كتبت – د. جيهان عبدالسلام عباس

مدرس الاقتصاد- كلية الدراسات الأفريقية العليا- جامعة القاهرة

يشهد القطاع المالي الكثير من التطورات المرتبطة بالخدمات الماليـة والمصرفية، فالتكنولوجيا المالية بمجالاتها المتعددة تعتبر أحـدث مراحـل التطـور لقطاع الخدمات المالية فهي تمزج ما توصلت إليه التكنولوجيا من تقنيات وتستخدمها فـي القطـاع المالي، لينتج عنه تقديم الخدمات المالية بوجه جديد يتميز بالمرونة والسـرعة وقلـة التكلفـة. وظهر في هذا المجال الشركات المالية التي توفر الخدمات المالية والمصرفية المتنوعة التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة؛ وبالتالي أصبحت تلك الشركات منافساً قوياً في الخدمات التي تقدمها البنوك، وأصبح من المتوقع أن يقترب سوق التكنولوجيا المالية العالمية من 310 مليارات دولار بنهاية عام 2022. ويمثل هذا معدل نمو إجمالي قدره 24.8٪ سنويًا ما بين الفترة 2018 وحتى 2020.

وتهدف هذه الدراسة إلى معرفة مدى التطور الذي مرت به تطبيقات التكنولوجيا المالية في أفريقيا جنوب الصحراء، وطبيعة مساهمتها في تحسين أداء الخدمات المالية والمصرفية، ومعرفة التحديات التي تواجه تطبيق التكنولوجيا المالية بالقارة، وذلك بالتركيز على أبرز تطبيقات التكنولوجيا المالية في أنجح دول القارة في هذا المجال.

أولاً: مفهوم التكنولوجيا المالية ومجالات استخداماتها:-

تعرف التكنولوجيا المالية ” Financial Technology ” FinTech على أنها تلك الخدمات والمنتجات المالية التي تعتمد على التكنولوجيا لتحسين نوعية الخدمات المالية التقليدية، وتتميز هذه التكنولوجيا بأنها أسرع وأرخص وأسهل، ويمكن لعدد أكبر من المستخدمين الوصول إليها[1]. وقد تم صياغة هذا المصطلح لوصف التقاطع بين مجالي التمويل والتكنولوجيا ، فهو يشير إلى الابتكار التقني الذي يتم تطبيقه في قطاع الخدمات المالية. كما يمكن تعريفها من الناحية المفاهيمية على أنها نوع جديد من الخدمات المالية يعتمد على تكنولوجيا المعلومات والتقنية المالية. كما يشير Fintech إلى الحلول الجديدة التي تظهر تدريجيًا وتحدث تطوراً جذريًا في مجال الابتكار للتطبيقات أو العمليات أو المنتجات ونماذج الأعمال في صناعة الخدمات المالية[2]. كذلك تعرف Fintech على أنها مجموعة من الشركات التي تقدم أو تسهل الخدمات المالية باستخدام التقنية الحديثة، بحيث تتطور المنتجات والخدمات المالية الأكثر سهولة في الاستخدام، والأقل تكلفة لتقديمها[3].

يضاف إلى ذلك التعريف العملي للتكنولوجيا المالية المعتمد من قبل (مجلس الاستقرار المالي[4]) وهو يشير إلى الابتكار المالي الممكّن تقنيًا، والذي يمكن أن ينتج عنه نماذج أعمال أو تطبيقات أو عمليات ومنتجات جديدة ذات تأثير مادي مرتبط بالأسواق والمؤسسات المالية. ويؤدي تبني التكنولوجيا المالية إلى العديد من المزايا الاقتصادية أهمها: تعزيز الاحتواء والشمول المالي، وتحسين الخدمات المالية ، وتحقيق مكاسب في الكفاءة الاقتصادية لتلك الخدمات. ويتضمن هذا الابتكار تحويل جميع جوانب تقديم الوظائف الأساسية للقطاع المالي مثل تسوية المدفوعات، وتسهيل الاقتراض والادخار، وتقاسم المخاطر، وتخصيص رأس المال. علاوة على ذلك، يمكن أن تؤدي هذه العملية إلى تغييرات عميقة في هيكل المؤسسات والأسواق المالية[5].

ثانياً- التكنولوجيا المالية في أفريقيا وعوامل النمو :

شهدت أفريقيا طفرة في شركات التكنولوجيا المالية الناشئة في جميع أنحاء القارة، وتحديداً خلال عامي 2018 و2019. حيث إن هناك نحو 301 شركة أفريقية ناشئة نشطة في مجال التكنولوجيا المالية حتى عام 2020 . وتتركز تلك الشركات في الجنوب الأفريقي بنسبة 35%، ومناطق غرب وشرق أفريقيا بنسبة 34%، وأقل تركزاً في الشمال الأفريقي . وتعتبر جنوب أفريقيا الوجهة الأولى حيث تستضيف 31.2% من الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية في القارة ، تليها نيجيريا بنسبة 24%، وكينيا بنسبة 18% على التوالي. وما يزيد عن 40٪ من شركات التكنولوجيا المالية في أفريقيا تركز على مجالي المدفوعات والتحويلات، تليها قطاع الإقراض والتمويل الذي يتركز به 20٪ من هذه الشركات، والنسبة المتبقية 40٪ من الشركات تنتمي إلى قطاعات أخرى مثل الاستثمار والمدخرات والبنية التحتية المصرفية والأسواق المالية[6]. علاوة على ذلك، ظهر عدد من الدول أيضًا تمثل وجهات ناشطة للتكنولوجيا المالية، لا سيما في غرب أفريقيا حيث أصبحت غانا والكاميرون من الأسواق البارزة، وتهيمن الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية على السوق في تلك الدول بنسبة 41.5 % .

كما استطاعت أفريقيا جنوب الصحراء أن تحقق معدلات مرتفعة نسبياً من البالغين الذين يستخدمون الخدمات المالية التكنولوجية ، إن بلغت نسبتهم 12 % في عام 2019 . وتزايد هذا الاستخدام أيضا في المناطق الريفية من خلال 140 نظام تحويل نقدي عبر الهاتف المحمول في 39 دولة أفريقية. ونحو أكثر من 40 % من البالغين في تلك المناطق تستخدم خدمات تحويل الأموال عبر الهاتف المحمول بشكل منتظم . وهذه الخدمات المالية لا توضح فقط تبني النظم التكنولوجية الحديثة في القطاع المالي، ولكن تشير أيضًا إلى الإدماج الاجتماعي مع المنتجات التي تسهل الوصول على الخدمات الأساسية في قطاعات مختلفة كالصحة والزراعة والتعليم. ففي كينيا على سبيل المثال، ارتفع معدل الخدمات المصرفية التي تتم عن طريق نظام ام بيسا (M- Pesa) بنسبة 19% في عام 2007 إلى 58% في عام 2015، ثم إلى 80% عام 2019 وهو النظام الذي يعنى بعمليات تحويل الأموال عبر الهواتف المحمولة والتي أنشأتها شركة (سفاري كوم) الكينية عام 2007. وفي الجابون، غانا، ناميبيا، أوغندا، تنزانيا، زيمبابوي، أكثر من 40% من البالغين يدفعون جميع فواتيرهم اليومية مباشرة من خلال الأموال المتنقلة عبر خدمات الهاتف المحمول مثل: الرسوم الدراسية وفواتير الكهرباء… إلخ[7].

ويوضح الشكل رقم (1) أحد أهم مؤشرات استخدام التكنولوجيا المالية في أفريقيا جنوب الصحراء، ودول العالم، حيث سجلت أفريقيا جنوب الصحراء معدلات متزايدة من حيث نسبة البالغين الذين يمتلكون حسابات مالية بـأشكالها المختلفة، كذلك من يستخدمون الطرق التكنولوجية الحديثة في المدفوعات والتحويلات المالية، كما ارتفعت نسبة البالغين الذين يمتلكون حسابات مالية على الهواتف المحمولة لتصل إلى نحو 21% في أفريقيا جنوب الصحراء مقارنة بنحو 4 % كمتوسط عالمي، مما يشير إلى تحسن واضح وملموس في استخدام تطبيقات التكنولوجيا المالية بأفريقيا جنوب الصحراء .

شكل رقم (1) بعض مؤشرات استخدامات تطبيقات التكنولوجيا المالية في أفريقيا جنوب الصحراء لعام 2020.

كما يشير الشكل رقم (2) إلى أكثر دول أفريقيا جنوب الصحراء استخداما للخدمات المالية التي تتيحها الهواتف المحمولة، حيث شهدت منطقة شرق أفريقيا تطوراً سريعاً في القطاع المالي خلال العقد الماضي. كما تعتبر كينيا واحدة من أسرع الأسواق نموًا في المنطقة، وتُظهر تنزانيا أيضًا نموًا سريعًا في تطوير التكنولوجيا المالية[8]. حيث جاءت كينيا في المقدمة يليها تنزانيا وأوغندا، حيث بلغ عدد مستخدمي الهواتف المحمولة في إنهاء المعاملات المالية الرقمية نحو 47 ألف، و41 ألف ، و33 ألف لكل 100 ألف من السكان للدول الثلاث على التوالي . حيث يصل مستخدمو M- PESA إلى 84٪ على من الكينيين في عام 2019 ، بأكثر من 16.6 مليون مستخدم نشط. وفي مارس 2017 ، أطلقت كينيا أول سند حكومي على الهاتف المحمول فقط في العالم، وهي سندات M-Akiba ، ويبلغ أجل استحقاق السند 3 سنوات[9].

شكل رقم (2) عدد البالغين (15 سنة فأكثر) الذين يستخدمون الهواتف المحمولة في المعاملات المالية لكل 100 ألف من السكان في بعض دول أفريقيا جنوب الصحراء خلال عام 2019

وهناك العديد من العوامل التي تسهم في تزايد استخدامات التكنولوجيا المالية في أفريقيا جنوب الصحراء، تتمثل فيما يلي:-

  1. الاتجاهات الديموغرافية:

تعتبر أفريقيا هي القارة الأسرع نموًا في العالم من حيث عدد السكان، وتتوقع الأمم المتحدة أن أكثر من نصف النمو السكاني للعالم حتى عام 2050 سيأتي من القارة الأفريقية. كما أن حوالي 65٪ من السكان تحت سن 35 سنة ، ويتوقع أن تشغل فئة الشباب في أفريقيا (15-24 سنة ) نحو 42% من سكان القارة بحلول 2030، وهي فئة ديموغرافية تميل إلى أن تكون أكثر ذكاءً من الناحية التقنية وتستخدم بشكل كثيف تطبيقات التكنولوجيا المالية.

2. البنية الأساسية المصرفية المحدودة :

يتسبب ضعف البنية المؤسسية والتشغيلية للقطاع المصرفي، وضعف الكثافة المصرفية حيث يقل توافر فروع البنوك لمعظم السكان، ويصل عدد فروع البنوك لكل ألف شخص نحو 5 فروع فقط حتى عام 2019 . وهذا يعنى أن جزء كبير من السكان في أفريقيا جنوب الصحراء لا يمكنهم الوصول إلى فروع البنوك خاصة قاطني المناطق الريفية والمهمشة، وبحسب ما ورد من بنك التنمية الأفريقي، أن أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى لديها أدنى معدل اختراق للمؤسسات المصرفية بمتوسط 16.3٪ مقارنة بـ 63.3٪ لجميع  الدول النامية الأخرى.

3 . زيادة انتشار الهواتف المحمولة وشبكات الإنترنت:

زاد انتشار الهواتف المحمولة في معظم الأسواق الأفريقية ، وتزايدت نسبة اختراقه لتصل إلى نسبة 80% في أفريقيا جنوب الصحراء، مع استمرار تحسن البنية التحتية للاتصالات في القارة بسبب النقص الواسع في الوصول إلى البنوك، كما دخلت شركات الهواتف المحمولة مثل Safaricom في شراكة مع المؤسسات المالية العالمية المختلفة، وانتشرت وسائل المدفوعات وتحويل الأموال عن طريق الهواتف المحمولة ، وكلها ممارسات تمهد الطريق نحو استخدامات أوسع للتكنولوجيا المالية في أفريقيا.

ثالثاً- مجالات استخدامات التكنولوجيا المالية في أفريقيا :

1. المدفوعات:-

يعتبر استخدام التكنولوجيا المالية في مجال المدفوعات أكبر شريحة من شرائح الاستخدام في أفريقيا، وتتم التحويلات المالية باستخدام الهواتف المحمولة وهي أكثر مجالات الدفع شيوعًا ، وإحدى الطرق الأساسية لتسريع الشمول المالي لمن لا يتعاملون مع البنوك التقليدية، والذين يعانون من نقص تواجد البنوك في أفريقيا. ويتزايد حجم الأموال المحولة عبر الهاتف المحمول في إفريقيا بشكل كبير ليصل مستخدميها إلى نحو 66% من البالغين الأفارقة .

ففي نيجيريا على سبيل المثال ، تعتبر شركة Paga ، منصة تتيح للمستخدمين باستخدام الهواتف المحمولة لإجراء المعاملات إلكترونيًا عن تطبيق المحفظة الإلكترونية. كما يمكن لعملائها استخدام المنصة لإرسال النقود والشراء الإلكتروني ، ودفع الفواتير. وفي جنوب أفريقيا، تعتبر شركة Yoco هي منصة حلول المدفوعات ونقاط البيع المتنقلة. وفى زامبيا وملاوي، توفر منصة Zoona على أجهزة الهاتف المحمول خدمات مدفوعات الأموال.

. الإقراض:

ظهر الائتمان الرقمي كخدمة جديدة في مجال التمويل الرقمي ، وجذب انتباه جميع اللاعبين عبر الخدمات المالية الرقمية. ويوفر الائتمان الرقمي للمقترضين سرعة وسهولة الوصول إلى الائتمان قصير الأجل، وتمكين الخدمات المالية للوصول إلى السوق على نطاق واسع. ومنذ عام 2016، كانت هناك 52 شركة ائتمانية في أفريقيا جنوب الصحراء تعتمد على النقود المتنقلة ، ارتفاعًا من سبع شركات فقط في عام 2011. وتعبر شركة M-Shwari مثال على منح الائتمان بالاعتماد على الأموال عبر الأجهزة المحمولة، والذي تقدمه شركة سفاريكوم الكينية. كما تم على نفس الغرار ظهرت خدمة M-Pawa في تنزانيا في عام 2014.

. المدخرات:

أصبح الهاتف المحمول عامل تمكين قوي لمحدودي الدخل كوسيلة ادخار ، سواء كان ذلك من خلال فتح حساب نقدي على الهاتف المحمول أو من خلال حساب توفير مخصص. وهناك نحو 10 برامج مخصصة عبر الهاتف المحمول لخدمات الادخار عبر أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وقد أجريت تجربة ميدانية في كينيا ، التي أظهرت أن البائعات في السوق من النساء تحديدا استطعن توفير مدخرات لهم في حسابات الهاتف المحمول . ونتيجة لذلك زادت نفقاتهم بنسبة 38٪ . كما يؤكد معهد بنك الادخار العالمي أن الفقراء ، الذين يشكلون معظم العملاء ذوي الدخل المنخفض ، يشاركون في مدخرات الهواتف المحمولة[10] .

ثانيا- المزايا المتحققة من جراء استخدامات التكنولوجيا المالية في أفريقيا :-

  • تعزيز مؤشرات  الشمول المالي:

تعد التكنولوجيا المالية بديلاً قابلاً للتطبيق لتحل محل الخدمات المصرفية التقليدية في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء ، كما تساعد على تحسين الشمول المالي وتحفيز الابتكار فى هذا المجال . حيث يوضح الشكل رقم (3) تحسن ملحوظ في أهم مؤشرات الشمول المالي فى أفريقيا جنوب الصحراء ، حيث تحسن مؤشر الكثافة المصرفية الذي يقيس مدى توافر فرع البنوك لكل 100 ألف عام من السكان من 3 أفرع عام 2010 إلى ما يقرب من 6 فروع في عام 2019 ، كذلك تحسن مؤشر عدد مستخدمي ماكينات الصرف الآلي، ونسبة البالغين الذين لديهم حسابات مصرفية بالبنوك . من 2018. ففي كينيا على سبيل المثال ، زاد الشمول المالي الرسمي من 29٪ في عام 2006 إلى 75٪ في وفي رواندا، زاد الشمول المالي الرسمي من 21٪ في عام 2006 إلى 68٪ في عام 2018، حيث يستخدم 26٪ فقط من السكان البنوك التجارية ، مقارنة بـ 60٪ من السكان الذين يستخدمون الخدمات المالية المتنقلة. وبالمثل، في تنزانيا، زاد الشمول المالي الرسمي من 11٪ في عام 2006 إلى 65٪ في عام 2018، ويستخدم 17٪ فقط من السكان البنوك التجارية، مقارنة بـ 60٪ من السكان الذين يستخدمون الخدمات المالية المتنقلة.[11].

شكل رقم(3) أهم مؤشرات الشمول المالي كمتوسط لدول أفريقيا جنوب الصحراء لعامي 2010 ، و2019

  • تحسين كفاءة الخدمات المالية :

تتحدى التكنولوجيا المالية الهياكل التقليدية للخدمات المالية وتعمل على تحسينها ورفع درجة كفاءتها . ويتضمن هذا الابتكار تحويل جميع جوانب تقديم الوظائف الأساسية للقطاع المالي مثل تسوية المدفوعات، وتسهيل الاقتراض والادخار ، وتقاسم المخاطر، وتخصيص رأس المال. علاوة على ذلك، يمكن أن تؤدي هذه العملية إلى تغييرات عميقة في البنية التحتية للأسواق المالية، والبنوك وشركات التأمين والمعاشات التقاعدية، وكلها مدعومة من قبل مزودي أنظمة الدفع ومقدمي الأسواق المالية الآخرين، وكذلك البنوك المركزية والهيئات التنظيمية. كما يمكن للابتكار المالي تحسين طريقة عمل القطاعين العام والخاص.

  • تعزيز النمو الاقتصادي والتنمية :

لا تساعد التكنولوجيا المالية فقط في تحسين الشمول ، ولكنها تعمل أيضًا كمحفز لظهور الابتكارات في قطاعات أخرى، مثل الزراعة والبنية التحتية، التي تعزز النمو الاقتصادي والتنمية. حيث تكمل التكنولوجيا المالية أيضًا التقنيات غير المالية الأخرى وتعزز الابتكار من قبل الحكومة ، مما يمهد الطريق لتطوير الاقتصاد الرقمي في المنطقة . فعلى سبيل المثال، تزيد الخدمات المالية الرقمية من وصول المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة إلى معلومات عن الطقس والسوق وتساعد في اتخاذ القرار بشأن متى وأين تزرع المحاصيل ومكان بيعها. كما توفر بعض التطبيقات الهاتفية مثل تطبيق Tigo Kilimo المستند إلى الرسائل القصيرة ، والذي تم إطلاقه في تنزانيا في عام 2012 ، معلومات حديثة عن الطقس والزراعة، ويرسل برنامج Connected Farmer في شرق إفريقيا أسعار السوق المحدثة إلى الهواتف المحمولة للمزارعين، مما يسمح لهم تحديد أفضل الأسواق والأوقات التي تبيع فيها، وتلقي المدفوعات والإيصالات الرقمية.

وفي الدول الهشة اقتصاديا والمتأثرة بالصراعات ، لعبت التكنولوجيا المالية دورًا فعالاً. ففي سيراليون على سبيل المثال، لجأت الحكومة إلى المحافظ المحمولة للمساعدة في مكافحة تفشي فيروس إيبولا. وفي ليبيريا، ساعدت المدفوعات عبر الهاتف المحمول للعاملين في مجال الصحة والتعليم الذين يعملون في المناطق المتأثرة بشكل دوري خلال موسم الأمطار في الحفاظ على الخدمات الاجتماعية الحيوية. كما استفاد القطاع الصحي من ابتكار المدفوعات. وفي رواندا ، دخلت الحكومة في شراكة مع شركة خاصة تسمى (Zipline) لاستخدام طائرات بدون طيار موجهة بواسطة خدمات تحديد المواقع القائمة على الهاتف المحمول لتقديم المنتجات الطبية والإنقاذية بسرعة إلى العيادات الصحية الريفية.

كما يمكن أن تحقق التكنولوجيا المالية والابتكارات المرتبطة بها مكاسب على مستوى الاقتصاد الكلي لدول أفريقيا جنوب الصحراء خاصة إذا زاد وصول الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى الائتمان. بالإضافة إلى ذلك، في الاقتصادات التي يسيطر عليها القطاع غير الرسمي، يمكن للتكنولوجيات الجديدة أن تزيد من حوافز إضفاء الطابع الرسمي (على سبيل المثال، الدفع الإلكتروني للضرائب مقابل إدراجها في نظام المعاشات التقاعدية).

  • تحديات التكنولوجيا المالية في أفريقيا :-

كان للتكنولوجيا المالية تأثير إيجابي على أداء القطاع المالي والمصرفي في أفريقيا ، وعلى الرغم من الجهود المبذولة في هذا النطاق، ما زال هناك بعض التحديات التي تعيق استخدامات التكنولوجيا المالية في أفريقيا ، كما يلي:-

1) ضعف البيئة التنظيمية والمؤسسية ، حيث تحتاج التكنولوجيا المالية إلى الحركة بسرعة وسهولة . وفي الواقع، يتسم النظام المالي في أفريقيا ببيئة عمل يواجهها العديد من التحديات التي تعرقل نطاق عمل تلك الخدمات ، ويعيق تحويل الأموال المحلية والدولية. كما أن فرض الضرائب على الأموال المتنقلة والخدمات المماثلة الأخرى غالبًا ما يكون خارج سيطرة الدول التي ليس لديها معلومات دقيقة عن حجم تلك المعاملات. من ناحية أخرى ، هناك بعض الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية تفشل بسبب عدم استقرار الأطر التنظيمية والمخاطر القانونية الضخمة.

2) البنية التحتية المحدودة : مما لا شك فيه أن استخدامات التكنولوجيا المالية بحاجة إلى شبكات إنترنت سريعة وبأسعار معقولة ، وهو الأمر الذي يصعب توافره في أفريقيا حيث ضعف شبكات الإنترنت وارتفاع رسوم الاشتراك، ومحدودية التغطية الإلكترونية فضلاً عن  ضعف وصول الكهرباء للكثير من السكان خاصة في الأماكن النائية والمتطرفة ، كذلك ضعف شبكات الاتصالات ، وجودة تكنولوجيا المعلومات… إلخ . إذ يبلغ معدل انتشار الإنترنت في إفريقيا 21.8٪ من السكان، مما يترك غالبية سكان القارة خارج نطاق الوصول إلى خدمات الإنترنت . كما أن الثورة الرقمية في أفريقيا ليست موحدة على مستوى القارة بالتساوي، إذ يختلف التحول الرقمي من دولة لأخرى. فمنذ عام 2014 إلى عام 2018 ، تم توصيل 130 مليون مستخدم للهاتف المحمول في أفريقيا جنوب الصحراء بشبكة الإنترنت عبر الهاتف المحمول. ومع ذلك، لا تزال هناك فجوات في التغطية والوصول[12].

3) مشكلات الأمن السيبراني: ويطلق عليه أيضا أمن المعلومات أو أمن الحاسوب ، هو ممارسة حماية الأنظمة والشبكات والبرامج من الهجمات الرقمية. التي تهدف عادةً إلى الوصول إلى المعلومات الحساسة أو تغييرها أو إتلافها أو ابتزاز المال من المستخدمين أو مقاطعة العمليات التجارية. والأمر يعتبر أكبر مصدر قلق عندما يتعلق بالمعاملات والخدمات المالية. حيث تظهر ممارسات الاحتيال المالي والهجمات الإلكترونية… إلخ، وكل ذلك يمكن أن يعرض مستخدمي الخدمات المالية التكنولوجية للخطر. فعلى سبيل المثال ، وبحسب البنك المركزي الكيني ، أن نحو  37% من معاملات الهاتف المحمول تتعرض للاحتيال مقارنة بـ 10% فقط عندما تقوم بها المؤسسات المصرفية التقليدية.

4) ارتفاع نسبة الفقر والأمية في أفريقيا : تعانى القارة الأفريقية وخاصة دول أفريقيا جنوب الصحراء من ارتفاع نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر[13] ، لتصل تلك النسبة إلى نحو 7.44% لعام 2019 ، كذلك ارتفاع معدلات الأمية بين البالغين ( 15 سنة فأكثر ) لتصل إلى 35% لعام 2018 [14]. ليصبح الفقر والأمية عاملين مؤثرين في الحد من تطبيقات الاقتصاد الرقمي واستخدامه بما يفيد التنمية الاقتصادية في أفريقيا، حيث عادة ما يتبعهم ما يعرف ب الأمية الرقمية وعدم القدرة على النفاذ إلى شبكات الإنترنت أو ماكينات الصرف الآلي وغيرها من الخدمات المالية التكنولوجية ، إلى جانب غياب الثقافة المالية وعدم الجاهزية لتقبل الواقع الرقمي الجديد، حيث لا تبدي غالبية المجتمعات الأفريقية  ثقة كافية في عملية الرقمنة، أمام تواصل حالة التردي الاقتصادي والاجتماعي في بعض الدول الأفريقية[15] .

خاتمة الدراسة :-

هناك الكثير من المزايا الاقتصادية الناجمة عن التحول التكنولوجي في القطاع المالي بدول أفريقيا جنوب الصحراء أهمها تعزيز الشمول المالي والرقمنة ، ورفع كفاءة وسرعة الخدمات المالية بأنواعها المختلفة مما يصب في صالح تحسن أداء الخدمات المالية والمصرفية بالقارة . وان كان هناك حالة من عدم اليقين حول التأثير النهائي للتكنولوجيا المالية نظرا لطبيعة المخاطر المحاطة بهذا التحول بما في ذلك المخاطر الإلكترونية، والسلامة المالية ، والنظر في التأثير المحتمل على تنفيذ السياسة النقدية وقضايا الاستقرار المالي. ومن هذا المنطلق، سيحتاج صانعي السياسات في إفريقيا إلى معالجة العديد من القضايا لجني الفوائد المحتملة للتكنولوجيا المالية. حيث من المتوقع أنه بحلول عام 2035 يمكن أن يلعب الابتكار التكنولوجي وتطوير البنية التحتية أدوارًا رئيسية في السماح للقارة برفع معدلات النمو الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة اعتمادا على التحول الرقمي بكافة أشكاله وخاصة التكنولوجيا المالية .

قائمة المراجع


[1] ) عبدالرحيم وهيبة ، وبن قدور أشواق، “توجهات التكنولوجيا المالية على ضوء تجارب شركات ناجحة”، مجلة الاجتهاد للدراسات الاقتصادية والقانونية (تامنغست: المركز الجامعي لتامنغست، 2018)، العدد 3، المجلد رقم 7، ص.1.

[2]) Hua Wilfried Serge Koffi  , ” The Fintech Revolution: An Opportunity for the West African Financial Sector” ,  Open Journal of Applied Sciences,  , Scientific Resea Publishing , 2016, PP.771-772. 

[3]) HOW MICROFINANCE IS NAVIGATING THE FINTECH REVOLUTION IN AFRICA April 2018, PP1-2 , Available at :

https://triplejump.eu/wp-content/uploads/2018/05/How-Microfinance-is-Navigating-the-Fintech-Revolution-in-Africa-1.pdf

[4] ) مجلس الاستقرار العالمي هو هيئة دولية تراقب وتقدم توصيات حول النظام المالي العالمي، وتم تأسيسه بعد قمة مجموعة العشرين لعام  2009.

[5]) Rodolfo Maino, & et.al , FinTech in Sub-Saharan African Countries A Game Changer? , ( Washington , D.C : International Monetary Bank ( IMF) , 2019) , PP.1-2 .  

[6]) Cambridge Centre for Alternative Finance , FINTECH In Uganda , Implications For Rgulation , ( Cambridgr : Cambridge Centre for Alternative Finance  , November .2018 ), PP.34-36.

[7]( United Nations , Economic Commission For Africa , Promoting Financial Technology Startups in Africa,)  Addis Ababa : Economic Commission For Africa , 2018), PP.1-2.

[8]) Yogesh Rawal , Capitalizing on Fintech – Financial inclusion in East Africa , Apr 16, 2021,Available at :

[9] )East Development Bank , FINANCIAL TECHNOLOGY IN EAST AFRICA  , Aug 10, 2020, Available at :

https://www.eadb.org/news-events/financial-technology-in-east-africa

 

[10]) Cambridge Centre for Alternative Finance , Op.cit , PP.34-40.

[11]) FinTech in Africa Leapfrogging Legacy Straight to Mobile , FT Partners FinTech Industry Research | November 2019 , P.40 , Available at :

https://www.ftpartners.com/fintech-research/fintech-in-africa

[12] ) Rodolfo Maino, & et.al , Op.cit , PP. 24-27.

[13] ) يحدد البنك الدولي خط الفقر العالمي  بنحو 90.1 دولارا  في اليوم، ومن يقل دخله عن هذا الحد يقع ضمن الفقراء .

[14] )The World Bank , Litercy Rate  Adult Total ( % of People  ages 15 and above), 19 June.2020,   Available at :-

https://data.worldbank.org/indicator/SE.ADT.LITR.ZS

[15]) United Nations , Economic Commission For Africa , Op.cit , P .4.

error: كل الحقوق محفوظة!!