كتب – د. رأفت محمود محمد

خبير في قضايا الأمن الإقليمي والشأن الإفريقي

يُعد المشهد الصومالي الحالي والذي تمثل في التعثر في إجراء الانتخابات الرئاسية، وبداية صراع سياسي بين الرئيس الصومالي ورئيس الوزراء والذي نتج عن إقالة رئيس الاستخبارات الصومالية عنوان لأزمات متلاحقة تمر به الدولة الصومالية منذ أنهيارها في عام 1991م.

ووفق الدستور الذي تم وضعه في عام 2016م والذي حاز على دعم غير مسبوق من المجتمع الدولي كان يُأمل إجراء أول انتخابات فيدرالية في الصومال على أمل أن ينجح في إرساء آلية انتخاب شعبية “صوت واحد لشخص واحد” في الانتخابات المقبلة 2020/ 2021، إلا أن الأمور لم تجر وفق ما كان مخططًا له.

واقعيًّا يعد الداخل الصومالي أصل المشكلة الصومالية، وأن كافة الجهود الدولية والإقليمية التي تمت خلال المرحلة الماضية لم تؤد إلى إنهاء حالة الاحتقان والصراع السياسي التي تميز البيئة السياسة الصومالية، وتصرف الحكومات المحلية عمليًا كدول مستقلة، مع هجمات متصاعدة من حركة الشباب الإرهابية التي لم تؤثر فيها جميع الجهود في إزاحتها من المشهد السياسي والأمني الصومالي، وبيئة سياسية ساهمت في فاعلية بعض التدخلات الخارجية التي تسعي وراء مصالحها.

لذا كان من الأهمية التعرف على سمات النظام السياسي الصومالي وتقييم فترة حكم الرئيس فرماجو، وهل يتجه الصومال إلى نموذج أفغانستان كحل للأزمة الصومالية؟ وما هي خارطة الطريق المستقبلية للأزمة الصومالية الحالية.

أولًا : سمات النظام السياسي الصومالي

اتسم واقع النظام السياسي الصومالي منذ انهيار الدولة الصومالية في عام 1991م بوجود مركز لا يستطيع السيطرة على كامل التراب الصومالي، مع تفضيل المصالح والولاءات القبلية، والتأثر بأجندات من خارج الصومال، بالإضافة إلى الفساد وعدم القدرة على حل معضلات الصومال، وكلها عوامل ساهمت في إحداث حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، وسبب الفشل الذي يمر به الصومال.

  1. فيدرالية ذات مؤسسات ضعيفة في المركز والأطراف

المكون السياسي الصومالي يمكن وصفه بأنه عبارة عن ولايات فيدرالية متحدة قوية ومنكفئة على مصالحها مع وجود صراع بينها حول المصالح، وتتعامل على أنها دول مستقلة، ولا تخضع للمركز إلا بما يحقق مصالحها[1]، مع تصرف يناقض الواقع من المركز الذي يتعامل على أنه يحكم السيطرة على جميع مناطق الصومال.

هذا أدى إلى عدم التوافق على شكل الإطار السياسي الذي يدير الصومال، وأدى إلى فشل الفيدرالية كهيكل سياسي موحد[2]، ووصفته العديد من الأدبيات السياسية “فيدرالية ذات مؤسسات ضعيفة في المركز والأطراف[3]“، وحكومة مركزية يهمن عليها قبيلتين فيما يشبه حركة التناوب على المنصب الرئاسي في الدولة.

2 . ترسخ مبدأ عدم الثقة بين كافة مكونات النظام السياسي الصومالي.

تتصف العلاقة بين مكونات البيئة السياسية الصومالية بأنها بيئة يشوبها الشك بين جميع أطرافها، وإذا كانت قد ارتضت في البداية بالمسار السياسي الذي تم وفق دستور 2016م والذي كرس النظام الفيدرالي الصومالي، ولكن واقعيًّا تصرفت الحكومات المحلية كدول مستقلة، ولم تعترف بسلطة الحكومة الاتحادية في مقديشيو[4].

وفشل الجميع في تقديم نموذج يمكن الاعتماد عليه ليكون خارطة طريق لحلحلة الوضع السياسي المتأزم في الداخل، وترسخ عدم الثقة بين المركز والأطراف نتيجة أن كل طرف تمترس حول مصالحه، وتبين ذلك أكثر في عدم ثقة قوى المعارضة الصومالية في قيام السلطة الحالية بتنظيم انتخابات، في ظل التمسك الشديد من جانب الرئيس الصومالي محمد عبدالله فرماجو بالبقاء في السلطة، فلم يتعامل الجميع بمنطق المسئولية للحفاظ على الدولة الصومالية، وهو ما نتج عنه الاحتقانات والصراعات السياسية الأخيرة.

ويتضح ذلك من كثرة التعديلات التي تمت على النظام الانتخابي الذي يسير عمليه انتقال السلطة وانتخاب أعضاء مجلسي النواب والشيوخ[5].

3 . الاعتماد على الدعم الخارجي مع وجود تحديات أمنية كتنظيم الشباب.

لم تستطع أي تسوية أو تدخل أممي من القارة أو دوليًّا تحييد تأثير تنظيم الشباب الحاضر دائمًا والفاعل داخل الصومال، وفي الحالة الصومالية يعتمد بقاء الحكومة بشكل كبير على الدعم الفني والقوات الخارجية لأنها غير قادرة على الوفاء بمتطلبات تحقيق الاستقرار الأمني في ظل محدودية القدرات البشرية والتدريب والمعدات وواقع عدم الاستقرار الأمني وتحدي تنظيم الشباب[6].

وقد ثبت أن التنظيم لا يمكن إنهاء وجوده في الحياة الصومالية، فكافة الجهود الدولية أو الأممية من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي لم تستطع إنهاء وجوده داخل الصومال.

وقد تصاعدت هجمات النظيم خلال الفترة الأخيرة خاصة بعد انسحاب القوات الأمريكية وبداية انسحاب قوات الاتحاد الإفريقي، ومع تصاعد الصراع السياسي برزت قوة التنظيم وبدأ يضاعف من هجماته، والذي وضح للجميع إنه عنصر لا يمكن أغفال وجوده في الحياة السياسية الصومالية.

ثانيًا: الصراع بين الرئيس فرماجو وقوى المعارضة.

اتسم الصراع السياسي الحالي بين الرئيس الصومالي وقوى المعارضة بأنه صراع ممتد منذ تولي الرئيس فرماجو السلطة في عام 2017م، نتيجة محاولاته لإعادة تشكيل آليات انتخاب رئيس الجمهورية والتي تم وضعها في دستور عام 2016م، وذلك لضمان بقائه فترة أخرى بعد انتهاء ولايته، مما ساهم في تصاعد الصراع مع قوى المعارضة الصومالية، ذلك الصراع الذي تحكمه المعادلة الصفرية بين الرئيس والمعارضة حيث سعى الجميع إلى إبعاد الطرف الآخر لأسباب تتعلق بسمات الحياة السياسية داخل الصومال والممتدة منذ انهيار الدولة في عام 1991م.

  1. دور الرئيس فرماجو في إعادة تشكيل الآليات الحاكمة للانتخابات البرلمانية ورئاسة الدولة.

منذ تولى الرئيس فرماجو السلطة عمل بدأب على اتخاذ مواقف سياسية داعمة لتوجه بقاءه في السلطة بعد انتهاء فترة ولايته، ولم يسع للعمل على إيجاد نموذج توافقي لحلحلة الخلافات السياسية، وهو ما أدركته المعارضة وتربصت بمحاولاته، وفور انتهاء ولايته في فبراير 2021م طالبته بسحب ترشحه للانتخابات الرئاسية القادمة.

وقد ساهمت العوامل الإقليمية والدولية في تشجيع الرئيس الصومالي على هندسة البيئة السياسية بشكل يدعم فرصه في الفوز والعمل على تأجيل الانتخابات رغم انتهاء ولايته دستوريًّا يوم 8 فبراير الماضي، وهو الموقف الذي أدى إلى حدوث حالة من الصراع السياسي والأمني بين وحداته السياسية، وهي حالة ترفع مستوى التهديدات على بوابة البحر الأحمر بما يحمله من أهمية استراتيجية.

فمثلًا، قامت وزارة الداخلية الصومالية في فبراير 2020م بتطوير مسودة قانون جديد للانتخابات بعد التشاور مع الولايات الفيدرالية الخمس والأطراف المعنية، ثم تم تمريرها من قبل مجلس الوزراء والبرلمان بغرفتيه، ليصادق عليه الرئيس الصومالي.

وفي سبتمبر قام بالإطاحة برئيس الوزراء السابق حسن علي خيري واختيار محمد حسين روبلي الشخصية التي كانت موالية لسياسات فرماجو الداخلية وبلا طموح سياسي حينئذٍ[7]، ثم قام بالتوقيع على اتفاق مع رؤساء الولايات الإقليمية الخمس يقضي بتأجيل موعد الانتخابات المباشرة، والذي صادق عليه البرلمان بعد بضعة أيام والذي واجهته عقبات خلال تنفيذه.

وتمت إعادة تقنين عملية اختيار رئيس الجمهورية بحيث يضمن التمديد له لفترة جديدة وذلك بإعادة تشكيل مجلسي النواب والشيوخ وملء مقاعدهم بمن قد يصوتون لصالح التمديد له[8].

ومن ناحية أخرى تربصت المعارضة الصومالية بمحاولات فرماجو واتهمته بملء المجالس الانتخابية الإقليمية والوطنية بحلفائه، ومنذ ذلك التاريخ تصاعد الصراع السياسي والأمني، وأدى إلى تدخل المجتمع الدولي وطالب بالمعالجة السلمية والحوار بين أطراف الصراع.

يأتي ذلك في وقت تأجلت الانتخابات التشريعية العامة عن موعدها والتي كانت مقررة في 27 ديسمبر 2020م، فيما لم يتبق من ولاية فرماجو الدستورية سوى 19 يومًا وسط عدم وجود حلول صومالية تلوح في الأفق بسبب الخلافات بين السلطة المركزية وقوى المعارضة.

ومع تصاعد الخلاف السياسي بين الطرفين تمكن الرئيس فرماجو من أخذ قرار من البرلمان الصومالي في شهر أبريل لصالح تمديد فترة ولايته لمدة عامين الأمر الذي زاد من اشتعال الصراع بين الطرفين وبدء قتال في مقديشيو العاصمة الصومالية مع أصداء واضحة للعودة للحرب الأهلية.

وسعى الرئيس فرماجو حسم الأمر على الأرض عسكريًّا عبر الهجوم على مقار سكن كل من الرئيس السابق حسن شيخ محمود والوزير الأسبق عبدالرحمن عبدالشكور[9]، وبعد قتال عنيف أيقن من خلاله أنه لن يتمكن من ترويض المعارضة، بالإضافة إلى المردود الدولي السريع، مما أجبره على التخلي عن محاولته لتمديد ولايته لمدة عامين، مستجيبًا بذلك للضغوط المحلية والدولية.

حتى اتفاق مايو 2021م والذي حدد خارطة طريق للخروج من المأزق، وذلك باتفاق على عقد انتخابات بعد حوالي 60 يوم، ولكن كالمعتاد فشل الجميع في إتمام هذا الاتفاق، وهو الأمر الذي أثار قلقًا سياسيًا وأمنيًا من احتمالية عرقلة الاتفاقية التي توصلت إليها المعارضة ونظام الرئيس فرماجو[10]

وما زال الاتفاق الذي تم عقده في أغسطس الماضي بوضع جدول جديد عقب اتفاق بين رؤساء الولايات ورئيس الوزراء حول آلية إجراء الانتخابات أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا محل شكوك قوية حول تنفيذ ذلك الاتفاق، خاصة بعد الخلافات الأخيرة والتي تتعلق برئيس المخابرات الصومالية والذي قام بإقالته رئيس الوزراء الصومالي على خلفية مقتل الضابطة في الجهاز إكرام تهليل فارح، والتي حاول الجهاز نسبها إلى تنظيم الشباب الذي رفض هذا البيان، وقد وصفت عملية مقتلها بأنها تصفية داخل جهاز المخابرات والأمن القومي الصومالي[11]، ومنذ ذلك الحين تصاعد دور رئيس الوزراء وحركت تلك الإقالة ردود فعل إيجابية ضخمة في الشارع، فيما لاقت رفضًا كبيرًا من رئيس البلاد محمد عبدالله فرماجو.

2 . أسباب رضوخ الرئيس فرماجو لضغوط المعارضة والقوى الدولية.

مجريات الأحداث على الأرض أوضحت أن رضوخ الرئيس فرماجو وقبوله عدم تمديد ولايته لفترة جديدة إنه فرض الواقع؛ لأنه أيقن بأنه غير قادر على مواجهة المعارضة، فمحاولات التدخل في تشكيل اللجان التي تدير العملية الانتخابية وتغيير رئيس الوزراء، وآلية اختيار نواب مجلس النواب والشيوخ كلها لم تحقق المرجو منها.

ومما يؤكد أنه فرض الواقع الذي لم يستطع مواجهته بالإضافة إلى عدد من العوامل الأخرى والتي منها الضغوط الدولية بالطبع، فقد حاول الضغط أمنيًّا على قوى المعارضة الصومالية بمواجهة رؤوس المعارضة الصومالية، إلا أن محاولته تلك لم تحقق مستهدفاتها.

فقد مال الشعب الصومالي إلى عامل الحفاظ على الاستقرار وعدم تأييد أهداف الرئيس فرماجو، فعلى الرغم من الولاءات العشائرية وتحكم تنظيم الشباب في بعض المناطق بالإضافة إلى وجود كيانات مستقلة فعليًّا، إلا أن سلوك الرئيس الصومالي وطريقة إدارته للأزمة أوضحت للشعب الصومالي أنه مقبل على أزمة سياسية وأمنية أعادت للأذهان فترات عصيبة مر بها الشعب الصومالي، وتذكرة بالظروف المأساوية التي مروا بها خلال مراحل الحرب الأهلية خلال فترة أمراء الحرب.

فالاشتباكات بين قوى المعارضة وقوات الجيش الصومالي الموالية لفرماجو وحالات النزوح التي حدثت غيرت المزاج العام تجاه الرئيس فرماجو خاصة داخل القيادات العليا في الحكومة والشخصيات الشعبية التي استمرت في تأييد القرارات السياسية للرئيس المنتهية ولايته[12].

فقد تم بذل جهد واضح لإعادة بناء مؤسسات الدولة الصومالية، ومحاولات حسيسة للحد من تأثير الانتماء القبلي على القرار السياسي للبلاد، والتي ما زال لها الرأي الفصل في الانتخابات الرئاسية التي يتم إجراؤها في الصومال، وبناء عليه فإن الصراع بين مرشحي الرئاسة سيجلب معه وبشكل مباشر القبيلة التي ينتمون إليها.

ثالثًا: تقييم أداء السلطة المركزية الصومالية داخليًّا وإقليميًّا ودوليًّا.

داخليًّا، فعلى الرغم من الآمال التي عقدت على تلك السلطة بعد تدشين دستور عام 2016م، والذي هدف تحقيق أول انتخابات حرة وبالاقتراع المباشر في الصومال، إلا أن سلوك الرئيس فرماجو خال فترة رئاسته تناقض مع الجهود التي بذلها المجتمع الدولي لتحقيق عوامل الاستقرار في الصومال، والتي تم تدشينها بذلك الدستور.

فسياسات فرماجو لم تحقق ذلك الاستقرار المنشود، سواء على المستوى السياسي أو الأمني، فلم يحدث ذلك التوافق أو محاولة إيجاد أرضية مشتركة خلال مرحلة بقائه في السلطة بحيث يجتمع الفرقاء الصوماليون على أهداف وأجندة وطنية واضحة.

فعوامل الانقسام تزداد قوة وتتعامل الولايات على أنهم دول مستقلة، مع زيادة في نفوذ قادة العشائر، وفي نهاية فترة ولايته يوصف الصومال بأنه دولة تحكمها حكومة مركزية ضعيفة في المركز ولا تتحكم في الداخل، مع وجود أطراف تتعامل كجزر معزولة وتتمترس حول مصالحها.

وبالنسبة للمشهد الأمني فلا يزال تنظيم الشباب يزداد قوة وزادت هجماته في الفترة الأخيرة، وإن كانت الحكومة المركزية لا تمتلك القوة الكافية لمواجهة التنظيم والانفلات الأمني في الداخل إلا إنه كان بمقدورها اتخاذ عدد من السياسات التي تحد من الإضراب الأمني الذي تميز به المشهد الصومالي، بل بات فرماجو بمحاولاته مدّ فترة رئاسته للصومال أحد أسباب زيادة الاضطراب الأمني، والتي منها الاهتمام بالمركز دون الأطراف والتي حاول التفاوض معها وبما يضمن تمديد فترة بقائه في السلطة، فهو تعاون المصلحة الشخصية وليس تعاون المصلحة القومية للدولة الصومالية.

إقليميًّا ودوليًّا، اعتمد بقاء الحكومة المركزية في الصومال بشكل كبير على الدعم الخارجي، ويتضح ذلك من نوعية التحالفات التي تم نسجها مع قوى إقليمية ودولية خلال المرحلة الماضية[13]، وكذلك دور هذه القوى في الحفاظ على استقرار الأوضاع السياسية والأمنية في حدها الأدنى وبما لا يؤدي إلى انهيارها، وقد اختلف سلوك الحكومة المركزية تجاه العاملين الإقليمي والدولي نتيجة اختلاف نوع وحجم تأثيرهم على النظام الصومالي.

فبالنسبة لدول الجوار فقد مال النظام إلى نمط محدد من العلاقات البينية نحو قوى يعتقد أن لها تأثير في الداخل الصومالي مثل إثيوبيا وبمشروعها القرن الإفريقي الجديد، والقمم الثلاثية التي جمعت الرئيس الصومالي مع كل من رئيس الوزراء الإثيوبي والإريتري والاثنين لهم مصالح داخل الصومال ويواجهان إشكاليات داخل بلدانهم.

وبالنسبة لكينيا، فقد تدهورت العلاقات بين البلدين على النقيض من العلاقات الصومالية الإثيوبية، ويرجع ذلك للصراع بين البلدين حول عدد من القضايا ومنها ترسيم الحدود البحرية[14]، وتأثير كينيا على الداخل الصومالي خاصة محاولة تغيير التحالفات الانتخابية والعلاقات القوية التي تربط نيروبي برموز المعارضة مثل رئيسي ولايتي بونت لاند وجوبالاند، واستضافتها لمعظم المرشحين المحتملين في الانتخابات الصومالية المقبلة لدرجة وصفها بالمجمع الانتخابي الصومالي[15].

بالنسبة للدول العربية، فقد وضح تأثر سلوك النظام الصومالي بطبيعة تحالفاته مع كل من قطر وتركيا التي بنت قاعدة لها في داخل الصومال وتتولى الإشراف على تدريب القوات الصومالية، وأظهر الرئيس الصومالي حينها موقفه الرافض لموقف الرباعي العربي، ولعل زيارته إلى مصر الأخيرة يشير إلى إدراكه متأخرًا إلى أن عوائد سياساته الإقليمية والدولية السابقة لم تحد من كم الاعتراضات على رغبته في الاستمرار في السلطة بالمخالفة للاستحقاق الانتخابي.

أما العامل الدولي، فله دور في لجم طموح الرئيس فرماجو في إعادة هندسة العملية السياسية، وبما يحقق أهدافه في الوجود فترة أخرى في الحكم، نتيجة تأثيرات سياساته على الاستقرار في الداخل وإعادة لمشهد الحرب الأهلية وعدم الاستقرار في المنطقة الاستراتيجية.

جدير بالذكر، أن انسحاب القوات الأجنبية وبداية انسحاب قوات الاتحاد الإفريقي التي يبلغ قوامها حوالي20 ألف مقاتل، تشكل عامل ضغط على الحكومة التي تواجه تحديات أمنية من انفلات أمني وعشائر تمتلك تسليح خاص بها، وتنظيم إرهابي لم تستطع كافة التدخلات الإقليمية والدولية الحد من قدراته.

رابعًا: سيناريوهات المستقبل

نقاط الخلاف الرئيسة الحالية بين قوى المعارضة والسلطة المركزية وبداية ظهور دور لرئيس الوزراء الصومالي بعد الخلاف حول إقالة رئيس المخابرات العامة الصومالية، بالإضافة إلى سلوك المعارضة الحاسم والذي أجبر فرماجو على التخلي عن خططه الخاصة بتمديد ولايته مرة أخرى، كلها عوامل جعلت سيناريوهات المستقبل تأخذ المسارات التالية:

المسار الأول: نجاح الرئيس فرماجو في الفوز بولاية رئاسية جديدة.

الصراع السياسي الحالي ومآلاته التي بدأت تدفع أطرافًا إقليمية ودولية إلى التدخل خاصة حالة السيولة الأمنية، مع تذكرة بمشهد انهيار الدولة الصومالية وما نتج عنه من تضرر مصالح كافة الأطراف المعنية بالوضع السياسي والأمني في الصومال، وبما قد يدفع المجتمع الدولي إلى محاولة تسوية وضع الصراع السياسي الحالي بإتاحة الفرصة للرئيس فرماجو بإعادة انتخابه مرة أخرى، خاصة في ظل حالة الشك في إمكانية تولي شخصية أخرى تحفظ التماسك الهش الحالي للدولة الصومالية.

وفي حالة نجاح الرئيس فرماجو في تغيير المزاج الانتخابي لصالحه للفوز بولاية رئاسية جديدة، وهو ما يسعى إليه بكل قوة، ويعمل على تأجيل الاستحقاق الانتخابي حتى يتمكن من تهيئة الأجواء لتوليه فترة رئاسة جديدة، وبما يؤدي إلى نجاح ذلك المسار. 

المسار الثاني: تفعيل نص الدستور الذي يتيح بأن تؤول السلطة إلى رئيس الوزراء

وخلال هذا المسار سيتم الوصول إلى صيغة توافقية تخرج الرئيس المنتهية ولايته من المعادلة السياسية، وقد يدعم هذا الخيار إعلان اتحاد مرشحي الرئاسة والأحزاب السياسية المعارضة دعمهم لروبلي في قرار إقالة فهد ياسين، والذي اتهمته المعارضة والولايات مرارًا بالتدخل السلبي في الحياة السياسية لصالح فرماجو، وطالبوا مرارًا بإقالته، وكذلك تطلعات القبيلة التي ينتمي إليها ومدى ثقلهم في الشارع الصومالي، خاصة العاصمة مقديشو.

محددات نجاح ذلك المسار تتوقف على تدخلات الخارج التي ستتصارع على إيجاد أوضاع تلائم مصالحها خاصة تركيا وقطر واللتين تدعمان الرئيس فرماجو[16]، في مقابل أطراف دولية وإقليمية قد ترى في هذا المسار حلًّا للصراع السياسي الحالي وتعمل على إجبار الفرقاء الصوماليين على العمل على الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الداخلي، وتدعيم رئيس الوزراء الذي قد يكون مرشحا توافقيا للرئاسة في المرحلة التالية.

المسار الثالث: أفغنة الحالة الصومالية.

انسحاب قوات الاتحاد الإفريقي وقد سبقها انسحاب القوات الأمريكية من الصومال ألقى بأعباء على المؤسسة الأمنية الهشة في مواجهة تنظيم الشباب الذي استعادة عافيته وقدراته خلال الفترة الماضية، ومما قد يرجح ذلك المسار أن القوات المسلحة الصومالية تعانى من تأثير الولاءات العشائرية.

ويتوقع في حالة تصاعد الصراع السياسي حدوث انقسام داخل الجهاز الأمني والعسكري عبر خطوط الانتماءات القبلية، خاصة في حالة الصراع المسلح بين العشائر، وبما يدعم وجود التنظيم ويفرض سطوته على الشأن السياسي والأمني الصومالي، فمازال التنظيم له أرضيته ومتجذر في داخل الصومال ويفرض سطوته على العديد من الأماكن.

وبدأت حاليا تظهر تساؤلات حول كيفية دمجه في الحياة السياسية الصومالية أو ما يطلق عليه أفغنة الحالة الصومالية، والذي يحتمل أن يكون الحل الأوقع لتهذيب سلوك تنظيم الشباب من خلال استحضاره وشراكته في المفاوضات التي قد تتم لوضع حل للصراع السياسي الحالي، وقد أدركت قوى عديدة أهمية هذا الطرح وتم تجربته في أفغانستان وتجري تجربته الآن في مالي للتفاوض مع تنظيم القاعدة. 

يحد من ذلك المسار أن التنظيمات الإسلامية تنظيمات عابرة للحدود بالانتماء الفكري والتوجه العملياتي، ويبقى جزء من الحل في هذا المسار يقع على عاتق تنظيم الشباب الذي عليه أن يقدم ولاءه للأرضية الوطنية وليس للانتماء الفكري والعملياتي العابر للحدود.

المسار الرابع: عدم التوافق بين أطراف الأزمة ونشوب حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني.

يدعم ذلك المسار سلوك السلطة المركزية خلال الفترة الماضية والتي عمدت على إفشال كافة الحلول للوصول إلى حلول توافقية، واستمرار سلطتها سواء بتغيير القواعد الحاكمة لاختبار رئيس الدولة، وتعامل الولايات على أنها دول مستقلة ولا تدين للمركز إلا بما يدعم مصالحها، مع ضعف الجيش الصومالي، الذي يواجه عدة تحديات أهمها تأثير الانتماءات العشائرية على تماسك الجيش الصومالي في ظل سيطرة العشيرة على مناطقها[17]، ويتوقع حدوث انقسام داخل الجهاز الأمني والعسكري عبر خطوط الانتماءات القبلية، مع  تدخل قوى خارجية قامت بالاستثمار في بنية الجيش الصومالي خلال المرحلة الماضية مثل تركيا وبما يضمن من ولاء عدد من القيادات لتوجهاتها السياسة وحسابتها تجاه الصراع في الداخل الصومالي.

ويحد من ذلك المسار تجنب العناصر التي تنتمي للعشائر المشاركة في الأعمال القتالية لعدم رغبتهم في التورط في صراع سيؤدي إلى وقوع خسائر من دون طائل، وبما قد يؤدي إلي موالاة رغبات العشيرة على حساب الرئيس فرماجو، مع وجود رغبة إقليمية ودولية في استقرار الصومال لموقعة الاستراتيجي وتداعيات الموقف على المصالح الإقليمية والدولية.

المراجع


[1] بي بي سي، “الصومال بعد حوالي 60 عامًا من الاستقلال”، موقع بي بي سي، بتاريخ 28 ديسمبر 2019، متاح على الرابط:
https://www.bbc.com/arabic/middleeast-50932431
[2] مركز الإمارات للسياسات، “الانتخابات في الصومال 2020/2021: الإشكاليات والسيناريوهات المحتملة”، موقع مركز الإمارات للسياسات، بتاريخ 18 مايو 2020، متاح على الرابط:
https://epc.ae/ar/topic/somalias-20202021-national-elections-problematic-issues-and-potential-scenarios
[3] المرجع السابق.
[4] إندبندنت عربية، “تطور أزمة الانتخابات الصومالية قد يؤدي إلى صراعات قبلية”، موقع إندبندنت عربية، بتاريخ 15 يونيو 2021، متاح على الرابط:
shorturl.at/klACF
[5] موقع الصومال الجديد، “النظام الانتخابي الجديد.. حجر عثرة أمام نزاهة الانتخابات واستمرارها”، موقع الصومال الجديد، بتاريخ 26 أغسطس 2021، متاح على الرابط:
shorturl.at/yFS06
[6] اسكاي نيوز عربية، “الصومال.. الإرهاب “ينتعش” مع استمرار الصراع السياسي”، موقع اسكاي نيوز عربية، بتاريخ 7 مارس 2021، متاح على الرابط:
shorturl.at/fqCIY
 [7]أحمد عسكر، “لماذا تتصاعد حدة الأزمة السياسية في الصومال”، موقع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية” بتاريخ 25 أبريل 2021، متاح على الرابط:
https://acpss.ahram.org.eg/News/17130.aspx
 [8]مركز الإمارات للسياسات، “الصراع السياسي بين الرئيس الصومالي والقوى المعارض: مُحركاته وآفاقُه”، موقع مركز الإمارات للسياسات ” بتاريخ 28 فبراير 2021، متاح على الرابط:
https://epc.ae/ar/brief/political-struggle-between-somali-president-and-opposition-forces-motives-and-prospects
[9] إندبندنت عربية، مرجع سابق.
[10] مركز الإمارات للسياسات، “المشهد الانتخابي في الصومال: التحديات والآفاق”، موقع مركز الإمارات للسياسات، بتاريخ 17 أغسطس 2021، متاح على الرابط:
https://epc.ae/ar/whatif-details/97/almashhad-alaintikhabi-fi-alsuwmal-altahadiyat-walafaq
[11] فرانس 24، “تواصل التصعيد الخطير بين الرئيس ورئيس الوزراء في الصومال”، موقع فرانس 24، بتاريخ 9 سبتمبر2021، متاح على الرابط:
shorturl.at/qvSV4
 [12]مركز الإمارات للسياسات، “الصراع السياسي بين الرئيس الصومالي والقوى المعارض: مُحركاته وآفاقُه”، مرجع سابق.
[13] مركز الإمارات للسياسات، “الانتخابات في الصومال 2020/2021: الإشكاليات والسيناريوهات المحتملة”، مرجع سابق.
[14] د. حمدي عبدالرحمن، “اقترابات آمنة: مآلات النزاع البحري بين كينيا والصومال”، موقع قراءات إفريقية، بتاريخ 17 أكتوبر 2012، متاح على الرابط:
shorturl.at/rQSXY
[15] رويترز، “إعادة انتخاب رئيس ولاية جوبالاند الصومالي وسط توتر بين كينيا وإثيوبيا”، موقع وكلة رويترز، بتاريخ 22 أغسطس 2019، متاح على الرابط:
shorturl.at/cguBC
[16] قراءات إفريقية، “تركيا والصومال توقعان 9 اتفاقيات في مجالات مختلفة”، موقع قراءات إفريقية، بتاريخ 4 يونيو 2016، متاح على الرابط:
shorturl.at/lvCJ9
[17] إندبندنت عربية، مرجع سابق.
error: كل الحقوق محفوظة!!