياتٌ غير ملزمةٍ للدولة، كما يمكنها إجراء تحقيقاتها الخاصة في قضايا الفساد التي تواجهها، ولكنها من غير المسموح لها بالتعامل مع مكتب رئاسة الجمهورية.

د) الأمانة العامة للأخلاق (ES): هي المؤسسة المنوط بها تنفيذ القانون رقم 13 لعام 1995 والذي يحكم سلوكيات وأخلاق ذوي المناصب القيادية، ويقع مقرها في رئاسة الجمهورية، ويتم تعيين المفوَّض العام لها من قِبَلِ رئيس الدولة، وهي مسئولةٌ عن متابعة التقارير الخاصة بأخلاق وسلوك المسئولين لضمان عدم مشاركتهم في أية أنشطةٍ غير قانونيةٍ أو أخلاقية.

هـ) الهيئة العامة لتنظيم المشتريات(PPRA): أُنشئت هذه الهيئة بموجب قانون المشتريات العامة الصادر عام 2004، وهي المسئولة عن التأكد من تطبيق المعايير التنافسية العادلة في عمليات الشراء، وتطبيق الأحكام على الشركات التي ترتكب انتهاكاتٍ في هذا الشأن، كما أنها هي المسئولة عن تقديم التقارير ذات الصلة إلى وزير المالية

ثالثًا: الإرادة السياسية ومكافحة الفساد في تنزانيا:

  على الرغم من أن عملية مكافحة الفساد في أفريقيا صعبة ومعقدة، إلا أنها ليست مستحيلة، وحتى تكون عملية مكافحة الفساد تلك مؤثرة وفعالة، يجب أن تتم من خلال إجراء الإصلاحات القانونية والمؤسسية اللازمة، مع الأخذ في الاعتبار للعوامل الأخلاقية والسلوكية التي تدفع لارتكابه، ولكن أهم عناصر من عناصر مكافحة الفساد في أفريقيا والتصدي له على الإطلاق هو العنصر المتعلق بتوافر الإرادة السياسية والرغبة الحقيقية في ذلك[20]؛ فأكثر ما تفتقر إليه أفريقيا في سياق مكافحة الفساد هو عدم توافر الإرادة السياسية اللازمة للمضي قدمًا في هذا المجال، فجهود مكافحة الفساد في أفريقيا غالبًا ما يتم تعطيلها من قبل النخب الحاكمة والقيادات السياسية التي تعتمد في غالبيتها على الممارسات الفاسدة لضمان بقائها واستمرارها في الحكم، فالفساد يُمَكِّنها من الهيمنة على الموارد والثروات اللازمة لتعزيز وجودها وبقائها.

  في هذا السياق، تتمتع تنزانيا بتوافر الإرادة السياسية الحقيقية اللازمة لمكافحة الفساد والتصدي له، حيث بدأ الحديث عن مكافحة الفساد في تنزانيا بصورة مباشرة ومعلنة مع تولي الرئيس التنزاني السابق “جاكايا كيكويتي” الحكم عام 2005 عندما أعلن خلال حملته الانتخابية عن رغبته الحقيقية في محاربة الفساد المتفشي في البلاد والتصدي له، وعى الرغم من ذلك لم يتم اتخاذ خطوات ملموسة وفعالة في مجال مكافحة الفساد في تنزانيا عام 2012 عندما تم لأول مرة في تاريخ تنزانيا إدانة عدد من المسئولين المنتمين للحزب الحاكم في تنزانيا بتهم فساد[21]، حيث تم حلُّ اللجنة البرلمانية المعنية بالطاقة والتعدين بعد أن ثَبُتَ حصول عددٍ من أعضائها على رشاوى من كبار المسئولين في وزارتي الطاقة والتعدين لضمان موافقتهم واعتمادهم لميزانية الوزارة، كما ثَبُتَ تواطؤ وزارة المالية أيضًا في القضية، وهو ما نتج عنه إقالة ومحاكمة ستة من كبار المسئولين والوزراء في الحكومة التنزانية لأول مرةٍ في تاريخها[22].

وبحلول عام 2015 ومع تولي الرئيس الحالي “جون ماجوفلي” السلطة أصبحت تنزانيا مثالًا يُحتذى به في مكافحة الفساد في أفريقيا، وشهدت طفرة في هذا المجال، فقد شنّ “ماجوفلي” حملةً واسعة النطاق للقضاء على الفساد واجتثاثه من جذوره في البلاد بدأها بإقالة واحتجاز رئيس جهاز مكافحة الفساد ورئيس الهيئة العامة للضرائب مع خمسة من معاونيه، بالإضافة إلى رئيس هيئة السكك الحديدية، ورئيس هيئة الموانئ، وذلك بعد عملية تفتيشٍ مفاجئ لميناء دار السلام حيث اكتُشف وجود تجاوزاتٍ ضريبيةٍ واختلاساتٍ مالية من عائدات الميناء بلغت 40 مليون دولار.

ثم قام “ماجوفلي” بفصل 19700 موظف من موظفي جهاز الخدمة المدنية الذين يتقاضون رواتبهم مقابل القيام بوظائف وهمية لا وجود لها، كما قام بفصل 10 آلاف موظفٍ ثَبُتَ تزويرهم في أوراق التعيين الخاصة بهم وعدم حصولهم على مؤهلاتٍ جامعيةٍ حقيقية، وهو ما نتج عنه توفير ما يزيد عن 240 مليون شلن كيني، كانت تنفق على رواتب هؤلاء الفاسدين بما يعادل 110 مليون دولار أمريكي سنويًّا، كما أعلن حالة التقشف في الحكومة، فألغى الاحتفالات الرسمية بيوم الاستقلال، وأمر بتحويل الأموال المرصودة من أجل الاحتفال به لمحاربة وباء الكوليرا المنتشر في البلاد، وقلَّص عدد الوزراء ليصبح 19 وزيرًا بدلًا من 30، ومنع كبار المسئولين من السفر على مقاعد الدرجة الأولى في الطائرات، كما منع كافة المسئولين الحكوميين في الدولة من السفر للخارج لأي سببٍ من الأسباب إلا بعد الحصول على موافقةٍ رسميةٍ منه شخصيًا.

وألغى “ماجوفلي” انعقاد المؤتمرات والاجتماعات الحكومية والرسمية في الفنادق باهظة الأسعار مستبدلًا ذلك بالمباني الحكومية، وقلَّص أعداد أعضاء الوفود الرسمية تمامًا، حتى أنه في اجتماع منظمة الكومنولث كان عدد أعضاء الوفد الرسمي الـمُمثل للبلاد هو 4 أشخاص فقط بعد أن كانوا 50، وأمر ببيع جميع السيارات الفارهة التابعة للحكومة التنزانية، والتي تم بيعها بالفعل في مزادٍ علني واستبدلها بسياراتٍ عادية، وقلَّص رواتب كافة البرلمانيين والنواب لتصبح في مستوى رواتب الموظف الحكومي العادي، وطالب جميع الوزراء وكبار المسئولين بالكشف عن كافة أرصدتهم وممتلكاتهم هم وعائلاتهم بصورةٍ دورية، مُهددًا إياهم بالإقالة والسجن في حال تم اكتشاف أي شكلٍ من أشكال التلاعب من جانبهم في هذا الشأن.

كما قلَّص ميزانية الاحتفال بافتتاح البرلمان الجديد من 100 الف دولار إلى 7 آلاف دولار فقط، وتم تحويل باقي المبلغ لاستكمال المعدات التي يحتاج إليها المستشفى العام الرئيسي في البلاد، وذلك بعد أن كان قد قام بزيارة سريةٍ ومفاجئة للمستشفى ووجد المرضى يفترشون الأرض، والأجهزة الطبية معطلة، والنقص شديدٌ في المعدات والمستلزمات، فقام بالقبض على مسئولي المستشفى وتحويلهم للتحقيق، ومنح الإدارة الجديدة أسبوعين فقط لإصلاح الأوضاع، ولكن الإدارة تمكنت من إصلاح كل شيء في غضون ثلاثة أيامٍ فقط!

وقد نجحت جهود مكافحة الفساد في تنزانيا في تحقيق قدرٍ جيدٍ من التقدم في هذا المجال، فبعد أن كانت تنزانيا تحتل المركز الـ 90 من أصل 145 عام 2004 في ترتيب الدول الأقل فسادًا في العالم، أصبحت تحتل المركز الـ 99 من أصل 180 عام 2018، كما ارتفع مؤشر مدركات الفساد الخاص بها ليصبح 3.6 درجة عام 2018 بعد أن كان 2.8 عام 2004، وبرغم أن البعض يمكن أن يرى أن تنزانيا لا زالت تعاني من الفساد بصورةٍ كبيرةٍ وفقًا لهذه المؤشرات، إلا أنها تعد الأفضل في محيطها، والأكثر تقدمًا في هذا المجال، وعلى الرغم من توجيه العديد من الاتهامات للرئيس التنزاني “ماجوفلي” ونظامه بانتهاك حقوق الإنسان خاصة فيما يتعلق بقمع المعارضة وتقييد حرية الرأي والتعبير واعتقال الصحفيين، إلا أن غالبية الشعب التنزاني يشهد له بالنزاهة والاستقامة، خاصة قاطني المناطق الريفية الذين يؤكدون على تحسن ظروفهم المعيشية بصورة كبيرة وملحوظة، فقد ارتفعت معدلات دخل المزارعين، وتم توصيل المياه النظيفة والكهرباء وتحسين البنية التحتية في غالبية المناطق الريفية التي كانت تعاني من الضعف والتهميش، وهو ما يؤكد على أن تطبيق الديموقراطية في ظل حالة التبعية والتخلف الاقتصادي التي تعاني منها الدول الأفريقية ليست فقط بمثابة ضربٍ من ضروب الخيال، بل إنها ضارةً ومعرقلةً في المراحل المبكرة للتنمية؛ فالنظم الفقيرة التي أقرَّت الديموقراطية وجدت صعوبة في إقرار التشريعات والسياسيات المفيدة اقتصاديًّا بسبب حالة التنافس الشديدة وتضارب المصالح بين الأحزاب السياسية حتى ولو على حساب المصلحة العامة، لذلك فإن ما تحتاج إليه الدول الفقيرة لتحقيق التنمية الاقتصادية ليس الديموقراطية، فوجود ديكتاتورٍ حازمٍ محبٍّ للخير والمصلحة العامة، وقادرٍ على تطبيق الإصلاحات المطلوبة لتحفيز الاقتصاد سيكون أفضل وأنفع كثيرًا من وجود نظامٍ ديموقراطي غير قادرٍ على توفير الحاجات الأساسية لمواطنيه.


[1]– John G. Ikubaje, “Democracy and Anti-Corruption Policies in Africa”, in The Ugandan Journal Of Management And Public Policy Studies, (Kampala: Uganda Management Institute, Vol. 6, 2012), Pp. 39-40.

* المؤشر مدركات الفساد (CPI): يتم من خلاله ترتيب الدول حول العالم حسب درجة مدى ملاحظة وجود الفساد في الموظفين والسياسيين، ويتراوح مؤشر مدركات الفساد ما بين (1- 10) حيث 10 تعني الأقل فسادًا و1 تعني الأكثر فسادًا، وتمثل الدول 180 مركزًا حيث المركز الأول يكون للدولة الأقل فسادًا على مستوى العالم والمركز الـ 180 يكون للدولة الأكثر فسادًا على مستوى العالم.

[2]– Katherine B. Kelter, Development in Tanzania: From Foreign Aid Dependency to Impact Investment, Senior Theses (Hartford: Trinity College, CT 2018, Spring 2018), p. 29.

[3]– Civic Education Teachers’ Association (CETA), “Corruption”, in Civic and General Studies Journal, (Dar El Salaam: Civic Education Teachers’ Association, Vol. 9, July 2011), Pp. 1-3.

* تولى الحكم في تنزانيا 5 رؤساء منذ عام 1964 وحتى الآن؛ جوليوس نيريري (1964– 1985)، علي حسن مويني (1985– 1995)، بينجامين مكابا (1995– 2005)، جاكايا كيكيويتي (2005– 2015)، جون ماكوفولي (2015 – حتى الآن) والذي كان قد أعلن رفضه تعديل الدستور ومد فترة رئاسته لأكثر من فترتين رئاسيتين في أغسطس 2017.

[4]– Edwin Babeiya, “Electoral Corruption and the Politics of Elections Financing in Tanzania” In Journal of Politics and Law, (Richmond Hill: The Canadian Center of Science and Education, Vol.4, No.2, September 2011), Pp. 92-93.

[5]– Paul Banoba, Tanzania: overview of corruption and anti-corruption, in U4 Expert Answer, (Berlin: Transparency International, U4 Expert Answer No. 2014:04, 7th March 2014), p. 3

[6]– Edwin Babeiya, Op.Cit., Pp. 92-93.

[7]– TACOSODE (Tanzania Council for Social Development), 5Year Strategic Plan 2009-2013, at:

  • http://www.tacosode.or.tz/A%20Five%20years%20Strategic %20Plan%20%282009%20-%202013%29.pdf 

[8]- Business Anti-Corruption Portal, “Tanzania Country Profile.” 2013, at:

  • http://www.business-anti-corruption.de/country-profiles/subsaharan-africa/tanzania/snapshot.aspx

[9]- Paul Banoba, Op.Cit., Pp. 2-3

[10]– Idem.

[11]- Ibid., p. 7.

[12]– Civic Education Teachers’ Association (CETA), Op.Cit., p. 9.

[13]– Edwin Babeiya, Op.Cit., Pp. 95-96.

[14]Idem.

[15]Idem.

[16]– Paul Banoba, Op.Cit., p.8.

[17]- The United Republic of Tanzania, The Access of Information Act No. 6 of 2016, 7th September 2016, Part 2, Article No. 6.

[18]– Civic Education Teachers’ Association (CETA), Op.Cit., Pp. 9-10.

[19]– Paul Banoba, Op.Cit., Pp. 7-10.

[20]– محمد إدريس عبد العزيز إدريس، مكافحة الفساد السياسي في أفريقيا: دراسة حالة جنوب أفريقيا – كينيا – غانا، رسالة دكتوراه، (القاهرة: رسالة دكتوراه مقدمة لمعهد البحوث والدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، 2017، ص ص 210- 211.

[21]– Paul Banoba, Op.Cit., p. 3.

[22]Idem.

error: كل الحقوق محفوظة!!