كتبت – د. جيهان عبدالسلام

مدرس الاقتصاد – كلية الدراسات الأفريقية العليا – جامعة القاهرة

تعتبر القارة الأفريقية وخاصة دول أفريقيا جنوب الصحراء، من الدول التي لها تاريخ طويل فيما يتعلق بالديون وجدولتها مع المؤسسات المالية الدولية المتعددة الأطراف، ولا سيما مؤسسات بريتون وودز، حيث تزايدت تلك الديون بشكل كبير خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، وارتبطت حينها بالنيوليبرالية وبرامج الإصلاح الاقتصادي، وفي الفترة الأخيرة، اتجهت العديد من الدول الأفريقية إلى التوسع في الاقتراض لتعويض عجز الموازنات العامة، وضعف السيولة المحلية، في الوقت الذي لا يحقق فيه الاعتماد على الاقتراض معدلات نمو اقتصادي جيدة، وقد يتسبب في مشكلات اقتصادية، خاصة حال عدم القدرة على سداد الأعباء الخاصة بها، وهو ما سيتم تناوله في النقاط التالية:-

أولًا- الديون الأفريقية قبل وباء كورونا:-

قبل تفشي وباء كورونا، كانت أفريقيا تواجه بالفعل أزمة ديون تلوح في الأفق، فوفقًا للبنك الدولي كانت أفريقيا في مأزق، حيث تكافح معظم الدول لسداد ديون متراكمة بقيمة 583 مليار دولار أمريكي بين عامي 2008 و2018، مستحقة لدول أخرى، وبنوك متعددة الأطراف، ومقرضين من القطاع الخاص، كما ارتفع متوسط الدين العام من 40٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2010 إلى 59٪ في عام 2018[1]. فدولة مثل السودان يبلغ نسبة الديون 212.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وإريتريا نحو 174.3٪ من الناتج المحلي، لتصبح أعلى مستويات الديون الحكومية في العالم. كما بلغ متوسط نسبة الدين الحكومي من الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا جنوب الصحراء نحو 4.61٪، وقد سعت الدول الأفريقية إلى التنويع في مصادر الائتمان والقروض، ففي عام 2019، كان نحو 48٪ من إجمالي الديون الأفريقية مستحقة للمؤسسات المتعددة الأطراف (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، 24٪ للصين، و4٪ من الديون الخارجية الحكومية مستحقة لمقرضين من القطاع الخاص كما هو موضح في الشكل رقم (1)[2].

شكل رقم (1) الديون الأفريقية موزعة وفقا لطبيعة الجهة الدائنة لعام 2019

Source: Ben Chandler,COVID-19 & AFRICAN DEBT: FURTHER DISTRESS OR THE BEGINNING OF A NEW PARADIGM?, Mo Ebrahim Foundation , 2020 , Available at:

https://mo.ibrahim.foundation/sites/default/files/2020-06/debt-distress-covid19.pdf

 وعن الجهات الدائنة من الدول، فإن أهم ما يثير القلق في جميع أنحاء أفريقيا هو الديون المتزايدة من الصين، التي تزايد لجوء الدول إليها بفعل شروطها الأقل نسبيًّا للحصول على هذه القروض، وسياسة الصين في تمويل العديد من الاستثمارات في الصين بمبدأ الاستدانة، بحيث يبقى على أفريقيا سداد تلك الديون فيما بعد، حيث بلغ إجمالي القروض من الصين إلى أفريقيا ما يزيد على 148 مليار دولار أمريكي في الفترة من 2000 إلى 2018، لتصل إلى ذروتها وتبلغ 29 مليار دولار أمريكي لعام 2016 فقط، بينما تراجعت إلى 9 مليارات دولار أمريكي عام 2018 كما هو موضح في الشكل رقم(2). وتمول القروض الصينية شبكة من الموانئ والبنية التحتية البحرية، والبنى التحتية لوسائل النقل بما في ذلك القطاعات الرئيسية لشبكات السكك الحديدية العابرة للحدود، والمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الصناعية، في إطار مبادرة الحزام والطريق، وتتصدر أنجولا قائمة الدول الأكثر مديونية للصين (43 مليار دولار) كقروض متراكمة خلال الفترة من 2000 إلى 2018. تليها إثيوبيا (14 مليار دولار)، زامبيا (10 مليار دولار) وكينيا (9 مليار دولار أمريكي)[3].

شكل رقم (2) حجم القروض الصينية المقدمة لدول أفريقيا خلال الفترة (2000 : 2018)

مليار دولار أمريكي

 Source: Common Market for Eastern and Southern Africa (COMESA) , Implication of COVID-19 Pandemic on Debt for Sub- Saharan African Countrie , ( Lusaka: COMESA , December 2020 ), P.4.

 كما تواجه الدول الأفريقية تحديات تتعلق بارتفاع فوائد الديون أو ما يسمى بــ(خدمة الدين )، التي ارتفعت من 31٪ من الناتج المحلي الإجمالي لدول أفريقيا منذ عام 2013، إلى ما نسبته 128٪ لعام 2020، لينفق بذلك جزءًا كبيرًا من الإيرادات الحكومية على سداد فوائد القروض والديون، وتجدر الإشارة بشكل خاص إلى تكلفة خدمة الديون المستحقة للقطاع الخاص في أفريقيا، حيث إنها الأكثر عبئا على الدول، فمع ارتفاع أسعار الفائدة المفروضة بسبب التصنيفات الائتمانية القاسية والمبالغ في تضخيمها في كثير من الأحيان، يتم دفع 55٪ من إجمالي مدفوعات الفوائد إلى الدائنين من القطاع الخاص، بينما 17٪ فقط إلى الدائنين متعددي الأطراف المؤسسات، ومثلهم يذهب إلى الصين، وقبل جائحة كورونا، أنفقت 30 دولة أفريقية على سداد خدمة الدين العام أكثر من إنفاقها على الرعاية الصحية، فدولة مثل جامبيا تنفق ما يصل إلى تسعة أضعاف ميزانيتها الصحية على خدمة الديون، بينما تنفق أنجولا والكونغو ست مرات ما تنفقه على القطاع الصحي[4]. وعن الآجال الزمنية لتلك الديون، فقد كانت معظم الديون في دول أفريقيا جنوب الصحراء قبل جائحة كورونا تبتعد عن التمويل طويل الأجل، وتتجه بشكل أكبر نحو آجال الاستحقاق قصيرة الأجل، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع متوسط تكاليف خدمة الديون في أفريقيا بشكل حاد مع تضاعف متوسط عبء مدفوعات الفائدة إلى حوالي 10٪ من الإيرادات بين عامي 2011 و2018[5].

ثانيًا- الديون الأفريقية ( الأسباب والانعكاسات ) في ظل وباء كورونا:

 أثارت جائحة وباء كورونا مخاوف كثيرة تتعلق بتزايد حدة الديون في أفريقيا. حيث بلغ متوسط الدين الحكومي لدول أفريقيا جنوب الصحراء كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي 50.4٪ في نهاية عام 2020 مقارنة بـ48.5٪ في عام 2018. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ترتفع تلك النسبة إلى 56.6٪ و57.8٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عامي 2020 و2021 على التوالي بسبب جائحة كورونا. بينما تجاوزت 24 دولة أفريقية في ظل جائحة كورونا ديونًا تصل نسبتها إلى 55٪ من الناتج المحلي الإجمالي لتلك الدول[6]. هذا في الوقت الذي شهدت فيه موازنات الدول الأفريقية عبئًا ماليًا كبيرًا، حيث تزايد الإنفاق الحكومي الجاري لاحتواء انتشار وباء كورونا مع تراجع قيمة الإيرادات الحكومية نتيجة التباطؤ الاقتصادي العام؛ مما شكل ضغوطًا كبيرة على الموازنات المالية الحكومية وزيادة العجز المالي بها.

 وتجدر الإشارة إلى أنه حتى في ظل الإمكانيات المالية المحدودة لمعظم ميزانيات الدول الأفريقية، فإن الاختيار بين الحياة وسبل العيش وسداد الديون أمر مفروغ منه، حيث إن الإعفاءات والتحويلات النقدية للفئات الأكثر ضعفًا، والدعم المباشر لقطاعات مثل السياحة والسفر، هذه التكاليف المالية الهائلة أدت إلى ضعف قدرات الدول عن سداد الديون، ووفقًا لصندوق النقد الدولي، فإن 16 دولة من دول أفريقيا جنوب الصحراء إما معرضة خلال فترة زمنية قصيرة للدخول في خطر كبير من ضائقة الديون أو في دخلت بالفعل في تلك الضائقة، ومعظم هذه الدول في وضع أسوأ مما كانت عليه في عام 2019، مع مستويات ديون أعلى وبيئة اقتصادية غير مؤكدة للغاية في المستقبل. هذا على خلفية التدهور في ظروف السوق التي تزيد مع مخاطر تمديد اجال الديون، وصعوبات الوفاء بمدفوعاتها من الفائدة.

 واضطر عدد من الدول إلى إعادة جدولة سداد قروضها. وهذه التدابير اذا لم تكن تنفيذها يكون للحد من نمو الديون، فقد تواجه هذه الدول انهيارًا داخليًا في امكانية سداد تكاليف الديون والخدمة المرتبطة بها. فمن الممكن أن يصبح معدل تراكم الديون مصدرًا رئيسيًا لعدم استقرار الاقتصاد الكلي في القارة. وبالفعل، عجزت بعض الدول عن الوفاء بالتزامات ديونها خلال جائحة كوفيد -19، وواجهت صعوبات في السداد، مع خطر افتراض الوقوع في خطر ضائقة الديون. حيث تزايد عدد الدول التي تعاني من مستويات متوسطة من الديون من 15 دولة عام 2019 إلى 16دولة عام 2020، كما تزايد عدد الدول التي تعاني من مستوى مرتفع من الديون من 9 دول إلى 11 دولة للفترة ذاتها، كذلك تزايد عدد الدول التي دخلت بالفعل ضائقة الديون من 7 دول إلى 10 خلال نفس الفترة، مع بقاء دولتين فقط من أصل 35 دولة في أفريقيا جنوب الصحراء في فئة المخاطر المنخفضة كما هو موضح في الشكل رقم (4)[7].

شكل رقم (3) عدد الدول الأفريقية المعرضة لمخاطر ضائقة الديون خلال عامي 2019، و2020

 Source: Common Market for Eastern and Southern Africa (COMESA) , Implication of COVID-19 Pandemic on Debt for Sub- Saharan African Countrie , ( Lusaka: COMESA , December 2020 ), P.7.

 ووفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، هناك نحو 17 دولة جنوب الصحراء الكبرى معرضة أيضا لخطر كبير وهو الدخول في مرحلة ضائقة الديون، منها إثيوبيا وأنجولا ونيجيريا وغانا وناميبيا، فتلك الدول تمتلك أدوات دين تستحق في عام 2021، وأثارت بالفعل مخاوف من التخلف عن السداد على خلفية الانكماش الاقتصادي بسبب جائحة فيروس كورونا وانخفاض أسعار السلع النفطية في عام 2020. ووفقًا لتقرير صادر عن وكالة التصنيف موديز، فإن الدين الخارجي لإثيوبيا كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي يقف عند 28.1.2٪ لعام 2020. كما أشار البنك الدولي إلى أن إثيوبيا، إلى جانب الكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى وغانا وكينيا، معرضة لخطر كبير من ضائقة الديون الخارجية. كما يصنف التقرير دولة الصومال على أنها تعاني بالفعل من ضائقة ديون وفقًا لصندوق النقد الدولي. وتحتاج الدول الأفريقية إلى ما يقرب من 410 مليار يورو لسداد جميع الديون الخارجية المستحقة بحلول عام 2023.

 وعلى سبيل المثال، تعتبر زامبيا هي أول دولة أفريقية تتخلف عن سداد التزامات ديونها في حقبة وباء كورونا، لكنها قد لا تكون الأخيرة، حيث تخلفت زامبيا عن سداد قسيمة سندات دولية بقيمة 42.5 مليون دولار في نوفمبر2020، ووفقًا لوكالة رويترز، تضاعف إجمالي الدين الخارجي لزامبيا في غضون خمس سنوات فقط، حيث ارتفع من 4.8 مليار دولار، أو 18٪ من الناتج المحلي الإجمالي، في نهاية عام 2014 إلى 11.2 مليار دولار، أو 48٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام2020، نتيجة سوء أوضاعها الاقتصادية حيث ارتفع معدل التضخم السنوي في زامبيا إلى أعلى مستوى له في أربع سنوات ليصل إلى 17.4٪. بالإضافة إلى ذلك، انخفضت قيمة العملة الوطنية (الكواتشا)، بنسبة 33٪ مقابل الدولار الأمريكي في عام 2020. وقد أثار هذا التخلف عن السداد مخاوف من حدوث أزمة اقتصادية إقليمية وتأثيرات مضاعفة على مستوى معيشة المواطنين الذين يعانون بالفعل بسبب زيادة الضرائب وتقليص الإنفاق على الخدمات الاجتماعية. وقد تمكن المسؤولون الزامبيون من التفاوض مع بنك التنمية الصيني على تأجيل دفع 391 مليون دولار كان مستحقًا في أكتوبر2020، وتأخر حتى أبريل 2021. ومع ذلك، رفض حاملو سندات اليوروبوند طلب زامبيا لإعادة جدولة الديون[8]

 كما كانت موزمبيق تكافح بالفعل من أجل سداد ديونها الخارجية البالغة 14 مليار دولار في عام 2020. وتضخمت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من 100٪ في عام 2018 إلى 130٪ في نهاية عام 2020. ومع تجاوز الديون إجمالي حجم الناتج الاقتصادي، لم يكن لدى موزمبيق قدرة مالية توفير استجابة قوية لاجراءات المواجهة والتعافي من وباء كورونا[9].

وتتمثل أهم الأسباب التي أدت إلى تفاقم مشكلة الديون في أفريقيا في ظل وباء كورونا إلى ما يلي:-

– أحد أهم أسباب لجوء الحكومات الأفريقية إلى الاقتراض والديون هو تزايد عجز الموازنات العامة في خاصة في ظل وباء كورونا، حيث إن حصيلة إيرادات الدولة -وخاصة من الضرائب- لا تستطيع توفير الموارد بشكل كاف لتطوير الاقتصاد وسد احتياجات الدولة من الإنفاق الحكومي، فمع تزايد عدد الدول المعرضة لضائقة الديون زيادة كبيرة بفعل تأثير الصدمات الخارجية والأزمات الصحية والوبائية، والسياسات المالية الفضفاضة التي سرعان ما أثرت سلبًا على الاقتصادات الأفريقية وخاصة دول أفريقيا جنوب الصحراء، يمكن أن تخسر أفريقيا ما يصل إلى 20 إلى 30٪ من إيراداتها المالية، والتي تقدر بنحو 500 مليار دولار في عام 2019. ولن يكون أمام الحكومات خيار سوى الاعتماد على الأسواق الدولية التي قد تزيد من مستويات الديون وتكلفتها، والأعباء المالية على الموازنات الأفريقية، خاصة في ظل الحاجة إلى مزيد من الإنفاق الحكومي على تدابير الصحة العامة لإنقاذ الأرواح في الوقت الذي تتباطأ فيه الأنشطة الاقتصادية، وكل ذلك ظهر في شكل عجز مالي كبير يترجم ببطء إلى زيادة الديون باعتبارها الوسيلة الوحيدة لمواجهة هذا العجز[10].

– تراجع الأسعار العالمية والطلب على النفط والمعادن التي تعتمد عليها اقتصادات العديد من الدول الأفريقية، حيث كانت الدول الغنية بالموارد الطبيعية تأمل في سداد القروض عن طريق بيع النفط والمعادن، ولكن بعد جاء وباء كورونا ليؤثر سلبًا على حصيلة ايرادات تلك الدول مثل: أنجولا، والجابون، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فعلى سبيل المثال توقع وزير المالية الجابوني أن ينمو اقتصاد البلاد بنسبة تصل إلى 5٪، بسعر نفط يبلغ 57 دولارًا للبرميل في الميزانية المقررة لعام 2019/ 2020. وتغيرت التوقعات بشكل كامل مع تراجع معدل النمو الاقتصادي عام 2020 – مع سعر تقديري للنفط يبلغ 26 دولارًا للبرميل فقط[11].

– انعكاسات وباء كورونا على اقتصادات الدول الأفريقية بشكل عام، حيث كانت عمليات الإغلاق الاقتصادي، وتقلبات أسعار العملة، وتراجع مصادر النقد الأجنبي أحد أهم أسباب تراجع معدلات النمو الاقتصادي وتزايدت حدة الديون في أفريقيا. فقد أظهرت دراسة أجراها الاتحاد الأفريقي حول التأثير الاقتصادي لوباء كورونا، أن القارة يمكن أن تخسر ما يصل إلى 500 مليار دولار، وأن الدول قد تضطر إلى الاقتراض بكثافة للبقاء على قيد الحياة بعد الوباء. كما حذر الأمين العام للأمم المتحدة في يونيو 2020 أن 50 مليون شخص في أفريقيا معرضون لخطر الوقوع في براثن الفقر المدقع في عام 2020 بسبب الوباء، كما عانت أفريقيا جنوب الصحراء من أول ركود لها منذ 25 عامًا، مع انخفاض النمو الاقتصادي في المنطقة من 2.4٪ في عام 2019 إلى ما بين -2.1٪ و-5.1٪ في عام 2020. وسيتضاعف تأثير ذلك بسبب أزمة الأمن الغذائي التي تلوح في الأفق، نتيجة لانخفاض الإنتاج الزراعي بين 2.6٪ و7٪[12].

– الحزم المالية التي تحتاجها أفريقيا للخروج من انعكاسات أزمة وباء كورونا، وضرورة تخصيص مبالغ ضخمة كخطط للتعافي الاقتصادي، فتحتاج أفريقيا إلى 10٪ على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي لمواجهة تداعيات كورونا. هذا بالإضافة إلى أكثر من 200 مليار دولار كدعم إضافي من المجتمع الدولي، كما تحتاج أفريقيا إلى ما لا يقل عن 100 مليار دولار لتوفير استجابة فورية لشبكات الأمان الاجتماعي والصحي، ومبلغ 100 مليار دولار أخرى للتحفيز الاقتصادي، بما في ذلك تجميد الديون.

  • ارتفاع تكلفة الاقتراض، حيث تتراوح أسعار الفائدة بين 5٪ و16٪ على السندات الحكومية ذات العشر سنوات، مقارنة بمعدلات تقترب من الصفر إلى معدلات سلبية في أوروبا وأمريكا. بالنسبة لاقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، تشكل مدفوعات الفائدة الجزء الأكبر من الإنفاق – الأسرع نموًا والذى يلتهم الجزء الأكبر من موارد الميزانيات العامة للدولة.

 وأخيرًا، أدى انخفاض قيمة العديد من العملات الأفريقية مقابل العملات الدولية الرئيسية إلى حدوث مشكلات اقتصادية عديدة، فعلى سبيل المثال، فقد بوتسوانا بولا والراند الجنوب أفريقي حوالي 8٪ من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي واليورو منذ تفشي الوباء، الأمر الذي يؤثر على تكاليف الديون والفوائد المرتبطة بها[13].

 ومما لا شك فيه أن تفاقم مشكلة الديون في أفريقيا لها العديد من الانعكاسات السلبية على اقتصادات دول القارة، حيث يؤدي ارتفاع تكاليف الديون وفوائدها إلى عملية مزاحمة الإنفاق الحكومي في مجالات التنمية الرئيسية، مثل: التعليم والصحة والبنية التحتية. كما يمكن أن يؤدي عدم القدرة على تحمل الديون إلى خلق حالة من عدم اليقين والاستقرار الاقتصادي، تؤدي إلى هروب الاستثمار، والتأثير سلبًا على النمو الاقتصادي. ومع تزايد الديون، تضعف قدرة الاقتصادات على سدادها لتدخل بذلك إلى ضائقة الديون، والتي تحاول الدول حلها بمزيد من الديون الأخرى، وهكذا في ظل حلقة مفرغة من العجز المالي وتراكم الديون[14].

 كذلك ينتج عن الديون المرتفعة، خفض التصنيف الائتماني للدول، فقد خفضت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني تصنيف سبع دول من أصل 19 دولة من دول جنوب الصحراء الكبرى التي تتبعها، منها كل من: أنجولا وزامبيا، وقد عكست هذه التخفيضات جزئيًا حالة عدم اليقين المالي والمخاوف الائتمانية الموجودة في ظل وباء كورونا، يضاف إلى ذلك إمكانية أن تصبح ديون القارة مسيسة بشكل متزايد من قبل الدائنين الغربيين والصين.

ثالثًا- المبادرات الدولية والإقليمية لتخفيف عبء الديون الأفريقية:

 بعد ظهور انعكاسات وباء كورونا على الاقتصادات الأفريقية، تمت الموافقة على حزمة تخفيف خدمة الديون من قبل بعض أكبر المقرضين في العالم (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومجموعة العشرين وبنك التنمية الأفريقي وجميع دائني نادي باريس) لأكثر من 25 دولة أفريقية، وكان الهدف هو توفير أكثر من 20 مليار دولار يمكن للحكومات استخدامها لدعم خدماتها الصحية، وفي أبريل 2020، أعربت الصين عن استعدادها لتخفيف ديون أفريقيا، ولكن ليس الإعفاء، وفي اجتماع مع القادة الأفارقة في منتصف يونيو2020 لمناقشة انعكاسات وباء كورونا، مع الإشارة إلى أن القروض التي تعتزم الصين إلغائها أقل من 5٪ من ديون أفريقيا للصين، وهي بالكاد تؤثر على ديون القارة. ومن بين 25 دولة مؤهلة لتخفيف أعباء الديون، طلبت أربعة فقط المساعدة من الجهات الدائنة وهم: الكاميرون، وكوت ديفوار، وإثيوبيا، والسنغال. أما الغالبية من الدول إما أن رفضت طلب المساعدة، أو لم تطلب بعد تأجيل وتعليق سداد الديون لعدة أسباب منها:-

  • هناك إشارة ضمنية إلى أن الدول التي تطلب تعليق الديون قد اقترضت بشكل غير مسؤول، وسينظر إليهم بعد ذلك على أنهم مقترضون ذو مخاطر عالية وغير مسؤولين في المستقبل.
  • ستنتهك الدول شروط عقود السندات الدولية التي تمتلكها حاليًا، حيث تحظر سندات اليوروبوند، وشروط العقود على الدول التي سعت نحو تعليق مدفوعات الديون بموجب مبادرات متعددة الأطراف، سيعتبر بمثابة تخلف عن السداد، سيؤدي هذا تلقائيًا إلى طلب فوري للدول لدفع كامل لقيمة سندات اليوروبوند المستحقة.
  • تخشى الحكومات من أن يؤدي تأجيل سداد الديون إلى خفض التصنيف الائتماني بسبب التخلف عن السداد في السندات الدولية. حيث وضعت وكالة موديز، الكاميرون وكوت ديفوار والسنغال قيد مراجعة التصنيف لخفض التصنيف، كذلك خفضت تصنيف إثيوبيا على وجه التحديد بسبب مشاركتها في مبادرة تعليق خدمة الديون لمجموعة العشرين. وسيؤدي خفض التصنيف إلى تآكل الفوائد المتراكمة من تخفيف الديون، حيث سيتعين على الدول دفع المزيد من الفوائد على نفس حجم الديون.

 أخيرًا: هناك مخاوف من أن شروط الإعفاء من الديون وحزم القروض المتعددة الأطراف ستقيد اتجاه السياسة في المستقبل، بحيث يُمنح تأجيل سداد الديون بشرط أن يتم إنفاق الأموال فقط على الخدمات العامة الحيوية، وتشمل الشروط الأخرى الالتزام بالسياسات القائمة ومتطلبات تقديم التقارير والرقابة المتعددة الأطراف والشفافية، ولا يُسمح للدول الخاضعة لبرنامج تخفيف عبء الديون بتكبد ديون من أي دائنين آخرين خلال هذا الوقت، ويجب عليهم استخدام المدخرات فقط لمعالجة الصدمات الناجمة عن الوباء، حيث ابتكر البنك الدولي استجابات سياسات مالية مخصصة تدعم تجاوز الأزمة على المدى القصير والانتعاش الاقتصادي على المدى المتوسط للدول التي تتلقى الإغاثة. لن يتم استخدام قروض صندوق النقد الدولي وصناديق تعليق ديون مجموعة العشرين لدفع فوائد عالية للمقرضين من القطاع الخاص، تقيد هذه الشروط كلًا من الحيز المالي للبلد ومرونة السياسة[15].

 كما قام الاتحاد الأفريقي بدور مهم في الدعوى إلى جدولة أو إلغاء الديون لبعض الدول الأفريقية المتضررة، حيث أوصت اللجنة الاقتصادية لأفريقيا أيضًا بـتجميد الديون المؤقتة الكاملة لمدة عامين لجميع الدول الأفريقية دون استثناء، وطالب رئيس جنوب أفريقيا، بصفته رئيس الاتحاد الأفريقي، دول مجموعة العشرين إلى التنازل عن جميع مدفوعات الفائدة على الديون الثنائية والمتعددة الأطراف، مع إمكانية تمديد الإعفاء إلى المدى المتوسط لتوفير مرونة مالية وسيولة فورية للحكومات الأفريقية. وفي اجتماع افتراضي لمجموعة العشرين في 15 أبريل 2020، تم الاتفاق على تعليق التزامات الديون الرسمية حتى عام 2022. وتشير التقديرات إلى أن هذا التجميد يمكن أن يؤجل 12 مليار دولار من المدفوعات لعام 2020، ويمكن أن يصل إجمالي الإعفاء المؤقت إلى أكثر من 20 مليار دولار أمريكي، وسيغطي هذا الامتياز ربع مدفوعات خدمة الدين التي من المقرر أن تقدمها أفريقيا في عام 2020[16]. وما زال يجب على الاتحاد الأفريقي اتخاذ العديد من الخطوات لمعالجة الأزمة الناتجةعن وباء كورونا منها: حشد الدول الأعضاء للضغط على دول مجموعة العشرين، والمؤسسات متعددة الأطراف، والمقرضين التجاريين لتعليق سداد الديون حتى نهاية عام 2021. وتشجيع الدول الأكثر ثراءً على تحويل جزء أو كل حقوق السحب الخاصة طواعية لتعزيز سيولة النقد الأجنبي وتخفيف الضغط على البنوك المركزية في الدول الفقيرة. كما يجب على الحكومات الأفريقية أيضًا معالجة الفساد، وإنشاء آليات للشفافية والمساءلة تضمن استثمار الموارد الاقتصادية بشكل صحيح في التنمية الاجتماعية والاقتصادية وتنمية رأس المال البشري[17].

وفي الختام، يمكن القول بأن الديون قد شكّلت أزمة وعقبةً رئيسيةً أمام تحقيق التقدم الاقتصادي والتنموي في أفريقيا. ومن هنا يجب على دول القارة الأخذ في الاعتبار صوت الشعوب ومصلحة الأجيال في صفقات الاستدانة، ومحاولة إيجاد سبل تمويل محلية للعجز المالي في الموازنات الأفريقية، والسير قدمًا في تحقيق أهداف أجندة التنمية المستدامة 2063 في بناء قارة قوية أقل تبعية للعالم الخارجي، وقادرة على تمويل عملياتها التنموية. حيث أنه لا يمكن للدول الأفريقية معالجة عبء الديون إلا من خلال تبنى إصلاحات هيكلية حقيقية من أجل تعزيز قدرتها التنافسية على المدى الطويل.

قائمة المراجع


[1]) The African Centre for the Constructive Resolution of Disputes (ACCORD) , ” Africa’s debt burden and the COVID-19 economic crisis” , June 3, 2020, Available at :

[2) Ben Chandler,COVID-19 & AFRICAN DEBT: FURTHER DISTRESS OR THE BEGINNING OF A NEW PARADIGM?, Mo Ebrahim Foundation , 2020 , Available at:

https://mo.ibrahim.foundation/sites/default/files/2020-06/debt-distress-covid19.pdf

[3]) Common Market for Eastern and Southern Africa (COMESA) , Implication of COVID-19 Pandemic on Debt for Sub- Saharan African Countrie , ( Lusaka : COMESA , December 2020 ), PP.3-4.

[4])Ben Chandler,Op.cit. Available at:

https://mo.ibrahim.foundation/sites/default/files/2020-06/debt-distress-covid19.pdf

[5]) Common Market for Eastern and Southern Africa (COMESA) ,Opcit , P. 4.

[6]) Ben Chandler,Op.cit. ,Available at:

https://mo.ibrahim.foundation/sites/default/files/2020-06/debt-distress-covid19.pdf

[7]) Common Market for Eastern and Southern Africa (COMESA) ,Op.cit , P.

[8]) Tawanda Karombo , Zambia is first African country to default on debt during Covid. It may not be the last ” , America The Jesuit Review , December 10, 2020, Available at:

https://www.americamagazine.org/politics-society/2020/12/10/debt-default-zambia-catholic-relief-covid-19-239444

[9])Mickael Sallent , ” External debt complicates Africa’s COVID-19 recovery, debt relief needed ” , Africa Renewal Magazine, 30 July 2020 , Available at:

https://www.un.org/africarenewal/magazine/july-2020/external-debt-complicates-africas-post-covid-19-recovery-mitigating-efforts

[10]) African Union , Impact Of The Cronavirus (Covid 19) On The African Economy , PP.19-20 , at:

https://au.int/sites/default/files/documents/38326-doc-covid-19_impact_on_african_economy.pdf

[11) Africa’s debt crisis grows amid COVID-19 pandemic , 2021 , Available at:

https://www.dw.com/en/africas-debt-crisis-grows-amid-covid-19-pandemic/a-55590042

[12]) The African Centre for the Constructive Resolution of Disputes (ACCORD) ,Op.cit , Available at:

[13]) Mickael Sallent , Op.cit , Available at:

https://www.un.org/africarenewal/magazine/july-2020/external-debt-complicates-africas-post-covid-19-recovery-mitigating-efforts

[14]) Common Market for Eastern and Southern Africa (COMESA) , Op.cit , P.6.

[15] ) Misheck Mutize , ” Why African countries are reluctant to take up COVID-19 debt relief” , July 28, 2020 , Available at:

https://theconversation.com/why-african-countries-are-reluctant-to-take-up-covid-19-debt-relief-140643

[16]) Mickael Sallent , Op.cit , Available at:

https://www.un.org/africarenewal/magazine/july-2020/external-debt-complicates-africas-post-covid-19-recovery-mitigating-efforts

[17]) AMADOU MAHTAR BA , ” Why Debt Relief is Necessary to Recover from Covid-19″ , 11 January 2021 , Available at:

error: كل الحقوق محفوظة!!