كتبت – د . سحر محمد غراب

مدرس الإنثربولوجي بجامعة القاهرة

عانت القارة الأفريقية من استعمار وانتشار الجهل وتفشي الأمراض والأوبئة وانتشار الفقر وفشو البطالة وكثرة الصراعات والحروب الأهلية والنزاعات التي تهدد أي استقرار وتنمية في القارة، فضلا عن أننا نستطيع أن نضيف الكثير من المشكلات التي بالفعل تعرضت لها القارة الأفريقية ولا تزال تتعرض لها، ولكن هل هذه حقًّا هي الصورة الحقيقية لقارة أفريقيا؟ هل هذه هي الحقائق أو الواقع الذي تعيشه القارة الأفريقية؟ وهل شعوب وقبائل القارة وحكامها مسؤولون عن هذا الوضع؟

 كثير من التساؤلات صاحبتني أثناء دراستي الميدانية في أفريقيا وعلى الرغم من اختلاف موضوعات دراستي واهتمامي في الميدان إلا أن هناك تساؤلًا أساسيًّا تم طرحه على جميع من أجريت معهم المقابلات الميدانية: “هل أنتم راضون عن حياتكم وواقعكم الذي تعيشون فيه؟ وجاءت معظم الإجابات برفض الواقع الذي يعيشون فيه بل كان التأكيد -غالبًا- على المعاناة والتحديات والصعوبات التي يواجهونها، وهنا طرحت عليهم تساؤل: لماذا السكوت والرضى وعدم محاولة تحسين الواقع والحياة التي يعيشونها؟ وتعددت الأسباب والعوامل، ولكن تبقى -في النهاية- حقائق وواقع يؤكد على كنوز مهدورة داخل القارة الأفريقية. وفي هذا المقال سوف نرصد بعضًا من هذه الحقائق والشواهد الميدانية مع تقديم مقترحات لكيفية التغلب عليها من قبل الأفراد أنفسهم لتحسين الوضع القائم بالفعل.

الماء في أفريقيا

 يوجد في أفريقيا حوالي 63 حوض من الأنهار الدولية المشتركة، تغطي حوالي 64% من مساحة القارة، وأهم هذه الأحواض النهرية الكبرى: نهر الكونغو – نهر النيل – نهر النيجر – نهر الزامبيزي – نهر الأورانج، وليس ذلك فحسب بل تتميز أفريقيا بوجود البحيرات التي تشكل حوالي 677 بحيرة منها 88 في قائمة البحيرات الرئيسية، بشكل عام تمتلك القارة الأفريقية حوالي 9% من مياه العالم، ورغم ذلك نجد سوء توزيع وإدارة من قبل الحكومات والشعوب للموارد المائية للقارة مما أثر بشكل كبير على الفرد الذي يعاني ويقابل تحديات كبيرة لحصوله على الماء للشرب.

 فالشواهد الميدانية -والتي قمت برصدها أثناء دراستي- توضح مدى الصعوبة التي يواجهها الأفراد للحصول على المياه للشرب، ويجب الإشارة هنا إلى أن ما سوف نرصده من شواهد ميدانية لا يشير إلى أن هذا الوضع هو ما ينتشر في كل دول أفريقيا بل نستطيع القول بأن البعض في بعض الدول وبعض المناطق بأفريقيا يعانون من سوء الإدارة والتوزيع العادل لموارد المياه وهذا هو ما نركز عليه. يحصل الفرد في بعض المناطق على المياه من خلال ثلاثة طرق طبيعية هي كالتالي:

  1. الآبار الطبيعية

 الصورة من تصوير الباحثة – قرية تابعة لمدينة مارسابيت كينيا – 2016

2. تجمعات مياه الأمطار

 الصورة من تصوير الباحثة – قرية تابعة لمدينة مارسابيت كينيا – 2016

  • 3.  فروع النهر

 تصوير الباحثة – قرية ودا فودي ولاية النيل الزرق السودان – 2013

 تقوم المرأة بالذهاب إلى أماكن تجمع المياه مرتين في اليوم أحيانًا مرة في الصباح الباكر بعد تجهيز الإفطار وتستغرق ثلاث ساعات، ومرة أخرى في العصر وبعد تجهيز الغداء ولكن في هذه المرة عند الاحتياج للماء، ولكن إذا كانت المرأة تملك حمار فإنها لا تذهب إلا مرة واحدة فقط في اليوم وتملأ الماء لكى يكفيها يومين على الأكثر وبالتالي تحاول أن تقلل من الذهاب إلى أماكن الماء لأنها مهمة شاقة جدًّا ولا تزال حتى الآن مهمة شاقة وتزداد مشقتها مع عدم نزول ماء المطر حيث يقل الماء بالتدريج مع اعتماد الإنسان والحيوان على نفس المصدر.

 تذهب المرأة عادة إلى المكان الذي تعرفه وإذا لم تجد به ماء تستمر في البحث عن أماكن أخرى وأحيانا كثيرة ترجع المرأة بدون أن تجد ماء لأسرتها وخاص في وقت الجفاف، وهذا ما أكدته جميع دراسات الحالة التي اعتمدت عليهم الباحثة، وفي هذه الحالة يقومون بسؤال الجيران والانتقال من أسرة إلى أخرى حتى تجمع القليل من الماء لكي تقوم بتجهيز الطعام لأسرتها.

 ليست كل أماكن توفر المياه موجودة في الغابة، فهناك بعض الأماكن التي تكون بالقرب من القرى وعادة تكون آبارًا وتحمل نفس الصعوبة والوصول إليها يكون صعبًاـ فهي أماكن وعرة مليئة بالصخور غير ممهدة، لاحظت الباحثة بشكل عام أن أماكن تجمع المياه في منطقة الدراسة أماكن طبيعية لم يتدخل أحد من الحكومات للاهتمام بها ورصفها وجعلها طرق ممهدة وصالحة للمشي، فهي طرق غير ممهدة على الإطلاق بها الكثير من المرتفعات والمنخفضات، تشرب منها الحيوانات المنتشرة في الغابة بجانب المواشي الخاصة بالأفراد والإنسان، وبالتالي لا تكفي.

 أما المرأة التي تعمل خارج المنزل فهي تذهب إلى أماكن المياه قبل الذهاب إلى عملها، وإذا لم تستطع الذهاب أو لم تجد ماء فتقوم بشراء الماء الذي يكفيها لمدة يوم فقط أو تطلب من أحد الجيران الذي يملك الحمار بإحضار ماء لها، إما مقابل شيء مادي أو مقابل خدمة تقوم بها أو مقابل توزيع العمل بينهم تذهب هي في يوم والأخرى في يوم آخر وهكذا.

التحديات والمعوقات التي تواجهها المرأة للحصول على المياه

أولًا: بُعد أماكن المياه عن التجمعات السكانية

ثانيًا: ندرة وقلة -وأحيانا كثيرة- عدم وجود مياه أثناء الجفاف.

ثالثًا: المياه غير نظيفة ولا يتم عمل تنقية لها من قبل الحكومة، وبالتالي تحمل الكثير من الشوائب والطمي والحشرات، ما يسبب الكثير من الأمراض، ويعتبر عدم نظافة الماء هو السبب الرئيسي لموت الأطفال.

رابعًا: ارتفاع سعر شراء الماء وقت الجفاف.

خامسًا: تعتبر مهمة إحضار الماء -وهي المهمة الأساسية للمرأة داخل أفريقيا- من المهام الشاقة التي تحتاج إلى مجهود جسدي، فالمرأة الأفريقية مطلوب منها السير مسافات طويلة لأماكن المياه وحمل الماء على ظهرها والعودة لمنزلها.

كيفية مواجهة هذه التحديات من واقع الشواهد الميدانية

استخدم الأفراد بعض الوسائل كمحاولة منهم للتخفيف من حدة التحديات والمعوقات التي تواجههم في الحصول على المياه، وهي كالتالي:

أولًا: التنك

 عبارة عن شكل أسطواني مصنوع من البلاستيك متعدد الأحجام والسعة يبدأ من 10 لترات وحتى 10000 لتر به قواعد لكي يتم وضعه على الأرض بثبات، وبه فتحة متوسطة الحجم في مقدمته لكي ينزل منها ماء المطر وظيفته الأساسية هي تجميع ماء المطر وتخزينه للاستخدام، وليس للاحتفاظ بالماء به لأن مجتمع البحث لا يعرف فكرة تخزين الماء واستخدامه في فترات الجفاف لوجود معتقد بأن الفرد لا يعرف ماذا سوف يحدث غدًا، وبالتالي يجب أن يعيش اليوم بما هو متاح وغدًا دائمًا يأتي بجديد.

لا تمتلك جميع الأسر التنكات في منازلهم لارتفاع ثمنه في منطقة الدراسة، ولاحظت الباحثة أن التنكات يتم استخدامها في الدعاية السياسية حيث يتم توزيع تنك لكل قرية كدعاية للمرشح وأحيانًا تقوم المنظمات الأهلية والأجنبية بتوزيعه على بعض الأسرة كدعم لهذا الأسر، فهناك منظمة قامت بتوزيع تنك ولكنه صغير الحجم حوالي 10 لترات على عدد كبير جدًّا من الأسر في منطقة الدراسة، ولكنه لا يكفي إلا لمدة قصيرة جدًّا ويضطروا إلى البحث عن تنكات كبيرة الحجم حتى تكفي احتياجاتهم اليومية من الماء.

 ولحرص المرأة والأسر على المياه، ولقلتها تقوم المرأة بغلق التنك بالأقفال وهو مصمَّم بطريقة تسمح للمرأة بغلق الحنفية المتصلة بالتنك بالقفل حتى لا يتم استخدام الماء دون إشرافها، ويشير ذلك إلى أهمية الماء عندهم وحرصهم على عدم الإسراف في استخدام الماء وخاصة الأطفال.

تصوير الباحثة – مدينة مويالي على الحدود الكينية الإثيوبية – 2016

ثانيًا: ملء الجراكن الصغيرة أثناء المطر

 هناك أسر لا تملك نقودًا لشراء تنك فتلجأ إلى ملء جميع الجراكن التي تمتلكها من ماء المطر حيث تقوم بوضعها تحت الماسورة التي تحيط بالمنزل حتى يمتلئ الجركن وتكرر هذه العملية حتى تنتهي من ملء جميع الجراكن التي لديها، وهذا لا يحدث إلا أثناء سقوط الأمطار فقط، وبعد انتهاء نزول الأمطار تقوم المرأة بالرجوع إلى دورها الأساسي، وهو الذهاب لإحضار الماء من أماكنه المختلفة ولذلك تعتبر فترة سقوط الأمطار من أهم الفترات عند المرأة تحاول الاستفادة منه لتقليل الأعباء عليها.

تصوير الباحثة – مدينة مارسابيت كينيا 2016

بناء على ما سبق، فهذه المحاولات التي لجأت إليها المرأة في مجتمع الدراسة كانت للتقليل والتخفيف من عبء أهم دور تقوم به داخل الأسرة، وهو إحضار الماء، وهذه الإجراءات لا تكون مفعلة طوال السنة بل تكون في فترة سقوط الأمطار فقط، وباقي السنة تكون مهمتها البحث عن أماكن تجمع المياه في المناطق المجاورة والبعيدة، ومع تغير المناخ الذي أثر على مستوى سقوط الأمطار في المنطقة أصبحت المرأة تعاني بشدة من عدم قدرتها على توفير الماء، وهنا يطرح سؤال: لماذا لا تقدم الحكومة حلولًا لمشكلة الماء وتوفيرها وتوزيعها بشكل عادل على كل المناطق داخل الدولة الواحدة؟ فليس من العدل أن توفر المياه لبعض المناطق والعاصمة وتترك باقي مناطق الدولة للمعاناة إحضار الماء وتوفيره.

error: كل الحقوق محفوظة!!