كتب – تكواج فيتر

باحث من دولة جنوب السودان

حققت دولة جنوب السودان استقلالها في يوليو 2011 على إثر عملية معقدة من الحروب الأهلية والاتفاقيات الدولية، أفضت في النهاية إلى تحقيق استقلال جنوب السودان، ومنذ اللحظات الأولى لإعلان استقلال أحدث الدول الأفريقية كانت تلوح في الأفق بوادر أزمة داخلية ناجمة عن سوء توزيع الموارد والمناصب بين الجماعات الإثنية المشكلة للدولة الوليدة.

لم تهنأ جنوب السودان بلحظات استقرار وبناء، فبعد مرور عامين ونصف على استقلالها اندلعت اعمال اقتتال أهلية في ديسمبر 2013 بين الحكومة الجنوب السودانية بزعامة «سيلفا كير ميارديت» والمنتمي لجماعة الدينكا المسيطرة على الحكم، وبين نائب رئيس الجمهورية رياك مشار والذي يمثل المعارضة الجنوب السودانية وينتمي لجماعة النوير التي تعد من أبرز الجماعات الإثنية في جنوب السودان والمنافس التقليدي لجماعة الدينكا.

ومنذ عملية الاقتتال الأولى في ديسمبر 2013 تحاول الدول الإقليمية المحيطة بجنوب السودان احتواء عمليات الحرب الأهلية والتوفيق بين قطبي النزاع الجنوبي “سيلفا كير” و”رياك مشار”، حيث حاولت كل من إثيوبيا وأوغندا وكينيا والسودان التوسط بين فرقاء الأزمة في أكثر من مناسبة سياسية أملًا في إنهاء الاقتتال ووقف تدفق موجات اللاجئين التي صارت عبئًا داخليًّا على الدول المضيفة خاصة أوغندا.

رغم الوساطات المتعددة التي انطلقت في عام 2015 إلا أن عملية السلام في جنوب السودان ما زالت معقدة لم تكتمل حتى اللحظة الراهنة، حيث كان من المفترض أن يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية في 12 نوفمبر 2019 إلا أنه تم تأجيل إعلان تشكيل الحكومة الوطنية، الأمر الذي قد يُدخل البلاد مرة أخرى في دوامة الاقتتال الأهلي من ناحية واستمرار تعثر العملية السياسية في البلاد؛ لذا في هذه الدراسة سيتم التطرق إلى أطر عملية السلام في جنوب السودان، وما هي المعوقات التي تحول دون إتمام عملية السلام في جنوب السودان، وأخيرًا مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في جنوب السودان.

أولًا: سياقات عملية السلام في جنوب السودان

في ديسمبر 2013 اندلعت أعمال اقتتال أهلي بين قطبي النظام السياسي في جنوب السودان الرئيس سيلفاكير ونائب الرئيس رياك مشار، على خلفية الصراع المتنامي بين القطبين حول السيطرة على السلطة والحكم في البلاد وتبادل الاتهامات بين الطرفين بمحاولة الانقلاب على الآخر([i]).

وفي إطار عملية السلام بين الجانبين رعت إثيوبيا اتفاقًا سياسيًّا في أغسطس 2015 من أجل تحقيق عملية تثبيت السلم والأمن في جنوب السودان([ii])، وفي هذا الإطار تم تعيين رياك مشار نائبًا للرئيس في فبراير 2016([iii])، إلا أنه سرعان ما انهارت عملية السلام مع عودة الاقتتال بين الطرفين في يونيو/ يوليو 2016، مما أدى إلى فرار رياك مشار من جوبا ولجوئه إلى دولة الكونغو الديمقراطية([iv]).

“الإيجاد” ومحاولة منع الانزلاق

رغم تجدد الاشتباكات مرة أخرى في يوليو 2016، إلا أن منظمة “الإيجاد” عملت على امتصاص الأزمة ومنع انزلاق الأمور في السودان إلى مسألة الحرب الشاملة بين الجانبين، حيث أعلنت المنظمة تمسكها باتفاقية أغسطس 2015 كإطار منظم لعملية السلام في جنوب السودان([v]).

ودفعت المنظمة إلى إعادة إحياء اتفاقية السلام (أغسطس 2015) من خلال عدد من الخطوات؛ أهمها تنشيط اتفاقية السلام، وتوسيع الحوار الوطني الجنوب سوداني حولها، وجدولتها زمنيًّا لتصبح الاتفاقية عبارة عن توقيتات معينة يتم من خلالها الانتقال من مرحلة أخرى، وإنشاء ملتقى دولي إقليمي للدول الراعية لاتفاقية السلام في جنوب السودان([vi])، وأخيرًا العمل على وقف إطلاق النار بين الجانبين.

نجحت المجموعة الإقليمية عبر ترتيبات متعاقبة في تهدئة الأوضاع في جنوب السودان، حيث تم التوقيع على اتفاقية وقف الأعمال القتالية واستهداف المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية في 21 ديسمبر 2017، ولحقها اتفاق أخر لذات الغرض في 22 مايو 2018 وأخيرًا اتفاق الخرطوم في 27 يونيو 2018.

سير إعادة المفاوضات بين الجانبين

منذ تجدد الاقتتال بين سيلفا كير ورياك مشار في يوليو 2016 عملت منظمة الإيجاد على ترتيب لقاءات مباشرة تفاوضية بين الأطراف المتحاربة، حيث شهدت العاصمة الإثيوبية -على سبيل المثال- ثلاث جولات تفاوضية بين الجانبين قبل توقيع الاتفاق المنشط في سبتمبر 2018، كما شهدت العاصمة السودانية الخرطوم اجتماعًا آخر([vii]) في يوليو 2018 بين الفرقاء في جنوب السودان، وهدفت تلك اللقاءات المباشرة إلى ردم الهوة بين الطرفين، ومحاولة الوصول إلى آلية فعالة لوقف إطلاق النار.

اتفاق السلام المنشط (سبتمبر 2018)([viii])

في سبتمبر 2018 تم التوقيع في العاصمة أديس أبابا على اتفاق السلام المنشط بين الأطراف الجنوب سودانية، وفي هذا الاتفاق تم الاتفاق على تقسيم المرحلة الانتقالية إلى مرحلتين، المرحلة الأولى لمدة ثمانية أشهر يتم فيها ترتيب الأوضاع الداخلية؛ مثل الإفراج عن كل المعتقلين، وتشكيل اللجان التي من شأنها التوصل إلى حلول جذرية للمشكلات في جنوب السودان؛ مثل عملية تقاسم السلطة ودعم البنية التحتية والاقتصادية للبلاد، ووضع آليات لإنشاء دستور دائم للبلاد، وإعادة النظر في مسألة حدود الولايات في جنوب السودان، أما المرحلة الثانية فستبدأ مع تشكيل حكومة وحدة وطنية عابرة للأيدولوجيات والجماعات الإثنية ومن المفترض أن تستمر تلك الحكومة([ix]) لمدة ثلاث سنوات يتم فيها الاستعداد لإجراء الانتخابات الوطنية قبل انقضاء مدة الثلاث سنوات بـ60 يوم)[x](.

وينص الاتفاق أيضًا على تعيين رياك مشار نائبًا أول للرئيس الجنوب سوداني فضلًا عن تعيين أربعة آخرين منهم امرأة كنواب للرئيس، ومن المفترض أن يشرف النائب الأول لرئيس الجمهورية على أعمال الحكومة فيما يخص قضايا الحوكمة ومحاربة الفساد، فيما سيشرف النواب الأربعة الآخرون على الخدمات والبنية التحتية وشئون المرأة والنوع الاجتماعي والشباب)[xi](.

ثانيًا: معوقات عملية السلام في جنوب السودان

كان من المفترض -طبقًا لتوقيتات عملية السلام في جنوب السودان- أن يتم تشكيل حكومة موحدة في جوبا خلال النصف الأول من شهر نوفمبر 2019، إلا أن الخلافات بين الطرفين (كير- مشار) حالت دون تشكيل الحكومة المنتظرة، مما أدى إلى إجراء اتفاق آخر في مدينة عنتيبي الأوغندية بين الطرفين برعاية الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، تم الاتفاق فيه على إعطاء الطرفين مهلة 100 يوم لتشكيل الحكومة الجديدة في ربيع عام 2020([xii]).

ويتضح من خطوة تأجيل الإعلان عن تشكيل الحكومة إلى تنامي عدم الاستقرار في البلاد واحتمالية تعرض البلاد مرة أخرى لموجة جديدة من الاقتتال الأهلي، الأمر الذي ينسف كل جهود السلام التي حيكت منذ أغسطس 2015 وحتى سبتمبر 2018، وفي هذا الإطار ينبغي توضيح عدد من المعوقات التي تواجه عملية السلام في البلاد ومنها:

  • الإفراج الجزئي عن بعض المعتقلين: نص البند الثاني من اتفاقية السلام 2015، وكذلك الاتفاق المنشط له في سبتمبر 2018 على ضرورة الإفراج الشامل عن كل المعتقلين السياسيين والكفّ عن استقطاب مجندين جدد، إلا أن الحكومة لم تفرج سوى عن 20 معتقلًا سياسيًّا فقط، في حين يقبع العديد في سجون السلطة كمعتقلين سياسيين)[xiii](.
  • غياب الإرادة السياسية: تمثل الإرادة السياسية العامل الأول لإنجاح أي اتفاق سياسي إلا أن الوضع في جوبا يشي بأن السلطة السياسية ترغب في إبقاء الأوضاع على حالها حيث ما زال هناك العديد من الأمور العالقة المتعلقة بتشكيل لجان وقف إطلاق النار، وفك الارتباط، وإنشاء لجنة الأمن الانتقالي المشتركة ولجنة التعديلات الدستورية وغيرها.
  • ضعف الموارد المالية: مما يزيد الأمور تعقيدًا ندرة الموارد المالية الكافية لتحقيق عملية الانتقال السلمي في البلاد، فالحكومة في جوبا تعاني من مديونية تقدر بـ17 مليار جنيه سوداني جنوبي؛ أي ما يعادل 130 مليون دولار أمريكي، فضلًا عن تأخر رواتب موظفي الحكومة ثلاثة وخمسة أشهر، وتُقدر تكلفة العملية السلمية في جنوب السودان بحوالي 280 مليون دولار أمريكي، لم يتم توفير سوى 3 ملايين دولار منهم)[xiv](.
  • عدم وجود النوايا الحسنة لتنفيذ الاتفاق: سوء النوايا المتبادلة بين الطرفين ما زال هو السائد؛ ففي أكثر من مناسبة عبّر سيلفا كير عن رفضه التعاون مع غريمه رياك مشار، كما أن سياسة التجنيد والتعبئة في الفصائل المسلحة ما زالت جاريةً ولم تتوقف، ومما يدل على عدم توافر حسن النوايا ما تعرض له المراقبون الدوليون المعنون بتنفيذ اتفاق السلام إذ تم توقيفهم في مدينة لوري وتجريدهم من ملابسهم)[xv](، ومما زاد الأمور احتقانًا هو عملية إعدام اثنين من المعتقلين على يد عناصر من قوى الأمن الوطني في جوبا وهما “أقري إدرى”، “دونق صموئيل لواك”، وفي هذا الصدد طالب رياك مشار بضرورة تقديم الجناة للعدالة، وكذلك أعضاء السفارة الجنوب سودانية في كينيا؛ حيث تشير الدلائل إلى أن عملية القبض على الرجلين تمت في كينيا وتم ترحيلهم إلى جوبا بواسطة السفارة([xvi]).

ثالثًا: مستقبل الاستقرار السياسي:

توصل أطراف النزاع في جنوب السودان إلى توقيع اتفاقية في سبتمبر 2018 لتنشيط وإعادة تفعيل الاتفاقية التي وقعت في أغسطس 2015, وانهارت في يوليو 2016 بعد تجدد الاشتباكات والصراع بين طرفي النزاع حينها, وهو ما تطلب التفاوض حتى يتحقق الاستقرار لاسيما السياسي في البلاد، ومن المحتمل أن تدخل البلاد مرة أخرى  في معترك اقتتال داخلي بعد انتهاء مهلة 100 يوم في حال عدم التوافق على تشكيل الحكومة الأمر الذي يهدد الاستقرار السياسي.

فالاستقرار السياسي هو عدم استخدام العنف لأغراض سياسية, ولجوء القوى والجماعات السياسية إلى الأساليب الدستورية في حل الصراع, وقدرة مؤسسات النظام السياسي على الاستجابة للمطالب المقدمة إليه، والنابعة من البيئة الداخلية والخارجية للنظام][xvii][, في هذا الإطار نصّت الاتفاقية على بعضٍ من المسائل المسببة للنزاع والحرب في البلاد من جانب، والترتيبات الهامة من جانب آخر, والتي اعتبرها الأطراف والوسطاء قادرة على إبعاد الدولة عن الفوضى وتحقق الاستقرار السياسي, تمثلت في تشكيل حكومة انتقالية بنهاية الفترة المحددة، حيث يتم إجراء انتخابات تمهد لها الحكومة الانتقالية من خلال المهام المنوط لها ذلك, كما نصت على عدد من المسائل والترتيبات المرتبطة بضرورة تحقيق الاستقرار السياسي.

ويأتي فقدان فرصة تشكيل حكومة موحدة وتحقيق مزيد من الاستقرار السياسي بسبب تحركات رياك مشار -زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان بالمعارضة- حيث سبق أن أعلن عن تمسكه بضرورة حل المسائل العالقة بتنفيذ كل ما جاء في الاتفاقية، والمطلوب تنفيذها قبل تشكيل الحكومة الانتقالية بحسب هذه الاتفاقية, أي ما يؤكد عدم مشاركته في الحكومة الانتقالية حال إصرار الأطراف الأخرى على تشكيل الحكومة الانتقالية, وبالتالي يؤشر ذلك بعدم تحقق الاستقرار السياسي في دولة جنوب السودان, ووجود توقعات تعرض تلك الحكومة -حال مُضِيّ الأطراف الأخرى نحو تشكيلها بعد انتهاء مهلة 100 يوم- إلى تغييرات مستمرة في فترات قصيرة, من أجل كسب رضا أفرادٍ من الأطراف الرافضة تجاوز حل المسائل العالقة][xviii][.

ومن خلال الشدِّ والجذب يمكن ملاحظة مسألتين عالقتين بين الأطراف؛ الأولى هي تحديد حدود وعدد الولايات, والثانية هي مسألة تكوين جيش وطني, فهاتان المسألتان هما الكاشفتان لعمق الأزمة السياسية في جنوب السودان.

  • تذبذب الاستقرار الأمني

الاستقرار الأمني يرتبط في جنوب السودان -بشكل رئيسي- بالاستقرار السياسي, ويرجع إلى طبيعة التكوين العسكري والأجهزة الأمنية التي تتكون من ميليشيات وقوات شخصية تابعة لشخصيات بعينها, وتدين لهم بالولاء والتداخل الشديد مع التركيبة الاجتماعية أو القبلية والولاء القبلي بشكل أدق كمعيار للولاء لهؤلاء الشخصيات, امتداد للطبيعة والطريقة التي تكوّن بها الجيش الشعبي لتحرير السودان قبل وبعد استقلال جنوب السودان][xix][.

لقد نصّت الاتفاقية المنشطة على ترتيبات تختلف عن ما جاء في اتفاقية أغسطس 2015 فيما يتعلق بوجود جيشين, على أن يتم تكوين جيش وطني بدلًا عن ذلك, يتم تكوين هذا الجيش الوطني من قبل القوات التي كانت تحت إمرة وقيادة أطراف النزاع خلال المرحلة قبل الانتقالية, كما نصت على مراحل تكوينها من حيث التجميع والنشر والتسريح والتدريب المطلوب لإعداد هذه القوات بإشراف أجهزة الرصد, وعلى مجلس الدفاع المشترك تشكيل اللجنة الأمنية الانتقالية المشتركة التي بدورها تقوم بتحديد معايير تلك القوات والأجهزة الأمنية المختلفة, بحيث يتم خلال المرحلة قبل الانتقالية إحالة غير المؤهلين منهم إلى مفوضية نزع السلاح وتسريح وإعادة دمجهم في المجتمع, وبالإضافة إلى ذلك نصّ على أنه يجب اكتمال نشر وتدريب القوات خلال الثمانية أشهر, ونتيجة لعدم تحقق ذلك وعدم إنجاز اكتمال الترتيبات الأمنية طالب الأطراف بمدّ الفترة لمدة ستة أشهر إضافية التي كانت على مشارف الانتهاء بحلول 12 نوفمبر 2019 المفترض اكتمال الترتيبات الأمنية قبله، ومن ثم تشكيل الحكومة][xx][.

إن كل ما جاء في اتفاقية السلام من الترتيبات الأمنية وغيرها والفترات التي حُددت لكل منها, هي حلول لنزاع في جنوب السودان, وأي خرق لأي منها -وخاصة مسألة الترتيبات دون الاتفاق والتوافق بين أطراف النزاع, وخاصة الترتيبات الأمنية باعتبار تلك القوات هي الأداة الرئيسية التي يتم استخدامها في حالة حدوث أي حالة من عدم التعقيد والتفاهم كما نشب في يوليو 2016- قد يعيد الأطراف إلى المربع الأول؛ لذا من الضروري حسم تلك المسألة قبل اتخاذ أي خطوة نحو تشكيل الحكومة كحلٍّ أنجع, ولتفادي المزيد من الخسائر في الأرواح واستنزاف موارد الدولة في صراعات داخلية لا طائل منها سوى الخراب والدمار للدولة.

  • استنزاف موارد الدولة

يتأثر الاقتصاد دائمًا بالحروب, وهو ما يعني وجود علاقة عكسية بينهما، فأينما وجدت الحرب تدهور الاقتصاد, وطوال التاريخ القصير منذ استقلال جنوب السودان والحروب التي حدثت في جنوب السودان تأثر الاقتصاد سلبًا, ففي الحرب مع السودان في عام 2012 تدهور اقتصاد جنوب السودان, بسبب قيام السودان بإغلاق أنابيب مرور ونقل نفط جنوب السودان منها إلى الأسواق العالمية عبر السودان, ويعتمد اقتصاد جنوب السودان على حوالي 95% من عائدات النفط كمصدر أساسي للدخل القومي, لقد كانت واقعة الحرب الأهلية في ديسمبر 2013 أشد تأثيرًا بالسلب على اقتصاد جنوب السودان, فقد تدهورت إنتاجية النفط وقطاعات أخرى, ففي ديسمبر 2016 تراجع قيمة الجنيه الجنوب سوداني مقابل الدولار بنسبة تزيد عن 95%, نتيجة لما تلاها من اتجاه الحكومة إلى تبني سياسة مالية تُفضى إلى تعويم سعر الصرف بما يعني التخلي عن سعر الصرف الثابت في ديسمبر 2015, وفي جانب الإنفاق الحكومي استمرت الدولة في توجيه جزء كبير من ميزانيتها إلى تمويل مجهود الحرب الداخلية, وخصصت ما يقدر بـ58% للإنفاق الأمني من إجمالي الميزانية, خصص منها -أي من الإنفاق الأمني- حوالي 50% كأجور ورواتب موظفي الأجهزة الأمنية في الدولة, وذلك من الفترة 2011/ 2012 إلى 2013/ 2014, لم تقف هذه النسب عند هذا الحد بل ازدادت هذه النسبة من 2014/ 2015 إلى 2017/ 2018 إلى أكثر من 75%][xxi][.

وبالتالي يتضح من الأرقام والنسب الضخمة أعلاه مدى إهدار واستنزاف موارد الدولة في حرب أهلية, من خلال توجيه تلك الموارد لخدمة المجهود الحربي الداخلي, وبالرغم من وجود عجز في الميزانية يغطى بالقروض داخلية وخارجية مقابل سدادها من عائدات النفط, ما حمّل الدولة ديونًا داخلية وخارجية استقطعت من عائدات النفط ومن الالتزامات الأخرى المرتبطة بالإنفاق الحكومي، سواء كانت التزامات الدولة تجاه المنظمات الإقليمية والدولية أو مرتبات وأجور الموظفين في الدولة][xxii][. ما يعني أن الحرب تدار على حساب المواطنين حتى الموالين للنظام, الذين تزداد أحوال معيشتهم سوءًا وتدهورًا كلما طال أمد الحرب, وبالتالي يجب على أطراف النزاع في جنوب السودان الالتزام بتنفيذ كل ما جاء في اتفاقية السلام المنشطة, أو ما يتم التوافق عليه من قبل الأطراف في حال بروز متغيرات يتطلب غير ذلك, بما يجنب البلاد تجدد الحرب ومساوئها.

  • تفاقم المسألة الإثنية

يعتبر تحقيق الاستقرار الاجتماعي من أهم متطلبات المرحلة الانتقالية لوضع البلاد في المسار الصحيح والصالح لخوض انتخابات بنهاية الفترة الانتقالية, طوال تلك الحروب كان المتضرر هو المواطن بسبب الخراب والدمار الذي لحق بقدراته وإمكانياته البسيطة, والدولة بحاجة إلى التركيز على خلق بيئة اجتماعية سليمة، يتم فيها توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية والضرورية في المأكل والمشرب والمسكن والتعليم والخدمات الصحية والطرق والمواصلات وغيرها, رغم الإمكانيات المتوفرة للدولة ظلّ مواطنو جنوب السودان ينظرون لتلك الأشياء بأحلام واجب الاجتهاد لأجلها، وإنْ تَطَلَّبَ الأمرُ الهجرة بحثًا عن العيش الكريم, كل ذلك بالرغم من أن جميع هذه الأحلام بالنسبة للمواطن الجنوب سوداني مجرد حقوق أساسية يجب على الدولة توفيرها للشعب عامة، بغض النظر عن الاختلافات في التكوين الاجتماعي أو غيرها إن وجد.

 ومن ضمن المسائل المهددة للاستقرار الاجتماعي؛ مسألة تحديد وحدود الولايات وما يترتب عليها من توزيع الثروات والمناصب بين الجماعات الإثنية، ففي حال إصرار الحكومة على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية دون مراعاة عدد وحدود الولايات -كما جاء في التقرير النهائي للجهة المكلفة بها في الاتفاقية, والتقييد بما جاء من توصيات اللجنة الفنية للحدود- فإن البلاد معرضة لانفجار الأوضاع, وهو ما قد يزيد من تفاقم حدة الانقسام نتيجة للحروب الأهلية المتكررة، وما يرافقها من جرائم حرب وانتهاكات ضد الإنسانية والاستهدافات التي تتم خلال الحرب ضد مجتمعات بعينها لانتمائهم لجماعة معينة.

ففي فترة الحرب التي اندلعت في ديسمبر 2013 وخلالها حتى يونيو 2016 فرّ العديد من السكان, بعضهم نزحوا داخليًّا إلى مخيمات المفوضية السامية, والبعض الآخر هاجروا ولجأوا إلى الدول المجاورة لجنوب السودان, وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية منذ اندلاع الحرب فرّ أكثر من 2.3 مليون وتركوا منازلهم, منهم 1.7 مليون نزحوا داخليًّا والبقية أصبحوا من اللاجئين في الدول المجاورة, وأكثر من 2.8 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي والتغذية, كما أن الحرب خلفت آثارًا واضطرابات نفسية لنسبة كبيرة من السكان؛ فيقدر ما بين 10% إلى 15- 20% من بين السكان يعانون من مشكلات واضطرابات نفسية خفيفة ومعتدلة, هذا فصلًا عن القتلى والجرحى][xxiii][.

خاتمة:
مما سبق يمكن القول: إن إغفال أي بند من البنود الجوهرية التي وردت في الاتفاقية المنشطة لتسوية النزاع في جمهورية جنوب السودان, يعتبر دفعةً سلبيةً نحو خلق حالة دائمة من عدم الاستقرار البلاد, وتحقق الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي يعتمد على تنفيذ الاتفاقية المنشطة نصًّا وروحًا, بالتأكيد على أن التوقيع عليها لم يكن نابعًا من فراغ بل كحلّ تطلّب قيام الوسطاء الدوليين والإقليميين إلى دعمها ولعب أدوار نحو التوصل إليها، وبها –فحسب- يمكن تجنيب دولة جنوب السودان المزيد من الحروب بما يحقق السلام الدائم, والعمل على تمديد وإرجاء تشكيل الحكومة إلى بعد إحقاق حل القضايا العالقة والالتزام بتنفيذ الاتفاقية بدلًا من تجاوزها وإغفالها عمدًا, من أجل إرساء دعائم السلام والاستقرار في جنوب السودان.

قائمة المراجع:


[i] . أليو قرنق، سياقات اتفاقية السلام لجنوب السودان ومآلاتها، مركز الجزيرة للدراسات،، 29 يوليو 2018، متاح على الرابط التالي:

http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2018/07/180729112725510.html

[ii] . المرجع السابق

[iii] . سكاي نيوز عربية، جنوب السودان.. سيلفا كير ورياك مشار.. عودة على بدء، 12 فبراير 2016، متاح على الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=0kMKDbq-Lzk

[iv] . إيرونيوز عربي، رياك مشار في الكونغو الديمقراطية عقب فراره من جنوب السودان، 18 أغسطس 2016، متاح على الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=bPPei7rbgIE

[v] . أليو قرنق، مرجع سبق ذكره

[vi] . تشكل المؤتمر في ديسمبر 2017 ويضم دول (جيبوتي وإثيوبيا وكينيا والصومال وجنوب السودان والسودان وأوغندا)

[vii] . جاء اجتماع الخرطوم على خلفية تأزم الموقف بين الأطراف الجنوب السودانية وعدم قدرة إثيوبيا على دفع عملية السلام في جنوب السودان بمفردها، لذا اقترحت السودان في ذلك الوقت استضافة الفرقاء في الجنوب من أجل ردم الهوة بينهم ووضع اللمسات الأخيرة للاتفاق السياسي المنشط الذي تم توقيعه في سبتمبر 2018، ويرجح البعض أن السودان كان متحمسا للغاية من أجل استضافة هذا المؤتمر للعديد من الأسباب أولها رغبة من الخرطوم في تحقيق القطيعة مع ماضي الحرب الأهلية في جنوب السودان، وإظهار السودان كدولة إقليمية راعية للسلام، وأخيرًا رغبة النظام السوداني في ذلك الوقت “نظام عمر البشير” في كسر العزلة الدولية واستجلاب المساعدات الدولية لبلاده.

 [viii] . تم التوقيع على تلك الاتفاقية في العاصمة أديس أبابا والأطراف الموقعون هم رئيس الحكومة سيلفا كير  ورياك مشار كممثل عن جناح المعارضة في الحركة الشعبية لتحرير السودان، ودينغ ألور كوول نيابة عن المعتقلين السياسيين وغابرييل تشانجسون نيابة عن تحالف المعارضة في جنوب السودان وكذلك بيتر ماجونجديت وجوزيف أوكيل بانغو ومارتن توكو موى.

[ix] . الحكومة المفترض تشكيلها خلال الأيام المقبلة من المفترض أن تتكون من 35 وزيرًا منهم 20 وزيرًا من الحكومة الحالية و9 وزراء من الحركة الشعبية الموالية لمشار، وثلاثة من تحالف المعارضة، واثنين عن المعتقلين وواحد عن بقية الأحزاب، كما سيتم تعيين 10 نواب وزراء موزعين كالتالي: 5  نواب وزراء من الحكومة الحالية، وثلاثة من الحركة الشعبية، واثنان عن تحالف المعارضة والأحزاب السياسية

[x] . CLAYTON HAZVINEI VHUMBUNU, Reviving peace in South Sudan through the Revitalised Peace Agreement Understanding the enablers and possible obstacles, The African Centre for the Constructive Resolution of Disputes (ACCORD), 11 FEB,2019, AT: https://www.accord.org.za/conflict-trends/reviving-peace-in-south-sudan-through-the-revitalised-peace-agreement/

[xi] IDM

[xii] . بوابة الوطن، مهلة 100 يوم لتشكيل حكومة وحدة وطنية في جنوب السودان، 8 نوفمبر 2019، متاح على الرابط التالي:

https://www.elwatannews.com/news/details/4411332

[xiii] . CLAYTON HAZVINEI VHUMBUNU, OP.CIT.

[xiv] SANDRA TOMBE, Revitalising the peace in South Sudan Assessing the state of the pre-transitional phase, The African Centre for the Constructive Resolution of Disputes (ACCORD), 24 JUN 2019, AT: https://www.accord.org.za/conflict-trends/revitalising-the-peace-in-south-sudan/

[xv] . آدهم السيد، تجريد مراقبين دوليين من ملابسهم بجنوب السودان، موقع مبتدأ، 19 ديسمبر 2018، متاح على الرابط التالي:

https://www.mobtada.com/details/797096

[xvi] . وكالة الأناضول، الاحتقان السياسي يعود مجددًا لدولة “جنوب السودان” (تقرير)،  23 مايو 2019، متاح على الرابط التالي:

https://www.aa.com.tr/ar/%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D9%8A%D8%B9%D9%88%D8%AF-%D9%85%D8%AC%D8%AF%D8%AF%D9%8B%D8%A7-%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1/1485080

[[xvii]]  كريمة بقدي: الفساد السياسي وأثره على الاستقرار السياسي في شمال إفريقيا, مذكرة ماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية (شتوان: جامعة أبو بكر بلقايد (تلمسان), كلية الحقوق والعلوم السياسية, 2011- 2012) ص 53.

[[xviii]]  مشار يغادر جوبا ويتمسك بموقفه الرافض لتشكيل حكومة في موعدها, راديو التماذج (جوبا, 21 أكتوبر 2019), متاح على الرابط:

http://bit.ly/31EDhgR

تاريخ الدخول 23/ 10/ 2019

[[xix]]  كلير مك إيفوي وإميل ليبرن: مستقبل غامض: العنف المسلح في جنوب السودان, (جنيف: المعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية, 2010), ص33.

[[xx]]  الاتفاقية المنشطة لتسوية النزاع في جمهورية جنوب السودان 28 أغسطس 2018, المادة 2.2 الفترة قبل الانتقالية.

[[xxi]] African Development Bank Group: The political economy of South Sudan (African Development Bank Group, 2018), PP 10- 16

[[xxii]] Ipid

[[xxiii]]  تقرير منظمة العفو الدولية: لقد تحجرت قلوبنا آثار النزاع المسلح في جنوب السودان على الصحة النفسية (منظمة العفو الدولية, الطبعة الأولى, 2016), ص 24- 28.