كتب – د. أيمن شبانة

مدير مركز البحوث الأفريقية – جامعة القاهرة    

شهدت العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودول القارة الأفريقية تطوراً نوعياً خلال العقد الأخير، لتتجاوز ملفات العون الاقتصادى والمساعدات الإنسانية، بالتزامن مع مجموعة من المتغيرات، أهمها احتدام المنافسة بين القوى الدولية والإقليمية لضمان وتعظيم مصالحها الوطنية بالقارة، وتنامى أنشطة الإرهاب والهجرة غير المشروعة والجريمة المنظمة فيها، ورغبة المملكة فى تنويع خارطة شركائها الخارجيين، وتقليل الاعتماد على الغرب، والاستفادة من الإمكانيات الاقتصادية للقارة.

وتسعى هذه الدراسة لتحديد موقع الدائرة الأفريقية بين دوائر حركة السياسة الخارجية للسعودية، وتناول المصالح الوطنية السعودية بالقارة، وتحركات المملكة لتحقيق تلك المصالح، وتقييم الدور السعودى فى أفريقيا.  

أولاً- موقع أفريقيا بين دوائر الحركة السعودية:

تقوم السياسة الخارجية للمملكة على مبادئ وثوابت محددة أهمها: الاتساق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وحسن الجوار وعدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وتحقيق السلم والعدل الدوليين، وإدانة ورفض الإرهاب، والالتزام بقواعد القانون الدولي، والدفاع عن القضايا العربية والإسلامية بالمحافل الدولية، وتطبيق سياسة متوازنة فى مجال إنتاج وتسويق النفط، وعدم الانحياز، والقيام بدور فاعل في إطار المنظمات الدولية والإقليمية.

 وتدور حركة السياسة الخارجية السعودية بين أربع دوائر أساسية هى: الخليج العربى، الدائرة العربية، الدائرة الإسلامية، والدائرة العالمية. وهنا تحتل القارة الأفريقية موقعاً متميزاً، فهى تمثل قاسماً مشتركاً بين الدوائر العربية والإسلامية والعالمية. وهو ما تأكد مع إصدار ” رؤية الملكة للعام 2030″، والتى أعلنها ولى العهد السعودى فى أكتوبر2017، والتى تقوم على فكرة محورية تتمثل فى بناء دولة قوية مزدهرة، تتجاوز حدود الاعتماد على عوائد تصدير النفط، إدراكاً منها أن ذلك سوف يبقى عليها كدولة ريعية، ويهدد اقتصادها بتقلبات مستمرة. 

لذا تحركت السعودية فى كافة الأقاليم الأفريقية. لكن إقليم القرن الأفريقى والبحر الأحمر ظل دائماً فى مركز الصدارة، نظراً لقربه الجغرافى من المملكة، وغناه بالثروات الزراعية والمعدنية، وإشرافه على مضيق باب المندب، الذى تعبره 20 ألف سفينة سنوياً، حاملة 12% من التجارة العالمية، منها 1.15 مليار برميل من النفط، بواقع 3.8 مليون برميل يومياً، بالإضافة ل 66.89 مليون طن من الغاز الطبيعى. ليحتل بذلك المرتبة الثالثة عالمياً، قياساً بدوره فى خدمة التجارة العالمية، بعد مضيقى هرمز وملقا.

ركزت السعودية أيضاً على الدول الأفريقية المحورية، ومنها جنوب أفريقيا ونيجيريا، اللتان تنتجان وحدهما أكثر من نصف الناتج المحلى الإجمالى لأفريقيا جنوب الصحراء، والجزائر التى تعتبر القوة الإقليمية الأبرز بشمال غرب أفريقيا، والمنتج الأول للغاز الطبيعى بالقارة، بالإضافة للدول الواعدة فى إنتاج الطاقة والمعادن، مثل الكونغو الديموقراطية، وغينيا الاستوائية، والجابون وأنجولا، التى تبادلت المملكة التمثيل الدبلوماسى معها عام 2009، بعد انضمام الأخيرة لمنظمة الدول المنتجة للنفط ” أوبك ” عام 2007.

ثانياً-  المصالح السعودية فى أفريقيا:

تتنوع قائمة المصالح السعودية بالقارة الأفريقية، فتشمل السعى لموازنة وتحجيم نفوذ القوى الإقليمية المنافسة، والاستفادة من الثقل التصويتى لدول القارة، وتعزيز التعاون الاقتصادى والأمنى، وتأمين الملاحة بخليج عدن والبحر الأحمر.  

إذ تنظر المملكة لأغلب التحركات الإيرانية والتركية والإسرائيلية باعتبارها خصماً من مصالحها الوطنية وتهديداً لأمنها القومى. فلم يكن للسعودية مثلاً أن تغض الطرف عن التحركات الإيرانية لتوثيق علاقاتها بأفريقيا، ودعم المذهب الشيعى فيها، وإنشاء أحزاب سياسية، ذات أذرع عسكرية، على نمط حزب الله اللبنانى، حتى فى دول الأغلبية السنية مثل نيجيريا. ومشاركة طهران فى جهود مكافحة القرصنة بخليج عدن، ودعمها المالى والتسليحى للحوثيين باليمن.

وبالمثل، شكل التمركز التركى بالقارة إزعاجاً للسعودية. وتجلى ذلك فى ثلاثة مظاهر أساسية هى: افتتاح القاعدة العسكرية التركية بالصومال فى أبريل 2017، وحصول أنقرة على امتياز إعادة تأهيل ميناء سواكن على البحر الأحمر بالسودان فى ديسمبر2017، واحتمال إنشاء قاعدة تركية بسواكن، التى تبعد نحو335 كم عن ميناء جدة السعودى، بالإضافة لتوقيعها اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع ليبيا فى ديسمبر2019، والتدخل العسكرى فيها لدعم حكومة الوفاق الوطنى المرتبطة بالإخوان المسلمين.

 أما إسرائيل، فهى تشكل تهديداً مستمراً للدول العربية ومصالحها بالقارة الأفريقية، سواء بتهديد الأمن المائى المصرى، أو بتغذية الصراعات والحروب الأهلية بالسودان، وتوجيه الضربات الاستباقية إليها بدعوى منع تهريب الأسلحة لقطاع غزة عبر الأراضى السودانية. بالإضافة لتطويق دول شمال أفريقيا العربية، مثلما يحدث بالنسبة لليبيا، بعدما تمكنت إسرائيل من استعادة علاقاتها الدبلوماسية بتشاد عام 2019. وكذا التأثير على السلوك التصويتى للدول الأفريقية إزاء قضايا الصراع العربى الإسرائيلى. وهو ما اتضح بمعارضة توجو لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة فى ديسمبر2017، والذى يدعو واشنطن لسحب قرارها بنقل السفارة الأمريكية للقدس، وامتناع دول أخرى عن التصويت هى: بنين، الكاميرون، أفريقيا الوسطى، غينيا الاستوائية، ليسوتو، مالاوى، رواندا، جنوب السودان، أوغندا.

لذلك سعت السعودية للانفتاح على القارة الأفريقية والتنسيق السياسى معها، وتنويع خارطة تحالفاتها الإقليمية، خاصة أنها تحتل المرتبة الثانية بعد قارة آسيا بين الكتل التصويتية بالجمعية العامة للأمم المتحدة بمجموع (54 دولة). وأنها تحتفظ بثلاث مقاعد غير دائمة بمجلس الأمن الدولى. بالإضافة لعضوية 52 دولة أفريقية بمجموعة عدم الانحياز، وعضوية 27 دولة أفريقية بمنظمة التعاون الإسلامى.

 تنظر السعودية أيضاً للقارة الأفريقية باعتبارها تمثل ميداناً خصباً لتعزيز التجارة والاستثمار، قياساً باتساع السوق الأفريقى بالاتساع (1,2 مليار نسمة)، وقربه الجغرافى من المملكة. كما تزخر القارة بنحو30% من احتياطى الثروات المعدنية بالعالم. فهى أهم منتجى العالم للماس والذهب، والبلاتين واليورانيوم. وتتوافر بها الأرض الخصبة والمياه، والغابات والمنتجات الزراعية. وتضم أكثر من 21 دولة منتجة للنفط، منهم أربع دول تنتمى لمنظمة أوبك هى: نيجيريا، وأنجولا وليبيا والجزائر. وتشير الأرقام إلى أن نصف الاكتشافات النفطية العالمية التى حدثت فى الأعوام العشر الأخيرة كانت فى غرب أفريقيا، خاصة منطقة خليج غينيا. كما توجد بالقارة العديد من الاقتصادات الواعدة، حيث إن ستة من أسرع عشرة اقتصادات نمواً بالعالم توجد بأفريقيا، التى يتوقع أن يرتفع ناتجها المحلي الإجمالي إلى 29 تريليون دولار عام 2050.

تتطلع السعودية كذلك للاستفادة من الإمكانيات التقنية والصناعية لبعض دول القارة، مثل جنوب أفريقيا، التى تشترك معها المملكة فى عضوية مجموعة العشرين، والتى تملك رصيداً وفيراً من الخبرة بمجالات التصنيع المدنى والطاقة المتجددة، والاتصالات والأقمار الصناعية، والهندسة والطب، والتصنيع العسكرى، حيث تسعى المملكة لتقليل واردات السلاح من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وتطوير صناعتها العسكرية فى مجال الدفاع الجوى، لموازنة التقدم الإيرانى فى تكنولوجيا الصواريخ بعيدة المدى.

كما يعتبر تأمين الملاحة بخليج عدن ومضيق باب المندب مصلحة استراتيجية للمملكة، التى تملك ستة موانئ على البحر الأحمر. وهو أمر تبدو أهميته فى ظل تحكم إيران فى الضفة الشمالية لمضيق هرمز، الذى يعبره 35% من النفط العالمى المنقول بحراً، وغلبة الطابع الصدامى على علاقتها بالمملكة، وتهديد طهران المستمر بإغلاق مضيق هرمز حال تعرض قطاعها النفطى لعقوبات دولية.

ثالثاً-  الممارسات السعودية فى أفريقيا:  

 وظفت المملكة كافة أدوات سياستها الخارجية بغية ضمان وتعظيم مصالحها الوطنية بالقارة الأفريقية. كما تنوعت الممارسات السعودية فى أفريقيا على النحو التالى:

1- توثيق العلاقات السياسية وتسوية الصراعات:

  ترتبط المملكة بعلاقات دبلوماسية مع 43 دولة أفريقية، تشمل 28 سفارة، بخلاف القنصليات ومكاتب رعاية المصالح. وتتواصل الزيارات المتبادلة بين المسئولين على الجانبين، حيث قام الملك سلمان بن عبد العزيز بزيارة مصر. كما زار ولى عهده محمد بن سلمان مصر والجزائر، بينما قام وزير الخارجية الأسبق عادل الجبير بأكثر من 18 زيارة للقارة خلال المدة من 2015 حتى 2018. فى المقابل توافد القادة الأفارقة على المملكة، خاصة عقب عملية عاصفة الحزم.

 تشارك المملكة أيضاً فى قمم الاتحاد الأفريقى، والتنظيمات الإقليمية الفرعية مثل كوميسا. باعتبارها عضو مراقب بالاتحاد الأفريقى. كما أصدر العاهل السعودى قراراً بتعيين وزير دولة للشئون الأفريقية فى فبراير2018. وتحرص المملكة أيضاً على تشكيل لجان عمل مشتركة مع الدول الأفريقية، وتنظيم فعاليات دورية تضم القيادات العربية والأفريقية، حيث كان من المقرر استضافتها للقمة العربية الأفريقية الخامسة، والقمة السعودية الأفريقية الأولى بالرياض فى نوفمبر2019، لكن تم تأجيلها لموعد لاحق.

 تنخرط السعودية كذلك فى تسوية الصراعات الأفريقية، منذ استضافتها لمؤتمر المصالحة الصومالية عام 2007 في جدة. كما شاركت فى تسوية التزاع الإثيوبى-الإريترى، بالتعاون مع  الإمارات ومصر، حيث وقع رئيس الوزراء الإثيوبي والرئيس الإريتري اتفاق سلام في جدة فى 16 سبتمبر2018، مما مهد لرفع عقوبات الأمم المتحدة عن إريتريا، وتسوية ملفات صراعية أخرى، مثل النزاع الحدودى بين إريتريا وجيبوتي، بعدما عقدت أول مباحثات مباشرة بين الطرفين بالسعودية.

وفى السودان، دعمت المملكة عملية الانتقال السياسى بالبلاد عقب سقوط نظام الإنقاذ فى أبريل 2019، فأعلنت السعودية والإمارات تقديم دعم قيمته ثلاثة مليارات دولار للسودان. وأيدت الرياض وساطة الاتحاد الأفريقى وإثيوبيا لتشكيل إدارة انتقالية جديدة، وذلك للحفاظ على استثمارتها بالسودان (11 مليار دولار/2018)، وضمان استمراره بالتحالف المساند لها فى اليمن. كما تصدت المملكة للتدخل التركى فى ليبيا. فاستقبل العاهل السعودى كل من اللواء خليفة حفتر القائد العام للجيش الليبى فى مارس 2019، والرئيس الجزائرى عبد المجيد تبون فى فبراير2020 لمناقشة سبل تسوية الصراع الليبى.

2-  تعزيز التعاون الاقتصادى:

 عززت المملكة تعاونها الاقتصادى مع أفريقيا عبر توقيع الاتفاقيات الاقتصادية، وتنظيم الفعاليات المشتركة، وتعزيز التجارة، وضخ الاستثمارات. فنظمت السعودية اجتماع مجلس الغرف التجارية السعودية وسفراء الدول الأفريقية بالمملكة. واستضافت مؤتمر الاستثمار الخليجى الأفريقى الأول فى ديسمبر2010. والملتقي العربي الأفريقي الدولي للاستثمار الأول بمدينة جدة.

انعكس ذلك على حجم التجارة والاستثمار بين الطرفين، والذى بلغ وفقاً لتقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» 18.2 مليار دولار عام 2015. وهنا تبرز مصر وجنوب افريقيا وإثيوبيا كأهم شركاء التجارة مع السعودية. ومن المتوقع أن يزداد حجم التجارة السعودية الأفريقية مع اتجاه المملكة لإقامة خطوط بحرية وبرية مباشرة مع أفريقيا، مثل الخطوط الملاحية بين موانئ جيبوتى وجدة وجازان، والإعلان عن مشروع جسر الملك سلمان على خليج العقبة فى أبريل 2016، وتدشين مشروع نيوم عام 2017، بقيمة نصف تريليون دولار، لإقامة منطقة اقتصادية عالمية بين مصر والسعودية والأردن. وسعى المملكة لتدشين شراكة مع مصر للاستفادة من المزايا والاتفاقيات التجارية التي تتمتع بها مصر فى القارة.

 كما أضحت المملكة أكبر مستثمر خليجى بمعظم دول القارة، خاصة مصر والسودان وجنوب أفريقيا والسنغال وإثيوبيا. وعلى سبيل المثال بلغت المشروعات السعودية بإثيوبيا 294 مشروعا، بقيمة 3 مليار دولار، لتصبح السعودية المستثمر الأجنبى الرابع بإثيوبيا. كما تحظى السنغال بنصيب مرتفع من استثمارات الصندوق السعودى للتنمية بغرب أفريقيا، يصل إلى40%، وهو ما يفسر بحرص السعودية على مد نفوذها الدينى للسنغال، التى تبلغ نسبة مسلميها 96% من السكان، بالإضافة لدعم السنغال السياسى لعملية عاصفة الحزم.

3-  إرساء الأمن مكافحة الإرهاب:

 تتعاون المملكة للتعاون مع الدول الأفريقية فى إرساء الأمن ومحاربة الإرهاب والتطرف، خاصة مع تعرض المملكة للعديد من الحوادث الإرهابية منذ عام 2003، وانتشار الحركات الإرهابية بالقارة، وتدشين عملية عاصفة الحزم، التى أيدتها غالبية الدول الأفريقية سياسياً. وشاركت فيها عسكرياً كل مصر والسودان والمغرب. واتجاه المملكة لزيادة إنفاقها العسكرى، والذى قدر عام 2015 بنحو52 مليار دولار.

 بالنسبة للتعاون الأمنى، أجرت السعودية مناورات “رعد الشمال”، بمنطقة حفر الباطن، بمشاركة عشرين دولة منها: مصر، السودان، تشاد، جزر القمر، موريشيوس، جيبوتى، السنغال، تونس، المغرب، موريتانيا. بالإضافة للمناورات الجوية التى أجرتها المملكة بمنطقة مروى شمال السودان عام 2017، تحت اسم مناورات “الدرع الأزرق1”.  

كما تخطط المملكة لإقامة قاعدة عسكرية بجيبوتى، بهدف مراقبة تحركات منافسيها بالبحر الأحمر والقرن الأفريقى. وتقدم المملكة أيضاً المساعدات العسكرية للدول الأفريقية. وتعتبر الصومال والسودان وجيبوتى وإريتريا من أبرز الدول المستفيدة من تلك المساعدات، حيث حصلت الصومال وحدها على دعم مالى مقداره 50 مليون دولار عام 2019.  

 اتجهت المملكة أيضاً للتعاون مع الشركات المتخصصة فى التصنيع العسكرى بجنوب أفريقيا. فافتتحت مجمعاً عسكرياً بالسعودية، لإنتاج قذائف الهاون وقنابل الطائرات، بترخيص من شركة (راينميتال دينيل) للذخيرة الجنوب أفريقية، وذلك بتكلفة 240 مليون دولار.

وفيما يتعلق بمكافحة الإرهاب، تبنت المملكة إنشاء مركز لمكافحة الإرهاب تابع للأمم المتحدة عام 2011. كما أعلنت السعودية جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية فى 7 مارس 2014. ووقعت اتفاقيات مع الدول الأفريقية لمحاربة الإرهاب، عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتسليم المجرمين، ومنها الاتفاق السعودى-الاريترى فى أبريل 2015. وساهمت المملكة فى تمويل قوة مكافحة الإرهاب بالساحل الأفريقى عام 2017 بأكثر من 100 مليون يورو.

كما استضافت السعودية مراسم تأسيس (مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن) فى يناير2020. ويقع مقره بالرياض. ويضم ثمانى دول هى: السعودية، مصر، والأردن، السودان، اليمن، إريتريا، الصومال، جيبوتي. ويختص التنظيم الجديد بمواجهة الإرهاب والقرصنة، والهجرة غير الشرعية، وتهريب السلاح والتلوث البحري.

4-  النشاط الدعوى والإنسانى:

تتبنى السعودية مشروعاً للتوعية الدينية والعمل الإنسانى بالقارة، التى تعتبر الأولى عالمياً، قياساً بنسبة المسلمين إلى إجمالى السكان (52% من الأفارقة مسلمون)، حيث تستهدف المملكة محاربة الفكر المتطرف، وتنشئة أجيال تدعم التوجهات المعتدلة، عبر توظيف أدوات أهمها: المحطات الفضائية، والمراكز الإسلامية، والمساجد، والمعاهد والمدارس الدينية، واستضافة الدعاة الأفارقة للحج والعمرة فى إطار برنامج ضيوف الرحمن.

وفى هذا الاتجاه، استقطبت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الطلاب الأفارقة البارزين للدراسة بالمملكة. كما يستمر تواصلها مع الخريجين، من خلال جمعيات الخريجين وآليات عديدة أخرى، أهمها اتحاد علماء المسلمين بأفريقيا ومقره باماكو عاصمة مالى. كما تمول المملكة إنشاء الجامعات بالقارة مثل الجامعة الوطنية فى مقديشو.

وفى مجال العون الإنسانى، تعتبر السعودية هى الدولة الأولى بالعالم من حيث نسبة ما تقدمه من مساعدات خارجية إلى إجمالي الناتج القومى، حيث ظلت المملكة لعقود طويلة تقدم ما لا 4% من ناتجها القومى الإجمالى. وكانت الدول الأفريقية فى مقدمة المستفيدين من تلك المساعدات، وذلك عن طريق الصندوق السعودى للتنمية، الذى يعتبر قناتها الأساسية لتقديم المساعدات الإنمائية، بالتعاون مع هيئة الإغاثة العالمية، ولجنة مسلمى أفريقيا، والندوة العالمية للشباب الإسلامى، ومؤسسة الحرمين الخيرية، ورابطة العالم الإسلامى.

وعلى سبيل المثال قدمت المملكة دعماً لمواجهة الجفاف بالصومال عام 2011 بقيمة 60 مليون. وبلغ عدد المشروعات التى نفذها مركز الملك سلمان للأعمال الإنسانية بالصومال حتى يناير2020 أكثر من 40 مشروعاً، بتكلفة 184 مليون دولار. كما ساهم المركز فى تخفيف معاناة المضارين من الإرهاب بالساحل الأفريقى. وكذا ينشط الصندوق السعودي للتنمية فى تقديم القروض لإقامة المشاريع الإنمائية بالقارة، حيث تجاوزت تلك القروض المليار دولار حتى نهاية 2017.

رابعاً- تقييم السياسة السعودية فى أفريقيا:

نجحت السعودية فى استثمار ثقلها الاقتصادى فى النفاذ لكثير من الدول الأفريقية، حيث جاء اقتصاد المملكة فى المرتبة السادسة عشر بين مجموعة دول العشرين للعام 2019. كما أنها تنتج 9.8 مليون برميل من النفط يومياً. وهى تفى دائماً بتعهداتها الاقتصادية إزاء دول القارة. وهو ما أكسبها القدرة على إزاحة منافسيها من مناطق كانت تعتبر معاقلاً تقليدية لهم.

وهنا تقدم السودان حالة نموذجية، حيث دفعت الضغوط السعودية نظام الإنقاذ الوطنى لتحجيم علاقاته بإيران عبر أربع خطوات متتابعة، بدأت بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية بالسودان، ومشاركة الخرطوم ضمن عملية عاصفة الحزم، ومشاركتها فى مناورات رعد الشمال، وقطع العلاقات الدبلوماسية فى يناير2016، إثر الأزمة السعودية الإيرانية التى نشبت بإعدام رجل الدين السعودى الشيعى نمر النمر. وهو ما فعلته الصومال وجيبوتى وجزر القمر أيضاً. وفى ذات الاتجاه وثقت المملكة علاقاتها بنيجيريا والسنغال وجامبيا عقب قطع العلاقات الدبلوماسية بينها وبين إيران.  

 يحسب للسعودية هنا توسيع شبكة علاقاتها الدبلوماسية بالقارة. وإن كانت المملكة لا تزال تعتمد بالأساس على وزارة الخارجية فى تنفيذ ومتابعة علاقاتها الأفريقية، مع توظيف آليات المسار غير الرسمى، ممثلاً فى تنظيمات المجتمع المدنى، حيث إن الملك سلمان بن عبد العزيز لم يزر أى دولة فى أفريقيا جنوب الصحراء.

تنخرط السعودية كذلك فى تسوية الصراعات الداخلية الأفريقية، والنزاعات التى تنشب بين الدول العربية والأفريقية، فيما تنأى أطراف دولية وإقليمية أخرى عن فتح تلك الملفات، وأهمها الصين، اليابان، الهند، إيران، البرازيل. وبالرغم من التعاون السعودى مع مصر والإمارات فى قضايا سياسية عديدة بأفريقيا، لكن حتى الآن لم تتبلور سياسة خليجية أو عربية مشتركة إزاء قضايا القارة. وقد اتضح ذلك خلال أزمة سد النهضة، حيث كان البعض يأمل فى دور أكبر للمملكة فى تسويتها، بحكم ثقلها السياسى والاقتصادى لدى أطراف الأزمة.

لكن يلاحظ وجود ملفات سياسية تعترض طريق تنمية العلاقات السعودية الأفريقية أحياناً، وأهمها الملف السورى، الذى أدى لتوتر العلاقات السعودية المصرية فى ديسمبر2016، وملف الأزمة الخليجية القطرية، حيث كان الحياد المغربى هو السبب الأساسى لتراجع العلاقات السعودية المغربية، لينتهى الأمر بإعلان المغرب سحب قواتها من التحالف العسكرى ضد الحوثيين.

وعلى الجانب الاقتصادى، يمثل النفط ومشتقاته عماد الصادرات السعودية لأفريقيا، بينما تشمل الواردات: اللحوم، والمعادن والفحم. ويلاحظ وجود فائض فى الميزان التجارى لصالح السعودية فى مواجهة كافة دول أفريقيا جنوب الصحراء، بما فيها جمهورية جنوب أفريقيا، حيث حققت السعودية فائضاً فى الميزان التجارى معها بلغ 7.6 مليار ريال عام 2016. لكن قيمة التجارة السعودية الأفريقية بوجه عام لا تزال متواضعة جداً بمقارنتها بإجمالى التجارة السعودية مع العالم، والتى بلغت 1,52 تريليون دولار عام 2019.

  كما يوجد نمو كبير فى الاستثمارات السعودية بأفريقيا. وعلى سبيل المثال تتطلع المملكة لزيادة استثمارتها بجنوب أفريقيا إلى 10 مليار دولار، خاصة بقطاعات الزراعة والبتروكيماويات والطاقة المتجددة. وكذا إنشاء مناطق صناعية سعودية بأفريقيا. لكن تظل الاستثمارات السعودية فى أفريقيا دون المستوى المأمول، فهى لا تتجاوز2% من إجمالى الاستثمارات السعودية عبر العالم. ويمكن تفسير ذلك بارتباط بيئة الاستثمار فى أفريقيا جنوب الصحراء بكثير من المشكلات التى تجعلها بيئة غير آمنة وغير مستقرة نسبياً.    

 من جهة أخرى، يمثل ملف الرعايا الأفارقة بالسعودية محوراً للخلاف بين السعودية وبعض دول القارة، خاصة بعد توسع المملكة فى تطبيق سياسة السعودة، وترحيل العمالة الأفريقية والمهاجرين الأفارقة غير الشرعيين. وهو ما دفع بعض المنظمات الحقوقية الدولية لاتهام المملكة بانتهاك حقوق الإنسان، فيما ردت الحكومة السعودية بأنها مضطرة لتطبيق تلك السياسة لأسباب أمنية واجتماعية، بعدما بلغت نسبة الأجانب بالمملكة 37% من السكان. 

وفى مجال الدعوة الدينية، فبالرغم من الرمزية الدينية للملكة بين مسلمى القارة، باعتبارها دولة الحرمين الشريفين. لكن السياسة السعودية تصطدم هنا بعقبتين أولهما انتشار الطرق الصوفية بالقارة، والتى ترى فى المقامات وأضرحة الأولياء جزءًا أصيلًا من موروثها الدينى، وهو ما يتناقض مع الرؤية السلفية السعودية. يضاف لذلك الدعاية السلبية المضادة التى تتهم العرب بالتورط فى تجارة الرقيق، وتنتقد سعى السعودية لأن تكون مرجعية روحية وعلمية للمسلمين، وتحملها المسئولية عن نشر التطرف بأفريقيا، من خلال دعهما للجماعات السلفية، التى اتجهت لمحاربة الطرق الصوفية، قبل أن تتماهى بعد ذلك مع التنظيمات الإرهابية، وهو ما حدث مع جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد فى نيجيريا، التى انبثقت منها جماعة بوكو حرام.

error: كل الحقوق محفوظة!!