كتبت – إيمان عبدالعظيم

مدرس مساعد بكلية الدراسات الأفريقية العليا – جامعة القاهرة

تشير التقديرات إلى انتشار حوالى 40% من الجنود الأطفال في أفريقيا، وتوصلت الدراسات إلى أنه منذ عام 1975، أصبحت أفريقيا بؤرة لظاهرة الجنود الأطفال، وهذا لا يعني أفرقة الظاهرة العالمية أو تصدير صورة تشاؤمية للصراعات الأفريقية، حيث تعد ظاهرة تجنيد الأطفال مشكلة عالمية متنامية تنتشر في 86 دولة في العالم، وفي أواخر التسعينيات بلغ عدد الأطفال المجندين في العالم 300000، وتؤكد البحوث التاريخية والأنثروبولوجية ظهور ممارسة جديدة في أفريقيا من حيث تجنيد الأطفال سواء في الصراعات المسلحة وفي الجماعات الإرهابية، ويوجد العديد من المشكلات المهمة المرتبطة بظاهرة الجنود الأطفال في أفريقيا، ولعل من أبرزها أنه في حين يُنظر إلى الجنود الأطفال المنتسبين إلى الجماعات المسلحة في أفريقيا تقليديا على أنهم ضحايا وليسوا جناة، فإن الأطفال في صفوف الجماعات الإرهابية مثل داعش وبوكو حرام وغيرها ينظر إليهم أولًا وقبل كل شيء على أنهم تهديد للأمن القومي والدولي، وهو ما يثير تساؤلا مفاده: إلى أي مدى يمكن النظر إلى الجنود الأطفال في أفريقيا؟ وهل هم ضحايا أم جناة؟

ثنائية الجاني والضحية

تتسم الحروب المعاصرة بالتمييز الغامض بين الجناة والضحايا؛ فلا يمكن الجزم بتصنيف الجنود الأطفال كضحايا، تحتاج ثنائية الجاني-الضحية فيما يتعلق بالجنود الأطفال لإعادة نظر، وهذا لن يتم بنجاح إلا من خلال نهج متعدد التخصصات؛ ففي الدراسات النفسية والاجتماعية، يتم تفسير رؤية الجنود الأطفال كضحايا من خلال طريقة انضمامهم إلى القوات المسلحة والإرهابية التي تكون كان خارج إرادتهم الحرة، ووفقا للطب الحيوي فالجنود الأطفال هم ضحايا سلبيون ومتضررون نفسيا، وهم في الغالب ضحايا وليسوا جناة كما في اتفاقية قانون الطفل، وهناك اتجاه آخر ينظر إلى كيفية تجنيد هؤلاء الأطفال أنفسهم في كثير من الأحيان والتأكيد على انضمامهم إلى القوات المسلحة بإراداتهم الحرة، وبالتالي فهم أفراد مستقلون ومستفيدون بكامل الأهلية لحقوق الإنسان، ولكن إلى أي مدى الاعتراف باستقلالية الجنود الأطفال تعني بالضرورة المسئولية بما في ذلك المسئولية الجنائية، وما هو الحد الأدنى لسن المسئولية الجنائية؟

وفقًا للمادة 26 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، يتم استبعاد الملاحقة الجنائية أمام المحكمة الجنائية الدولية تحت سن الثامنة عشرة، ويبدو أن الاتجاه العام هو التأكيد على ضعف وعدم نضوج الجنود الأطفال، وبالتالي عدم تحميلهم المسئولية الجنائية، اللهم إلا فيما يشير إلى نهج قضاء الأحداث الذي يتسم بضمانات إضافية كحد أدنى لسن المسئولية الجنائية. ولا تزال الملاحقات القضائية على الجرائم المرتكبة من قبل الجنود الأطفال تمثل مشكلة بسبب محدودية وصول الجنود الأطفال إلى الإجراءات القضائية وهناك تدابير خاصة لحمايتهم متى تم تضمينهم إلا أن ذلك أيضا يظل استثنائيا، وهو ما ظهر حينما استبعدت المحكمة الجنائية الدولية الولاية القضائية بحق القائد السابق للواء سيناء التابع لجيش الرب الأوغندي دومينيك أونجوين Ongwen الذي كان هو ذاته أحد الجنود الأطفال لارتكابه العديد من الجرائم، وتجدر الإشارة إلى أن الحالة الأولى التي لجأت إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي والمتعلقة بتجنيد الجنود الأطفال كانت في شرق جمهورية الكونجو الديمقراطية، حيث حُكم على توماس لوبنجا في عام 2012، وهنا تبرز مشكلتان أساسيتان: هي المبالغة في التأكيد على نموذج ضعف الجنود الأطفال، والأمر الثاني المتعلق بالممارسة العملية، يتمثل في أن تصوير الجنود الأطفال كضحايا في كثير من الأحيان يؤدي إلى نتائج عكسية فيما يتعلق بعملية دمج وإعادة توطينهم في المجتمع والتصالح مع ما فعلوه.

أولا: مشكلة المبالغة في التأكيد على نموذج ضعف الجنود الأطفال في أفريقيا

رغم أنه في إطار القانون الجنائي الدولي يعد الأطفال دون سن الثامنة عشر ضحايا وبالتالي لا يتم رفع دعاوى ضدهم، إلا أن الواقع الأفريقي يعكس حقيقة أن بعض الجنود الأطفال انخرطوا في أعمال عنف وحشية وارتكبوا جرائم خطيرة أثناء الصراعات المسلحة في كل من سيراليون وأوغندا وجمهورية الكونجو الديمقراطية، ولا يمكن وصفهم بأنهم ضحايا، وغالبا ما يقوم الجنود الأطفال بقتل أو تعذيب أفراد مجتمعهم أو حتى أسرهم، فيجدوا أنفسهم عالقون في المنطق العسكري فضلا عن صعوبات شديدة في العودة إلى مجتمعاتهم، وتعد هذه الحالة مثالا جيدا لما يسمى انعكاسات الدور كما جاء في أدبيات العدالة الانتقالية وكذا في علم الجريمة وعلم الضحايا، أي عندما يصبح الضحايا جناة والعكس صحيح، ولهذا قامت العديد من الدراسات بمقارنة انضمام الأطفال إلى مجموعات النازيين الجدد في أوروبا بتجنيد الأطفال في أفريقيا، واستندت في ذلك إلى أن عملية تجنيد الأطفال تمر بمسارات ودوافع مختلفة حيث (الانفصال والقلق، التماهي مع المعتدي، الرعب والانكسار عن الروابط العاطفية الموجودة مسبقا، تقويض أخلاق العزلة وتلقين القيم الجديدة مثل شيطنة العدو أو الخارج) تجعل معه استحالة النظر إلى هؤلاء الجنود الأطفال كضحايا فحسب.

  1. الجنود الأطفال كضحايا ومرتكبي جرائم في سيراليون

خلال الحرب الأهلية التي استمرت عشر سنوات في سيراليون، قامت القوات المتمردة في سيراليون باختطاف وتجنيد الأطفال ممن تقل أعمارهم عن ثمانية عشر عاما طوعا أو كرها سواء داخل سيراليون أو في الدول المجاورة لخوض هذه الحرب، ظل هؤلاء الأطفال تحت سيطرة الجبهة المتحدة الثورية لفترة تراوحت بين بضعة أشهر إلى ثماني سنوات، ونظرا لثقافة العنف التي تتسم بها الجبهة المتحدة الثورية، فلم ينجذب إليها معظم الجنود الأطفال طواعية، ولهذا كشفت الدراسات عن تعرض الغالبية العظمى من الجنود الأطفال للاختطاف من قبل الجبهة المتحدة الثورية في ظل ظروف من الإكراه الشديد والعنف والخوف، وبمجرد تجنيدهم بالجبهة المتحدة الثورية، أسندت إليهم أدوار معقدة غالبا كمقاتلين في الخطوط الأمامية وقادة لجنود أطفال آخرين وجواسيس وحمالين وطهاة وخدم منازل ومقدمي رعاية للأطفال الأصغر سنا، ويعني الفشل في أداء واجباتهم تحمُّل أشكال من العقوبة القاسية بما في ذلك الاعتداءات الجسدية والجنسية الوحشية والتجويع وحتى الموت.

وبغض النظر عن دورهم داخل الجبهة المتحدة الثورية، أصبح التهديد بالاعتداء والقتل والعنف المستمر سواء لفظيا أو جسديا أو نفسيا أو جنسيا هو سمة أساسية للتفاعل اليومي، ولمواجهة ذلك، لابد من طاعة الأوامر، وبالتالي لم يعد الخط الفاصل بين الضحية ومرتكب العنف واضحا، ويبدو أن انتقال الجنود الأطفال في سيراليون من دور الضحية إلى الجاني لم يكن خطيا بل هو عملية متطورة، بدأت أولى حلقاتها بالخوف والاشمئزاز من حمل السلاح ثم يتضاءل هذا الخوف تدريجيا إلى أن يشبه الحياة الطبيعية ثم الانخراط في أشكال متطرفة من العنف، جاء على لسان هؤلاء الجنود الأطفال أنه في البداية لم يكن يريد قتل أي شخص ثم فيما بعد استمتع بالأفعال الشريرة، وأصبح مسئولا عن قتل أي شخص تنفيذا للأوامر، وبالتالي ينجرف الجنود الأطفال باستمرار بين ارتكاب أعمال عنف ووقوعهم في نفس الوقت ضحايا للعنف من قبل الآخرين، وغالبا ما تسبب تعقيد هذا الوضع في الكثير من الارتباك.

وفي أعقاب الصراع، واجه الجنود الأطفال مهمة شاقة تتمثل في فصل أنفسهم عن أدوارهم وعلاقاتهم العسكرية السابقة، وهو ما أدى إلى صعوبات في عملية إعادة دمجهم في المجتمع، وكثيرا ما صورت وسائل الإعلام الدولية الأطفال المحاصرين في الحرب الأهلية في سيراليون على أنهم محاصرون في عالم من الظلم والجنون، يعززه باستمرار الصور المألوفة للمقاتلين الأطفال المسلحين، وغالبا ما نُظر إلى الجنود الأطفال على أنهم قطاع طرق وبرابرة، ومن خلال تصوير الجنود الأطفال بأنهم منحرفون غير متحضرون، يميل خطاب الأكاديميين والإعلاميين والساسة إلى اضفاء الطابع المرضي على الجنود الأطفال في سيراليون.

2 .الجنود الأطفال كضحايا ومرتكبي جرائم في أوغندا

يتمتع جيش الرب للمقاومة الأوغندي Army The Lord’s Resistance (LRA) بجوانب فريدة مقارنة بالعديد من الجماعات المسلحة الأخرى حيث أنه مدرج على قائمة الجماعات الإرهابية لوزارة الخارجية الأمريكية وصنفه الاتحاد الأفريقي كمجموعة إرهابية في عام 2011، يعد جيش الرب للمقاومة حركة متمردة معروفة بتجنيد الأطفال على نطاق واسع، ظهر في شمال أوغندا في أواخر الثمانينيات وكانت الجماعة مسئولة عن اختطاف ما لا يقل عن 20000 طفل وتزايد عدد الأطفال المختطفين من قبل جيش الرب للمقاومة لأكثر من 60 ألفا من أطفال شمال أوغندا، وتؤكد التقديرات أن ما يقرب من 60-80% من قوات جيش الرب للمقاومة هم من الجنود الأطفال، وهذا ما يفسر السبب في وصفه بأنه جيش من الأطفال.

وفي عام 2005، اضطر جيش الرب للمقاومة إلى توسيع نطاق قواته والبحث عن قواعد لعملياته في البلدان المجاورة بعيدا عن الضغط العسكري للحكومة الأوغندية لاستعادة الاستقرار في شمال البلاد من خلال عملية Lightning Thunder، ولهذا توسع جيش الرب للمقاومة في جمهورية الكونجو الديمقراطية وشمال وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطي. وفي تقرير مجلس الأمن الدولي عام 2012 قدر عدد الأطفال الذين تم اختطافهم من قبل جيش الرب للمقاومة بــ591 طفلا من كل من جمهورية الكونجو الديمقراطية وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، وهو ما يثير تساؤل: ما الذي يخلق وحدة متماسكة داخل المجموعة للحد الذي يؤدي إلى استمرارية ولاء هؤلاء الأطفال لها؟ فغالبا ما يصبح الأطفال المختطفون مخلصون للمجموعة والبقاء معها، وبالنظر إلى حقيقة اختطافهم في البداية، يظهر لغز يشير إلى أن جيش الرب للمقاومة يستخدم آليات فعالة لإشراك أعضائه وخلق هذا الولاء الشديد للحد الذي تستمر معه كجماعة مسلحة متماسكة تواصل العنف وتتعدى حدود شمال أوغندا أيضا، وهو ما أثار تساؤل: كيف يمكن لمجموعة متمردة تتكون إلى حد كبير من الأطفال المختطفين أن يصبحوا بهذه المرونة؟

يستخدم جيش الرب للمقاومة مجموعة من التكتيكات الفعالة لتجنيد هؤلاء الأطفال سواء قسرا أو طوعا، ويُفضل تجنيد الأطفال لسهولة تلقينهم من خلال عملية تنشئة اجتماعية قوية تجعلهم أكثر ميلهم للولاء وللبقاء فترة أطول في المجموعة. فيمارس من خلالها سيطرة نفسية وسلوكية واسعة النطاق للسيطرة على هؤلاء الأطفال بما في ذلك العزلة الاجتماعية الصارمة والسيطرة على الاتصال، تعزيز هوية جديدة، وإجبار الأطفال على أداء أدوار جنسية محددة بدقة، واستخدام السحر لترهيب الجنود الأطفال، تعزز هذه الأساليب إلغاء الهوية المدنية والحياة الأسرية وتدعم استيعاب لغة وهوية جديدة، وتمثل بالفعل اللحمة والغراء الذي يحافظ على جيش الرب للمقاومة كمجموعة متماسكة.

ويمارس جيش الرب للمقاومة عملية تنشئة اجتماعية عالية الكفاءة للحد الذي أدى إلى صعوبة دمج وعودة هؤلاء الجنود الأطفال مرة أخرى إلى مجتمع شمال أوغندا، نظرا لتغيير هوية هؤلاء الأطفال وهجرهم كل الأعراف والقيم المجتمعية الناتجة عن التنشة الاجتماعية التي تتم داخل جيش الرب للمقاومة، تعد التنشة الاجتماعية آلية قوية بشكل لا يصدق لتغيير الأطفال إلى جنود استمتعوا بوقتهم مع جيش الرب الأوغندي وشعروا بالتقدير والاحترام حينما ارتكبوا أعمال عنف ++وقت. وبرغم الاهتمام الدولي بإعادة دمج الجنود الأطفال في أوغندا، إلا أنه غلب على هؤلاء الأطفال عقلية الأدغال، ونتيجة لسحب التمويل من المانحين، تراجع الاهتمام الدولي بالجند الأطفال في شمال أوغندا بعد تزايد نطاق عمليات جيش الرب وتحول إلى جنوب السودان وجمهورية الكونجو الديمقراطية وأفريقيا الوسطى..

3. الجنود الأطفال كضحايا ومرتكبي جرائم في جمهورية الكونجو الديمقراطية

يعد تجنيد الأطفال سمة راسخة من سمات الصراع المستمر في جمهورية الكونجو الديمقراطية، وفي 2007 قُدر عدد الجنود الأطفال في شرق الكونجو بــ7000، ولا تزال هذه الظاهرة في الارتفاع، رغم القوانين التي تحظر تجنيد الأطفال الأقل من 18 عاما، فتنتشر ظاهرة تجنيد الأطفال بين الميلشيات والجماعات المسلحة والإرهابية مثل مجموعات ماي ماي والمجموعات الأجنبية المسلحة، مثل القوات الديمقراطية لتحرير رواندا، فضلا عن القوات المسلحة للكونجو، في 28 ديسمبر 2020 هاجمت الجماعات الإرهابية ثكنات الجيش الكونجولي في قرية تقع بالقرب من مدينة بيني، واحتلوا القرية لمدة ثلاثة أيام قبل أن يطردهم الجيش الكونجولي في 1 يناير 2021، وأعلنت ولاية وسط أفريقيا -التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (ISCAP) في بيان صادر عن أعماق وهي الجناح الدعائي لتنظيم الدولة الإسلامية- مسئوليتها عن الهجوم، وجاء ذلك من خلال فيديو ظهر فيه أطفال بين الجنود.

تستمر الجماعات المسلحة في اختطاف الأطفال في الكونجو بالقوة، في حين ينضم بعض الأطفال إلى الجماعات المسلحة طوعا، ويتعين على الجنود الأطفال تنفيذ أخطر المهام الشنيعة ويرتكبون كميات كبيرة من العنفـ، تعكس حالة الجنود الأطفال في الكونجو تحولهم من ضحايا إلى مرتكبي أعمال عنف أكثر خطورة مقارنة بالجنود البالغين، فقد حدث تحول تدريجي في تصور هؤلاء الأطفال للعنف، في البداية كان الأمر مخيفا، مع تكرار تلك التجربة لم يصبح طبيعيا ومقبولا فقط، ولكنه مثير، وينظر إلى هذه الشهية للعنف على أنها شكل من أشكال العدوان.

تكشف حالة الجنود الأطفال في جمهورية الكونجو الديمقراطية أن العيش في بيئة عنيفة يرتبط بشهية العدوان والتي ترتبط بارتفاع معدلات العنف المرتكب. وترتبط الشهية للعدوان بأعراض اضطراب ما بعد الصدمة؛ فالعيش في بيئة شديدة العنف بشهية، وتشكل شهية العنف والعدوان تحديا للاندماج في المجتمعات وتؤدي إلى توقف برامج إعادة الإدماج وزيادة خطر التجنيد الطوعي في الجماعات المسلحة، والعودة إلى الحياة العسكرية والصراع المسلح مرة أخرى، كما هو الحال في منطقة الصراع في شرق الكونجو.

ثانيا: مشكلات إعادة دمج الجنود الأطفال في أفريقيا

يتم تأطير عميات إعادة تأهيل ودمج الجنود الأطفال في الغالب على أنها برامج DDRR (نزع السلاح، التسريح، إعادة التأهيل، إعادة الدمج)، ولكن لا يزال يواجه الجنود الأطفال في أفريقيا مشكلات في عملية إعادة التأهيل والعودة إلى أسرهم ومجتمعاتهم، وذلك لعدة أسباب منها:

  1. مشكلة الوصم

تستمر مشكلة الوصم والتمييز ضد الجنود الأطفال العائدين في أفريقيا، وذلك مستوحى من رؤية المجتمعات الأفريقية لهم، فوجود الوصم والتمييز يعني أنه لا يمكن النظر إلى الجنود الأطفال كضحايا، بل يعتبرون الجناة لارتكابهم الجرائم ضد أعضاء المجتمع، ومن ثم فالرؤية الأفريقية لهؤلاء الجنود الأطفال العائدين أنهم سين cen، و cenتعني نوعًا من القوة الروحية الحاقدة أو الانتقامية تتملك أو تنبع من أولئك الذين شهدوا أو ارتكبوا أعمال عنف، وكانوا على اتصال جسدي بجثث القتلى، وبالتالي ينظر إليهم على أنهم ملوثون اجتماعيا، ويتم تصنيفهم على أنهم خطر، وتنتشر حالة من الخوف من cen وذلك لشهيتهم الشديدة للعنف والعدوان، وساد اعتقاد أنه لن يكون بإمكان أولئك الذين قضوا وقتا في الأدغال النجاة منها، ويظل هذا السين قابعا في عقلية أولئك الأطفال العائدين بشكل معقد للغاية، وهو ما يؤدي إلى قيامهم بإيذاء الآخرين وجعلهم أكثر عنفا عما سبق، ومن ثم أصبح لدى هؤلاء الجنود الأطفال قناعة بأن لديهم cen، ولذلك لا يجب عليهم الاندماج مع أهليهم.

ورغم الحديث عن الترحيب بعودة الأطفال في منازلهم والصفح عنهم إلا أن ما حدث في الواقع الأفريقي كان عكس ذلك تماما، فانتشرت كراهية الجنود الأطفال العائدين، وأصبحت مراكز الاستقبال الخاصة بهم في كثير من الحالات أسوأ، وتعرض هؤلاء الأطفال للوصمة من أقاربهم وجيرانهم لاسيما في الريف، وهناك العديد من الجوانب المقلقة لهذه الرؤية الأفريقية، لعل أبرزها استخدام مصطلح التعذيب الاجتماعي للتعبير عن حياة الجنود الأطفال في مخيمات النزوح، ويشير التعذيب الاجتماعي إلى أنه يتم التسامح مع هؤلاء العائدين بطرق تذكرهم باستمرارهم بمن هم وما ارتكبوه في السابق من جرائم، فهو مجرد نصف محبوب، وبالتالي يرتبط الاستبعاد بالاندماج الاجتماعي في حالات إعادة التوطين بعد النزوح، فضلا عن اقتران الاحتواء الجماعي بالأنماط العقابية، ولكن المقلق هو أن البعض من هؤلاء الجنود الأطفال العائدين قد تم نبذهم لدرجة إيذاء أنفسهم حتى قتلهم سرا.

2. طبيعة العمل الإنساني في سياق الصراع وما بعده

شددت البرامج الإنسانية للجنود الأطفال السابقين -خاصة التوعوية منها- بقوة على النظر إليهم باعتبارهم ضحايا نظرا لتجنيدهم بالقوة، وترتكز هذه النظرة التي تروج لها البرامج الإنسانية على ديناميتين رئيسيتين؛ أولها: أن العديد من برامج DDRR والتدخلات ذات الصلة مؤطرة من زاوية حماية اتفاقية حقوق الطفل، حيث يتم حماية الأطفال من التأثير المدمر وعواقب الصراع المسلح، وبالتالي يجب توفير الدعم والرعاية لذلك. ثانيها: يجري تطوير وتنفيذ هذه البرامج من قبل المنظمات الدولية الغربية غير الحكومية، والتي تتبنى منظورا مغايرا تماما للجنود الأطفال عن الرؤية الأفريقية المحلية التي أشير إليها سابقا.

وغالبا ما تتفاقم هذه العملية من خلال المساعدات الإنسانية التي تستخدم نهجا يتم من خلاله مكافأة الجنود الأطفال على الجرائم المرتكبة بشكل لا يتم معه تعويض الضحايا، مما يؤدي إلى استشراء مشاعر الظلم في أرض الواقع، وبالتالي كرد فعل طبيعي لما بعد الصراع، يعاني الناس من مشاعر الانتقام والكراهية تجعل معه استحالة النظر إلى الجنود الأطفال العائدين كضحايا فقط، وبشكل عام لا تزال الرؤية الأفريقية للجنود الأطفال ضحايا، ولكن مع وجود العديد من الاحتياجات التي لم تتم تلبيتها، والتي تبلغ ذروتها في اسقاط هذه المشاعر تجاه الجنود الأطفال.

وبرغم الاهتمام الدولي بتعزيز عمليات الادماج الاجتماعي للأطفال العائدين في أفريقيا، إلا أن الوكالات الإنسانية لم تكن قادرة على فعل الكثير للتخفيف من التحديات التي تواجه الجنود الأطفال العائدين، فما بين تمويل غير منتظم وموارد محدودة وتوقعات غير واقعية ومخيمات نزوح داخلي غير آمنة وعدم الاهتمام بمتابعة هؤلاء الأطفال، فقد تفاقمت ظاهرة الجنود الأطفال وتحولت إلى أماكن أخرى في القارة.

خاتمة

تظهر العديد من المشكلات من بينها شروط المساءلة حيال حقيقة أن الجنود الأطفال لا يمكنهم تحمل المسئولية الجنائية عن أعمالهم الإجرامية تحت سن الثامنة عشر عاما، وهو ما يقتضي الحاجة إلى تطوير آليات أخرى بخلاف أشكال المساءلة الجنائية أو القضائية البحتة للجنود الأطفال كي يتحملوا مسئولية أفعالهم الإجرامية ويصبحون أعضاء في المجتمع مرة أخرى، قدمت أفريقيا العديد من الأمثلة للمساءلة البديلة للجنود الأطفال يمكن العثور عليها في حل الصراعات التقليدية وآليات العدالة التي تشمل جميع أصحاب المصلحة (الضحايا، الجناة، المجتمع) والذين يناقشون خلفية العنف والجهات الفاعلة فيه واقتراح الحلول (المصالحة وإعادة الدمج وجبر الضرر)، وأحيانا وسائل الطقوس التقليدية، مثل: ماتو أوبوت في أوغندا.

وهو ما يقضي التحرك إلى منظور آخر وهو العدالة الانتقالية؛ ففي أدبيات العدالة الانتقالية، يُنظر إلى الجنود الأطفال في الغالب على أنهم ضحايا الصراع المسلح، وتعد لجان الحقيقة إحدى آليات العدالة الانتقالية التي اهتمت بالأطفال كضحايا، ومنها لجنة الحقيقة والمصالحة لجنوب أفريقيا، حيث عقدت جلسات الاستماع لبعض الأطفال لمعرفة تجاربهم، فضلا عن لجنة الحقيقة والمصالحة في سيراليون والتي وضعت بروتوكولا مع وكالات حماية الطفل في البلاد للسماح للأطفال بالمشاركة كشهود، وفي ليبريا توجد مذكرة تفاهم بين لجنة الحقيقة واللجنة الوطنية لحماية الجنود الأطفال شملت استراتيجيات مختلفة لحماية الأطفال الذين شاركوا في جلسات اللجنة؛ مثل توثيق تجاربهم والاعتراف بدورهم في التنمية المستقبلية للبلاد.

قائمة مصادر الدراسة:

  • M.Frulli, The Special Court For Sierra Leone: Some Preliminary Comments, In European Journal Of International Law (Vol, 11, Issue 4, 2000), Pp. 857–869.
  • Myriam Denov, Coping With The Trauma Of War: Former Child Soldiers In Post-Conflict Sierra Leone,In International Social Work(Sage Pub, Vol.53,No.6,2010),pp.791-806
  • Katharin Hermenau, Tobias Hecker, Anna Maedl, Maggie Schauer & Thomas Elbert, Growing Up In Armed Groups: Trauma And Aggression Among Child Soldiers In DR Congo , in European Journal Of Psychotraumatology (Vol.4,2013).
·                     Eric Broekaert , Post-Traumatic Stress In Former Ugandan Child Soldiers, The Lancet(Vol.363,Issue 9412, March 2004), Pp. 861-863.
  • Ilse Derluyn1*, Wouter Vandenhole2, Stephan Parmentier3 And Cindy Mels, Derluyn Et Al., Victims And/Or Perpetrators? Towards An Interdisciplinary Dialogue On Child Soldiers, BMC International Health And Human Rights ( Vol.15, No.28, 2015).
  • Https://Observers.France24.Com/En/Africa/20210111-Video-Adf-Beni-Dr-Congo-Islamic-State
  • Aleksandar Pašagi, Between Child Soldiers And Terrorists: Reintegrating Child Members Of The Islamic State, Journal For Deradicalization( No.20 , 2019).
  • Alpaslan Özerdem, Sukanya Podder, Child Soldiers: From Recruitment To Reintegration (Palgrave Macmillan, First Published 2011 ,Pp.175.
  • Jason Hart ,The Politics Of “Child Soldiers”, The Brown Journal Of World Affairs (Vol. 13, No. 1 ,Fall / Winter 2006), Pp. 217-226
  • Bernd Beber And Christopher Blattman, The Logic Of Child Soldiering And Coercion,In International Organization journal (Cambridge University Press On Behalf Of The International Organization Foundation, , Vol. 67, No. 1 ,Winter 2013), Pp. 65- 104
  • Susan Shepler,The Rites Of The Child: Global Discourses Of Youth And Reintegrating Child Soldiers In Sierra Leone,In Journal Of Human Rights(Taylor & Francis Inc Vol. 4,No.197,211, ).
·                     Francesca Capone, ‘Worse’ Than Child Soldiers? A Critical Analysis Of Foreign Children In The Ranks Of Isil, In International Criminal Law Review( Vol.17,Issue 1,Feb 2017).
  • A.B.Zack Williams, Child Soldiers In The Civil War In Sierra Leone , In Review Of African Political Economy (Vol.28 ,Issue 87, 2001),Pp. Pages 73-82.
·                     Anne-Lynn Dudenhoefer, Understanding The Recruitment Of Child Soldiers In Africa , In Sabinet African Journal ( Conflict Trends,Vol.2, 2 016)
  • David M.Rosen, Child Soldiers In Africa, University Of Pennsylvania Press,Philadilphia,2006
  • Nina H.B. Jørgensen, Children Associated With Terrorist Groups In The Context Of The Legal Framework For Child Soldiers, QIL, Zoom-In (Vol.60 ,2019),Pp.5-23,
error: كل الحقوق محفوظة!!