بقلم د. جيهان عبد السلام عباس

مدرس الاقتصاد – كلية الدراسات الأفريقية العليا – جامعة القاهرة.

يعد موضوع التمويل الأخضر من الموضوعات الحديثة والمهمة التي يجب التركيز عليها، إذ يحظى باهتمام المجتمع الدولي ومنظمات حماية البيئة، فهو نموذج جديد من نماذج التنمية الاقتصادية سريعة النمو التي تعتمد بشكل مباشر على الاستثمارات الخضراء التي تهدف إلى معالجة العلاقة المتبادلة بين الموارد الطبيعية للبيئة، وبين استغلال هذه الموارد بما يخدم المجتمع ويحقق الرفاه الاقتصادي، والحد من الآثار العكسية للنشاطات الإنسانية على التغير المناخي،  والاحتباس الحرارى واستنزاف الموارد، وفي الوقت الراهن، ما يزال الاستثمار في الممارسات المستدامة يتضاءل أمام تدفق رأس المال إلى الوقود الأحفوري وغيره من القطاعات والممارسات غير المستدامة، حيث تقدر المؤسسات العالمية المعنية بتغير المناخ أن حوالي 2.4 تريليون دولار أو ما يقرب من 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي يجب استثمارها سنويًا في مجال الطاقة النظيفة بين عامي 2016 و2035، للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، وهو أمر من غير المرجح أن يتم الوفاء به عند مستويات الاستثمار الحالية، وهو ما فتح المجال أما التمويل الأخضر كأحد أهم سبل التمويل المستدام[i].

أولًا- تعريف ونشأة التمويل الأخضر:-

     تتعدد تعريفات التمويل الأخضر ومنها تعريف “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” التمويل الأخضر بأنه: تمويل يستهدف تحقيق النمو الاقتصادي مع الحد من التلوث وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وتقليل النفايات إلى الحد الأدنى، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية[ii]. كما يقصد بالتمويل الأخضر “استخدام المنتجات والخدمات المالية مثل القروض والتأمين والأسهم والسندات وغيرها من أجل تمويل المشروعات الخضراء أو الصديقة للبيئة، وتشمل تلك الاستثمارات كل من: الطاقة المتجددة، معالجة النفايات وإعادة تدويرها، تدوير مياه الصرف الصحي، حماية التنوع البيولوجي، التخفيف من التلوث الصناعي… إلخ[iii]“. ويعرف أيضًا التمويل الأخضر على أنه “الأموال التي تحقق التـوازن الاستراتيجي المتوسـط والطويل الأجل للأهداف البيئية والخدمية في القطاعات البيئية، بالشكل الذي يضمن تلبيه حاجات الأفراد من السلع والخدمات وبين المحافظة على البيئة ودوام مواردها[iv]“.

وعن نشأة التمويل الأخضر، فقد شهد سوق التمويل الأخضر العالمي نموًّا سريعًا، في ظل تطوير أدوات مالية مثل السندات المصنفة باعتبارها خضراء، والقروض الخضراء، وصناديق الاستثمار الخضراء، والتأمين الأخضر، والصكوك الخضراء التي صدرت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وعلى الرغم من إصدار أول سندات خضراء في عام 2008، فقد تطور السوق بشكل كبير بعد عام 2015، حيث زاد الاهتمام العالمي بتمويل مشروعات الطاقة الخضراء، وتواكب ذلك مع قيام الأمم المتحدة بوضع أهداف التنمية المستدامة التي تضم 17 هدفا و169 غاية بعيدة المدى، وبدأ من هنا التعرض إلى أدوات تمويل تلك الأهداف التنموية، ويبلغ قيمة التمويل الأخضر في عام 2019 نحو 298 مليار دولار أمريكي بدلًا من 134 مليار عام 2015[v]. ووفقًا لشركة “تومسون رويترز”، في عام 2019، تم إصدار ما مجموعه 185.4 مليار دولار من السندات الخضراء، وهي صكوك سوق الدين، التي تخصص للمشروعات الخضراء التي تستهدف أنشطة تخفيف آثار تغيّر المناخ والتكيّف معه، إضافة إلى القضايا البيئية الأخرى مثل الطاقة، والمياه، والنقل، والنفايات، والمباني، وما إلى ذلك.[vi]

ثانيًا- أهمية التمويل الأخضر في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة لأفريقيا[vii]:-

     يعتبر التمويل الأخضر نوع مهم من التمويل المستدام طويل الأجل الذي دمج المعايير البيئية والاجتماعية في قرارات الأعمال والاستثمار، لذلك فإن الحاجة إلى التمويل المستدام أمر بالغ الأهمية بالنسبة  للدول الأفريقية التي تكافح من أجل الحد من تغييرات المناخ. ويظهر ذلك من خلال الآتي:-

  1. يجسد التمويل الأخضر جزء من الهدف السابع والثامن من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة المعنى بكل من (طاقة نظيفة وبأسعار معقولة، والعمل اللائق ونمو الاقتصاد) وهو جوهر الاستدامة لأنه يسعى إلى تعزيز النمو المستدام والشامل، والعمالة الكاملة والمنتجة، والعمل اللائق للجميع. ويشدد على وجه الخصوص على تعزيز قدرة المؤسسات المالية المحلية على التشجيع والتوسع، والوصول إلى الخدمات المصرفية والتأمين والخدمات المالية للجميع دون الاضرار بالبيئة، وهي تلك الأهداف الانمائية التي تسعى أفريقيا نحو تحقيقها تماشيًا مع المتطلبات التنموية العالمية[viii]. كما يتماشى مع أحد أهداف أجندة التنمية المستدامة لأفريقيا 2063 الذي ينص على أن تكون: أفريقيا مزدهرة من خلال النمو الشامل والتنمية المستدامة والقضاء على الفقر، وتحقيق رخاء مشترك من خلال التحول الاقتصادي والاجتماعي للقارة، ويشمل هذا الهدف سبل الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، وحماية البيئة[ix].
  2. حماية أفريقيا من عقبات مشكلة التغير المناخي التي تتعدد خسائرها الاقتصادية، فعلى الرغم من كون القارة الأفريقية تسهم بأقل قدر في التلوث العالمي، حيث تشير التقديرات إلى أن أفريقيا مسؤولة عن 4% فقط من إجمالي الانبعاثات الإجمالية لغازات الاحتباس الحراري مثل ثاني أكسيد الكربون[x]، ومع ذلك فإن 65% من سكان القارة يتأثرون بشكل مباشر بتغير المناخ، وقد تكون الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تغير المناخ في أفريقيا أعلى بنسبة 10٪ عن غيرها من دول العالم الأكثر تعرضًا لمشكلات التلوث المناخي مثل الصين والهند، وأكثر من ضعف تلك المشكلة في الولايات المتحدة وروسيا وأمريكا اللاتينية[xi]. هذا في الوقت الذي تواجه فيه الدول الأفريقية فجوة تمويلية كبيرة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. لذلك، فإن الحاجة إلى التمويل المستدام أمر بالغ الأهمية بالنسبة للدول الأفريقية لتفي باحتياجات التنمية الأساسية[xii].
  3. يوفر التمويل الأخضر التمويل اللازم للاستثمار في مجال الزراعــة. وهي تلك الاستثمارات التـي ينـتج عنهـا تحسـين نوعيـة وجـودة التربـة وزيـادة العائـدات مـن المحاصـيل الرئيسية، وتجنب العديد من المشكلات المتعلقة بنقص انتاجية المحاصيل وارتفاع أسعارها، حيث تسبب تغير المناخ في تراجع انتاجية أهم المحاصيل في أفريقيا مثل (القمح والأرز والذرة)، وترتب على هذا التراجع في العرض إلى ارتفاع أسعارهم بشكل ملحوظ كما هو موضح في الجدول رقم (1).

    وقد تناولت العديد من الدراسات المتعلقة بالاثار المتوقعة لتغير المناخ على القطاع الزراعي على وجه التحديد، وتوقعت أن انتاجية العديد من المحاصيل الزراعية مهددة بشكل كبير في أفريقيا من جراء تغير المناخ بشكل يفوق أي دولة أخرى على وجه الخصوص كما هو موضح في الشكل رقم (1). وستكون أكثر المناطق المتأثرة بشدة من ذلك كل من:  الجابون ونيجيريا ومصر والصومال، في حين أن جنوب ووسط أفريقيا قد تتعرض لتأثير أكثر ضررًا، وذلك بحلول عام 2080[i].

4. تخفيض كميــات الطاقــة المستخدمة فــي عمليــات الإنتاج الملوث للبيئة، ما يؤدي إلى تقليل النفايــات وانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري؛ وبالتالي الحفاظ على الصحة العامة في أفريقيا التي تعاني بالفعل من العديد من المشكلات. حيث تظهر النتائج لدراسات منظمة الصحة العالمية أنه من المرجح أن يكون لتغير المناخ آثار الضارة على الوضع الصحي في أفريقيا أكثر بكثير من أي منطقة أخرى في العالم. حيث أن معدل الوفيات الناجمة عن تغير المناخ أعلى بنسبة تتراوح بين 60٪ و80٪ في أفريقيا مما هو عليه في جنوب وشرق آسيا أحد أكثر المناطق تعرضًا لتلوث المناخ. والنتيجة هي التعرض إلى العديد من الأمراض مثل الملاريا والأمراض التنفسية التي سوف تتسبب فيما يتراوح ما 40.000 و70.000 حالة وفاة إضافية في أفريقيا  بحلول عام 2030[i].

5. الحد من فجوة العرض والطلب على المياه، حيث تتوقع العديد من الدراسات لأبحاث المياه زيادة بنسبة 200٪ في الطلب على المياه بحلول عام 2030 (مدفوعًا بالنمو السكاني والتنمية في أفريقيا ) وقد يؤدي ذلك إلى مواجهة المنطقة مشكلة نقص حاد في المياه، فمن الممكن أن يتأثر نحو  75-250 مليون شخص بزيادة نقص المياه مما يعرض شعوب تلك الدول لمخاطر الجفاف. وتسهم المشروعات ذات العوائد البيئية الايجابية في خلق مصادر للمياه وترشيد استخداماتها بما يحافظ على استمراريتها ومواجهتها للطلب للمتزايد[ii].

يسهم التمويل الأخضر فـي التقليل مـن معدلات  الفقـر عن طريق  استغلال الأمثل  للمـوارد الطبيعية والأنظمة الأيكولوجية، والذي بدوره يضمن تـوفير العديد من المشروعات البيئية النظيفة التي تخلق العديد الوظــائف الجديــدة ولاسيما فــي قطاعــات الزراعــة، والنباتات، والطاقة، والنقل.

ثالثًا- استخدامات التمويل الأخضر في أفريقيا (حالات تطبيقية):-

     تعد كل دولة أفريقية طرفًا في اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ كأول اتفاق عالمي يتعلق بالمناخ في عام 2015، وقد صدقت معظم الدول الأفريقية عليها، والتزمت بالحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من خلال البرامج الوطنية. وبشكل ملحوظ، تعد الدول الأفريقية من بين أكثر الدول عرضة لتأثيرات تغير المناخ؛ وبالتالي  يحتاج الكثير منها إلى التكيف مع مشكلات تغير المناخ وضعف البنية التحتية المستدامة مثل النقل العام أو خدمات المياه أو الطاقة النظيفة. ووفقًا لبنك التنمية الأفريقي فإن ضعف المنطقة الأفريقية أمام تغير المناخ، والذي يُترجم على أنه ضرر متعلق بالناتج المحلي الإجمالي والسكان، هو الأكثر حدة نسبيًا. ومن المتوقع أن تتراوح المتطلبات المالية للتكيف مع تغير المناخ بين 20 و30 مليار دولار أمريكي سنويًا حتى عام 2030. ولا يمكن تلبية هذه المتطلبات إلا من خلال تنويع آليات التمويل ومصادره.

 وقد دعمت بعض الدول الأفريقية تدابير التنمية منخفضة الكربون والمقاومة لتغير المناخ من خلال التمويل المحلي وتخصيص الميزانية الوطنية للمشروعات الخضراء، وإنشاء صناديق وطنية للمناخ، وإقامة شراكات مع القطاع الخاص المحلي والمجتمع المدني والسلطات المحلية. كما تتطلع العديد من الدول الأفريقية أيضًا إلى تحسين الوصول إلى مصادر تمويل المناخ الدولية مثل صندوق المناخ الأخضر[iii] الذي خصص نصف محفظته العالمية البالغة 4.6 مليار دولار أمريكي لمشروعات المناخ الأفريقية.وقد استطاعت العديد من الدول الأفريقية اتخاذ خطوات مهمة في مجال التمويل الأخضر أهمها تجارب الدول التالية:-

  • دول شرق أفريقيا: تمكنت دول شرق أفريقيا مثل (كينيا وأوغندا وتنزانيا) من توفير الطاقة الشمسية النظيفة لبعض الأسر في الريف، وخصصت الحكومة مبالغ وان كانت ضئيلة نسبيًا لتمويل عمليات التحول إلى بيئة نظيفة، كما التزمت البنوك الأفريقية أيضًا بمبادرات التمويل المستدام العالمية. وكانت كينيا المثال الأكثر ظهورًا بدول شرق أفريقيا في هذا المجال ؛ نظرًا لكثرة تعرضها لمخاطر تغير المناخ، ووضعت كينيا رؤية لعام 2030 تهدف إلى تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 30% بحلول عام 2030 بهدف أن تصبح دولة ذات دخل متوسط على أساس التنمية المستدامة. وركزت الحكومة الكينية على تطوير إطار للسندات الخضراء وتحفيز تطوير الطاقة المتجددة، مع إعطاء الأولوية لمشروعات الطاقة الحرارية الأرضية والرياح والكتلة الحيوية. وفي 2017، أطلقت كينيا برنامج السندات الخضراء بالشراكة بين القطاعين العام والخاص لتمويل المشروعات الاستثمارية التي تهدف إلى حماية البيئة والمناخ. وفي عام 2019، أطلقت كينيا الإطار التنظيمي لسوق السندات، كما أصدرت كينيا أول سند أخضر بقيمة 45 مليون دولار، لينضم بذلك إلى الإصدارات الأخرى في أفريقيا التي تقل قيمتها عن 2 مليار دولار من إجمالي إصدار السندات الخضراء العالمية المقدرة بـ 167.3 مليار دولار[iv].

كما التزمت إثيوبيا ببناء اقتصاد مقاوم لتغيرات المناخ بحلول عام 2025، وقد نشرت الحكومة الإثيوبية خطة استراتيجية شاملة حول كيفية تحقيق ذلك. وتعد إثيوبيا الآن أكبر منتج للطاقة الكهرومائية في أفريقيا، وتهدف إلى زيادة إنتاجها الحالي بمقدار خمسة أضعاف بحلول عام 2030. وقد أعلنت الدولة عن طموحها لتصبح مركزًا للطاقة في شرق أفريقيا، وهي الآن تصدر بالفعل الطاقة إلى السودان وجيبوتي. كما تقوم أيضًا بتطوير محطات وشبكات طاقة تعتمد على الطاقات المتجددة الأخرى لتقليل الاعتماد على الطاقة الكهرومائية، وتمولها  من خلال السندات الخضراء السيادية[v].

– دول غرب ووسط أفريقيا: على الرغم من اعتماد اقتصاد نيجيريا بشكل كبير على الوقود الأحفوري، فإن نيجيريا في طليعة الاستعداد للانتقال إلى استخدام مصادر الطاقة النظيفة. وتمول تلك المشروعات عن طريق السندات الخضراء التي يتم اصدارها بسوق الأوراق المالية في نيجيريا  بشكل مقنن، حيث يجب أن يقع الاستثمار في واحدة من ثماني فئات مدرجة تعكس إلى حد كبير التوجهات التي تسعى الدولة إلى تمويلها من خلال السندات الخضراء التي ظهرت لأول مرة في البورصة النيجيرية  في ديسمبر 2017. وكان هذا أول سند أخضر سيادي لتمويل المشروعات المفيدة للبيئة، ويشكل سابقة قوية تتبعها الحكومات الأفريقية الأخرى[vi].

    كما استطاعت غانا خلق بيئة مواتية لمشاركة القطاع الخاص في تخطيط وتنفيذ الإجراءات الواقية من تغيرات المناخ. بعد أن صممت خطط لخفض الانبعاثات الكربونية الناتجة عن عمليات التبريد والطهي والإضاءة – من خلال ثلاجات موفرة للطاقة وأجهزة طهي وإضاءة تعمل بالطاقة النظيفة. كما طورت غانا دليل المستثمر لجذب التمويل من القطاع الخاص للتنمية منخفضة الكربون. فضلًا عن شمول الجهود المبذولة لجعل مناخ الأعمال في غانا كلًا من إصلاحات السياسة والأدوات المالية التي تديرها الحكومة مثل الضمانات الحكومية الكاملة أو الجزئية، وخيارات الديون وحقوق الملكية، وخطط الضرائب والتأمين المفيدة، وتمويل المعدات والامتيازات. ولم تتخل غانا أيضًا عن البحث عن نهج تمويل مبتكرة مثل تطوير “منتجات جاهزة للسوق الخضراء”، وصندوق للنمو الأخضر سيتم تجديده من خلال عائدات القروض التجارية الموجهة للمشروعات المساندة لحماية البيئة[vii].

أما في كوت ديفوار، فهي تطبق استخدام الطاقة الشمسية لتزويد الكهرباء للأسر في المناطق التي لا تخدمها شبكات الكهرباء الوطنية. وشاركت البنوك في تمويل تلك المشروعات منها على سبيل المثال التزام بنك ( سوستيه جنرال Societe Generale) من خلال مبادرة لدعم النمو المستدام ومصادر الطاقة النظيفة في أفريقيا جنوب الصحراء، ودعم البنك منصة التمويل المقنن لأفريقيا the Structured Financing platform for Sub-Saharan Africa (SFG AFS)، والتي قدمت تمويل لدعم مشروعات الطاقة الشمسية بلغت نحو 18 مليون فرنك  في شكل توريق لإعادة شراء المستحقات الناشئة عن تسويق مجموعات الطاقة الشمسية. وتعتبر هذه المعاملة تشكل أول هيكل تمويل واسع النطاق بالعملة المحلية باستخدام تقنية من نوع التوريق لقطاع الطاقة المتجددة[viii].

  • دول الجنوب الأفريقي: تمتلك جنوب أفريقيا سوق السندات الأكثر تطورًا في أفريقيا، حيث أصدرت سندات خضراء على مستوى البلديات أولًا، فقامت البنوك في كل من مدينة كيب تاون ومدينة جوهانسبرج بإصدار سندات خضراء، تم استخدام عائداتها في  مشروعات التخفيف من تغير المناخ المحلي والتكيف معه،  كما قامت بورصة جوهانسبرج في أكتوبر 2017، بإطلاق  قطاع السندات الخضراء وحددت قواعد الإدراج الخضراء،  للترويج لمزيد من إصدار السندات الخضراء. ومن خلال هذه الخطوة الرائدة، يُنظر إلى جنوب أفريقيا على أنها تضع نفسها كبوابة للاستثمار الأخضر في أفريقيا جنوب الصحراء.

  يضاف إلى ذلك تجربة دولة أنجولا التي تعتمد بشكل كبير على النفط،  والتي حاولت الاستفادة من وفرة الأنهار بها لخلق فرص استثمارية في مشروعات الطاقة الكهرومائية. وبالفعل تم الانتهاء من العديد من  المشروعات ومازال البعض في مرحلة الانشاء، وذلك لتحقيق الهدف الطموح لتوليد الطاقة الكهرومائية للبلاد لتبلغ نحو 9000 ميجاوات بحلول عام 2025.

  كما شهدت موزمبيق العديد من الأحداث الأخيرة الناتجة عن تغير المناخ مثل الجفاف والفيضانات، والتي أدت مرارًا وتكرارًا إلى انتكاسة الاقتصاد الذي يعانى بالفعل. وفي ضوء هذه الخلفية، أنتجت حكومة موزمبيق “خارطة طريق طموحة للتحول نحو التمويل الأخضر، لتصبح بلدًا متوسط ​​الدخل قائمًا على تنمية شاملة وفعالة ومستدامة بحلول عام 2030. وقد تضمن الالتزام بهذا الهدف، خطة عمل الحكومة للاقتصاد الأخضر، والتي تحدد استراتيجية لتنمية اقتصاد أخضر مستدام. تم من خلال دعم الحكومة للمشروعات البيئية واصدار السندات الخضراء ، والتنسيق مع رأس المال الخاص، وجذب رأس المال الأجنبى.

  • دول الشمال الأفريقي: يعد المغرب من بين أهم دول الشمال الأفريقي من حيث تطوير سوق السندات الخضراء، كجزء من التزامه باقتصاد منخفض الكربون. ففي أعقاب استضافة المغرب للمؤتمر الثاني والعشرين  للدول الأعضاء في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في عام 2016، نشرت الجمعية المغربية لسوق المال  The Moroccan Capital Market Association  إطار عمل السندات الخضراء والمبادئ التوجيهية العملية لإصدارها. ومن بين أوائل المستفيدين من هذا التمويل، كانت الوكالة المغربية للطاقة الشمسية، التي أصدرت أول سندات مغربية خضراء لتمويل تطوير البلاد لمشروعات الطاقة الشمسية. ويهدف المغرب إلى الحصول على 52% من احتياجاته من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030،  ويسعى إلى تصدير طاقته الشمسية إلى أوروبا[ix]. كما قامت المغرب بتنفيذ مشروعًا بقيمة 40 مليون دولار أمريكي لمنع التدهور البيئي الناتج عن إنتاج زيت الأرغان[x].
  • جهود المؤسسات الأفريقية:  أصبحت المؤسسات المالية في أفريقيا أكثر نشاطًا في تسهيل التمويل الأخضر. حيث لعب البنك الأفريقي للتنمية دورًا رئيسيًا في الاستثمار المستدام والمشروعات الخضراء في أفريقيا. ففما بين عامي 2011 و2015، حصل بنك التنمية الأفريقي ما يقرب من 12 مليار دولار أمريكي لدعم المشروعات المقاومة لتغير المناخ كجزء من خطة العمل الخاصة بتغير المناخ Climate Change Action Plan (CCAP). ويهدف الصندوق الأفريقي لتغير المناخ The bank’s African Climate Change Fund (ACCF) التابع للبنك إلى توفير الوصول إلى مبالغ كبيرة من التمويل  للدول الأفريقية لتوسيع نطاق التمويل الأخضر[xi].

رابعًا- تحديات التمويل الأخضر في أفريقيا:

بينما تعمل الدول في جميع أنحاء القارة الأفريقية بضراوة لمعالجة تغير المناخ وانعكاساته السلبية على عملية التنمية، ما يزال الوصول إلى تمويل المشروعات البيئية أحد أكبر التحديات التي تواجه القارة. حيث كشفت دراسة استقصائية حديثة لأسبوع المناخ العالمي الذي عقد في سبتمبر 2020، إلى أن أكثر من نصف  الدول الأفريقية واجهت مشكلات في تعبئة التمويل الدولي والوطني لتمويل المشروعات المناخية، وأقل من ربع الدول لديها استراتيجية تمويل خضراء، وثلثها فقط وضع أدوات مالية في إطار تلك الخطط. ومع ذلك، بدأ ثلثا الدول فقط في تنفيذ تللك الخطط المحددة وطنيًا، ويرجع ذلك إلى العديد من التحديات التي تواجه عملية اتساع القاعدة الخاصة بالتمويل الأخضر كأحد أهم سبل تمويل المشروعات البيئية، وتتمثل أهم تلك التحديات فيما يلي[xii]:-

  • عدم وجود سياسات وأطر تنظيمية واضحة بشأن تغير المناخ في معظم دول أفريقيا، أو في حالة وجود سياسات فهي لا تنفذ بالكامل.
  • قلة توفير التمويل المناخي في بنود الميزانيات الوطنية للدول الأفريقية المحملة بالفعل بالعديد من الأعباء.
  • ضعف قدرة الحكومات الأفريقية على الامتثال للمتطلبات والمعايير والإجراءات الخاصة بمصادر التمويل الأخضر، وتطوير المشروعات المؤهلة لهذا التمويل، وكثرة الاجراءات البيروقراطية للحصول عليه.
  • نقص الوعي بمختلف مصادر التمويل المناخي، ومشاركة محدودة لأصحاب المصلحة من المستثمرين، بما في ذلك من القطاع الخاص. يضاف إلى ذلك استخدام التمويل الأخضر بشكل مغاير للحقيقة في أفريقيا، حيث يدعي بعض المستثمرين بأن مشروعاتهم صديقة للبيئة للحصول على التمويل، وهي ادعاءات مضللة ولا شأن لمشروعاتهم بالحفاظ على البيئة على الاطلاق.
  • ضعف أداء الجهات الفاعلة في مجال التمويل الأخضر بأفريقيا، وأهمها الوسطاء الماليين من القطاع المالى والمصرفى بما في ذلك البنوك والمؤسسات الاستثمارية والأسواق المالية. فضلًا عن المدى الزمنى قصير الأجل للادخار في أفريقيا، بما لا يسمح بوجود ودائع صالحة للتمويل الاستثماري للمشروعات المفيدة البيئة، والتي تحتاج بطبيعتها إلى فترة زمنية طويلة الأجل ولا تقل عن عقد من الزمن (10 سنوات ).
  • تصور مشكلة تغير المناخ باعتبارها مشكلة بيئية وليست تنموية، مما يعوق الحلول المختلفة لتلك المشكلة وأبعادها، وخلق مصادر التمويل التي تحصل عليها المشروعات المفيدة للبيئة.

 وفي الختام، يمكن القول بـأن مشكلة التغير المناخي أحد أهم وأخطر المشكلات التي تتعرض لها القارة الأفريقية، وأن التوجه نحو الاقتصاد الأخضر وتوفير سبل التمويل اللازمة له سيكون المخرج الوحيد من تلك الأزمة. ولا ينكر جهود بعض الدول الأفريقية في هذا المجال، وبداية توفير سبل التمويل الأخضر بأشكاله المتعددة، ولكن ما زالت القارة تتعرض للعديد من التحديات التي تحول دون انتشار هذا النمط التمويلي الهام، ومن هنا توصي الدراسة بالآتي:-

  • يجب على الدول الأفريقية التعامل مع تغير المناخ باعتباره قضية إنمائية، ومعالجتها بشكل منهجي في استراتيجياتها وسياساتها الإنمائية من أجل تعزيز التنمية منخفضة الكربون، وكفاءة استخدام الموارد واستمراريتها.
  • على شركاء التنمية والمجتمع الدولي تعزيز بناء قدرات المؤسسات الإقليمية الأفريقية لتحسين الوصول إلى التمويل المتعلق بالمناخ. ورفع مستوى التفاعل بين التمويل متعدد الأطراف والوطني المتعلق بالمناخ في سياق اتفاقية باريس للتغلب على نقص التمويل. ومن ثم هناك حاجة للدول الأفريقية للتغلب على الحواجز التي تعترض التمويل من خلال تحقيق تكامل أقوى بين مصادر التمويل الدولية والوطنية.
  • زيادة التمويل العام، واجتذاب استثمارات القطاع الخاص المقاومة للمناخ من خلال سياسة محسنة وبيئة تنظيمية ومن خلال إنشاء آليات قائمة على السوق لتحفيز استثمارات القطاع الخاص في إجراءات التخفيف.
  • تعزيز التعاون الإقليمي العابر للحدود بين  الدول الأفريقية بشأن القضايا المتعلقة بتغير المناخ في نهج أكثر تناسقًا وتكاملًا.
  • يجب على الحكومات الأفريقية أيضًا أن تنظر في نُهج تمويل المناخ المبتكرة التي يمكنها زيادة رأس المال، وخفض تكاليف التخفيف من خلال تسخير قدرة القطاع الخاص على التنافس على تقديم الاستثمارات المناخية.

قائمة المراجع


[1]) WHY WE WORK ON SUSTAINABLE FINANCE, 2019 , Available at :-

https://www.wwf.org.uk/what-we-do/projects/why-sustainable-finance-important

[1]) د. دلال عسولي، التمويل الأخضر من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة: إمكانات التمويل الإسلامي، كلية الدراسات الإسلامية، جامعة حمد بن خليفة، متاح على الرابط التالي:-

https://www.hbku.edu.qa/ar/news/green-finance-sdgs

[1]) EUROPEAN COMMISSION , Defining “green” in the context of green finance, Final Report , 2017 , PP.3 -4 , Available at :-

https://ec.europa.eu/environment/enveco/sustainable_finance/pdf/studies/Defining%20Green%20in%20green%20finance%20-%20final%20report%20published%20on%20eu%20website.pdf

[1]) دوجلاس موسشيت، ترجمة بهاء شاهين، مبادئ التنمية المستدامة، (القاهرة: الدار الدولية للاستثمارات الثقافية، 2000)، ص. 17

[1]) Hu Yongqi , ” Green finance to help reduce pollution, boost industrial upgrading ” , China Daily Journal ,20 June . 2017,  Available at :-

https://www.chinadaily.com.cn/business/2017-06/20/content_29817119.htm

[1]) Clmate Bond Initiative , FSD Africa   & U.K aid , Africa Green Bond Toolkit , A practical guide to issuing green bonds for Africa ,2019 ,  P.5 , Available at :-  

https://www.fsdafrica.org/wp-content/uploads/2020/08/Africa_GBToolKit_Eng_FINAL.pdf

[1]) عايد راضي خنفر، الاقتصاد  البيئي “الاقتصاد  الأخضر، مجلة أسيوط للدراسات البيئية، العدد 39، (أسيوط: جامعة أسيوط، مركز البحوث والدراسات البيئية، يناير ( 2014، ص.57.

[1]) Patrick Njoroge , African vision for sustainable finance, 15 January 2020 , Available at :-

https://www.the-star.co.ke/opinion/columnists/2020-01-15-african-vision-for-sustainable-finance/

[1]) African Union Commission : Agenda 2063 , The Africa We Want , ( Addis ababa : African Union Commission, 2015) , PP .1-9.

[1]) Smita Nakhooda, & Alice Caravani and Neil Bird, Climate Finance in Sub-Saharan Africa, ( London: Overseas Development Institute , November 2011) , P.1, Available at :-

https://www.cbd.int/financial/climatechange/subsaharan-climate.pdf

[1])African Development Bank (AFB) , The Cost of Adaptation to Climate Change in Africa ,( Abidjan : AFB , October, 2011) , PP.8-9.

[1])Mindy Hauman ,& Tallat Hussain , ” Africa Focus: Spring 2018 , Green finance in Africa”  , 7 FEB 2018 , Available at :-

https://www.whitecase.com/publications/insight/green-finance-africa

[1]) African Development Bank (AFB) , Op.cit , PP. 14-15 .  

[1])African Development Bank (AFB) , Op.cit , PP. 11-12.

[1])African Development Bank (AFB) , Op.cit , PP.16-17.  

[1]) وهو الصندوق الذي أنشئ في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي ككيان تشغيل للآلية المالية لمساعدة الدول النامية في مواجهة تغير المناخ وتبنى الممارسات اللازمة للحد منه.

[1]) Patrick Njoroge , Op.cit. Available at :-

https://www.the-star.co.ke/opinion/columnists/2020-01-15-african-vision-for-sustainable-finance/

[1] (Mindy Hauman ,& Tallat Hussain , Op.cit , Available at :-

https://www.whitecase.com/publications/insight/green-finance-africa

[1])Mindy Hauman ,& Tallat Hussain , Op.cit , Available at :

https://www.whitecase.com/publications/insight/green-finance-africa

[1] (Aliou M. Dia , How Africa can improve mobilization of climate finance for sustainable development?, United Nations Development Programme,  March 18, 2019 , Available at :-

https://www.africa.undp.org/content/rba/en/home/blog/2019/how-africa-can-improve-mobilization-of-climate-finance-for-susta.html

[1]) Societe Generale Group  , GREEN FINANCE “DEAL OF THE YEAR 2020” BY THE BANKER , 18/06/2020, Available at :-

https://societegenerale.africa/en/societe-generale-africa/news/news-details/news/green-finance-deal-the-year-2020-the-bankerAnd :-

Mindy Hauman ,& Tallat Hussain , Op.cit , Available at :

https://www.whitecase.com/publications/insight/green-finance-afric

[1])Mindy Hauman ,& Tallat Hussain , Op.cit , Available at :

https://www.whitecase.com/publications/insight/green-finance-afric

[1]) Aliou M. Dia , Op.cit , Available at :

https://www.africa.undp.org/content/rba/en/home/blog/2019/how-africa-can-improve-mobilization-of-climate-finance-for-susta.html

[1](  African Development Bank , Climate Investment Funds and the Coalition for Green Capital to develop Green financing instruments for Africa, 14-Oct-2019 , Available at:-https://www.afdb.org/en/news-and-events/press-releases/african-development-bank-climate-investment-funds-and-coalition-green-capital-develop-green-financing-instruments-africa-31967

[1]) Aliou M. Dia , Op.cit , Available at:- https://www.africa.undp.org/content/rba/en/home/blog/2019/how-africa-can-improve-mobilization-of-climate-finance-for-susta.htmlAnd :-

– Kathrin Berensmann and Dr Nannette Lindenberg, Green Finance: Actors, Challenges and Policy Recommendations , Briefing Paper ( German Development Institute 23/2016),Available  at :

https://www.greengrowthknowledge.org/sites/default/files/downloads/resource/DIE_Green%20Finance_Actors%2C%20Challenges%2C%20Policy%20Recommendations.pdf AFRICAN DEVELOPMENT BANK , FACILITATING GREEN GROWTH IN AFRICA PERSPECTIVES FROM THE AFRICAN DEVELOPMENT BANK, Discussion Paper , (Tunisia : African Development Bank , June 2012) , PP.7-9.

error: كل الحقوق محفوظة!!