بقلم – د. جيهان عبدالسلام

مدرس الاقتصاد – كلية الدراسات الأفريقية العليا – جامعة القاهرة.

 الحروب هي أحد الأسباب الرئيسة للتراجع الاقتصادي وانتشار الفقر والجوع، وفي ظل اقتصاد معولم فإن التأثيرات الاقتصادية تصل أبعد كثيرًا من حدود الصراع. ومع شن روسيا الحرب على أوكرانيا أثيرت المخاوف بشأن التداعيات الاقتصادية المحتملة لتلك الحرب خاصة على أسعار القمح والحبوب، ومصادر الطاقة، ملوحًا بأزمة غذاء أو بالأحرى مهددًا الأمن الغذائي في العديد من دول القارة الأفريقية. ورغم أن بعض دول القارة قد تستفيد من جراء تلك الأزمة، فإن الآثار المحتملة قصيرة المدى على سبل العيش الاقتصادية خاصة في ظل النزاعات السياسية القائمة في بعض الدول الأفريقية، يضع مزيدًا من الضغوط الاقتصادية على القارة.

ومن هذا المنطلق تسعى هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على الانعكاسات الاقتصادية للحرب الروسية الأوكرانية في أفريقيا، من حيث تحليل المكاسب المحتملة من جراء ارتفاع أسعار مصادر الطاقة والمعادن، وكذلك المخاطر المتعلقة بواردات أفريقيا من القمح، وما يمكن أن يسببه من أزمة أمن غذائي محتملة يؤدي إلى مزيد من الضغط على اقتصادات القارة المثقلة بالفعل بوباء كورونا والجفاف والصراع السياسي.

أولًا- المكاسب الاقتصادية المتوقعة لمصدري الطاقة والمعادن في أفريقيا:

قد تستفيد بعض الدول الأفريقية المالكة للعديد من الموارد الطبيعية التي ارتفعت أسعارها بقدر كبير جراء الحرب الأزمة الروسية الأوكرانية. وعلى وجه التحديد تلك الدول التي تملك احتياطات غاز طبيعي ونفط ومعان،وذلك كما يلي:-

  • الغاز الطبيعي: قفز سعر الغاز الطبيعي بنسبة 62% منذ انطلاق الحرب في أوكرانيا، وبدأت الدول الأوروبية التي تستورد نحو 40% من روسيا في البحث عن بدائل للغاز الروسي، لتظهر فرصة عظيمة للدول الأفريقية للتحرك فيها، وإبرام صفقات جديدة وبسرعة، حيث يمكن للغاز الأفريقي أن يقلل من اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية، خاصة مع وجود مخاوف من أن تؤدي العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا إلى تقييد الإمدادات ورفع الأسعار في جميع أنحاء العالم[1]. ورغم وجود بدائل أوروبية لاستيراد الغاز من دول الشرق الأوسط كحل مناسب لكن قد يصعب تنفيذه لعدة أسباب، فعلى سبيل المثال تعتبر قطر ثاني أكبر منتج للغاز الطبيعي تتعرض لضغوط واشنطن لإعادة توجيه صادرات الغاز إلى أوروبا، ومع ذلك فإن الإنتاج القطري يقترب من طاقته القصوى، مع ربط الكثير من إمداداته في عقود مع العملاء الرئيسيين في آسيا وعلى رأسهم الصين. بينما تمثل شمال أفريقيا (الجزائر وليبيا) حلًّا محتملًا آخر لمشاكل الطاقة في أوروبا، وإن كانت كل من الجزائر وليبيا بحكم التوترات السياسية في علاقة الأولى بالمغرب، كذلك الوضع غير المستقر في ليبيا يجعلانهما شريكًا مزعجًا للطاقة، وكل ذلك يدفع أوروبا إلى اللجوء إلى الغاز من دول أفريقية أخرى ربما يكون الوضع فيها أفضل حالًا[2].

 ويأتي ذلك في ظل تحركات أفريقية لإنتاج وتصدير الغاز، فعلى سبيل المثال صرحت رئيسة تنزانيا -في مقابلة على هامش قمة الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي في منتصف فبراير 2022- بأن التوترات في أوكرانيا تولد اهتمامًا متزايدًا باحتياطيات الغاز في البلاد باعتبارها سادس أكبر دولة منتجة للغاز في أفريقيا، ومن هذا المنطلق جددت المفاوضات مع شركات الطاقة على أمل جذب 30 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية لإحياء بناء مشروعات الغاز الطبيعي المسال البحرية في عام 2023. كذلك السنغال، حيث تم اكتشاف 40 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي بين عامي 2014 و2017، ومن المتوقع أن يبدأ الإنتاج في وقت لاحق من هذا العام. ونيجيريا التي هي بالفعل مورد للغاز الطبيعي المسال إلى العديد من الدول الأوروبية، كما تشرع أيضًا كل من النيجر والجزائر في ضخ خط أنابيب الغاز عبر الصحراء لزيادة صادرات الغاز الطبيعي إلى الأسواق الأوروبية، ومن المحتمل أن تكون أوروبا ممولًا رئيسًا[3].

  • النفط: تعتبر روسيا من بين أكبر ثلاثة منتجين للنفط في العالم، وقد أدت الحرب الروسية في أوكرانيا إلى رفع أسعار النفط لفترة متجاوزًا 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ 2014 كما هو موضح في الشكل رقم (1)، وما زالت أسعار النفط مهيأة للارتفاع أكثر بسبب انخفاض مخزونات التخزين وتعطل الصادرات واستمرار الحرب، فقد تقترب الأسعار من 130 دولارًا للبرميل بحلول يونيو 2022، إذا تسبب الصراع الأوكراني في تعطيل تدفقات الخام الروسي، لكن هذا التقدير قد يرتفع إلى أعلى إذا حدثت اضطرابات إضافية. ويأتي الغزو في الوقت الذي تواجه فيه أسواق النفط عجزًا كبيرًا في الإمدادات ناتجًا عن ارتفاع سريع في الطلب على النفط بعد بدء التعافي تدريجيًّا من وباء كورونا، ويكافح كبار منتجي النفط، بما في ذلك روسيا لزيادة الإنتاج[4].

شكل رقم (1) تطور أسعار النفط خلال الفترة ( 2014-2022)

دولار للبرميل

Source: Tom Espiner , ” Oil hits, seven-year high but shares rebound on Russian war” , BBC News , 25.Feb.2022 , Available at:
https://www.bbc.com/news/business-60502451

ويؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الإيرادات النفطية للدول الأفريقية المعتمدة عليه كمصدر للايرادات العامة منها على سبيل المثال: نيجيريا وهي من أكبر منتجي النفط الخام في عام 2021، وبلغ متوسط إنتاج نيجيريا الخام اليومي 1.27 مليون برميل. وليبيا التي أنتجت ما معدله 1.21 مليون برميل من النفط الخام يوميًا في عام 2021. كذلك أنغولا التي أنتجت ما معدله اليومي 1.11 مليون برميل من النفط الخام. يضاف إلى ذلك جمهورية الكونغو والجابون وغانا وغينيا الاستوائية وتشاد[5]. وإن كان التخوف في هذا الشأن هو أن عائدات الاستثمار النفطي عادة ما تحول إلى الشركات النفطية متعددة الجنسيات، التي قد تجني زيادة أكبر من عائدات النفط مما تجنيه الدول الأفريقية نفسها[6].

شكل رقم (2) احتياطيات النفط في كبار منتجي النفط بأفريقيا خلال عام 2021

مليار برميل

Source: EMMANUEL ABARA BENSON , ” Here are 10 African countries with the largest crude oil production output in” , Africa Business Insider , January 14, 2022, Available at: 
https://africa.businessinsider.com/local/markets/10-african-countries-with-the-largest-crude-oil-production-output-in-2021/qbj8bj3
  • المعادن: تشهد أسعار المعادن قفزة ضخمة على خلفية النزاع الروسي الأوكراني والعقوبات الاقتصادية المفروضة ضد موسكو، حيث قفز سعر البلاديوم بنحو 6% بعد أن تزايدت المخاوف المتعلقة بإمدادات المعدن المستخدم في صناعة السيارات مع فرض الغرب عقوبات جديدة على روسيا، كما ارتفع سعر الذهب بأكثر من 2% وهو أعلى مستوى له في أكثر من عام، كذلك ارتفعت أسعار الألومنيوم بما يصل إلى 5%، وهو مستوى قياسي مرتفع، متجاوزًا الذروة التي سجلها في عام 2008 خلال الأزمة المالية العالمية[7]. وتلك الزيادة تصب في صالح الدول الأفريقية المنتجة للمعادن مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا وغانا، فعلى سبيل المثال، تعد جنوب أفريقيا ثاني أكبر منتج للبلاديوم في العالم بعد روسيا، وهو عنصر مهم في صناعة السيارات والإلكترونيات، وبالتالي يمكن أن تشهد طلبًا متزايدًا نتيجة للعقوبات الدولية المفروضة على روسيا. وبالمثل، تعتبر مصدر رئيسي للذهب، وكل ذلك يصب في صالح اقتصادات تلك الدول[8].

ثانيًا: مخاطر الأمن الغذائي في أفريقيا المحتملة:

 تنتج روسيا حوالي 10% من القمح العالمي بينما تنتج أوكرانيا 4% مجتمعة، هذا هو تقريبًا حجم إجمالي إنتاج القمح في الاتحاد الأوروبي بأكمله. ويمثل البلدان معًا ربع صادرات القمح العالمية، ففي عام 2020، شكلت روسيا 18%، وأوكرانيا 8%.

شكل رقم (3) نصيب روسيا وأوكرانيا من السوق العالمي للحبوب والزيوت لعام 2021

Source: JOSEPH GLAUBER AND DAVID LABORDE , ‘ How will Russia’s invasion of Ukraine affect global food security?” , INTERNATIONAL FOOD POLICY RESEARCH INSTITUTE , FEBRUARY 24, 2022 , Available at:
https://www.ifpri.org/blog/how-will-russias-invasion-ukraine-affect-global-food-security

 وقد بلغ حجم التبادل التجاري السنوي بين روسيا والدول الأفريقية 14.5 مليار دولار أمريكي في عام 2020، حيث زادت عائدات الصادرات الروسية والواردات إلى المنطقة بأكثر من الضعف بين عامي 2013 و 2018. كما استوردت الدول الأفريقية من روسيا منتجات زراعية بقيمة 4 مليارات دولار في عام 2020، حوالي 90% منها عبارة عن قمح، و 6% زيت دوار الشمس. وكانت الدول المستوردة الرئيسية هي مصر، التي استحوذت على ما يقرب من نصف الواردات، تليها السودان ونيجيريا وتنزانيا والجزائر وكينيا وجنوب أفريقيا. وبالمثل، صدرت أوكرانيا ما قيمته 2.9 مليار دولار من المنتجات الزراعية إلى القارة الأفريقية في عام 2020. وكان حوالي 48% منها قمحًا، و31% ذرة، وشمل الباقي زيت عباد الشمس، والشعير، وفول الصويا. ومن هنا يعتبر كل من روسيا وأوكرانيا لاعبان أساسيان في سوق السلع من الحبوب والزيوت في أفريقيا[9].

شكل رقم (4) صادرات روسيا وأوكرانيا من القمح والحبوب إلى أفريقيا خلال عام 2021

مليار دولار أمريكي

Source: Benita van Eyssen , Ukraine crisis: What’s at stake for Africa? ” , Deutsche Welle (DW) , Available at:
https://www.dw.com/en/ukraine-crisis-whats-at-stake-for-africa/a-60916646

ومن المحتمل أن يكون للأزمة تأثير فوري على صادرات الحبوب الواردة من أوكرانيا وروسيا. فنحو 90% من صادرات الحبوب الأوكرانية يتم نقلها عن طريق البحر الأسود، ومن المتوقع أن يؤدي الاضطراب الجاري إلى إحداث فوضى في تدفقات الإمدادات الغذائية وعلى رأسها القمح، خاصةً إذا تعرضت مرافق الموانئ والسكك الحديدية لأضرار من خلال العمليات الأرضية والجوية، أو الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنى التحتية المختلفة وإدارتها، حيث أدى الهجوم إلى حظر جميع السفن التجارية في البحر الداخلي لآزوف -الذي يربط البحر الأسود- وإغلاق الموانئ الأوكرانية[10] . وأي انقطاع في الإمدادات سيكون له تأثير كبير على الأمن الغذائي في عدد من الدول الأفريقية المستوردة للقمح، خاصة مع ارتفاع أسعار القمح عالميًا بنسبة تصل إلى 6% منذ بداية التوترات، ووصل السعر مع بداية الحرب المباشرة بينهما إلى أعلى مستوى له في 9 سنوات[11].

وتأتي تلك التوترات بخصوص واردات القمح الأفريقية في ظل ارتفاع الاستهلاك في أفريقيا من الحبوب وعلى رأسها القمح، نتيجة لعدة أسباب منها زيادة عدد سكان القارة بنسبة 32% بين موسمي النمو 2007-2008 و2018-2019، زاد معها واردات القارة من القمح بنسبة 68% خلال نفس الفترة، حيث قفزت إلى 47 مليون طن بدلا ًمن 27.3 مليون طن[12]، كذلك التحضر، وارتفاع الدخل، والمساعدات الغذائية التي غيرت نمط الاستهلاك نحو استخدام القمح، والتقلبات في الأسعار النسبية للمحاصيل الأساسية الأخرى مثل الذرة. هذا في الوقت الذي لم يتمكن إنتاج القمح المحلي في القارة من مواكبة ذلك الاستهلاك. حيث تنتج أفريقيا جنوب الصحراء بشكل ثابت أقل من نصف القمح الذي تستهلكه، في حين تضاعف الاستهلاك المحلي منذ مطلع القرن، ولا يوجد ما يشير إلى تباطؤ الطلب الأفريقي على القمح. حيث تتوقع منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) زيادة في استهلاك الفرد من القمح في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بينما حددت وزارة الزراعة الأمريكية كل من دول غرب أفريقيا وبقية أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى على أنها من أكبر أسواق النمو لصادرات القمح حتى عام 2024. ومن هنا تتوقع منظمة الفاو أن ينمو صافي الميزان التجاري للحبوب الأساسية من المستويات الحالية البالغة 20 مليون طن إلى 33 مليون طن بحلول عام 2050.

 ومع استمرار اعتماد أفريقيا جنوب الصحراء على واردات القمح يجعل المنطقة عرضة لصدمات الأسعار العالمية والطقس، والتي يمكن أن تلحق الضرر بالأمن الغذائي الإقليمي[13]. ليزيد الأمر سوءا خاصة وأنه بالفعل قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان هناك ارتفاع حاد في الأسعار الدولية للذرة والقمح وفول الصويا وزيت عباد الشمس عن العام السابق. وهذا يعتبر مصدر قلق للقارة الأفريقية، وهي مستورد صاف للقمح وزيت عباد الشمس، كما إن الخطر الأكبر الذي تواجهه أفريقيا هو الارتفاع المحتمل في أسعار الخبز نتيجة ارتفاع أسعار القمح، وسيؤدي تعطيل شحنات السلع إلى زيادة المخاوف العامة من تضخم أسعار المواد الغذائية في منطقة يعانى فيها نحو 100 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي[14]. وقد يؤدي ذلك عواقب وخيمة على البلدان المستوردة الصافية للغذاء ذات الدخل المنخفض في أفريقيا[15].

وتتعدد الدول الأفريقية المتضررة من جراء أزمة ارتفاع أسعار القمح أبرزها بعض الدول الشمال الأفريقي مثل ليبيا والجزائر والسودان، كذلك بعض دول أفريقيا جنوب الصحراء وأهمهم ما يلي:-

  • نيجيريا: تعتبر ثالث أكبر دولة أفريقية مستوردة للقمح، حيث بلغت واردات القمح من نيجيريا، الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في أفريقيا وثالث أكبر مستورد في القارة (بعد مصر والمغرب)، إلى 4.8 مليون طن في العام المالي 2019/2020. وتنتج نيجيريا بالكاد كميات قليلة من القمح لا تكفي احتياجات سكانها الذين بلغ عددهم 174 مليون نسمة، فإن الطلب الإجمالي على القمح مرتفع، في ظل افتقار نيجيريا وجيرانها في غرب أفريقيا إلى المناخ والجغرافيا المناسبة لمستويات عالية من زراعة القمح.
  • جنوب أفريقيا، تعتبر رابع أكبر مستهلك للقمح في أفريقيا جنوب الصحراء، وتعد معدلات استهلاك الفرد من أعلى المعدلات في المنطقة. وقد أدت الزيادة المتزامنة في الاستهلاك المحلي وانخفاض الإنتاج إلى زيادة واردات البلاد من القمح ثلاث مرات منذ عام 2000. كما سوف تتضرر صادرات جنوب أفريقيا إلى روسيا، حيث تستفيد جنوب أفريقيا، من تصدير الفاكهة إلى روسيا. ففي عام 2020، استحوذت روسيا على 7% من صادرات جنوب أفريقيا من الحمضيات من حيث القيمة[16].
  • إثيوبيا: يرتفع مستوى الطلب الإثيوبي على القمح منذ عام 2000، وتضاعف الطلب الإجمالي على الحبوب، مما جعل البلاد من أكبر مستهلكي للقمح في أفريقيا جنوب الصحراء. كان هذا النمو مدفوعًا بالتوسع السكاني، حيث زاد عدد الأشخاص في البلاد بنحو 30 مليونًا منذ عام 2000. وارتفع نصيب الفرد من الاستهلاك بأكثر من الثلث[17].

 وتجدر الإشارة إلى أن التأثير لا يشمل القمح والحبوب فقط، بل يمتد ليشمل سلع زراعية أخرى مثل الشاي، فتشعر كينيا بالقلق من تأثير الحرب -والعقوبات المالية على روسيا- على صناعة الشاي الحيوية فيها. حيث تعد روسيا من بين أكبر خمسة مستهلكين للشاي، مما يساعد كينيا على كسب العملات الأجنبية[18]. وسوف يتفاقم التأثير على أسعار الأسمدة الزراعية أيضًا، بسبب حقيقة أن روسيا مورد مهم للأسمدة النيتروجينية والبوتاس. وتمثل روسيا 15% من التجارة العالمية في الأسمدة النيتروجينية و17% من صادرات أسمدة البوتاس العالمية[19].

ثالثًا- انعكاسات سلبية على متغيرات الاقتصاد الكلي في أفريقيا:

 تؤثر الحرب الروسية الأوكرانية على العديد من متغيرات الاقتصاد الكلي في أفريقيا، منها الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة، فنجد على سبيل المثال التراجع في البورصات المالية في كل من روسيا وأوروبا واسيا، ومن شأن هبوط تلك الأسواق أن يضيف عائقًا آخر، وهو الأمر الذي يصل صداه وبسرعة في الأسواق المالية في أفريقيا خاصة تلك الأكثر ارتباطًا وتكاملًا مع الأسواق العالمية مثل بورصات دول الشمال الأفريقي، كذلك جنوب أفريقيا ونيجيريا وكينيا وموريشيوس وغيرها من الدول، وهو ما يؤكد فكرة أن الانفتاح على اقتصادات العالم قد يجني آثاره السلبية[20].

كذلك الحال بالنسبة للاستثمار الأجنبي المباشر، فمن المتوقع تأجيل بعض الاستثمارات بفعل الأزمة الجارية خاصة الاستثمارات الروسية، حيث إن هناك نحو 92 صفقة بين روسيا ودول أفريقية بقيمة إجمالية 1000 مليار روبية (13.95 مليار دولار) قد تتأجل خلال الفترة الجارية، هذا بالإضافة إلى استثمارات أخرى قد تتعطل، فقد زاد الاستثمار من قِبَل الشركات الروسية في أفريقيا في السنوات الأخيرة، وتم الإعلان عن 19 مشروعًا جديدًا في عام 2019، كما تتركز الشركات الروسية في قطاع الخدمات المالية وقطاعات المعادن والفحم والنفط والغاز مجتمعة 90% من إجمالي الاستثمار الروسي المعلن في الحقول الخضراء في أفريقيا منذ عام 2003، كما تمتلك شركات التعدين الروسية أنشطة في 7 دول أفريقية على الأقل، بما في ذلك عمليات عملاق الماس Alrosa في أنغولا، ومشروع Vi Holding الروسي المشترك لتعدين البلاتين في زيمبابوي، وعمليات تعدين الذهب Esimath في السودان. وفي الوقت نفسه، تمتلك شركة الألومنيوم الروسية “روسال” وتشغل مناجم البوكسيت ومصفاة الألومونيوم في غينيا، ولديها عمليات أخرى في نيجيريا. كذلك أصبحت الطاقة النووية أيضًا قطاعًا استراتيجيًّا للاستثمارات الروسية في أفريقيا. وفي الوقت نفسه، فإن شركات النفط والغاز الروسية، مثل Rosneft المملوكة للدولة، وGazprom وLukoil، مهتمة بشكل متزايد. ولديها مصالح في دول مثل الجزائر ومصر وموزمبيق والكاميرون وغانا ونيجيريا وليبيا[21].

 كما أن حالة عدم اليقين والاضطرابات التي تسببت فيها الحرب ستؤدي إلى رفع أسعار الفائدة وتقليل فرص الحصول على الائتمان في أفريقيا، الأمر الذي يؤثر بدوره على تنفيذ أهداف السياسة النقدية بدول القارة وسط أعباء إضافية لوباء كورونا. كذلك السياحة التي قد تتأثر بها بعض الدول الأفريقية، حيث تراجعت السياحة من روسيا وأوكرانيا إلى ربع ما كانت عليه قبل الحرب، وأضاف ذلك أعباء جديدة على الدول الأفريقية المستقبلة للسياح من الدولتين على سبيل المثال: جنوب أفريقيا وموريشيوس، كذلك مصر التي تعتمد أيضًا بدرجة كبيرة على السياحة القادمة من روسيا[22].

رابعًا- مواقف الدول الأفريقية تجاه الغزو الروسي لأوكرانيا:

انطلاقًا من المخاوف الأفريقية من التداعيات الاقتصادية للحرب الروسية في أوكرانيا، لم تدعم أي دولة أفريقية هذا الغزو، فعلى سبيل المثال دعت جنوب أفريقيا إلى انسحاب فوري للقوات الروسية من أوكرانيا، قائلة إن النزاع يجب حله سلميًّا. ويشكل موقف جنوب أفريقيا صفعة لروسيا التي تعتبرها حليفًا رئيسيًّا في أفريقيا، حيث تتمتع الدولتان بعلاقات اقتصادية قوية، وكلاهما عضو في تكتل “البريكس”. كما تمتلك جنوب أفريقيا استثمارات في روسيا تصل إلى ما يقرب من 80 مليار راند جنوب أفريقي (5 مليارات دولار)، في حين يبلغ إجمالي الاستثمارات الروسية في جنوب أفريقيا حوالي 23 مليار راند.

 كما ذهبت كينيا -القوة الاقتصادية لشرق أفريقيا، والعضو غير الدائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة- إلى أبعد من ذلك في إدانة روسيا. ففي خطاب مثير، قال “سفير كينيا” في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة: “إن وحدة أراضي وسيادة أوكرانيا منتهكة، وإن ميثاق الأمم المتحدة لا يزال يذبل في ظل هجوم قوي من الأقوياء”. كما أدانت غانا والجابون -الدولتان الأفريقيتان الأخريان في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة- روسيا. ولم تعلن أي دولة أفريقية حتى الآن عن دعم التدخل الروسي، ولا حتى مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى، حيث تساعد القوات الروسية الحكومات في محاربة التمرد[23].

 وتأسيسًا على ما سبق، يتضح أن الغزو الروسي لأوكرانيا لم يقتصر فقط على كونه أزمة سياسية بل تتعدد الانعكاسات الاقتصادية له، وتطول عددًا كبيرًا من الدول الأفريقية على أصعدة متعددة، كان أبرزها تراجع الاستثمار الأجنبي بالقارة، وتذبذب أسواقها المالية، فضلًا عن ارتفاع معدلات التضخم خاصة تلك المتعلقة بأسعار القمح والحبوب، الأمر الذي يلقي بظلاله السلبية على مستوى الأمن الغذائي بدول أفريقيا المستوردة للقمح. وإن كان للأزمة الجارية انعكاسات إيجابية على أسعار مصادر الطاقة كالنفط والغاز والمعادن، ما يسهم في رفع إيرادات الحكومات الأفريقية المصدرة؛ إلا أن معظم الاقتصاديين أكدوا أن تلك الأرباح قد تؤول بشكل كبير إلى الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات التي تحتكر عملية استخراج وتكرير النفط والغاز والمعادن، وقد تتآكل تلك الأرباح نتيجة ارتفاع فاتورة استيراد الغذاء وعلى رأسها القمح والحبوب والزيوت.

 وفي الختام، يمكن القول: إن الآثار الاقتصادية الناتجة عن الأزمة الروسية الأوكرانية سوف تعتمد على حجم الاضطراب وطول الفترة الزمنية التي تستمر فيها الحرب، خاصة وأن الوضع في أفريقيا لا يحتمل المزيد من الخسائر الاقتصادية؛ فهي بالفعل تعاني من أزمات سياسية وأمنية، إضافة إلى تداعيات اقتصادية صعبة في ظل انتشار وباء كورونا.


[1]

[2]) The European Council on Foreign Relations (ECFR) Unsettled: The impact of the Russia-Ukraine crisis on the Middle East and North Africa , 10 February 2022 Available at :
https://ecfr.eu/article/unsettled-the-impact-of-the-russia-ukraine-crisis-on-the-middle-east-and-north-africa/
[3]) Danielle Resnick  , “What does the war in Ukraine mean for Africa?” , Brookings News , February 25, 2022,  Available at :
https://www.brookings.edu/blog/africa-in-focus/2022/02/25/what-does-the-war-in-ukraine-mean-for-africa/
[4]) Tom Espiner , ” Oil hits seven-year high but shares rebound on Russian war” , BBC News ,  25 Feb.2022 , Available at :

 

https://www.bbc.com/news/business-60502451
5) EMMANUEL ABARA BENSON , ” Here are 10 African countries with the largest crude oil production output in”  , Africa Business Insider , January 14, 2022,  Available at : 

https://africa.businessinsider.com/local/markets/10-african-countries-with-the-largest-crude-oil-production-output-in-2021/qbj8bj3

And :

– Energy Capital and Power , Top 10: Africa’s Leading Oil Producers in 2021,  June 16, 2021  , Available at : 
[6]) Benita van Eyssen , ” Ukraine crisis: What’s at stake for Africa? ” , Deutsche Welle (DW) , Available at :
https://www.dw.com/en/ukraine-crisis-whats-at-stake-for-africa/a-60916646
[7]) Deutsche Welle (DW) , ” Oil breaches $100, gold soars as Russia attacks Ukraine ” , Available at :
https://www.dw.com/en/oil-breaches-100-gold-soars-as-russia-attacks-ukraine/a-60897707
[8]) JOSEPH GLAUBER AND DAVID LABORDE  , ‘ How will Russia’s invasion of Ukraine affect global food security?” , INTERNATIONAL FOOD POLICY RESEARCH INSTITUTE  , FEBRUARY 24, 2022  , Available at :
https://www.ifpri.org/blog/how-will-russias-invasion-ukraine-affect-global-food-security
[9]) Alex Irwin-Hunt , ” Russia’s ongoing charm offensive in Africa ” ,  fDi Intelligence September 15, 2020  , Available at :
https://www.fdiintelligence.com/article/78348
10) JOSEPH GLAUBER AND DAVID LABORDE  , Op.cit , Available at :
https://www.ifpri.org/blog/how-will-russias-invasion-ukraine-affect-global-food-security
[11]) Financial Times , ” Russia attack on Ukraine set to hit global food supply chains”, 25 Feb.2022 , Available at :
https://www.ft.com/content/c0c9fe20-e219-45d4-b029-2cfbaf86a755
[12]) Michael King , ” Wheat consumption rising in Africa ” , World Grain , 2019 , Available at:
https://www.world-grain.com/articles/11655-wheat-consumption-rising-in-africa
[13]) Gro Intelligence  , ” Wheat in Sub-Saharan Africa ”  , 17 APRIL 2015  , Available at :https://gro-intelligence.com/insights/wheat-in-sub-saharan-africa
[14]) The European Council on Foreign Relations (ECFR), Op.cit , Available at :
https://ecfr.eu/article/unsettled-the-impact-of-the-russia-ukraine-crisis-on-the-middle-east-and-north-africa/
15) Financial Times , Op.cit , Available at :
https://www.ft.com/content/c0c9fe20-e219-45d4-b029-2cfbaf86a755
[16]) Wandile Sihlobo , ” How Russia-Ukraine conflict could influence South Africa’s food supplies” ,  Feb 25, 2022  , Available at :
https://www.iol.co.za/lifestyle/food-drink/how-russia-ukraine-conflict-could-influence-south-africas-food-supplies-96eb7d01-3ff7-4582-835b-1733c8318534
[17]) Gro Intelligence  , Op.cit , Available at :https://gro-intelligence.com/insights/wheat-in-sub-saharan-africa
[18]) Benita van Eyssen , Op.cit , Available at :
https://www.dw.com/en/ukraine-crisis-whats-at-stake-for-africa/a-60916646
[19](JOSEPH GLAUBER AND DAVID LABORDE  , Op.cit , Available at :
https://www.ifpri.org/blog/how-will-russias-invasion-ukraine-affect-global-food-security
20) Benita van Eyssen , Op.cit , Available at :
https://www.dw.com/en/ukraine-crisis-whats-at-stake-for-africa/a-60916646

  

[21]) Alex Irwin-Hunt , Op.cit , Available at :
https://www.fdiintelligence.com/article/78348
[22]) Safeya Mounir  , “Tourism impacts from Ukraine” , Ahram Online , 24 Feb 2022 , Available at :
https://english.ahram.org.eg/NewsContent/50/1201/461607/AlAhram-Weekly/Egypt/Tourism-impacts-from-Ukraine.aspx
[23](  BBC News , ” Ukraine crisis and Africa: The effects on oil, students and bread” , 24 Feb.2022 , Available at :
https://www.bbc.com/news/world-africa-60507209
error: كل الحقوق محفوظة!!