كتب – د. محمد عبدالكريم
باحث متخصص في الشئون الأفريقية

شهدت خريطة الإرهاب في أفريقيا، في الشهور الأخيرة، تحولات مهمة مع تصعيد أعمال العنف في العديد من البقاع التي كانت “خاملة” (مثل وسط أفريقيا وأجزاء من غرب أفريقيا)، ونشاط دبلوماسي (على المستويين الإقليمي والدولي) لمواجهة الظاهرة، وتحقيق اختراق حقيقي في فهم ظاهرة الإرهاب بشكل أدق ووضع خطط لمواجهته، الأمر الذي ستختبر نجاعته في الفترة المقبلة من عدمها. وفي هذا السياق انتهت قمتا الاتحاد الأفريقي الاستثنائيتين حول الأمن والإرهاب في مالابو عاصمة غينيا بيساو نهاية مايو الماضي بخلاصات يمكن أن تمثل، حال تعميقها والبناء عليها في شكل خطوات وإجراءات سياسية عملية، تغيرًا جادًّا في فهم القيادات السياسية الأفريقية لمعضلة الإرهاب وديناميات استدامته في القارة منذ عقود دون مواجهات جدية. فقد رأى القادة الأفارقة -في بيانهم الختامي- أن الإرهاب والحكم الفاسد والانقلابات العسكرية لها صلات سببية بالأزمات الإنسانية التي تضرب أرجاء القارة([1])؛ مما يضع ظاهرة الإرهاب في سياقات مجتمعية ودولية أوسع بعد طول تبني مقاربة “أمنية” ضيقة للظاهرة أعاقت مواجهتها بشكل ناجع.  

لكن الاستجابات الإقليمية والدولية على الأرض تظل في واقع الأمر أسيرة حسابات التوازنات الإقليمية للدول المتضررة بشكل واضح، كما اتضح في الأزمة الراهنة إزاء تصاعد أعمال العنف والإرهاب في منطقة وسط أفريقيا (خاصة المناطق الحدودية بين جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا ورواندا) وعجز المجتمع الدولي، على سبيل المثال، عن وضع أبرز أطراف الأزمة الفاعلة (رواندا) أمام مسئولياتها والتراجع عن دعم عدد من جماعات العنف المسلح وتسليحها، حسب إفادات مسئولين من جمهورية الكونغو الديمقراطية أمام مجلس الأمن بالأمم المتحدة (يونيو 2022)، الأمر الذي يهدد حال استدامته بتمدد الأنشطة الإرهابية واستغلال الفراغ الأمني والسياسي في تلك المناطق لصالح

قراءة في تمدد خريطة الأنشطة الإرهابية

عقد الاتحاد الأفريقي في مايو 2022 قمته غير العادية حول الإرهاب والتغيرات غير الدستورية للحكومات في أفريقيا في عاصمة غينيا الاستوائية مالابو، ونتج عن الاجتماع إعلان حمل عنوانًا لافتًا: “استجابة قوية، وتعميق الديمقراطية والأمن الجماعي”، وعبرت الدول الأفريقية في البيان عن إدانتها وعدم تسامحها بالمرة إزاء جميع أشكال تغيير الحكم غير الدستورية، مع تأكيد ديباجة الإعلان على التزام الدول الأعضاء بتعزيز النزعة الدستورية والفصل بين السلطات والاستقلال القضائي والتعددية السياسية والمشاركة العامة المهمة، المر الذي عده البيان ضرورة لتفادي سياسات تضييق المجال المدني، ومن أجل حماية الحقوق الدستورية في ظل تحجج عدد من الدول الأفريقية بمحاربة الإرهاب لتضييق الحريات حسب البيان. وركز البيان على تناول المدى الذي تمتد له موجة مواجهة الإرهاب وحماية البيانات واستجابات الأمن السيبراني([2]).

وحسب عدد من التقارير الغربية (التي تختزل الظاهرة الإرهابية في التنظيمات “الإسلاموية”، ولا تبرز الأدوار الخطيرة لجماعات العنف المسلح وإرهاب المدنيين في مناطق أخرى من القارة الأفريقية لا ترتبط أيديولوجيًّا “بالإسلام”) فإن التنظيمات التابعة لداعش في أفريقيا جنوب الصحراء قد واصلت مستوى عملياتي مرتفع مع وقوع هجمات ملفتة في جمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا وموزمبيق وتشاد وأماكن أخرى. ونجحت مجموعات إرهابية في تهريب عدد كبير من المعتقلين في سجن بمدينة أبوجا، مما أظهر قدرة على تنفيذ عمليات معقدة في العاصمة النيجيرية التي ظلت لسنوات مدينة آمنة في وجه التنظيمات الإرهابية. كما تميزت حركة الجماعات الإرهابية في الشهور الأخيرة بالانشطار إلى مجموعات أصغر فيما يبدو لتيسير عملية القيادة والسيطرة على أعضاء الجماعات وتحركاتهم وعملياتهم الإرهابية وكذلك لتعزيز عمليات الدعاية والإعلام عبر تضخيم أنشطة هذه المجموعات إعلاميًا. وثمة متغير بالغ الخطورة يتمثل في عمق خطوات القاعدة في إقليم الساحل بتوسيع نطاقات عملها إلى بوركينا فاسو وساحل العاج والسنغال وتوجو وبنين، وهي مناطق نفوذ مستحدثة في وجه “القاعدة”. وترى تقارير غربية متخصصة في شئون الإرهاب أن التأثير الروسي عبر مجموعة واجنر للأمن الخاص يؤدي إلى استمرار زعزعة الاستقرار في أجزاء من غرب أفريقيا “عبر استخدام تكتيكات متقلبة وحملات تضليل إعلامي” وهي مقاربة أفادت -حسب هذه التقارير- المجموعات الإرهابية “الجهادية” على المدى البعيد([3]).

لكن الملاحظ أن خريطة الجماعات الإرهابية تتسع بشكل غير متوقع لتمتد في مناطق وسط أفريقيا وأجزاء “مستجدة” من غرب أفريقيا لتتصل حلقات العنف والإرهاب في شكل حزام ممتد دون انقطاع، وإن اختلفت هويات هذه الجماعات بشكل كبير. مع ملاحظة أساسية وهي تجاهل ملحوظ لهذا التمدد وتداعياته الخطيرة مستقبلًا بدافع من نظرة ضيقة للارتباطات الأيديولوجية للجماعات الإرهابية وحصرها في الجماعات الإسلاموية.

بؤرة وسط أفريقيا: تعقيدات الإرهاب وهشاشة الدولة

تواجه دول وسط أفريقيا وتخومها، حسب رصد لجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن Security Council – Counter-Terrorism Committee (CTC)، تهديدات إرهابية مضاعفة بعد تمدد أنشطة بوكو حرام من منطقة نشأتها الأصلية في شمال شرق نيجيريا إلى كامل إقليم حوض بحيرة تشاد (المتماس مع وسط أفريقيا)، مما أثر على المنطقة التي تمتد من أقصى شمال الكاميرون وإقليم بحيرة تشاد في تشاد. كما أن انتشار العنف من قبل “جماعات مسلحة أخرى” داخل تشاد وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطى لا يزال يفرض تهديدًا على الاستقرار الشامل في هذا الإقليم الفرعي([4]).  

ومع تزايد تعقيدات ظاهرة الإرهاب في أفريقيا يتضح بشكل كبير ارتباطها بهشاشة الدولة وعدم إحكام الدولة سيطرتها على مناطق نائية، مثلما يتطور حاليًا في الكاميرون وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا وربما رواندا. وقد حضرت هذه المسألة “نظريًّا” في نقاشات الاتحاد الأفريقي، الذي أتم في 9 يوليو الحالي عامه العشرين وسط حالة عامة من الأزمات السياسية والأزمات الوجودية الأخرى التي تهدد السلم والأمن وتوقعات التنمية في القارة دون تقديم حلول حقيقية أو دون إنجاز ملموس في شعار الاتحاد “حلول أفريقية للقضايا الأفريقية”. وفي واقع الأمر فإن أفريقيا على مفترق طرق حقيقية وتواجه تحديات المآسي الإنسانية ومشكلات التنمية. وترتبط مشكلة الإرهاب بشكل متصاعد بهشاشة الدولة، إذ يشير صندوق السلام Fund for Peace في مؤشره عن الدول الهشة 2022 (2022 Fragile States Index) أن أفريقيا أكثر قارة هشة في العالم ويأتي منها 14 دولة من بين أكثر 20 دولة هشاشة في العالم، وفي مؤشر بالغ الخطورة على قتامة مستقبل القارة الأفريقية احتلت كبرى دولها سكانًا واقتصادًا المرتبة 14 على مستوى العالم في المؤشر بعد عدة دول أفريقيا أبرزها بوروندي والكاميرون وإريتريا وغينيا بيساو وأوغندا ومالي([5]).

وبعد قمة الاتحاد الأفريقي بأيام قليلة أعلنت لجنة مكافحة الإرهاب بمجلس الأمن الدولي UN Security Council’s Counter-Terrorism Committee عن مخاوفها من توجه “مقلق” لاستفادة الجماعات الإرهابية من الموارد الطبيعية مثل “البترول والماس”؛ وأشارت إلى تجربة بوكو حرام في غربي أفريقيا التي “تستفيد من الاتجار في الأخشاب والكاكاو وتهريب الحيوانات البرية وتعدين الذهب الذي أصبح مصدرًا مهمًا لدخل داعش في أفريقيا”([6])، دون أن تلفت هذه التعليقات النظر إلى عمليات مماثلة وربما أكثر حدة في شرقي الكونغو وبدعم من بعض دول الجوار التي تتصدي للكثير من قضايا العمل الجماعي الأفريقي وأجندته.    

الدور الإقليمي لمواجهة تمدد الإرهاب في وسط أفريقيا: استدامة الأزمة؟

اتفق قادة 7 دول في شرق أفريقيا نهاية يونيو الماضي (في قمة استضافتها العاصمة الكينية نيروبي) على تكوين قوة إقليمية في سياق مساعي دول الكتلة لإنهاء الصراع في شرقي الكونغو الديمقراطية ودعوا إلى وقف فوري لإطلاق النار في المنطقة. ومع ملاحظة تورط بعض دول جوار الكونغو (خاصة رواندا وأوغندا) في عمليات وصفتها كينشاسا بانتهاك لسيادتها على أراضيها فإن البيان الذي أعلنته الرئاسة الكينية أكد على سعي القوة الإقليمية، بالتعاون مع جيش الكونغو الديمقراطية وقواتها الإدارية، لتحقيق الاستقرار والسلام في الكونغو. كما دعا البيان إلى تطبيق وقف فوري لإطلاق النار والبدء في وقف الأعمال العدائية([7])

وتمثل حالة التوتر الراهنة في المناطق الشرقية من جمهورية الكونغو الديمقراطية وتشابكاتها مع دولتي الجوار أوغندا ورواندا توجهًا غير نمطي في تمدد الأنشطة الإرهابية وانشطة جماعات العنف المسلح؛ وعلى غير المعروف في أدبيات الإرهاب في أفريقيا فإن هذه المشكلة ترجع –على الأقل- لتسعينيات القرن الماضي عندما قررت الجبهة الوطنية الرواندية Rwandan Patriotic Front (RPF)  (المكونة من منفيين ولاجئين من التوتسي في الغالب) بشن هجمات على رواندا انطلاقًا من أوغندا استنادًا لدور القوات الرواندية في وصول الرئيس الأوغندي يوري موسيفني للسلطة (كان الرئيس الحالي بول كاجامي وقتها ضابطًا في الاستخبارات العسكرية الأوغندية)، وهو حراك يشبه كثيرًا، ويترتب عليه في جزء منه في واقع الأمر، ما يحدث الآن في مهاجمة قوات “حركة 23 مارس” M23 (نسبة إلى تاريخ توقيع اتفاق السلام بين قادة الحركة وحكومة الكونغو في 2009، والتي تصنفها الحكومة الكونغولية جماعة إرهابية) لمناطق رواندية انطلاقًا من الكونغو. وقد تصاعدت التهديدات الإرهابية لهذه الجماعة عشية استعداد العاصمة كيجالي لاستضافة قادة 50 دولة في مجموعة الكومنولث وعلى نحو يهدد بشكل بالغ الوضع الجيوسياسي “الهش” ويغذي المشاعر المعادي للسياسات الرواندية في جمهورية الكونغو الديمقراطية بالفعل([8])

إضافة إلى ذلك تستغل بعض الجماعات الأجنبية هذا الضعف في المناطق الحدودية المشتركة بين أوغندا ورواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية –الذي يصفه البعض بغياب سلطات الدولة كما تتكرر مثل هذه الحالة في شمال شرق نيجيريا وشمالي الكاميرون وغيرهما من المناطق التي تمددت فيها الجماعات الإرهابية على مدار الأعوام الماضية- وتستقطب أنشطة الجماعات الإرهابية راهنًا في المنطقة في جماعات “القوات الديمقراطية لتحرير رواندا” (Forces démocratiques de libération du Rwanda FDLR) الرواندية المتهمة سابقًا في ارتكاب جرائم إبادة في رواندا، ومجموعة إرهابية أوغندية تحمل اسم القوات الديمقراطية المتحالفة-نالو ADF-NALU، إلى جانب الجماعات الإرهابية المعروفة على نطاق واسع مثل جيش الرب للمقاومة Lord Resistance Army (LRA)  بقيادة جوزيف كوني، ومجموعات إرهابية في الكونغو برازافيل وأنجولا ([9])”خارج تصنيف الجماعات الإرهابية الإسلاموية”.

حدود الإسهام الدولي في مواجهة الإرهاب وتقييمه

تصف الأمم المتحدة في تقييماتها المتتابعة للعنف في وسط أفريقيا بأنه نتيجة لأنشطة “جماعات مسلحة”، بينما تصفها الدول المتضررة بالجماعات الإرهابية، بما فيها حركة الثالث والعشرون من مارس. وفي تقييم صادر نهاية يونيو الماضي لاحظت بينتو كيتا Bintou Keita، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية ورئيسة بعثة منظمة الأمم المتحدة للاستقرار بها United Nations Organization Stabilization Mission in the Democratic Republic of the Congo (MONUSCO) أن الوضع الأمني في شرق الكونغو قد تدهور، لاسيما بسبب هجمات M23 ضد المدنيين وضد قوات الأمن الوطنية وقوات البعثة الأممية. كما أن القوات الديمقراطية المتحالفة Allied Democratic Forces والتعاونية من أجل تنمية الكونغو Cooperative for Development of the Congo (CODECO) وغيرها من “الجماعات المسلحة” في إقليمي إيتوري Ituri وكيفو Kivu مما يحجم التقدم الملحوظ في العلاقات الدينامية الإيجابية بين كينشاسا وكيجالي. وأكدت “كيتا” أن حركة M23 تعمل الآن بأقرب ما يكون “لجيش تقليدي” مزود بأسلحة ومعدات عسكرية متقدمة- مما يمثل تهديدًا واضحًا للمدنيين وقوات حفظ السلام([10]). ومع تغيير الجيش الكونغولي وقوات بعثة استقرار الأمم المتحدة الأفراد العاملين في هذه المناطق (شرقي الكونغو) سعت الجماعات المسلحة الأخرى للاستفادة من الفراغ الأمني الناجم، وقتل بالفعل أكثر من 150 مدنيًا في الفترة ما بين 28 مايو و17 يونيو من العام الجاري فيما شرد أكثر من 700 ألف فرد، وفي ظل تصاعد لخطاب الكراهية مع استهداف خاص للجماعات السكانية من الكونغوليين الناطقين بالرواندية Congolese Rwandophone، ورحبت “كيتا” وقتها بإجراء الحكومة الكونغولية محادثات مع المجموعات المسلحة “التي عبرت عن استعدادها لوضع أسلحتها”([11]).

كما شهدت قمة البريكس BRICS التي استضافتها بكين (يونيو 2022) جدلًا عميقًا بين الهند والصين على خلفية منع الأخيرة اقتراحًا هنديًا- أمريكيًا مشتركًا لتصنيف جماعة “عبدالرحمن مكي” الباكستانية جماعة إرهابية تقع تحت طائلة بنود لجنة العقوبات بالأمم المتحدة. ولفت رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي نظر الدول الأعضاء ببريكس (ومن بينها جنوب أفريقيا) إلى وجوب “فهم المخاوف الأمنية لكل دولة أخرى وتقديم الدعم المتبادل في تصنيف الإرهابيين” لافتًا إلى أنها مسألة حساسة “لا يجب تسييسها”([12]).

وأوضحت نقاشات الأمم المتحدة بخصوص الأزمة وتعليقات الأطراف الكونغولية المعنية بالأزمة وجود قصور في مقاربة المجتمع الدولي وفي مقدمته الأمم المتحدة؛ وقد كشف مندوب جمهورية الكونغو الديمقراطية أنه رغم وضوح ضلوع حركة M23 “التي تدعمها رواندا” في الاضطراب الأمني (وهي الحركة التي غطت على حقيقة وجود أكثر من 130 جماعة مسلحة في شرقي الكونغو بما فيها القوات الديمقراطية لتحرير رواندا حسب تعليقات مندوب رواندا) فإن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي تتجاهل التقصي في حقيقة امتلاك هذه الحركة أسلحة متطورة للغاية (يشتبه في حصولها عليها من جيش نظامي)، وأن المجتمع الدولي تجاهل إدانة الحركة طوال أكثر من 26 عامًا من أنشطتها الإرهابية والإجرامية (مثل قتل المدنيين واغتصابهم والتجارة المحرمة والتهريب) أو إدانة حتى الاعتداءات الإجرامية التي تقوم بها “ضد بلاده وإدانة جميع مؤيديها بدءًا من رواندا ورئيسها (بول كاجامي)” حسب كلمة المندوب الكونغولي([13])

وهكذا فيما تتراجع الجهود الدولية المباشرة في الأزمة في وسط أفريقيا، وسط تجاهل إعلامي ملحوظ لتداعيات الأزمة الإنسانية الخطيرة لأنشطة الجماعات الإرهابية والمسلحة في المنطقة، فإن تقارير أخيرة أشارت إلى احتمالات إقدام رواندا -في نهاية الأمر- على التدخل عسكريًا في شرقي الكونغو والقيام بعمليات عسكرية خاطفة تستند إلى تدريب الجيش الرواندي المتميز في هذا المجال([14])، وبفضل دعم تدريبي فرنسي وإسرائيلي راسخ ومعروف.

مستقبل مواجهة الإرهاب وتمدده

يتضح من تجربة تمدد خريطة العنف والإرهاب في القارة الأفريقية، ولاسيما في وسط أفريقيا في حالتنا هذه، استمرار تعاطي دول القارة الأفريقية ومنظمتهم القارية التقليدي لقضايا الإرهاب وتعقيداته ونتائجه الكارثية على مئات الآلاف أو الملايين من سكان الدول بالغة الهشاشة والتي تعاني صعوبات اقتصادية وسياسية وأمنية خطيرة، ومتصاعدة في الوقت نفسه.

ورغم التجديد الواضح في المقاربة النظرية لظاهرة الإرهاب، كما اتضح بشكل محدد من بياني قمتي مالابو حول السلم والأمن في أفريقيا، واعتبار الظاهرة متعددة الأوجه وأنها بحاجة إلى تدخل سياسي أشمل ومعالجة أوجه قصور أداء الدول الأفريقية (مثل سوء توزيع الدخل، وتكريس التفاوت الاجتماعي، واستدامة القمع السياسي)، فإن السياسات على الأرض بحاجة إلى قرارات وخطوات عملية لفرض حلول منطقية لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة.

وتظل ظاهرة تمدد الإرهاب قابلة للتصاعد في ضوء عدة اعتبارات أبرزها انسحاب “الدولة” وأدوارها في بعض المناطق (كما في شرقي الكونغو، وشمالي الكاميرون، وأجزاء متفرقة من دول غرب أفريقيا)، وتدخلات متبادلة لدول الجوار أو أطراف بها في شئون بعضها البعض (كما في حالات رواندا والكونغو، والكونغو وأوغندا، وتشاد والكاميرون) إضافة إلى تعميق تبعات الأزمات الداخلية وتوفير البيئات الملائمة تمامًا لتمدد الإرهاب وانتشاره (مثل الأزمة في إقليم التيجراي، وتجاهل الاتحاد الأفريقي للأزمة الليبية). كما أن اضطلاع بعض الدول الأفريقية بأدوار “إصلاح مؤسساتي” لأدوات العمل الجماعي في القارة في الوقت الذي تقوم فيه (هذه الدول) بسياسات مناهضة لمصالح دول جوار يمثل تناقضًا تجب مواجهته حال وجود إرادة أفريقية حقيقية في وقوف الاتحاد الأفريقي عند مسئولياته بجدية في الفترة المقبلة، لاسيما أن هذا التناقض يغذي استدامة ظاهرة الإرهاب بكل تعقيداتها المحلية وارتباطاتها الخارجية (سواء دعمًا أم مساهمة في جهود مكافحته).   

كما أن استمرار تجاهل الاستفادة الكاملة من بعض تجارب الدول الأفريقية الناجحة في مواجهة الإرهاب ونقلها إلى مناطق أخرى يثير تساؤلات حول جدية المقاربة الأفريقية برمتها تجاه مواجهة الظاهرة، ويلقي شكوكًا حول الطبيعة الانتقائية للافتة الاتحاد الأفريقي الأبرز حتى الآن: “حلول أفريقية لمشكلات أفريقية”.

الهوامش


[1] AU summit on security and terrorism ends in Malabo, Africa News, May 29, 2022 https://www.africanews.com/2022/05/29/au-summit-on-security-and-terrorism-ends-in-malabo/

[2] Melusi Simelane, Anti-terrorism initiatives in Africa risk missing the point, IOL, July 10, 2022 https://www.iol.co.za/news/politics/opinion/anti-terrorism-initiatives-in-africa-risk-missing-the-point-f85d491f-31f2-4a16-82fa-21fdc0aa92c1

[3] IntelBrief: Assessing the State of the Global Jihadist Movement, The Soufan Centre, July 21, 2022 https://thesoufancenter.org/intelbrief-2022-july-21/

[4] Counter-Terrorism Committee Executive Directorate (CTED), Central Africa, Security Council- Counter Terrorism Committee https://www.un.org/securitycouncil/ctc/content/central-africa

[5] Wealth Dickson Ominabo, The Waning Sovereignty of African States, The Cable, July 16, 2022 https://www.thecable.ng/the-waning-sovereignty-of-african-states 

[6] Nicky Harley, UN experts warn of ‘alarming’ trend of terrorists profiting from natural resources, The National News UK, July 15, 2022 https://www.thenationalnews.com/world/uk-news/2022/07/15/un-experts-warn-of-alarming-trend-of-terrorists-profiting-off-natural-resources/

[7] East African leaders back deployment of regional force to Congo, Africa News, June 20, 2022 https://www.africanews.com/2022/06/20/east-african-leaders-back-deployment-of-regional-force-to-congo/

[8] Gatete Ruhumuliza Nyiringabo, The M23 problem, Kigali’s headache and some truths few want to hear, The East African, July 12, 2022 https://www.theeastafrican.co.ke/tea/news/east-africa/the-m23-problem-kigali-s-headache-and-some-hard-truths-3876884

[9] Ibid.

[10] Alarming Uptick of Armed Groups’ Violence in Eastern Democratic Republic of Congo Threatening Stability, Mission Head Tells Security Council, 9081ST MEETING (AM), SC/14952, June 29, 2022 https://press.un.org/en/2022/sc14952.doc.htm

[11] Ibid.

[12] BRICS nations should provide mutual support in designation of terrorists: PM Modi, Business Today.In, June 25, 2022 https://www.businesstoday.in/latest/trends/story/brics-nations-should-provide-mutual-support-in-designation-of-terrorists-pm-modi-339172-2022-06-25

[13] Alarming Uptick of Armed Groups’ Violence in Eastern Democratic Republic of Congo Threatening Stability, Op. Cit.

[14] Gatete Ruhumuliza Nyiringabo, The M23 demon: Could Rwanda ultimately invade eastern Congo? The East African, July 19, 2022 https://www.theeastafrican.co.ke/tea/news/east-africa/the-m23-demon-could-rwanda-ultimately-invade-congo-3884842

error: كل الحقوق محفوظة!!