إعداد: د. جيهان عبدالسلام

مدرس الاقتصاد – كلية الدراسات الأفريقية العليا – جامعة القاهرة.

يواجه بناء مسار النمو الشامل في أفريقيا سلسلة من التحديات، جاء على رأسها تغيرات المناخ، حيث هدد -ارتفاع درجات الحرارة ومستويات سطح البحر، وتغير أنماط هطول الأمطار، وشبح الجفاف الذي يلوح في الأفق بسبب ظاهرة “النينيا”[1]، والطقس الأكثر تطرفًا- صحة الإنسان وسلامته، والأمن الغذائي والمائي، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية في أفريقيا، خاصة الفئات الأكثر ضعفًا. كما بلغ نهر النيل أعلى مستويات له منذ نصف قرن، وتسبب أسوأ انتشار للجراد منذ 25 عامًا -بسبب الظروف الجوية غير العادية- في إصابة حوالي مليون شخص بانعدام الأمن الغذائي في القرن الأفريقي. وعلى المدى الطويل قد تشهد أفريقيا انخفاضًا في إجمالي الناتج المحلي بنسبة تصل إلى 30% بحلول عام 2050 بسبب تغير المناخ. ويقدر البنك الدولي أن أفريقيا جنوب الصحراء ستواجه أعلى تكاليف للتكيف مع هذا التغيير ومواجهته.

  ومن هذا المنطلق، تركز هذه الدراسة الضوء على أهم مظاهر التغيرات المناخية في أفريقيا، وما نتج عنها من تكاليف اقتصادية واجتماعية تتكبدها القارة الأفريقية، وتعيق تحقيق أجندة التنمية المستدامة 2063، وتحمل الاقتصادات الأفريقية أعباء ضخمة لمجابهة تلك التغيرات.

أولًا- الوضع المناخي في أفريقيا:

 ساهمت أفريقيا في الحد الأدنى من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ولكنها رغم ذلك تعاني من معظم التأثيرات السلبية لتغير المناخ. حيث أنتجت المنطقة 7.6% من الغازات الدفيئة في جميع أنحاء العالم، وتنخفض الحصة إلى 3% فقط إذا تم استبعاد جنوب أفريقيا التي تنتج معظم الغازات الدفيئة لكونها الدولة الأكثر صناعة في المنطقة[2]، وتتمثل أهم مظاهر التغير المناخي فيما يلي:

 – ارتفاع درجات الحرارة: ارتفعت درجات الحرارة في القارة الأفريقية في العقود الأخيرة وبوتيرة أسرع عن متوسط درجة حرارة سطح العالم. فكان عام 2020 رابع أكثر الأعوام دفئًا في القارة الأفريقية منذ عام 1910. كما يعتبر عاما 2010 و2016 من أكثر الأعوام دفئًا في أفريقيا حيث سجلت 1.44 درجة مئوية فوق المتوسط. وتتنبأ التوقعات طويلة الأجل أن مناطق واسعة من المنطقة سوف تتجاوز درجتين مئويتين من الاحترار بحلول العقدين الأخيرين من القرن 21[3]. كما تواجه أفريقيا سيناريو أكثر تشاؤمًا فيما يتعلق بالوضع المناخي، حيث يتوقع أن ترتفع درجات الحرارة فيما بين درجتين مئويتين إلى 4 درجات مئوية بحلول عام 2040، مما يجعل مساحات شاسعة من أفريقيا غير صالحة للمعيشة. كذلك إمكانية حدوث جفاف شديد في جنوب ووسط أفريقيا لارتفاع درجات الحرارة، فيتغير نمو المناطق شديدة الجفاف والجافة من 3% إلى 10%[4].

فعلى سبيل المثال، شهدت منطقة الجنوب الأفريقي ارتفاعًا في درجات الحرارة إلى درجتين مئويتين خلال القرن الماضي، مع أكبر ارتفاع في درجات الحرارة لوحظ منذ الثمانينات. كما تُظهر أحدث التنبؤات، التي تغطي فترة الـ5 سنوات من 2020 إلى 2024، استمرار الاحترار وتناقص هطول الأمطار خاصة فوق شمال وجنوب أفريقيا، وزيادة هطول الأمطار على منطقة الساحل[5].

شكل رقم (1) اختلالات درجة الحرارة في أفريقيا خلال الفترة 1910- 2020 (درجة مئوية)

Source: World Bank Group, CLIMATE CHANGE ADAPTATION AND ECONOMIC TRANSFORMATION IN SUB-SAHARAN AFRICA, ( Wachington , D.C: WB, OCTOBER 2021 | VOLUME 24), p.56.

  • تراجع هطول الأمطار: شهدت أفريقيا اضطرابًا في حجم الأمطار، وتراجعت كميتها المقدرة سنويًّا، حيث يوضح الشكل رقم (2) مدى الاختلاف في كميات الأمطار لعام 2020 مقارنة بالفترة المرجعية (1981-2010)، حيث تشير المناطق الزرقاء إلى متوسط هطول الأمطار في الفترة (1981-2010)، بينما تشير المناطق البنية إلى هطول أقل من المتوسط لعام 2020، كما شهدت الأجزاء الغربية من جنوب أفريقيا، من ناميبيا إلى أنجولا والكونغو أقل كميات من الأمطار خلال النصف الثاني من القرن الـ20، في حين أن دول الجنوب الأخرى، مثل بوتسوانا وزيمبابوي والأجزاء الغربية من جنوب أفريقيا، شهدت أيضًا انخفاضات في هطول الأمطار[6].

شكل رقم (2) تغير كميات هطول الأمطار على القارة الأفريقية خلال الفترة (1981- 2020)

Source: World Meteorological Organization (WMO), “Climate change triggers mounting food insecurity, poverty and displacement in Africa”, 19 October 2021, Available at:
  • الكوارث الطبيعية: ازداد تواتر الكوارث الطبيعية بشكل كبير في أفريقيا على مدى العقود الـ4 الماضية. فبالنسبة للفترة (1970- 1979)، تضاعف تواتر موجات الجفاف في أفريقيا جنوب الصحراء 3 مرات تقريبًا بحلول (2010- 2019)، وتضاعف أكثر من 4 أضعاف بالنسبة للعواصف، وزاد أكثر من 10 أضعاف في حالة الفيضانات. وهذه الأرقام تدل على أن حدوث الكوارث الطبيعية في أفريقيا خاصة جنوب الصحراء أعلى من مثيله في جميع أنحاء العالم العالمية، إذ تبلغ الحصص العالمية لأفريقيا جنوب الصحراء من الفيضانات والأوبئة حوالي 20 و60% على التوالي. ومع زيادة تواتر وشدة الكوارث الطبيعية يؤدي ذلك إلى عدد أكبر من المتضررين. على سبيل المثال، ارتفع عدد الأشخاص المتضررين من الجفاف في أفريقيا جنوب الصحراء من 19.3 مليون في (1970- 1979) إلى ما يقرب من 115 مليون في (2010- 2019)، بينما أما في حالة الفيضانات فقد ارتفع من 3.5 مليون إلى 28.1 مليون[7].

  ومن أكثر الدول التي شهدت خسائر في الأرواح أو نزوح كبير للسكان نتيجة الكوارث الطبيعية: السودان وجنوب السودان وإثيوبيا والصومال وكينيا وأوغندا وتشاد ونيجيريا (التي عانت أيضًا من الجفاف في الجزء الجنوبي) والنيجر وبنين وتوغو والسنغال وكوت ديفوار والكاميرون وبوركينا فاسو. ووصلت العديد من البحيرات والأنهار إلى مستويات قياسية، بما في ذلك بحيرة فيكتوريا ونهر النيجر في نيامي، والنيل الأزرق في الخرطوم[8].

شكل رقم (3) عدد الكوارث الطبيعية في أفريقيا جنوب الصحراء خلال الفترة (1970- 2020)، وأعداد المتضررين

Source:World Bank Group , CLIMATE CHANGE ADAPTATION AND ECONOMIC TRANSFORMATION IN SUB-SAHARAN AFRICA , ( Wachington , D.C: WB , OCTOBER 2021 | VOLUME 24) , p.57.

  • ارتفاع منسوب مياه البحر وتآكل السواحل: هناك تباين إقليمي كبير في اتجاهات مستوى سطح البحر حول أفريقيا. حيث وصلت الزيادة في مستوى سطح البحر إلى 5 ملم سنويًّا في العديد من المناطق المحيطية بالقارة، وتجاوزت 5 ملم سنويًّا في جنوب غرب المحيط الهندي من مدغشقر شرقًا باتجاه موريشيوس وما وراءها. وهذا أكثر من متوسط ​​ارتفاع مستوى سطح البحر العالمي البالغ 3- 4 ملم في السنة. ويعد تدهور وتآكل السواحل أيضًا تحديًا رئيسيًّا، خاصة في غرب أفريقيا. فحوالي 56% من السواحل في بنين وساحل العاج والسنغال وتوجو آخذة في التآكل، ومن المتوقع أن يتفاقم هذا في المستقبل[9].

 كما تغطي الأنهار الجليدية 3 جبال فقط في أفريقيا، جبل كينيا الصخري (كينيا)، وجبال روينزوري (أوغندا) وجبل كليمنجارو (جمهورية تنزانيا المتحدة). ورغم أن هذه الأنهار الجليدية أصغر من أن تكون بمثابة خزانات مياه مهمة، إلا أنها ذات أهمية سياحية وعلمية بارزة. ومعدلات تراجعهم الحالية أعلى من المتوسط ​​العالمي. وإذا استمر هذا الأمر، فسيؤدي ذلك إلى انحلال تام للجليد بحلول عام 2040. ومن المتوقع أن يتحلل جبل كينيا قبل عقد من الزمان، ما سيجعله واحدًا من أولى سلاسل الجبال الكاملة التي تفقد الأنهار الجليدية بسبب تغير المناخ[10].

ثانيًا- التكاليف الاقتصادية والاجتماعية لتغيرات المناخ في أفريقيا:

لا يمكن فصل أي مسعى لتعزيز التنمية المستدامة عن أزمة المناخ، فرغم أن أفريقيا تتحمل أقل قدر من المسؤولية ولكن العبء الأكبر منها هي التي تدفع ثمنه. فالدول جميعها تعاني من الاضطرابات الناجمة عن الصدمات المناخية الفردية والمتكررة واسعة النطاق، والتي يمكن أن تتضاعف بسرعة مع عواقب بين الأجيال، خاصة فيما بينها البلدان الفقيرة والشرائح الأفقر من السكان. فلم تشمل تأثيرات المناخ على الفقراء الخسائر في الأرواح وسبل العيش، بل تجاوزت الأضرار لتصل إلى انخفاض الدخل والإنتاجية الزراعية، فضلًا عن تأثيرها على رأس المال المادي والبشري[11]. وفيما يلي أهم التكاليف الاقتصادية والاجتماعية التي تتحملها القارة:

أ) التكاليف الاقتصادية:

  • ارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي: الزراعة هي العمود الفقري لاقتصاد أفريقيا وتمثل غالبية سبل العيش في جميع أنحاء القارة. فلا تزال واحدة من أكبر قطاعات النشاط الاقتصادي، إذ تسهم بنحو 15.5% في الناتج المحلي الإجمالي، و53% من إجمالي العمالة في المنطقة، وتشمل المخاطر الرئيسية على الزراعة في انخفاض إنتاجية المحاصيل المرتبطة بالحرارة والجفاف وزيادة الأضرار الناجمة عن الآفات، والأمراض وتأثيرات الفيضانات على البنية التحتية الزراعية، مما يؤدي إلى آثار ضارة خطيرة على الأمن الغذائي وسبل العيش، خاصة مع زيادة عدد الأشخاص الذين يعانون من نقص التغذية 45.6% منذ عام 2012 وحتى عام 2020. ووفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ترى أن سيناريوهات الاحترار قد يكون لها آثار مدمرة على إنتاج المحاصيل والأمن الغذائي. ومن المتوقع بحلول منتصف هذا القرن، أن تتأثر محاصيل الحبوب الرئيسية المزروعة في جميع أنحاء أفريقيا بشكل سلبي، وإن كان ذلك مع التباين الإقليمي والاختلافات بين المحاصيل. ومن المتوقع حدوث انخفاض في متوسط ​​العائد الزراعي 13% في غرب ووسط أفريقيا، و11% في شمال أفريقيا، و8% في شرق وجنوب أفريقيا. حتى الحبوب التي لديها قدرة أكبر على التكيف مع ظروف الإجهاد الحراري سوف تتأثر، ومن المتوقع خسارة في غلة الحبوب بحلول عام 2050 بـ5% و8% على التوالي، بينما من المتوقع أن يكون الأرز والقمح هو الأكثر المحاصيل المتضررة مع خسارة في الغلة بحلول عام 2050 بـ12% و21% على التوالي[12]. ففي عام 2020، كانت هناك زيادة تقارب 40% في عدد السكان المتضررين من انعدام الأمن الغذائي مقارنة بالعام السابق 2019. ومن أمثلة الدول الأكثر تضررًا في هذا الصدد إثيوبيا، إذ يمكن أن تزيد المخاطر الطبيعية من انعدام الأمن الغذائي 5- 20%، كذلك كل من ملاوي ومالي ونيجيريا وتنزانيا[13]. كذلك دول الشرق والقرن الأفريقي التي تتعرض لغزو الجراد الصحراوي والذي بدأ في عام 2019 ليتآكل جزء كبير من المحاصيل لديها مما يؤثر على أمن الغذاء.
  • تراجع الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد منه: يمكن أن يؤثر تغير المناخ بشكل كبير على النشاط الاقتصادي من خلال سلسلة من القنوات، منها القنوات الزراعية وتراجع الناتج من هذا القطاع الهام، كما تظهر أدلة الأبحاث التجريبية أنه على المدى الطويل سيكون للتغيرات المناخية آثار سلبية على رأس المال المادي والبشري (التعليم والصحة ومعدل الوفيات)، كذلك إنتاجية عنصر العمل، وكل ذلك يؤثر سلبًا في غير صالح النمو الاقتصادي.

 وأكدت معظم الدراسات القياسية وتنبأت بأنه يمكن أن يؤدي تغير المناخ إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 30% فيما بين الفترة (2040- 2050). كما يتوقع المركز الأفريقي لسياسات المناخ أن الناتج المحلي الإجمالي سيعاني من انخفاض كبير نتيجة ارتفاع درجة الحرارة العالمية. ووضع لذلك سيناريوهات متعددة تتراوح بين 1% إلى 4% في درجات الحرارة، فمن المتوقع أن ينخفض ​​إجمالي الناتج المحلي للقارة 2.25% إلى 12.12% بحلول 2030. وسيكون غرب ووسط وشرق أفريقيا تأثيرًا ضارًّا أكبر من جنوب وشمال أفريقيا[14]. كما تشير أدلة أخرى إلى زيادة درجة الحرارة بمقدار 1 درجة مئوية يقلل من نمو الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا بمقدار 0.67%، ويمكن أن تختلف هذه التأثيرات على نطاق واسع في المنطقة بـ1 و0.5% في السنة.

وحتى الاستثمارات المطلوبة للتكيف مع تغيرات المناخ في جنوب الصحراء ستتكلف ما بين 30 إلى 50 مليار دولار كل عام على مدى العقد المقبل، أو ما يقرب من 2 إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي[15]. وأكدت الدراسات أنه عندما يصل ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى 2.9 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، يمكن أن تتوقع البلدان الأكثر ضعفًا في العالم أن تعاني من متوسط ​​ناتج محلي إجمالي يبلغ -19.6% بحلول عام 2050 ومن -63.9% بحلول عام 2100. والخطر حاد بشكل خاص في أفريقيا، حيث تأتي 8 من البلدان الـ10 الأكثر تضررًا من تلك القارة. ويواجه الـ10 أضرارًا في الناتج المحلي الإجمالي تزيد عن -70% بحلول عام 2100 و- 40% حتى لو ظل العالم عند 1.5 درجة مئوية. كما أظهرت دراسة مستقبلية سابقة أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي سيقل بـ13.6% في جميع أنحاء أفريقيا مما كان عليه بين عامي 1991 و2010[16].

 كما تقدر دراسات أخرى أن التكاليف قد تكون أعلى بكثير من الناحية النسبية في أفريقيا مما هو عليه في العديد من مناطق العالم الأخرى، فيمكن أن يعادل التغيير 1.5 إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي كل عام بحلول عام 2030. وقد ترتفع سنويًّا إلى 10% من الناتج بحلول عام 2100[17].

شكل رقم (4) التكاليف السنوية لتغير المناخ كنسبة مئوية معادلة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025

Source: United National Environment Programme , ADAPTCost Project: Analysis of the Economic Costs of Climate Change Adaptation in Africa , 2010 , P.14 Available at:

  كما يسهم التأثير السلبي للمناخ على الإنتاجية الزراعية في نقص الغذاء، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية خاصة عندما يكون هناك فائض في الطلب على العرض. والتأثير سلبًا على حركة التجارة والسلع المصدرة، ما قد يؤثر على أسعار السوق. فنرى على سبيل المثال، الأسعار المرتفعة مؤخرًا لأهم 3 أنواع من الحبوب الأساسية في العالم (الذرة والأرز والقمح)، واحتمال تواصل ارتفاعها بنسبة من 31 إلى 106% بحلول عام 2050، وبسبب تغير المناخ يمكن أن تتقلص المواسم الزراعية في معظم أفريقيا جنوب الصحراء بـ20% أو أكثر. فنجد محصولًا مثل الكاكاو والبن في المناطق الاستوائية، من المرجح أن تقل إنتاجيته بفعل المناخ. يضاف إلى ذلك أيضًا التأثير سلبًا على الثروة الحيوانية وإنتاجيتها[18].

وتجدر الإشارة إلى أن أحد أكثر الدول الأفريقية تضررًا في ذلك هو السودان، الذي يعاني الأمطار الغزيرة والفيضانات المفاجئة التي أثرت على أكثر من 300 ألف شخص. وسيواجه السودان انخفاضًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة -32.4% بحلول عام 2050 و-83.9% بحلول عام 2100، مقارنةً بما إذا لم يكن هناك تغير مناخي. حتى في سيناريو الحفاظ على 1.5 درجة مئوية للحرارة، يمكن للسودان أن يتوقع تراجع في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة -22.4% بحلول عام 2050 و-51.4% بحلول عام 2100 [19].

 وعلى سبيل المثال، موسم الأعاصير 2018- 2019، ولا سيما إعصار (إيداي) الذي أثر وبشدة على موزمبيق وزيمبابوي، فقد غمرت مياه إيداي ما يقدر بنحو 3000 كيلومتر مربع من الأرض و715378 هكتارا من الأراضي المزروعة. والأضرار التي سببها الإعصار قُدرت في موزمبيق بما يتجاوز 1.4 مليار دولار أمريكي، وهي تقع في المقام الأول على قطاع النقل (442 مليون دولار أمريكي)، قطاع الإسكان (411 مليون دولار أمريكي)، الصناعة والتجارة (140 مليون دولار أمريكي)، وقطاع الطاقة (133.5 مليون دولار أمريكي)[xx]. كما نزح الإعصاران (إيداي وكينيث) بالقرب من2.2 مليون شخص في ملاوي وموزمبيق وزيمبابوي. والخسائر الاقتصادية في موزمبيق تُرجمت إلى تباطؤ في نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.5% في عام 2019، مقارنةً بالمخطط المستهدف بأن يصل النمو إلى 4.7%[20].

ب) التكاليف الاجتماعية:

  • ارتفاع معدلات الفقر وسوء الأحوال المعيشية: يرتبط المناخ ارتباطًا وثيقًا بمعظم الصدمات التي تؤثر على الفقراء، فالكوارث الطبيعية والصدمات الصحية (الأمراض التي تنتقل عن طريق الغذاء والنواقل والمياه)، وخسائر المحاصيل، وانعدام الأمن الغذائي، وارتفاع أسعار الغذاء، جميعها عوامل تؤثر سلبًا على الشرائح الأفقر من السكان بسبب ضعف مواردهم وإمكاناتهم، خاصة إذا كانوا يقطنون دول فقيرة من حيث نظم الحماية الاجتماعية والاقتصادية الرئيسية. كما أنهم يفتقرون إلى الدعم الخارجي للوقاية من الصدمات المناخية والتعامل معها، ما يشير إلى التأثير طويل الأمد لتغير المناخ على رأس المال البشري. إذ يمكن أن يسهم الجفاف أو الفيضانات في سوء تغذية الأم والطفل من خلال إحداث تخفيضات في كميات تناول الطعام، أو إطلاق قرارات إخراج الأطفال من المدرسة، أو دفع الأسر الفقيرة إلى بيع ما لديهم من الأصول الإنتاجية؛ وبالتالي إدامة وتعميق اللامساواة والفقر[21]. وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2030، سيتعرض ما يصل إلى 118 مليون شخص إلى الفقر المدقع في القارة بسبب موجات الجفاف والفيضانات والحرارة الشديدة، ما سيعيق التقدم نحو التخفيف من حدة الفقر وتحقيق النمو[22].
  • إثارة الصراعات الداخلية: قد يؤثر تغير المناخ على النشاط الاقتصادي بالتراجع، وقد يخلق أوضاعًا مشجعة على إثارة الصراعات، حيث إن الرعي الجائر وإزالة الغابات وعدم الاستدامة تشكل تحديات أمام الزراعة، مؤثرة سلبًا على سبل عيش المزارعين والرعاة في منطقة الساحل والجنوب الأفريقي. وقد تتدهور هذه المساحات الزراعية إذا لم تستطع الهياكل الاقتصادية والسياسية الهزيلة معالجتها، بما يخلق حالة من عدم المساواة الاجتماعية والصراعات الأهلية وعدم الاستقرار السياسي. ففي حالات الحروب والاضطرابات السياسية في أفريقيا، وجدت معظم الدراسات أن تغير المناخ هو ضمن المتغيرات الأكثر تأثيرًا التي تساهم بشكل مباشر في إثارة النزاعات، بما في ذلك الفساد المستشري، والاستبداد، والإقصاء الاقتصادي، والضغوط الديموغرافية. وقد يضع تغير المناخ قد ضغطًا شديدًا على قدرات الدولة والجمعيات والمنظمات الاجتماعية الأخرى، ويتيح ذلك فرصة أوسع للشبكات الإجرامية، لممارسة العنف على نطاق واسع، وبالتالي تتفاقم النزاعات الإقليمية والحدودية[23].
  • الهجرة والنزوح: سيؤدي تغير المناخ أيضًا إلى إجبار المواطنين على الانتقال إلى مناطق أقل عرضة للكوارث الطبيعية، فما يقدر بـ12% من جميع حالات النزوح السكاني الجديدة في منطقة الشرق والقرن الأفريقي، مع أكثر من 1.2 مليون حالة نزوح جديدة مرتبطة بالكوارث وما يقرب من 500 ألف حالة نزوح جديدة مرتبطة بالنزاع[24]. وكما هو الحال في الشرق أفريقي التي تزداد فيها حالات فشل المحاصيل، والإجهاد المائي، وارتفاع مستوى سطح البحر الناتج عن تغير المناخ، مما يزيد من احتمال الهجرة والتفكك ويفرض تحديات كبيرة على التنمية البشرية. كما أن الفقراء (والضعفاء) شرائح من السكان لديها أقل فرص للتكيف محليًّا أو التخفيف من المخاطر، وعادة ما يكون قرار الهجرة هو الملاذ الأخير.
  • التأثيرات الصحية: تؤثر الزيادات في درجات الحرارة والتغيرات في أنماط هطول الأمطار بشكل كبير على صحة السكان في جميع أنحاء أفريقيا. فيزداد نمو الحشرات القارضة وانتقال الأمراض بالنواقل مثل الملاريا والحمى الصفراء. بالإضافة إلى ذلك، تظهر أمراض جديدة في مناطق لم تكن موجودة فيها من قبل. ففي عام 2017، حدث ما يقدر بنحو 93% من وفيات الملاريا العالمية في أفريقيا. غالبًا ما تحدث أوبئة الملاريا بعد فترات من هطول الأمطار الغزيرة بشكل غير عادي. بالإضافة إلى ذلك، يسمح الاحترار في مرتفعات شرق أفريقيا للبعوض الحامل للملاريا بالانتشار مما يؤثر سلبًا على صحة السكان.
  • خاتمة وتوصيات الدراسة:

 تسعى القارة الأفريقية نحو مواجهة التغيرات المناخية بالعديد من السبل، حيث تقر الأجندة التنموية لأفريقيا 2063 بالعواقب السلبية للتغييرات المناخية باعتباره تحديًا رئيسيًّا للتنمية؛ لذلك وضعت خطة عمل لمواجهة التغيرات المناخية (2032- 2022) بما يسهم في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام ومواجهة تغير المناخ[25]. وقدمت نحو 52 دولة أفريقية أولى مساهماتها لخطط وطنية لمجابهة تلك التغيرات. ويتجلى ذلك من خلال المستويات العالية للتصديق على اتفاقية باريس -أكثر من 90% من الدول الأفريقية- كما التزمت العديد من الدول الأفريقية بالانتقال إلى سبل الاقتصاد الأخضر ومصادر الطاقة الخضراء في إطار زمني قصير نسبيًّا، فعلى سبيل المثال، تحظى الطاقة النظيفة والزراعة الذكية مناخيًا بالأولوية في الخطط التنموية الأفريقية[26].

وتأسيسًا على ما سبق، خلصت الدراسة إلى أن التغيرات المناخية التي شهدتها أفريقيا في السنوات الأخيرة، مثل تغير أنماط هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة والطقس الأكثر قسوة، من أهم العوامل التي ساهمت في تفاقم انعدام الأمن الغذائي والفقر والنزوح في أفريقيا، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والصحية، والتأثير سلبًا على الخطة العشرية الأولى لأجندة التنمية المستدامة 2063. وتخلص الدراسة إلى عدد من التوصيات أهمها:

– ضرورة الإسراع في وضع وتنفيذ إستراتيجية لاعتماد تقنيات الطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية وطاقة الرياح) للتغلب على ملوثات المناخ، واستغلال إمكانات القارة في هذا المجال.

– أهمية زيادة الاستثمارات في البنية التحتية الذكية مناخيًّا في بناء المدن والطرق، وإدارة النفايات بطريقة منخفضة الكربون، والنقل الأخضر لمعالجة المشاكل المتعلقة بالمناخ [27].

– توفير سياسات حكومية استباقية تهتم بمواجهة أي صدمات تفرضها التغيرات المناخية، وخلق بيئة تمكينية لتشجيع المجتمعات والأسر، والقطاع الخاص لتغيير سلوكياتهم وخياراتهم الاستثمارية للتخفيف من حدة المناخ والتكيف معه – لا سيما في قطاعي الزراعة والصناعة. والاهتمام بوضع أنظمة الإنذار المبكر من أجل الاستعداد لتصاعد الأحداث الخطرة شديدة التأثير.

 وفي الختام، هناك ضرورة ملحة لتنفيذ الدول الكبرى بالتزاماتها تجاه أفريقيا، ففي عام 2009، تعهدت الدول الأكثر ثراءً في العالم بحشد 100 مليار دولار سنويًّا بحلول عام 2020 لمساعدة البلدان الأفريقية على التعامل مع تغير المناخ والتكيف معه، ولكن انتهى الأمر بتقديم 20 مليار دولار أو أقل؛ وبالتالي فإن زيادة التمويل أصبح أمر ملح[28]. وهو الأمر الذي تسعى له جمهورية مصر العربية جاهدة لتحقيقه لدول القارة من خلال استضافتها لقمة المناخ COP27 في نوفمبر 2022.

قائمة مراجع الدراسة


[1]) ظاهرة مناخية تحدث نتيجة برودة غير عادية لسطح المياه في المنطقة الاستوائية في المحيط الهادي، وتحدث عادة كل سنتين إلى 7 سنوات، وتظهر في خريف نصف الكرة الأرضية الشمالي.

[2])World Bank Group, CLIMATE CHANGE ADAPTATION AND ECONOMIC TRANSFORMATION IN SUB-SAHARAN AFRICA , ( Wachington , D.C : WB , OCTOBER 2021 | VOLUME 24), p.54.

[3]) Ibid  P.56.

[4]) Ede Ijjasz-Vasquez , & Aloysius Uche Ordu , ” Climate adaptation and the great reset for Africa”, April 7, 202, Available at:

[5])United Nations , ” Climate Change Is an Increasing Threat to Africa” , 27 OCTOBER 2022, Available at:

https://unfccc.int/news/climate-change-is-an-increasing-threat-to-africa
[6]) World Meteorological Organization (WMO) , “Climate change triggers mounting food insecurity, poverty and displacement in Africa” , 19 October 2021 , Available at:
https://public.wmo.int/en/media/press-release/climate-change-triggers-mounting-food-insecurity-poverty-and-displacement-africa

[7]) World Bank Group , Op.cit , P. 57.

[8])World Meteorological Organization (WMO) ,Op.cit.

[9])United Nations , Op.cit.

[10) World Meteorological Organization (WMO) ,Op.cit.

[11]) World Bank Group , Op.cit. , PP.60-62.

[12]) United Nations , Op.cit.

[13]) World Bank Group , Op.cit., PP.60-62.

[14])United Nations , Op.cit.

[15] United Nations , ” UN-backed report reveals rising climate change risk across Africa” , 18 October 2021, Available at:
https://news.un.org/en/story/2021/10/1103362
[16] Christian Aid , Lost & Damaged: A study of the economic impact of climate change on vulnerable countries , Nov 2021 , Available at:
https://reliefweb.int/report/world/lost-damaged-study-economic-impact-climate-change-vulnerable-countries-november-2021
[17] United National Environment Programme , ADAPTCost Project: Analysis of the Economic Costs of Climate Change Adaptation in Africa , 2010 , P.14 , Available at:

[18] JOHN ASAFU-ADJAYE, NJUGUNA NDUNG’U AND ABEBE SHIMELES1 ,Macroeconomic Consequences of Climate Change in Africa & Policy Implications , APRIL 2022 , PP2-4 , Available at:.

[19])Christian Aid ,Op.cit.

[20]) World Bank Group, Op.cit , P.56.

[21]) Ede Ijjasz-Vasquez and Aloysius Uche Ordu , ” Climate adaptation and the great reset for Africa ” , The Brookings Institution, April 7, 2021 , Available at:.

https://www.brookings.edu/blog/africa-in-focus/2021/04/07/climate-adaptation-and-the-great-reset-for-africa/

[22]) World Bank Group, Op.cit , P.65.

[23]) United Nations , ” UN-backed report reveals rising climate change risk…, Op.cit.

[24])Institute For Security Studies , The impact of climate change in Africa , November 2010, PP.2-4., Available at:.

https://www.files.ethz.ch/isn/136704/PAPER220.pdf

[25]) World Meteorological Organization (WMO), Op.cit.

[26]) African Union , AFRICAN UNION CLIMATE CHANGE AND RESILIENT DEVELOPMENT STRATEGY AND ACTION PLAN (2022-2032), June 28, 2022 ,Available at:

https://au.int/en/documents/20220628/african-union-climate-change-and-resilient-development-strategy-and-action-plan

[xxvii]) United Nations , ” Climate Change Is an Increasing Threat to Africa” , 27 OCTOBER 2020, Available at:.

https://unfccc.int/news/climate-change-is-an-increasing-threat-to-africa

[27]) World Bank Group , Op.cit, P.61-62.

[28]) Georgia Savvidou , & Christopher Trisos , “This Is How Much Investment Is Needed to Mitigate Climate Change In Africa” , World Economic Forum Oct.27 .2021 , Available at:.

https://www.weforum.org/agenda/2021/10/five-finance-climate-adaptation-africa-falls-short/
error: كل الحقوق محفوظة!!