كتبت – زينب مصطفى رويحة

باحثة في الشؤون الأفريقية

يُعدّ التغير المناخي أبرز التهديدات التي تواجه الدول الأفريقية، ورغم أن أفريقيا لا تؤثر إلا بحوالي 4% من جملة الانبعاثات العالمية، إلا أنها كانت الساحة الأكبر في تلقي آثار التغير المناخي، التي لم تقتصر على تهديد التوازن البيئي، أو ظهور أنماط مناخية متطرفة كموجات الجفاف المتوالية، واضطراب سقوط الأمطار، بل طالت تداعياته كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

فضلًا عن ذلك، صاحب التغير المناخي أبعادًا أمنية خطيرة، فمع انتشار الجفاف، تفاقمت أزمة الأمن المائي والغذائي لا سيما حول حوض بحيرة تشاد، ما نجم عنه تفاوتات اجتماعية وسياسية، وموجات نزوح جماعية، وبالتالي صراعات قبلية حول الموارد، ما ساهم في هشاشة الوضع الأمني نتيجة ضعف سيادة القانون في القارة، كما شكل أبرز الدوافع وراء نمو ظاهرة الإرهاب في الدول الأفريقية دون غيرها من دول العالم.

أولًا: ملامح التغيرات المناخية في أفريقيا

وفقًا لمؤشر ND-GAIN، هناك 17 دولة أفريقية هي الأكثر عرضة عالميًّا لتغيرات المناخ، منها موزمبيق، وزيمبابوي، وملاوي، وجنوب السودان، والنيجر، ويمكن ملاحظة أبرز التغيرات المناخية في عدة صور:

ارتفاع درجات الحرارة: واجهت أفريقيا موجات احترار بمعدل أسرع من متوسط ​​درجة الحرارة العالمية فوق اليابس والمحيطات، على سبيل المثال، في وسط أفريقيا تشهد الكاميرون وغينيا الاستوائية والجابون والمناطق الساحلية في شمال أنجولا والكونغو الديمقراطية في المتوسط ​​8- 10 موجات حرارية سنويًّا[1].

عدم انتظام الأمطار: تسبب هطول الأمطار غير المنتظم منذ أواخر ديسمبر في حدوث الفيضانات، لا سيما في منطقة الساحل وشمال شرق أفريقيا وحوض كالاهاري والمجرى السفلي لنهر الكونغو، وفي 11 أبريل 2022، ضربت فيضانات كارثية مقاطعات كوازولو ناتال وكاب الشرقية في جنوب أفريقيا[2].

موجات الجفاف: تسبب موسم رابع من عدم هطول الأمطار في واحدة من أسوأ موجات الجفاف التي شهدتها شرق أفريقيا، بما في ذلك شمال وسط إثيوبيا وعلى طول الحدود بين كينيا وإثيوبيا[3].

ارتفاع مستوى سطح البحر: ترتفع معدلات مستوى سطح البحر على طول السواحل الاستوائية وساحل جنوب المحيط الأطلسي وساحل المحيط الهندي عن المعدل العالمي، بحوالي 4.1 ملم/ سنة.

ذوبان الأنهار الجليدية: يهدد الاحتباس الحراري الأنهار الجليدية في أفريقيا (جبل كينيا الصخري، وجبال روينزوري في أوغندا، وجبل كليمنجارو في تنزانيا) باحتمالية انحلال تام للجليد بحلول عام 2040.

العواصف والأعاصير: في يناير 2022، مرت العاصفة الاستوائية “آنا” عبر مدغشقر وملاوي وموزمبيق، وفي فبراير، ضرب إعصار “باتسيراي وإيمناتي” مدغشقر، وشرد ما لا يقل عن 112 ألف شخص، وفي مارس، اجتاحت ملاوي عاصفة جومبي بسرعة 120 ميلًا/ الساعة.

ثانيًا: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية

نظرًا لهشاشة النظم الاقتصادية في بعض الدول الأفريقية، وحساسيتها لمختلف التغيرات، تسببت التغير المناخي في جملة من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية:

انعدام الأمن الغذائي: عانى المواطنون الأفارقة طويلًا انعدام الأمن الغذائي، ومع ظهور جائحة كورونا، وما أعقبها من اضطراب معدلات النمو الاقتصادي على نطاق عالمي، ومؤخرًا الحرب الروسية الأوكرانية، تفاقمت أزمة الأمن الغذائي في أفريقيا بصورة كبيرة، وهو ما دفع الاتحاد الأفريقي إلى اختيار 2022 عامًا للأمن الغذائي.

وتشير التقارير الأخيرة الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى أن ما يقدر بنحو 346 مليون شخص في أفريقيا قد تضرروا من أزمة الغذاء، حيث يزداد انعدام الأمن الغذائي بنسبة 5- 20 نقطة مئوية مع كل فيضان أو جفاف في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، كذلك يرتبط زيادة درجة الحرارة بمقدار 1 درجة مئوية بانخفاض الإنتاج الزراعي بمقدار 2.7 نقطة مئوية إثر تعطيل إنتاج الغذاء في العديد من المناطق، وزيادة الأسعار وتقلبات السوق، وانخفض صيد الأسماك في المناطق الاستوائية بمعدل يتراوح بين 40 -70%[4].

انعدام الأمن المائي: يفتقر 400 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء إلى مياه الشرب الأساسية، حيث يسافر المواطنون في 30 دقيقة في المتوسط يوميًّا للحصول على المياه، ومن المتوقع أنه بحلول عام 2025، سيواجه ما يقرب من 230 مليون أفريقي ندرة المياه، بجانب 460 مليونًا يتعرضون لصعوبات الإجهاد المائي[5].

النزوح والتهديدات الديمغرافية: يزيد تغير المناخ من انعدام الأمن البشري للأشخاص الذين يعتمدون على الموارد الطبيعية لكسب عيشهم، وقد تفاقمت موجات النزوح خلال الفترة الأخيرة لأسباب مناخية، شملت دول القرن الأفريقي والساحل، حيث حققت شرق أفريقيا نسبة 12٪ من جميع حالات النزوح عالميا، كما نزح 2.8 مليون شخص في حوض بحيرة تشاد، وتسببت العواصف الاستوائية في جنوب أفريقيا في نزوح نصف مليون شخص في 3 أشهر فقط هذا العام، وأكثر من 2.5 مليون شخص في الصومال[6].

البطالة: تعتمد معظم بلدان أفريقيا جنوب الصحراء على الزراعة، وتعتبر الزراعة مصدرًا رئيسيًّا للدخل لنحو نصف مواطني القارة، وفي الوقت ذاته، تواجه الزراعة الأفريقية تهديدات عنيفة لأنها تعتمد على هطول الأمطار، وهو ما يزيد من حدة أزمة البطالة، حيث تحتل البلدان الأفريقية أعلى معدلات بطالة عالية في العالم، تتصدر جنوب أفريقيا بمعدل بطالة يبلغ 34.4%، تليها ناميبيا 33.4%، ونيجيريا 33.3%، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 400 مليون أفريقي يعيشون تحت خط الفقر العالمي.

ثالثًا: التداعيات السياسية

بطبيعة الحال، نتيجة تغلغل التدهور المناخي في كافة الاتجاهات، تمثلت أهم مآلاته على الوضع السياسي في أفريقيا في عدة نقاط:

فقدان الثقة في الحكومة: الحكومات في أفريقيا هي المسؤول الأول عن تفاقم أزمة التغير المناخي بالصورة التي عليها الآن، نتيجة إهمال الحكومات رفع كفاءة القطاعات الاقتصادية، اقتصر الأفراد على الطرق التقليدية في ظل محدودية الخيارات، خاصة فيما يتعلق للزراعة البعلية، ومع حدة موجات الجفاف، فقد الكثير من السكان مصدر رزقهم.

إضعاف تماسك الدولة: بسبب ضعف استجابة الحكومة لظواهر الطقس المتطرفة، والخلل الوظيفي في إدارة أزمة المناخ، نتج عن ذلك ضعف العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة، ما يعزز المظالم المناهضة للدولة ويقوض التماسك الاجتماعي، على وجه الخصوص، تعرض قطاع دول الساحل لأبرز ملامح التطرف المناخي وفي نفس الوقت، شهدت تلك الدول أقصى معدلات التراجع الديمقراطي، فقد شهدت منطقة الساحل 8 محاولات انقلاب في بوركينا فاسو ومالي وغينيا وتشاد على مدار الــ10 أشهر الماضية.

الهشاشة الأمنية: في عام 2013، نشرت مجلة Science أن التغير في درجة الحرارة بدرجة واحدة كان مرتبطًا بزيادة 2.3% في معدلات الصراع بين الأفراد وزيادة 13.2% في معدل الصراع بين المجموعات، وظلت الدولة وفقًا للأبيات السياسية هي المحتكر الوحيد لأدوات القوة، ولكن في أفريقيا، نتيجة فقر الموارد، نشبت الصراعات المحلية بين المزارعين والرعاة، وهو ما لم تعره السلطات اهتمامًا، وبالتالي ضعفت قبضة الدولة الأمنية، وعجزت عن تحقيق الاستقرار، في حوض بحيرة تشاد، يتنافس حوالي 30 مليون شخص في نيجيريا وتشاد والنيجر والكاميرون، وقد ساهم ذلك في زيادة عمليات الاختطاف والقتل[7].

رابعًا: العلاقة بين التغير المناخي والإرهاب

في سياق فهم آلية صعود الجماعات الإرهابية في المنطقة، أقر قرار مجلس الأمن رقم 2349 لعام 2017، الذي تضمن دور الآثار السلبية لتغير المناخ والتغيرات البيئية في تحفيز الجماعات الإرهابية خاصة حول حوض بحيرة تشاد، وطبقًا لمؤشر الإرهاب العالمي، شكلت منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى 48% من الوفيات الناجمة عن الإرهاب لعام 2022، مرتكزين في 4 بلدان هي بوركينا فاسو والكونغو الديمقراطية ومالي والنيجر.

مع تخلي الدولة عن دورها في تحقيق الرفاهة الاقتصادية والاستقرار الأمني، ظهر الفاعلون المسلحون من غير الدول كبدائل فعالة، حيث تعمل بسهولة أكبر في البيئات الهشة والمتأثرة بالصراع في ظل انعدام سلطة الدولة، وهو ما استغله تنظيم داعش، لسد الفجوة التي خلفتها الدولة من خلال توفير الخدمات الأساسية من أجل اكتساب الشرعية وتأمين الثقة والدعم بين السكان المحليين، بهدف جذب الرعاة والمزارعين.

وتستخدم الجماعات المسلحة من غير الدول بقدر متزايد الموارد الطبيعية كسلاح حرب، حيث يمنع الإرهابيون الوصول إلى المياه بهدف التضييق على المواطنين وتألبيهم ضد الدولة، ونتيجة لذلك تحول عدد كبير من الشباب إلى الأنشطة الإجرامية، بما في ذلك تهريب المخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر كما في مالي وغرب دارفور.

تعمل التنظيمات الإرهابية أيضًا على مضاعفة آثار التغير المناخي، فقد أدى هجوم بوكو حرام، أوائل ديسمبر في 2020، إلى مقتل 110 من مزارعي الأرز، كما تنشط في سرقة الماشية، ففي نوفمبر 2019 سُرقت 170 ألف رأس من الماشية في مالي، وأسفرت هجمات عصابات سرقة الماشية عن مقتل 371 شخصًا في ولاية زامفارا الشمالية الغربية في نيجيريا، كذلك قامت بوكو حرام بمذبحة في يونيو 2020، راح ضحيتها المئات، بجانب سرقة 410 ألف رأس من الماشية في ولاية بورنو بنيجيريا[8].  

ومن هنا، يتبين أن المواطنين الأفارقة هم الأكثر تأثرًا بمختلف الأزمات المحلية والعالمية، فرغم أن أفريقيا تحتوي على قدر كبير من الثروات الطبيعية، إلا أن سوء إدارة الموارد بالإضافة إلى ضعف الإرادة السياسية، والهشاشة الأمنية جعلت من الدول الأفريقية بيئة مثالية للتطرف والجماعات الإرهابية، ما انعكس على نشاط داعش من خلال تكثيف جهوده في أفريقيا بعد اندحاره في العراق وسوريا خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يفرض على الأنظمة السياسية سرعة التعامل مع مختلف التهديدات الأمنية والاستجابة للأهداف المناخية لتجنب أزمة إنسانية لا حياد عنها. 

المراجع


[1] the Africa Center for Strategic Studies, ” How Global Warming Threatens Human Security in Africa”, October 29, 2021 https://africacenter.org/spotlight/how-global-warming-threatens-human-security-in-africa/

[2] Carrington Damian, “South Africa’s April floods made twice as likely by climate crisis, scientists say” the Guardian, May 13, 2022 https://www.theguardian.com/environment/2022/may/13/south-africa-floods-climate-crisis-global-heating#:~:text=Climate%20crisis-,South%20Africa’s%20April%20floods%20made%20twice,by%20climate%20crisis%2C%20scientists%20say&text=The%20massive%20and%20deadly%20floods,emergency%20is%20resulting%20in%20devastation.

[3] Etutu  Joice & Ostasiewicz Alexandra, ” East Africa drought: ‘The suffering here has no equal’, May 14, 2022 https://www.bbc.com/news/world-africa-61437239

[4] Relief web ,”Nothing to eat: Food crisis is soaring across Africa”, May 30, 2022 https://reliefweb.int/report/somalia/nothing-eat-food-crisis-soaring-across-africa

[5] Mlaba Khanyi, ” Water Scarcity in Africa: Everything You Need to Know”, February 1, 2022 https://www.globalcitizen.org/en/content/water-scarcity-in-africa-explainer-what-to-know/#:~:text=1%20in%203%20African%20citizens,average%20daily%20to%20access%20water.

[6] Relief web, “Lake Chad Basin: Humanitarian Snapshot (as of 29 November 2021)”, Dec 2, 2021 https://reliefweb.int/report/chad/lake-chad-basin-humanitarian-snapshot-29-november-2021#:~:text=1%2C050%20schools%20are%20non%2Dfunctional,alone%2C%20and%20264%2C000%20are%20refugees.

[7] Miguel Edward, ” Quantifying the Influence of Climate on Human Conflict”, Aug 1, 2013 https://www.science.org/doi/10.1126/science.1235367

[8] Campbell John, ” Massacre in Northern Nigeria Involves Cattle Rustling, Jihadis, and Vigilantes”, June 10, 2020, https://www.cfr.org/blog/massacre-northern-nigeria-involves-cattle-rustling-jihadis-and-vigilantes

error: كل الحقوق محفوظة!!