كتب – د. محمود زكريا محمود إبراهيم

مدرس العلوم السياسية ونائب مدير مركز دراسات حوض النيل بكلية الدراسات الأفريقية العليا-جامعة القاهرة

تعد منطقة الساحل الأفريقي من الأقاليم الأفريقية التي تعاني من التهديدات المتنامية للجماعات الإرهابية العابرة للحدود منذ عقد التسعينيات من القرن العشرين، والتي ارتبطت بظهور “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” (AQIM) والذي نشأ كفصيل مستقل عن “الجماعة الإسلامية المسلحة” (GIA) تحت مسمى “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” (GC) في عام 1998م. وأعلن انضمامه لتنظيم القاعدة في عام 2006م.

كذلك ظهور “جماعة بوكو حرام” -“جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد” سابقًا- في عام 2002، والتي نشطت على المستوى العملياتي بعد مقتل زعيمها (محمد يوسف) في نيجيريا في عام 2009م، وصُنفت كثاني أخطر وأكثر الجماعات دموية في العالم والأولى على مستوى أفريقيا جنوب الصحراء في عام 2019م[1].

وقد تصاعدت وتيرة التهديدات الإرهابية بشكل كبير في هذه المنطقة مع بداية العقد الثاني من الألفية الجديدة كنتيجة لعدد من المتغيرات الإقليمية الرئيسية، ولعل من أبرزها مسار الصراع الداخلي الممتد في ليبيا عقب الثورة التي أطاحت بالرئيس الليبي الأسبق “معمر القذافي” في 17 فبراير 2011، ووقوع تمرد في شمال مالي من قِبل الطوارق وحدوث انقلاب عسكري في مارس 2012م، وهو ما أدى إلى بزوغ عدد من الجماعات الإرهابية، ولعل من بينها جماعة المرابطون التي ظهرت في يناير 2013م، وتنظيم “الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى” (ISGS) في عام 2015م وغيرها[2].

ويعزز من تنامي التأثيرات والتداعيات السلبية لهذه الجماعات على واقع الدولة الوطنية والتنمية المستدامة استمرار ظروف عدم الاستقرار الداخلي في عدد من دول منطقة الساحل خلال عام 2021، ففي مالي حدث انقلاب عسكري في مايو 2021 والذي يعد الثاني خلال أقل من عام؛ حيث حدث انقلاب عسكري سابق له في أغسطس 2020،

وفي تشاد تم اغتيال الرئيس الأسبق “إدريس ديبي” خلال مواجهات مع المتمردين في شمال الدولة، وذلك عقب فوزه بالولاية الرئاسية السادسة التي أُجريت في أبريل 2021، وتولى نجله “محمد إدريس ديبي” السلطة من خلال رئاسة المجلس العسكري الانتقالي في إطار المرحلة الانتقالية المحدد لها (18) شهر، بالإضافة إلى محاولة انقلابية غير ناجحة في النيجر، وذلك عقب الإعلان عن فوز الرئيس “محمد بازوم” في الانتخابات الرئاسية وقبل تنصيبه مباشرة، وذلك في31  مارس 2021..

واستنادًا إلى ما سبق بدأت تتبلور الجهود الدولية المشتركة لمواجهة التهديدات والمخاطر الإرهابية في هذه المنطقة على الأقل منذ بداية العقد الثاني من الألفية الجديدة، والتي جرت على مستويين رئيسيين، أما الأول فيتعلق بالجهود الفردية لبعض القوى الدولية ولعل أبرزها فرنسا إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية، بينما يكمن الثاني في الجهود المشتركة التي جرت سواءً تحت مظلة أطر مؤسسية (الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة) أو بعيدًا عنها عبر تبني مبادرات دولية متعددة الأطراف من قبل مجموعة من الدول، ويستهدف المنظور التحليلي لهذه الدراسة التركيز على المستوى الثاني عبر تناول مجمل الجهود الدولية المشتركة لمكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي مع تقديم رؤية مستقبلية بشأنها، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

أولًا: أطر الاستجابة الدولية المشتركة لمكافحة الإرهاب على مستوى المنظمات الحكومية  

ينصرف هذا الجانب من الدراسة إلى إلقاء الضوء على الجهود المشتركة المبذولة لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي من قِبل المنظمات الحكومية على المستوى الدولي والتي تتمثل فيما يلي:  

  1. الاتحاد الأوروبي

يعد بمثابة أحد الأطراف الدولية الفاعلة في مجال مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، حيث تبنى اقتراب قائم على عدم الفصل أو التوازن بين قضايا الأمن -من بينها مكافحة الإرهاب بطبيعة الحال- والتنمية في إطار هذه المنطقة، وهو ما تجسد من خلال إصداره “استراتيجية الأمن والتنمية في الساحل” (Strategy for Security and Development in the Sahel) في مارس 2011 لتعد بمثابة الإطار الرئيسي لعمل الاتحاد الأوروبي على المستويين الفردي والجماعي لمساعدة البلدان في منطقة الساحل والصحراء على مواجهة التحديات الأمنية والإنمائية الرئيسية، وقد مددت الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي من الاستراتيجية لتشمل كل من (بوركينا فاسو، تشاد، مالي، موريتانيا، النيجر) في مارس 2014.

وقد تم اعتماد “خطة العمل الإقليمية لمنطقة الساحل” (RAP) Sahel Regional Action Plan -بناءً على مطالبات وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي- لتنفيذ هذه الاستراتيجية في 20 أبريل 2015 وتمت مراجعتها وتحديثها في بداية يونيو 2016، وقد ارتكزت بدورها على أربع أولويات رئيسية تتمثل في: منع ومكافحة التطرف، خلق الظروف المناسبة للشباب، الهجرة والتنقل، وإدارة الحدود ومكافحة الاتجار غير المشروع والجريمة المنظمة العابرة للحدود[3].

ونتيجة لتعرض هذه الاستراتيجية لانتقادات شديدة منها إعطاء أولوية للأهداف الأمنية الأوروبية قصيرة المدى على حساب الاعتبارات السياسية، وذلك لمحاولة السيطرة على مستويات الهجرة الأفريقية ومنع تدفق الإرهاب من منطقة الساحل إلى أوروبا، إلى جانب تعثر خطة العمل لعام 2015 في معالجة القصور المرتبط بالاستراتيجية، فقد أطلق الاتحاد الأوروبي استراتيجية بديلة عُرفت باسم “استراتيجية الاتحاد الأوروبي المتكاملة في منطقة الساحل” European Union’s Integrated Strategy in the Sahel، وذلك في 16 أبريل 2021 لتطوير شراكة أكثر طموحًا في إطار منطقة الساحل، والتي تسند إلى التركيز على البعد السياسي ومبدأي الحوكمة والمساءلة المتبادلة مع السلطات الشريكة بمنطقة الساحل[4]، وبوجه عام يدعم الاتحاد الأوروبي دول الساحل الخمس من خلال ثلاثة مسارات رئيسية تتمثل فيما يلي[5]:

المسار الأول: الشراكة السياسية

يعتبر الاتحاد الأوروبي شريكًا سياسيًا قويًا لدول الساحل الخمس، وهو ما تجلى في إقامة حوارات منتظمة بين الطرفين، حيث عقد نائب المفوض الأعلى لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي اجتماعات سنوية مع وزراء خارجية دول الساحل الخمس لتعزيز التعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك من قبيل التنمية والحوكمة في المناطق الهشة وتحسين الأمن، ومكافحة الإرهاب والاتجار غير المشروع، كما يشارك الاتحاد الأوروبي بقوة في عملية السلام في مالي، ويعد بمثابة الضامن لاتفاقية السلام والمصالحة الموقعة في عام 2015، كما أعلن تقديم مبلغ (500) ألف يورو للهيئة المعنية بمراقبة اتفاقية السلام.

المسار الثاني: التعاون الإنمائي

يعتبر الاتحاد الأوروبي أكبر شريك للتعاون الإنمائي في منطقة الساحل الأفريقي، حيث بلغت قيمة الدعم المقدم منه نحو (8) مليار يورو خلال الفترة (2014-2020) وذلك من خلال أدوات من قبيل “الصندوق الائتماني للاتحاد الأوروبي من أجل إفريقيا” (EUTF for Africa) والذي يهدف إلى لمعالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار والنزوح القسري والهجرة غير النظامية وللمساهمة في إدارة الهجرة بشكل أفضل، ويتم تنفيذ البرامج في (26) دولة شريكة عبر ثلاث مناطق في إفريقيا (الساحل وبحيرة تشاد، القرن الأفريقي، شمال إفريقيا)[6]، وبموجبه تم تخصيص (1.865) مليار يورو في منطقة الساحل، وأداة المساهمة في الاستقرار والسلام Instrument Contributing to Stability and Peace (ICSP)، والتي تأسست في عام 2014 بهدف دعم المبادرات الأمنية وإجراءات بناء السلام[7]، وقد قام الاتحاد الأوروبي في إطارها بتمويل العديد من البرامج الإقليمية في منطقة الساحل بقيمة تصل إلى (14) مليون يورو منذ عام 2015.

كما يعد الاتحاد الأوروبي داعم رئيسي لــ “التحالف من أجل الساحل” (Sahel Alliance) الذي أطلقه في 13 يوليو عام 2017 بالتعاون مع كل من ألمانيا وفرنسا، والذي يعتبر بمثابة آلية لتعزيز التنسيق بين الشركاء لدعم الاستقرار وجهود التنمية طويلة المدى في دول الساحل الخمس، ويضم (13) شريكًا إنمائيا ثنائيًا (ألمانيا، فرنسا، لوكسمبورج، إسبانيا، الدنمارك، هولندا، المملكة المتحدة، ، إيطاليا) أو متعدد الأطراف (الاتحاد الأوروبي، البنك الدولي، بنك التنمية الأفريقي، برنامج الأمم المتحدة الإنمائـي، بنك الاستثمار الأوروبي)، بالإضافة إلى (11) عضو مراقب، وقد انعقدت الجلسة الأولى للجمعية العامة لهذا التحالف في (نواكشوط) بالتزامن مع القمة التي عقدها رؤساء دول مجموعة الساحل الخمس وذلك في 25 فبراير 2020 [8].

ويركز هذا التحالف على (6) مجالات (قطاعات) ذات أولوية وهي: التعليم وتشغيل الشباب، الزراعة والتنمية الريفية والأمن الغذائي، الطاقة والمناخ، الحوكمة، اللامركزية والخدمات الأساسية، والأمن الداخلي، ويمول أعضاؤه ما يزيد عن (873) مشروع في منطقة الساحل منذ عام 2019 وذلك بواقع (763) مشروع جاري بتكلفة تبلغ (16,9) مليار يورو و(110) مشروع قيد التقييم بتكلفة تبلغ (3,1) مليار يورو، وتتمثل القطاعات الرئيسية للتدخل في اللامركزية والخدمات الأساسية وذلك بنسبة (31٪)، الزراعة والتنمية الريفية والأمن الغذائي بنسبة (22٪)، فضلًا عن الطاقة بنسبة (18٪)، وقد وقع التحالف بروتوكول شراكة مع تجمع دول الساحل الخمس (G5) في (نيامي) بالنيجر في 30 أكتوبر 2018 وذلك بغية تعزيز الجهود المشتركة للاستجابة للأزمات[9].

المسار الثالث: دعم الأمن والاستقرار

يتم من خلال مستويين رئيسيين أما الأول فيتعلق بتقديم المساهمات المالية لدعم الجهود الإقليمية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، وهو ما يتم عبر “مرفق السلام الأفريقي” African Peace Facility، والذي يعد بمثابة الآلية المالية الرئيسية للاتحاد الأوروبي لدعم التعاون مع أفريقيا في مجال السلم والأمن منذ بداية تأسيسه في عام 2003 من خلال تقديم الدعم لعمليات دعم السلم الأفريقية في منطقة الساحل، إذ قدمت مفوضية الاتحاد الأوربي عبر هذا المرفق نحو (115) مليون يورو للقوة المشتركة لدول الساحل الخمس (FC-G5s) وذلك منذ أغسطس 2017 وحتى تاريخه، كما قدمت الدعم أيضًا لــ “قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات لمواجهة بوكو حرام” والمقدر بنحو (50) مليون يورو خلال الفترة (1 يوليو 2016م – 31 ديسمبر 2020)، وذلك من أجل دعم بعض المجالات ذات الأولوية الاستراتيجية والمتمثلة في السلم والأمن والحوكمة[10].

ويكمن الثاني في المبادرات الأمنية التي يقودها الاتحاد الأوروبي في إطار منطقة الساحل، حيث أطلق ثلاث مهمات متعلقة بالأمن والسياسة الدفاعية المشتركة وهم: بعثتي الاتحاد الأوروبي المدنيتين لإدارة الأزمات في كل من مالي والنيجر، وبعثة الاتحاد الأوروبي العسكرية للمساهمة في تدريب القوات المسلحة في مالي (EUTM)، بالإضافة إلى نشر خلية الاستشارات والتنسيق الإقليمية (RACC) في (نواكشوط) بموريتانيا، ويمكن إلقاء الضوء على كل منهم كما يلي:

(أ)-بعثة الاتحاد الأوروبي العسكرية للمساهمة في تدريب القوات المسلحة في مالي European Union Training Mission Mali (EUTM)  

تعد بمثابة الركيزة العسكرية لاستراتيجية الاتحاد الأوروبي في مالي، وتتكون من حوالي (700) جندي من (25) دولة أوروبية بما في ذلك (22) دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وهم (النمسا، بلجيكا، بلغاريا، جمهورية التشيك، إستونيا، فنلندا، فرنسا، ألمانيا، اليونان، المجر، إيرلندا، إيطاليا، لاتفيا، ليتوانيا، لوكسمبورغ، هولندا، البرتغال، رومانيا، سلوفاكيا، سلوفينيا، إسبانيا، والسويد) بالإضافة إلى (3) دول غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي وهم جورجيا ومولدوفا والجبل الأسود.

وقد تم نشرها بالفعل في 20 فبراير 2013 بناء على طلب مقدم من رئيس جمهورية مالي في 24 ديسمبر2012، وقد وافق مجلس الاتحاد الأوروبي على التفويض الأول لها بموجب القرار الصادر في 17 يناير2013، والذي حدد هيكل وأهداف البعثة، وقد تم تفويضها خمس مرات وبلغت مدة كل تفويض عامين باستثناء التفويضين الأول والأخير؛ حيث امتد التفويض الأول لها لمدة (15) شهرًا، بينما امتد التفويض الأخير من 18 مايو 2020 حتى 18 مايو 2024 لتعد هذه المرة الأولى التي يتم فيها تمديد التفويض لمدة أربع سنوات.

وتمثلت أهداف البعثة وفقًا للتفويض الأخير لها في المساهمة في تحسين قدرات القوات المسلحة المالية الخاضعة لسيطرة السلطات السياسية، المحافظة على التقدم المتحقق منذ عام 2013، المساهمة في الاستقرار السياسي وتحسين الوضع الأمني ​​في مالي من خلال دعم تنفيذ اتفاق الجزائر للسلام الموقع في يونيو 2015، دعم استعادة سيطرة الدولة وسيادة القانون في جميع أنحاء مالي، فضلًا عن دعم تجمع دول الساحل الخمس (G5) من خلال توطيد وتحسين القدرات العملياتية لقوته المشتركة (FC-G5S) وتعزيز التعاون الإقليمي لمواجهة التهديدات الأمنية المشتركة ولاسيما الإرهاب والاتجار غير المشروع وخاصة بالبشر.

وقد وضعت البعثة أربع ركائز من أجل تحقيق هذه الأهداف تتمثل في تدريب الوحدات العسكرية في مالي، تقديم المشورة على جميع المستويات إلى القوات المسلحة في مالي، المساهمة في تحسين نظام التعليم العسكري في المدارس وصولًا إلى المستوى الوزاري، وتقديم المشورة والتدريب لمقر قيادة القوة المشتركة لدول الساحل، وتمارس البعثة مهامها تحت قيادة الجنرال الألماني “جوشن ديور” وذلك منذ 7 يوليو 2021، والذي يعد القائد السادس عشر لقوات الاتحاد الأوروبي في مالي، وقد قدمت البعثة أول دورة لهيئة الأركان العامة في 6 أغسطس 2014، في حين قدمت أول دورة لموظفي تجمع دول الساحل في 25سبتمبر 2017[11].

(ب)-بعثة الاتحاد الأوروبي المدنية لإدارة الأزمات في مالي European Union Civil Crisis Management Mission in Mali (EUCAP Sahel Mali)       

تم إطلاقها في 15 يناير 2015 بناءً على دعوة رسمية من الحكومة المالية لمساعدة قوى الأمن الداخلي بشأن إعادة تأكيد سلطة الدولة وذلك عقب التمرد الذي وقع في شمال البلاد ونتج عنه انقلاب عسكري في عام 2012، ويقع مقر البعثة في العاصمة (باماكو) بالإضافة إلى وحدة متنقلة في وسط مالي، وتتكون من (180) عنصر بواقع (48) عنصر من دولة مالي و(132) أوروبيًا، وقد تم تعديل هيكل وأنشطة البعثة ليتناسب مع السياق التشغيل ومع نهج الإقليمية الأوروبية في منطقة الساحل، وتم تجديد ولايتها مرة أخرى في الأعوام (2017، 2019، 2021)، ويمتد التفويض الأخير لها من 11 يناير 2021 حتى 31 يناير 2023 بتخصيص ميزانية تتجاوز نحو (89) مليون يورو لمدة عامين، وتقع البعثة تحت قيادة المفوض العام للشرطة “هيرفي فلهاوت” ذو الجنسية الفرنسية.

وتتمثل الأولويات الرئيسية للبعثة -وفقًا للتفويض الأخير لها- في تحسين الحوكمة ومكافحة الإفلات من العقاب، إعادة انتشار قوى الأمن الداخلي وعودة الدولة والإدارة المدنية، فضلًا عن دعم السلطات الانتقالية وقوى الأمن الداخلي في تأمين الانتخابات المقرر إجراؤها عام 2022، ويوجد ثلاثة مسارات لعمليات هذه البعثة، أما الأول فيتمثل في دعم القدرات الهيكلية من خلال توجيه المشورة لقوات الأمن الداخلي المالية والإدارات ذات الصلة لتنفيذ إصلاح قطاع الأمن في مالي، بينما يكمن الثاني في تعزيز القدرات التشغيلية في مجالات متعددة بما في ذلك مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إدارة الحدود والحكم الرشيد، سيادة القانون ومكافحة الإفلات من العقاب، الإدارة والقيادة، تقنيات الاستخبارات وتحقيقات الطب الشرعي، ومكافحة الإرهاب والنظام العام، في حين يتمثل المسار العملياتي الثالث في تعزيز المعايير الأخلاقية لقوات الأمن الداخلي وتعزيز احترام حقوق الإنسان والتوازن بين الجنسين وبناء الثقة بين قوات الأمن والسكان، ومنع السلوك المنحرف من قِبل قوى الأمن الداخلي وأجهزة التفتيش[12].

(ج)- بعثة الاتحاد الأوروبي المدنية لإدارة الأزمات في النيجر European Union Civil Crisis Management Mission in Niger (EUCAP Sahel Niger)

تم نشرها عام 2012 من أجل تحقيق الاستقرار في النيجر ومنطقة الساحل عن طريق تعزيز قطاع الأمن الداخلي وقدراته في مكافحة التهديدات الأمنية الخطيرة[13]، وقد تم تجديد ولايتها كل عامين وصولًا للتفويض الخامس من 1 أكتوبر 2020م حتى 30 سبتمبر2022م، ويقع مقرها في العاصمة (نيامي)، ويصل القوام العددي لها إلى حوالي (185) فردًا من بينهم (120) خبيرًا دوليًا، وتساهم (16) دولة من الاتحاد الأوروبي في إطار هذه البعثة، وقد قامت البعثة بإنشاء مكتب ميداني دائم لها في (أغاديز) لتنفيذ ولايتها في المنطقة الشمالية للنيجر[14].

وتتمثل الأنشطة الرئيسية لهذه البعثة في توفير التدريب في القطاعات الرئيسية بما في ذلك الطب الشرعي والتدخل التكتيكي والفني، تقديم المشورة لقوى الأمن الداخلي بشأن كيفية تصميم الدورات وتنظيمها، مساعدة قوى الأمن الداخلي على العمل معًا وتنسيق عملهم (قابلية التشغيل البيني)، تأهيل العاملين في قوى الأمن الداخلي (ISFs) لتقديم التدريب بأنفسهم، توفير المعدات من قبيل (خرائط المناطق النائية، برامج الموارد البشرية، مركبات الطرق الوعرة، مجموعات الطب الشرعي للشرطة)، ودعم مراجعة قانون النيجر بشأن الهجرة غير النظامية وما يرتبط بها من جرائم منظمة[15].

ويتم تنفيذ أنشطة البعثة وفقًا لأربع ركائز أساسية تتمثل في التدريب، التوجيه، تقديم النصائح الاستراتيجية، وتسليم المعدات[16]، وتقدم البعثة التدريب في (15) مجالًا من قبيل (التحليل الجنائي، مكافحة المخدرات، الاتجار بالأسلحة والبشر، الموارد البشرية، تقنيات التدخل المهني)، وقد تم تدريب نحو (19000) من موظفي الأمن الداخلي والسلطات النيجيرية منذ عام 2012، كما حولت البعثة دعمها من التدريب الفردي إلى تدريب المدربين وذلك لنقل المعارف والخبرات إلى العناصر النيجيرية وذلك منذ عام 2018[17].

(د)- خلية الاستشارات والتنسيق الإقليمية (RACC)

تعود جذور نشأتها إلى إنشاء الاتحاد الأوروبي “خلية تنسيق إقليمية” (RCC) يقع مقرها داخل بعثة الاتحاد الأوروبي المدنية لإدارة الأزمات في مالي (EUCAP Sahel Mali) وذلك في 20 يونيو 2017، ويتمثل الهدف الرئيسي لها في تحديد وسد ثغرات التعاون عبر الحدود في منطقة الساحل فضلًا عن تنظيم دورات تدريبية لدول الساحل الخمس، وقد تضمنت سبعة من خبراء الأمن الداخلي والدفاع في مقر البعثة وسبعة خبراء آخرين ملحقين بوفود الاتحاد الأوروبي في دول الساحل الخمس، ويأتي إنشاؤها كمحاولة لإضفاء الطابع الإقليمي على بعثات الاتحاد الأوروبي لسياسة الأمن والدفاع المشتركة (CSDP) في منطقة الساحل[18].

وقد وافق مجلس الاتحاد الأوروبي في 18 فبراير 2019 على تغيير مسماها لاحقًا إلى “خلية استشارية وتنسيقية إقليمية” (RACC)، كما قام بتغيير هيكل القيادة والتحكم من خلال زيادة عدد خبراؤها ونقلها من (باماكو) بمالي إلى (نواكشوط) بموريتانيا، ويكمن الهدف الرئيسي منها في تعزيز القدرات الإقليمية والوطنية لتجمع دول الساحل الخمس (G5) ولا سيما من خلال دعم تفعيل عناصر القوة المشتركة لدول الساحل الأفريقي(FC-G5S) والشرطة وذلك من خلال المشورة الاستراتيجية[19].

2 . الأمم المتحدة

تبلور دورها بالأساس من خلال “بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي” MINUSMA))، والتي تعد من البعثات الحالية للأمم المتحدة لحفظ السلم في أفريقيا والبالغ عددها (6) بعثات من إجمالي (12) بعثة على المستوى العالمي، ونشأت هذه البعثة بموجب القرار رقم (2100) الصادر من مجلس الأمن الدولي في 25 أبريل 2013م، وذلك في إطار المرحلة التالية على وقوع تمرد من قبل الطوارق في شمال مالي، والذي قاد إلى وقوع انقلاب عسكري أطاح بالرئيس الأسبق (أمادو توماني توري) في 22 مارس 2012، وما صاحب ذلك من ظروف عدم الاستقرار الداخلي في الدولة[20]، ولذا أُسند إلى هذه البعثة مهام متعلقة بدعم العمليات السياسية في الدولة، وتنفيذ عدد من المهام ذات الصلة بالجانب الأمني، ودعم السلطات الانتقالية من أجل تنفيذ خارطة الطريق الانتقالية وتحقيق الاستقرار في الدولة.

كما أضُيف لاختصاصات هذه البعثة بعض المهام الأخرى بموجب القرار رقم (2164) الصادر من مجلس الأمن الدولي في 25 يونيو 2014، والمتمثلة بالأساس في دعم الأمن والاستقرار وحماية المدنيين، دعم الحوار السياسي الوطني والمصالحة، المساهمة في إعادة تأسيس سلطة الدولة، إعادة بناء قطاع الأمن، فضلًا عن تعزيز وحماية حقوق الإنسان في الدولة، ويقع مقر هذه البعثة في العاصمة (باماكو)، وتبلغ الميزانية الخاصة بها خلال الفترة (يوليو 2021-يونيو 2022) نحو (1.262.194.200) دولار[21].

وقد بلغ قوام هذه البعثة نحو (18263) عنصرًا في أغسطس 2021 وذلك بواقع (3384) من المدنيين، (1751) من العناصر الشرطية، (517) من ضابط الأركان، (12425) من العناصر العسكرية، و(186) من المتطوعين، وقد ارتفع العدد الإجمالي لعناصر البعثة بالمقارنة بعام 2016م حيث كان يبلغ نحو (13107) عنصرًا[22]، وفيما يخص المساهمة بالقوات سواءً العسكرية أو الشرطية في إطار هذه البعثة، يلاحظ أن هناك ثماني دول أفريقية من بين أكبر عشر دول مساهمة بقوات عسكرية في أغسطس 2021م، وتتصدر تشاد قائمة هذه الدول، إذا تبلغ مساهمتها نحو (1451) عنصرًا، بينما تأتي السنغال على رأس أكبر عشر دول مساهمة بقوات شرطية – من بينها ثماني دول أفريقية – في ذات التاريخ، حيث تبلغ مساهمتها نحو (337) عنصرًا – للمزيد انظر الجدول رقم (1).

جدول رقم (1)

الدول العشر الأكبر مساهمة بقوات عسكرية وشرطية في إطار بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد في مالي في أغسطس 2021م

الترتيبالدولعدد العناصر العسكريةالدولعدد العناصر الشرطية
1تشاد1451السنغال337
2بنجلاديش1211توجو304
3مصر1072بنجلاديش281
4بوركينافاسو1018بوركينافاسو168
5السنغال1001بنين160
6توجو931مصر160
7النيجر874نيجيريا146
8كوت ديفوار804كوت ديفوار26
9غينيا666النيجر26
10الصين440الأردن16

Source: UN, “MINUSMA Fact Sheet”, available at: https://bit.ly/3vppmeZ

وعلى الرغم من أن هذه البعثة تعد بعثة لحفظ السلم، غير أنه قد تم تفويضها لتقديم الدعم للقوة المشتركة لدول الساحل الأفريقي (FC-G5s) -والتي تم إطلاقها رسميًّا من قبِل دول الساحل الخمس (بوركينافاسو، تشاد، مالي، موريتانيا، النيجر) في 2 يوليو 2017م وتضم نحو (5000) عنصرًا- وذلك بموجب القرار (2391) الصادر من مجلس الأمن الدولي في 8 ديسمبر 2017م، ويشمل هذه الدعم المواد الاستهلاكية اللازمة للحياة (الوقود، المياه)، استخدام المواد والمعدات الهندسية، بالإضافة إلى وحدات التمكين الهندسية التابعة للبعثة واللازمة لمعاونة هذه القوة في إعداد القواعد التشغيلية الخاصة بها في مالي، على أن يتم تضمين هذا الدعم اللوجستي والتشغيلي في إطار اتفاقية فنية بين كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الساحل الخمس[23].

وكنتيجة لبعض التحديات القائمة التي تُقلِص بدورها من نطاق الاستفادة والدعم المقدم لهذه القوة عبر البعثة، فقد طرح الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” ثلاثة خيارات أمام مجلس الأمن الدولي في يونيو 2020م للتغلب عليها، أما الأول فيتمثل في تأسيس مكتب دعم تابع للأمم المتحدة يتم تمويله من المساهمات المقررة على الدول الأعضاء، بينما يكمن الثاني في تأسيس مكتب دعم تابع للأمم المتحدة يتم تمويله من المساهمات الطواعية عبر صندوق ائتماني، في حين يتمثل الثالث في توسيع التفويض الممنوح لهذه البعثة بحيث تعمل في نطاق دول الساحل الخمس[24].

ثانيًا: أطر الاستجابة الدولية المشتركة لمكافحة الإرهاب على مستوى الدول

ينصرف هذا الجانب من الدراسة إلى إلقاء الضوء على الجهود المشتركة المبذولة لمكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي عبر التنسيق المشترك من قِبل الفاعلين من الدول على المستوى الدولي، والتي يتمثل أبرزها فيما يلي:

  1. ائتلاف منطقة الساحل (coalition Sahel)

يعد بمثابة  إطار دولي سياسي واستراتيجي وتشغيلي جديد لمكافحة الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل عن طريق توفير استجابة جماعية من خلال الجمع بين الإجراءات التي تقودها دول الساحل الخمس وشركاؤها الدوليين أي تشمل دول الساحل الخمس وفرنسا – من خلال عملية برخان وأشكال الالتزام الأخرى – والشركاء المعنيين بالإضافة إلى جميع البلدان والمنظمات التي ترغب في المساهمة في إطاره[25]، سواء كانت تتعلق بقضايا أمنية أو سياسية أو تنموية، وقد تم الإعلان عنه في إطار القمة المنعقدة في مدينة “باو” بجنوب فرنسا في 13 يناير 2020 من قِبل رؤساء دول (فرنسا، بوركينا فاسو، تشاد، مالي، موريتانيا، النيجر) وذلك بمشاركة مجموعة من الشخصيات الممثلة لبعض المنظمات الدولية ولعل من أبرزهم الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس المجلس الأوروبي والممثل السامي للاتحاد الأوروبي ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي والأمين العام للمنظمة الفرنكفونية، ويرتكز هذا التحالف على أربع ركائز رئيسية مكملة لبعضها البعض تتمثل فيما يلي[26]:

(أ)-مكافحة الإرهاب

تهدف إلى محاربة الجماعات الإرهابية المسلحة ومواجهة الوضع الأمني غير المستقر وإمكانية انتشار التهديدات خارج حدود دول الساحل الخمس، من خلال تنسيق جميع الجهود التي تقودها الجيوش الأفريقية والقوة المشتركة لدول الساحل الأفريقي (FC-G5s) مع الشركاء الدوليين – برخان ( Barkhane)، بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (MINUSMA)، وقوة مهام تاكوبا (Takuba Task Force) – مع إعطاء الأولوية لمنطقة الحدود الثلاثية (مالي، النيجر، بوركينا فاسو)، وذلك لتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق الاستقرار والعمل التنموي.

(ب)-تعزيز قدرات القوات المسلحة لمجموعة دول الساحل الخمس

تهدف إلى تنسيق جميع إجراءات بناء القدرات الدفاعية لدول الساحل الخمس، ولاسيما ما يتعلق بتوفير المعدات والتدريب للقوات المسلحة الوطنية للقوة المشتركة لدول الساحل الخمس (FC-G5s)، بما في ذلك القوات المسلحة المنوط بها مهام الشرطة وذلك في إطار “الشراكة من أجل الأمن والاستقرار في منطقة الساحل” Partnership for Security and Stability in the Sahel (P3S)، والتي تعد جزءًا لا يتجزأ من التحالف الدولي من أجل منطقة الساحل، والتي أطلقتها فرنسا وألمانيا خلال قمة مجموعة السبع (G7) في “بياريتز” بفرنسا بحضور رئيس مجموعة الساحل الخمس آنذاك ورئيس بوركينا فاسو “روش مارك كريستيان كابوري” وذلك في أغسطس 2019 والتي تهدف إلى تحديد الاحتياجات الأمنية وزيادة الجهود في مجالات الدفاع والأمن الداخلي[27].

(ج)-دعم عودة الدولة والإدارات في الإقليم

تهدف إلى تنسيق مختلف الأنماط التدريبية والمعدات اللازمة لقوات الأمن الوطني (الداخلي) وللقوة المشتركة لدول الساحل الأفريقي (FC-G5s)، وإعادة بناء القدرات القانونية والإدارة المحلية لدول الساحل الخمس مع إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر هشاشة وذلك للمساعدة في تعزيز الوظيفة السيادية للدولة.

(د)- المساعدات الإنمائية

تهدف إلى الاستجابة للتحديات المتعلقة بالتوظيف والفقر والتعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية في دول الساحل الخمس، ويتم تنسيق المساعدات الإنمائية المُقدمة لهذه الدول من خلال هيئتين رئيسيتين، أما الأول فيتمثل في “التحالف من أجل الساحل” (Sahel Alliance)[28]، والمعني بتلقي المساهمات الدولية بشكل أساسي، كما يقوم أعضاؤه بتنفيذ العديد من برامج الاستثمار ذات الأولوية (PIP) بما في ذلك برنامج تنمية الطوارئ في المناطق الهشة عبر الحدود فعلى سبيل المثال قام أعضاء التحالف بتقديم مساعدات بقيمة (1.8) مليار يورو بما في ذلك (266) مليون يورو لتمويل برنامج التنمية الطارئة وذلك في 6 ديسمبر 2018، بينما يكمن الثاني في تجمع دول الساحل (G5) والذي تم إنشاؤه في عام 2014، وتقوم الأمانة التنفيذية الخاصة به بتحديد الأنشطة وضمان التنسيق الجيد بين الإجراءات وتوزيع الأدوار والمناطق الجغرافية[29].

2 . قوة مهام تاكوبا Takuba Task Force (TTF)

تعد جزءًا من ائتلاف منطقة الساحل الذي أُعلن عنه في إطار قمة (باو) المنعقدة في 13 يناير 2020، والتي أُطلِقت رسميًا في 27 مارس 2020 بولاية زمنية أولية مدتها (3) سنوات، ويكمن الهدف من إنشاءها في التصدي للجماعات الإرهابية وخاصة تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى في منطقة “ليبتاكو غورما” وهي المنطقة الحدود الثلاثية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتقديم المشورة والمساعدة للقوات المسلحة المالية في حربها ضد الإرهاب في منطقة الساحل بالتنسيق مع الأطراف الفاعلة الدولية الأخرى بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية وبعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (MINUSMA)، بالإضافة إلى تدريب وتجهيز القوات في منطقة الساحل[30].

وقد تم اعتماد البيان السياسي المنشئ لها من قِبل (11) دولة أوروبية وهم (بلجيكا، جمهورية التشيك، الدنمارك، إستونيا، فرنسا، ألمانيا، هولندا، النرويج، البرتغال، السويد، المملكة المتحدة) إلى جانب مالي والنيجر، وبدأت مهامها فعليًا في يوليو 2020، وقد كان من المفترض أن تصل للقدرة التشغيلية الكاملة في أوائل عام 2021، غير أن ذلك لم يتحقق بفعل تأخر المساهمات العسكرية من قِبل بعض الدول، وتستند فلسفة هذه القوة على إشراك الدول الأوروبية في الاستراتيجية العسكرية الأمنية في مالي ومنها إلى منطقة الساحل ككل، وتتألف من قوات عسكرية تابعة لثامني دول أوربية (بلجيكا، جمهورية التشيك، الدنمارك، إستونيا، إيطاليا، هولندا، البرتغال، السويد)، وذلك إلى جانب فرنسا التي تتولى قيادتها، ويصل العدد الإجمالي لهذه القوات إلى نحو (600) عنصر علمًا بأن فرنسا ستشارك بنحو (300) عنصر من القوات الخاصة، وتدعم كل من (ألمانيا، النرويج، المملكة المتحدة) المبادرة سياسيًا لكنها لم تلتزم بالمساهمة بقوات عسكرية، وتعمل هذه الفرقة من خلال ثلاث قواعد عسكرية للقوات المسلحة في مالي الواقعة في مدن (غاو، أنسوغو، ميناكا) و(أنجامينا) في تشاد[31].  

ويأتي إطلاق قوة المهام كمحاولة لتقليص القوام العددي للوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل من (5100) جندي موزعين على دول الساحل الخمس لتصل إلى (2500) جندي[32]، وذلك من خلال إنهاء “عملية برخان” (Operation Barkhane) والتي بدأت في أغسطس 2014 وتلت “عملية سيرفال” (Operation Serval) التي تم نشرها في يناير 2013 وذلك في الربع الأول من عام 2022 على أن تحل محلها قوة مهام تاكوبا (TTF) ، وقد تعددت الأسباب المؤدية لذلك، فمن ناحية يُنظر إلى الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل على أنه إهدار للموارد سواءً من الناحية الاقتصادية أو الوجود البشري حيث لقي قرابة (55) جنديًا مصرعهم، ومن ناحية أخرى يُنظر إلى هذا الوجود في أفريقيا على أنه شكل من أشكال الاستعمار الجديد  (neocolonialism)، إضافة إلى أنه لم يترتب عليه نتائج مرضية خلال ما يقرب من عشر سنوات من وجود القوات الفرنسية في منطقة الساحل[33].

ثالثا: رؤية تقييمية لواقع ومستقبل أطر الاستجابة الدولية المشتركة لمكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي

تشير القراءة الحاضرة إلى أنه على الرغم من تعدد وتنوع الجهود الدولية المشتركة لمكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي وتوافر الظهير المالي والمادي الداعم لها، غير أن ثمة بعض الإشكاليات المواجهة لها والمتمثلة في محدودية التواصل والتعاون والتنسيق القائم على تقاسم الأعباء والمهام بشكل كامل بين الأطراف الفاعلة الدولية في إطار المبادرات المختلفة، كما هو الحال في إطار “التحالف من أجل الساحل” الأمر الذي أدى إلى ضعف أداؤه وعدم تحقيق الهدف المرجو منه والمتمثل في تحسين وزيادة التنسيق بين الشركاء بهدف التعامل مع القضايا المشتركة العابرة للحدود وتشجيع تبادل المعلومات بشأن التحديات والحلول المحتملة، وهو ما أدى إلى تبلور محاولات لإيجاد مبادرات مشتركة جديدة من قبيل “ائتلاف منطقة الساحل” مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعقيد الجهود بدلًا من تبسيطها.

ويضاف لما سبق افتقاد بعض الجهود الدولية لوجود ظهير مؤسسي أكثر استدامة في إطار منطقة الساحل لضمان اتساقها مع الاحتياجات الفعلية لسكان دول المنطقة، فعلى سبيل المثال يقع مقر الأمانة العامة بشأن “التحالف من أجل الساحل” ووحدة التنسيق الخاصة به داخل مقر وزارة الخارجية الفرنسية والوكالة الفرنسية للتنمية، كما تقع وحدة التنسيق تحت رئاسة مسؤول في الوكالة الفرنسية للتنمية[34]، صعوبة تنفيذ الاختصاصات والمهام التي تشكل أساس التفويض الممنوح لبعض المبادرات الدولية لمكافحة الإرهاب، من قبيل صعوبة تنفيذ مهمة حماية المدنيين ووقف الانتهاكات ضدهم في ظل الأوضاع الصراعية القائمة، كما هو الحال بشأن ارتكاب بعض الميليشيات مجازر ضد المدنيين في مركز الدولة في مالي وذلك على نحو لا يشمله الاختصاص الممنوح لـ “بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد في مالي” (MINUSMA)، فضلًا عن تبلور حالة من عدم الرضاء على المستوى الشعبي ووجود احتجاجات بشأن دور بعض القوى الدولية في إطار المبادرات المشتركة لمكافحة الإرهاب من قبيل فرنسا وذلك على الرغم من محاولتها خلق قدر أكبر من تقاسم الأعباء في إطار هذه المبادرات، ولعل ذلك يجد ما يفسره في إطار تدهور الوضع الأمني في مالي وضعف الثقة في عملية برخان[35].

وتطرح الرؤية المستقبلية في هذا الصدد ضرورة توافر الإرادة السياسية لدول منطقة الساحل الأفريقي بشأن تفعيل دور الجهود الإقليمية الأفريقية المشتركة لمكافحة الإرهاب وذلك بما يتسق مع مبدأ “الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية”، ولعل من أبرزها القوة المشتركة لدول الساحل الأفريقي (FC-G5s) وقوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات لمواجهة جماعة بوكو حرام (MNJTF)، حيث أن هذه الجهود تعد محدودة للغاية بالمقارنة بالجهود الخارجية غير الأفريقية، وهو ما يفرض معه ضرورة معالجة الأسباب الهيكلية المؤثرة سلبًا على كفاءتها وفعاليتها، والتي تتراوح بين القيود المالية والتشغيلية واللوجستية والعسكرية، فضلًا عن محدودية التكامل والتضامن الإقليمي البيني المشترك، ومن هنا يمكن القول أنه كلما تراجع الاعتماد على الخارج بشأن مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي تعززت منظومة السلم والأمن الإقليميين.       


[1] – Institute for Economics & Peace, Global Terrorism Index 2020: Measuring the Impact of Terrorism (Sydney, November 2020) p.16

[2] – European Institute of the Mediterranean,“Terrorism in the Sahel Region: An Evolving Threat on Europe’s Doorstep”, 19 Feb 2018, Accessed 8 Oct 2021, Available at: https://bit.ly/3iLKE18

[3]– EUCAP Sahel Mali, “Sahel region: EU relations with Region”, 22 June 2016,  Available at: https://bit.ly/3aXfVdn

[4]– Joey Gurney, Security and Stability in the Sahel: The EU’s 2021 Integrated Strategy” , international Development Research Network, 27 May 2021, Available at: https://bit.ly/3G5pHIF

[5]-European union, “the European union’s partnership with the G5 Sahel countries”, July 2019,  Available at: https://bit.ly/3AWAZuV

[6]– European Commission, “EU Emergency Trust Fund for Africa”,  Available at: https://bit.ly/3vs4u6X

[7]– The Women’s Leadership Program for Inclusive Security Governance in the Sahel, “ICSP: The Instrument Contributing to Stability and Peace, Preventing Conflicts Around the World”, Available at: https://bit.ly/3jfZxtb

[8]– Alliance Sahel, “the Sahel Alliance”, Available at: https://bit.ly/3pnb1yT

[9]– Alliance Sahel, “Discover the Sahel Alliance, its main principles and priority themes”, 2021, Available at: https://bit.ly/3C1edUk

[10] – European Union, “African peace facility”, Available at: https://bit.ly/3vCatWE

[11] -European Union: Training Mission Mali, “EUTM Mali mission”, Available at: https://eutmmali.eu/eutm-mali-mission/

[12]– EUCAP Sahel Mali, “About EUCAP Sahel Mali”, July 2021, Available at: https://bit.ly/3zu3PC9

[13]– European Council, “EUCAP Sahel Niger: Council extends the mission for two years” Available at: https://bit.ly/3nO9uB5

[14]– EUCAP Sahel Niger, “EUCAP Sahel Niger Facts and Figures 2019”, Available at: https://bit.ly/2XK6A5J

[15]– European court of auditors, “Strengthening the capacity of the internal security forces in Niger and Mali: only limited and slow progress”, 2018,  P 14, Available at: https://bit.ly/3ATlST2

[16]– EUCAP Sahel Niger, ” About the mission”,  Available at: https://bit.ly/3pdG7c0

[17]– EUCAP Sahel Niger, “technical competencies”, Available at:  https://bit.ly/3b1fe2y

[18]– Andrew Lebovich, “Halting ambition: EU migration and security policy in the Sahel”, The European Council on Foreign Relations (ECFR),  25 September 2018, Available at: https://bit.ly/3ppZYEO

[19]– European Council,”Sahel: EU takes further steps to better support the security of the region”, 18 February 2019, Available at: https://bit.ly/3lTpIYf

[20] – David J. Francis, The regional impact of the armed conflict and French intervention in Mali (Norwegian Peacebuilding Resource Center, April 2013) p.2

[21] – United Nations Peace Keeping,” MINUSMA Fact Sheet”, Available at: https://peacekeeping.un.org/en/mission/minusma

[22]– United Nations , ” MINUSMA Mission Fact Sheet”, Access Date: 10 April 2020, Available at: https://peacekeeping.un.org/sites/default/files/minusma_peacekeeping_mission_fact_sheets.pdf

[23] – UN Security Council, Resolution 2391 (2017), Available at: https://bit.ly/3pgcUx8

[24] – ReliefWeb, “Can the UN Security Council enhance the effectiveness of the G5 Sahel Force?”, Available at: https://bit.ly/3G1NmJU

[25] – Ministère de l’Europe et des Affaires étrangères: France Diplomacy, “G5 Sahel – Pau Summit – Statement by the Heads of State (13 Jan. 2020)”,  Available at: https://bit.ly/39eITVn

[26]Sahel coalition , “The 4 pillars”, Available at: https://www.coalition-sahel.org/en/

[27]-Federal Foreign Office, “Foreign Minister Maas on the Partnership for Security and Stability in the Sahel”, 12 June 2020, Available at: https://bit.ly/3CsEnz6

[28]– G5 Sahel, “Macron provides support but wants more efficiency”, 3 July 2017,Available at: https://bit.ly/2W3MdQa

[29]– Sahel alliance, “Results Report 3 years of the Sahel Alliance”, Available at:  https://bit.ly/3Cvf3bH

[30] -Steve Balestrieri,  French-led Special Operations Task Force Takuba now active in Africa, 18 Aug  2020, Available at: https://bit.ly/2ZcnAlg

[31]– Maria Garcia Ribera, “Task Force Takuba: Special Forces In The Sahel”, 16 April 2021, Available at:  https://bit.ly/3BgUz5D

[32] -John Campbell, “French President Macron Expands on Sahel Drawdown Plan”,  14 July 2021, Available at:  https://on.cfr.org/3G9vOfa

[33]– Finabel, The End of the Operation Barkhane, New Perspectives on the Territory”, 29 June 2021 https://bit.ly/3zxPNj1

[34]– Andrew Lebovich, “Disorder from Chaos: Why Europeans fail to promote stability in the Sahel”, 26 August 2020, Available at:   https://bit.ly/3b1fSgF

[35]– Africa news, “Mali: Protesters call for French troops to leave, some call for greater Russia cooperation”, 26 June 2021, Available at:  https://bit.ly/3Bdayla

error: كل الحقوق محفوظة!!