كتبت – أسماء حمدي
بعد فرارهم من ويلات الحرب إلى أوغندا، قدم مركز الفنون في العاصمة كمبالا، لبعض من أشهر المبدعين في السودان فرصة للعمل في سلام والعثور على الإلهام مرة أخرى.
ولمزيد من الدعم قدم المركز للفنانين الإقامة والبدلات والمواد اللزمة للرسم والتصوير، وذلك للمشاركة في مهرجان الفن العام الطويل الأمد في كمبالا، KLA ART، في أغسطس.


رمزًا للسلام
بين أنقاض مدينة الخرطوم، ترك الفنان السوداني نصر الدين الدومة، لوحاته خلفه عندما فر من الحرب الدائرة في البلاد بين القوات المسلحة السودانية، بقيادة عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (المعروف باسم حميدتي).
ومن بين اللوحات التي تركها الدومة خلفه، لوحة بالألوان المائية تظهر حكيمًا صوفيًا، وهو شخصية شعبية من الفولكلور السوداني، كان قد رسمها العام الماضي، والتي تظهر الشيخ فرح ود تكتوك في القرن السابع عشر، وهو رمز للسلام، يقول الدومة: “الآن ليس لدي سوى الصور الفوتوغرافية لعرضها، اللوحات كانت عمل حياتي”.
يحكي الدومة (55 عامًا)، وهو واحد من 4 فنانين سودانيين يعيشون الآن في أوغندا والذين أكملوا مؤخرا إقامة لمدة 3 أشهر عند منظمة “32° شرقًا”، في مركز الفنون في العاصمة كمبالا: “أحب هذه اللوحة لأن شخصية الشيخ فرح ود تكتوك تسعى إلى البساطة والسلام الداخلي الذي يظهر في ملامح وجهه المبتسم”.
وفي حديثه لصحيفة “الجارديان” البريطانية يقول الدومة، إن سلوك الشيخ السلمي يتناقض مع الوضع الحالي في السودان، حيث ساهم استمرار العداء بين الجانبين المتحاربين في دورة من العنف تدفع الملايين إلى حافة المجاعة.


أسوأ من الكابوس
وقع الدومة وسط الحرب الأهلية التي اندلعت في الخرطوم في 15 إبريل 2023، في الاستوديو الخاص به في حي امتداد ناصر على بعد شارع واحد فقط من مطار الخرطوم، والذي كان موقعًا للاشتباكات بين الطرفين المتحاربين.
في حديثه لصحيفة “الجارديان” البريطانية، يقول الدومة: “أسوأ من الكابوس أن تستيقظ في الصباح وأقصى هدفك هو إنقاذ نفسك من الرصاص الطائش، ناهيك عن التفكير ولو للحظة في فنك وثمرة جهدك”.
ومع إغلاق العيادات الصحية بسبب أعمال العنف، توفي شقيق الدومة، لأنه لم يتمكن من الحصول على علاج غسيل الكلى الذي كان يعتمد عليه.
غادر الدومة السودان في أكتوبر، بعد أن تم اعتقاله واستجوابه عدة مرات من قبل المخابرات العسكرية بشأن صلاته باحتجاجات 2018 التي أنهت نظام عمر البشير الذي استمر 30 عامًا في السودان، والآن يركز بشكل أساسي على رسم الحياة اليومية للسكان الذين يعيشون في المدينة الساحرة كمبالا، بحسب وصفه.
يضيف: “مفتون بحياتها اليومية ومناظرها الطبيعية الخلابة من تلال وشلالات ووسائل نقل، لقد استلهمت أعمالي الفنية من هذا الجمال، من المهم جدًا تخليد مثل هذه اللحظات المشرقة التي تقع بين ركام ضغوط الحياة.”


راحة صغيرة في مواجهة الرعب
الدومة ليس الوحيد، إذ تشاركه تنزيل عبدالله آدم، وهي أيضا من المقيمين لدى منظمة “32° شرقًا”، والتي كانت تبدع فن الشارع في الأماكن العامة في مسقط رأسها الفاشر، في غرب السودان، لكن ذلك كان قبل بدء الصراع.
تقول تنزيل آدم: “كان كل شيء يسير على ما يرام، وكانت مسيرتي المهنية مع الأمم المتحدة واعدة، وكان فني مزدهرًا وكنت محاطة بأحبائي، ثم اندلعت الحرب وفي اليوم الأول مات 8 من زملائي وأقاربي”، واليوم تعمل آدم بدمج الكروشيه في عملها.
أما محمد التاج، وهو فنان آخر وصانع أفلام ومصور، ويقيم لدى نفس المنظمة، يقول إنه استيقظ على انفجار ضخم في الليلة الأولى للصراع، مضيفا: “نحن كسودانيين معتادون على ذلك”، متذكرًا مذبحة الخرطوم عام 2019 والانقلاب العسكري عام 2021 وجميع الأحداث الفظيعة التي غيرت حياتنا والتي حدثت بينما كنا نائمين”.
عمل التاج كصحفي في الخرطوم ويقول إنه كان هناك تدمير ونهب متعمد للمؤسسات الإعلامية منذ بدء الصراع، وتابع قائلا: “هذا يؤثر بشكل مباشر على منشئي المحتوى والمصورين، العمل في الإعلام قد يعرض الشخص لخطر الاتهام بالتجسس أو الخيانة أو التواطؤ مع أي من الطرفين، والآن يعمل التاج في مشروع تصوير فوتوغرافي يحكي قصة السودان.

من جهتها، قالت تيسا باهانا، مديرة منظمة 32° شرقًا: “على الرغم من أننا نشعر أنه لا يوجد الكثير مما يمكننا القيام به لوقف عمليات الإبادة الجماعية المستمرة، فقد رأينا كيف أن وجود مساحات مثل هذه يمكن أن يكون فترة راحة صغيرة في مواجهة مثل هذا الرعب”.


فرار الآلاف
فى أعقاب اندلاع الحرب، أجبرت أعداد كبيرة من السودانيين على الفرار، بما فى ذلك الأشخاص الذين نزحوا داخليًا بالفعل بسبب النزاعات السابقة في البلاد ولاجئون من دول أخرى كانوا قد سعوا للحصول على الأمان فى السودان، ثم فروا منه إلى البلدان المجاورة خاصة مصر وتشاد وجنوب السودان وإفريقيا الوسطى وإثيوبيا.
وأجبرت الحرب حتى الآن أكثر من 1.7 مليون شخص على الفرار إلى البلدان المجاورة، ويعد دعم الاستجابة الإنسانية لهؤلاء اللاجئين أمرا بالغ الأهمية، وكذلك دعم البلدان والحكومات المضيفة لتعزيز الخدمات الوطنية وقدرة المجتمعات المضيفة على الصمود على المدى الطويل، والتي لها القدر نفسه من أهمية تمكين اللاجئين، سواء كانوا نساءً أو رجالًا أو أطفالًا، من العيش بكرامة.