كتب – محمد الدابولي

شهدت القارة الأفريقية خلال شهر أكتوبر الماضي العديد من الاضطربات السياسية في أكثر من دولة على خلفية اجراء الانتخابات الرئاسية في أكثر من دولة، فعلي سبيل المثال أجريت الانتخابات في دول مثل غينيا وكوت ديفوار وتنزانيا، أسفرت عن بقاء رؤساء تلك الدول في مناصبهم السياسية وهم كالتالي «ألفا كوندي» في غينيا، والحسن وتارا في كوت ديفوار، وأخيراً جون ماجوفولي في تنزانيا.

واكبت الانتخابات في الدول الثلاث أعمال عنف سواء رفضا لنتائج الانتخابات كما حدث في غينيا أو حتي رفضا لترشح الرئيس الحالي لفترة انتخابية جديدة كما حدث في كوت ديفوار، وفي ناحية أخرى شهدت بعض الدول الأفريقية مثل إثيوبيا أعمال عنف تصل إلي حربا أهلية على خلفية تأجيل الانتخابات إلي عام 2021 ورفض إقليم التيجراي تأجيل الانتخابات وإجراؤه الانتخابات في موعدها المحدد سابقا في سبتمبر 2020، فيما تشهد الكاميرون أحداث عنف واقتتال أهلي بصورة متواترة خاصة في الإقليم الأنجلوفوني.

أحداث العنف المواكبة للانتخابات في أفريقيا تشير بوضوح إلي تعثر آليات التحول الديمقراطي وتداول السلطة في العديد من الأقطار الأفريقية، فلا تزال النزعة الاستبدادية للعديد من القادة الأفارقة حاضرة رغم بدء عملية التحول الديمقراطي في بداية التسعينيات، وتتجلي تلك النزعة الاستبدادية في اقدام العديد من رؤساء الدول الأفريقية على تعديل الدساتير الوطنية لأجل البقاء في السلطة لأطول فترة ممكتة للغاية.

ففي مقاله للباحث المصري «خالد حنفي علي» المعنون « Analysis: Legitimacy, health, and power» المنشور على موقع AHRAM ONLINE أكد أن هناك أكثر من 18 رئيس في أفريقيا أقدم على تعديل الدستور لأجل البقاء في السلطة لفترة زمنية ثالثة ورابعة متجاوزين ما حددته دساتير عملية التحول الديمقراطي بمدة رئاسة الجمهورية بفترتين رئاسيتين فقط.

فعلى سبيل المثال أقدمت نامبيا في 1998 على تعديل دستورها ولحقتها توجو والجابون في عام 2002 وكذلك أنجولا والكاميرون وتشاد وبروندي وروندا، وتعد تجربة غينيا في تعديل الدستور لأجل مد فترات رئاسة الجمهورية، إذ أقدمت على تعديل دستورها مرتين لنفس الغرض، ففي عام 2001 تم تعديل الدستور للسماح للرئيس الغيني الراحل لانسانا كونتي بالترشح مدد رئاسية أخري وعدم التقيد بعدد معين، واستمر كونتى في منصبه حتي وفاته في عام 2008، وبعد وفاته دخلت غينيا في مرحلة انتقالية بدأت بانقلاب عسكري أعقبه احتجاجات شعبية أسفرت عن اجراء الانتخابات في عام 2010 لأول مرة في تاريخها وفوز ألفا كوندي برئاسة الجمهورية.

    سبق الانتخابات الغينية في عام 2010 وضع دستور جديد لغينيا حدد مدة رئاسة الجمهورية بفترتين فقط، وهو الأمر الذي انقلب عليه لاحقا الرئيس ألفا كوندي في مارس 2020 وتم فتح عدد فترات رئاسة الجمهورية لأكثر من فترتين وهو ما تحقق في الانتخابات الرئاسية الغينية في أكتوبر 2020، وفي محاولة أخرى للتحايل على مد فترات رئاسة البلاد أقدمت كوت ديفوار على وضع دستور جديد للبلاد في عام 2016 وحُدد فيه فترة رئاسة الجمهورية بفترتين فقط، إلا أن الرئيس الحالي للبلاد الحسن واتارا برر ترشحه لفترة رئاسية ثالثة في أكتوبر 2020 بأن الفترتين السابقتين له كانتا وفق لمعطيات ومتطلبات الدستور القديم للبلاد وليس وفق اشتراطات الدستور الجديد للبلاد، أي أنه وفق لتفسير الحسن وتارا سيكون من حقه الترشح لفترة رئاسية رابعة.

وفي سياق غريب عن باقي الدول الأفريقية أقدمت أوغندا في عام 2017 على إجراء تعديلات دستورية ليس لمد فترات رئاسة الجمهورية في البلاد، بل لإزالة قيد دستوري منع أي أوغندي تخطي سن 75 من الترشح لرئاسة البلاد وذلك من أجل السماح للرئيس موسيفني بالترشح في الانتخابات الرئاسية في فبراير 2021 والتي سيبلغ وقتها 77 عام.

سلوك القيادات الأفريقية تجاه فترات رئاسة البلاد تسبب في جعل القارة الأفريقية تحتضن أكبر عدد من الرؤساء الأطول حكما في العالم وهو ما نجم عنه استمرار الفساد والانقسامات الإثنية في الدول الأفريقية وتعثر عملية التحول الديمقراطي، وأفرز ظاهرة الرؤساء الأفارقة الطاعنين في السن، فعلي سبيل المثال الرئيس الغيني المنتخب حديثا لفترة رئاسية ثالثة يبلغ من العمر  82 سنة، والرئيس الكاميروني «بول بيا» والذي يبلغ من العمر 87 سنة قضى نصفهم تقريبا في حكم الكاميرون أي منذ ما يقارب الأربعين عاما وتحديدا منذ عام 1982.

أفريقيا المسنة

يعد عامل عمر وصحة المرشحين للانتخابات الرئاسية في أي دولة أمرا حاسما في العديد  من الأحيان، ويتضح هذا بصورة كبيرة في الانتخابات الأمريكية، كما حدث في انتخابات 1960 التي أسفرت عن فوز جون كينيدي ذو 43 عاما وقتها برئاسة البلاد، وتكرر الأمر بصورة واضحة في انتخابات 2008 والتي أسفرت عن فوز الرئيس باراك أوباما ذو 49 عاما وقتها برئاسة البلاد، وخلال الانتخابات الأمريكية  الأخيرة كانت أبرز الانتقادات الموجه لمرشحي الانتخابات دونالد ترامب وجو بايدن في أن كونهما تخطي حاجز 75 عاماً.

وفي أفريقيا نجد أغلبية رؤساء الدول في القارة تخطوا حاجز الستين والبعض منهم كسر حاجز السبعين والثمانين، وتقدر نسبة الرؤساء البالغ أعمارهم أكثر من ستين عاما في أفريقيا حوالي 62% من إجمالي الدول الأفريقية بواقع 34 رئيس أفريقي فوق سن الستين، وهم مقسمين كالتالي  رئيسان فقط تخطوا حاجز الثمانين وهم الرئيس الغيني ألفا كوندي (82 سنة) والرئيس الكاميروني بول بيا (87)، فيما تراوح عمر 13 رئيس أفريقي ما بين السبعين والثمانين وهم الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون (74 عاما) والرئيس الإريتري أسياس أفورقي (74) والرئيس الجيبوتي  إسماعيل عمر جيله (72 سنة) ورئيس جزر الرأس الأخضر خورخي كارلوس فونسيكا (70 عاما)، فيما تخطي تسع رؤساء حاجز 75 عاما وباتو مشرفين على الثمانين ومن المحتمل بلوغها مع انتهاء فتراتهم الرئاسية وهم كالتالي الرئيس الأوغندي يوري موسيفني (76 عاما) ورئيس الكونغو ديني ساسو نغيسو (76 سنة) ورئيسا غينيا الإستوائية وساتومي وبرنسيب (78 عاما)، أما الرئيس محمد بوخاري رئيس نيجيريا يبلغ من العمر حاليا (78 عاما) وكذلك الرئيس الإيفواري الحسن وتارا والرئيس الزيمبابوي إمرسون منانغاغوا.

فيما يتراوح عمر 19 رئيس دولة أفريقية ما بين الفئة العمرية الستين والسبعين والتي تعد مناسبة بعض الشئ لقضاء فترة رئاسية واحدة أو اثنين على أقصى تقدير وهم قادة دول مصر  مصر ـ تونس ـ موريتانيا ـ جنوب السودان ـ تنزانيا ـ روندا ـ الجابون ـ أفريقيا الوسطي ـ تشاد ـ النيجر ـ بنين ـ بوركينافاسو ـ موريشيوس ـ موزمبيق ـ مالاوي ـ زامبيا ـ أنجولا ـ جنوب أفريقيا ـ جزر القمر.

أفريقيا الشابة

اعتلى الشباب المناصب السياسية في العديد من الدول الأفريقية خلال فترة الستينيات والسبعينيات وبعض الثمانيات مثل الرئيس البوركيني توماس سينكارا، إذ تميزت تلك الفترة بسيطرة شباب حركات التحرر الوطني على مفاصل وقيادة الدول الأفريقية بعد التحرر، فعلي سبيل المثال اعتلي الرئيس الغيني أحمد سيكتوري الحكم في بلاده وهو في مرحلة الثلاثينيات وكذلك الحال مع توماس سينكارا في بوركينافاسو، أما الرئيس الغاني نكروما والتنزاني نيريري والإيفواري فيليكس هوافيه فقد تولوا السلطة وهم في عقد الأربعين من عمرهم.

مع اصرار الرؤساء الأفارقة على البقاء في السلطة وصعوبة تدوير السلطة بات من الشائع مع نهاية الأفلية السابقة وإلي اليوم أن نرى رؤساء بقوا في مناصبهم عقود طويلة مع بلوغهم سن مرتفعة الأمر الذي يفتح الباب أمام قدرتهم على ممارسة نشاطاتهم اليومية ففي شرق أفريقيا على سبيل المثال نجد أن الرئيس الرواندي بول كاجامي يحتفظ بالسلطة منذ 26 عاما وكذلك الرئيس الأوغندي موسيفني يحتفظ بالسلطة منذ 34 عاما.

رغم أن ظاهرة تولي الشباب رئاسة الدول الأفريقية في فترة الستينيات إلا أن الأمر حاليا بات في حال الندرة النسبية فمن بين 54 دولة أفريقية توجد ثلاث دول أفريقية فقط يتراوح أعمار رؤسائهم ما بين الأربعين والخمسين وهم كالتالي رئيس الوزراء الإثيوبي «أبي أحمد 44 سنة، ورئيس مدغشقر  أندريه راجولينا (46 عام) وأخيرا رئيس غينيا بيساو «عمر سيسكو إمبالو (48 عاما).

فيما يقبع 15 قائد أفريقي في المرحلة العمرية ما بين االخمسين والستين وهم قادة ورؤساء دول الصومال ـ بتسوانا ـ ليسوتو ـ إسواتيني ـ سيشل ـ جامبيا ـ والسنغال ـ سيراليون ـ ليبريا ـ توجو ـ الكونغو الديمقراطية ـ بروندي ـ كينيا ـ السودان ـ المغرب، لكن يجب ملاحظة أن هذه الفئة تشمل ثلاث ممالك وهم المغرب وإسواتيني وليسوتو، وحكما انتقاليا في السودان ممثلا في رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان (69 عام).

رغم وجود عدد لا بأس به من القادة الأفارقة في سن صغيرة نسبيا إلا أن هذا لم يواكبه تطورات سياسية واقتصادية ملموسة، بل على العكس تمر بعض بلدان هؤلاء القادة بفترة عصيبة من العنف والاقتتال الأهلي كما هو الحال في الصومال وإثيوبيا، وإن كان هذا لا يمنع من بعض الدول تحقق استقرارا سياسيا ملموسا كما هو الحال في السنغال وبتسوانا حاليا.

مآلات السن المرتفعة على الاستقرار السياسي

مما لاشك فيه أن كبار السن هم الأكثر عرضة للأمراض والتأثر بها فضلا عن حالة الشيخوخة التي تصيبهم والمتمثلة في ذبول الجسد وانخفاض مستوى الإداراك العقلي وغيرها من الأمور التي تودي بالشخص ليكون غير مسئولا عن تصرفاته، ومعظم الدساتير العالمية ومنها الأفريقية حذرت من تلك الحالة ووضعت الشؤوط والاجراءات التي يجب تطبيقها في حال عدم قدرة الرئيس علي القيام بمهام بوظيفتها وأوكلت تلك المهام إلي هيئات وسلطات في الدولة تكون مسئولة أمام الشعب في أدائها لتلك الوظيفة أي عزل الرئيس الغير قادر على القيام بمهامه واستبداله بأخر قادر.

لكن معظم الدول الأفريقية نتيجة الفساد السياسي المستشري في معظم تلك الدول تفتقر إلي الأليات والمؤسسات الرسمية  القادرة على القيام بمثل تلك الأعمال والوظائف الحساسة الأمر الذي أدخل الدول الأفريقية في العديد من الأزمات السياسية، منها كالتالي:  

  • انقطاع رؤساء الدول الأفريقة فترات طويلة عن أداء مهامهم الرئاسية: نتيجة ارتفاع سن الرؤساء الأفارقة يتعرض الكثير منه لوعكات صحية شديدة الأمر الذي يلزمهم بقضاء أوقات طويلة في تلقي العلاج سواء داخل بلادهم أو خارجها، فعلى سبيل المثال قضى الرئيس النيجيري في العام الماضي شهورا طويلة في انجلتزا من أجل تلقي العلاج، وفي مارس 2017 تم اجبار الرئيس الأنجولي دوس سانتوس  على الاستقاله نتيجة بقاؤه فترات طويلة في تلقى العلاج في أسبانيا.

وتعد فترة تلقى الرئيس علاجه خارج البلاد أمر سرى للغاية تحاول الحكومة التكتم عليه لتفويت الفرصة على قوي المعارضة للمطالبة بإقالة الرئيس، فعلى سبيل المثال قضى الرئيس الجابوني عمر بونجو شهورا طويلة (نهاية 2018 ومنتصف 2019) خارج بلاده وتحديدا في السعودية  حيث كان يتلقى العلاج، وحاليا بات الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون (74 عاما) هو أحدث حالة أفريقية على تدهور صحة الرؤساء، إذ أصيب تبون في 28 أكتوبر الماضي بفيروس كورونا، مما دفع لالتحاقه بأحد المستشفيات الألمانية لتقلي كورس علاجي تم انهائه يوم 15 نوفمبر ، ولم تشر السلطات الجزائرية حتي الآن حول الوضع الصحي للرئيس هل يسمح له بممارسة مهامه كرئيس للبلاد أم لا، وتعد الجزائر نموذج حي للدول الأفريقية التي تعاني من كبر سن رئيسها واعتلال صحته، فالرئيس الجزائري السابق عبدالعزيز بوتفليقة فضلا عن ارتفاع سنه عند تنحيته من على السلطة (82 عام) كان يعاني من جلطة دماغية جعلته غير قادر على القيام بمهامه الرئاسية منذ عام 2013.

  • ظاهرة التوريث: ساهمت متلازمة الرئيس العجوز المريض في أفريقيا شهيةعائلته والنخبة المحيطة به من أجل تحقيق توريث السلطة لنجله الأكبر أو شقيقه الأصغر، وتقريبا بات الكثير من رؤساء الدول الأفريقية يحضرون أبنائهم لوراثتهم في قيادة البلاد على غرار وراثة عمر بونغو لرئاسة الجابون خلفا لوالده على بونجو، ويتضح هذا الأمر في دول كإريتريا وأوغندا وزيمبابوي في عهد روبرت موجابي.
  • انقلاب القصور: نتيجة انسداد الأفق السياسي في العديد من الدول الأفريقية تلجأ النخب الأفريقية إلي تحقيق انقلاب قصر على الرئيس العجوز في محاولة استباقية لاحتواء تحركات قوى المعارضة الرافضة للنظام الحاكم، فعلى سبيل المثال تم إجبار الرئيس الزيمبابوي روبرت موجابي عن التنحي عن السلطة في عام 2017.
اسم الدولةاسم الرئيسالعمر
مصرعبدالفتاح السيسي65
ليبيا  
تونسقيس سعيد62
الجزائرعبدالمجيد تبون74
المغربالملك محمد السادس57
موريتانيامحمد ولد الغزواني63
السودانعبدالفتاح البرهان60
جنوب السودانسلفا كير69
إريترياأسياس أفورقي74
جيبوتيأسماعيل عمر جيلي72
الصومالمحمد عبدالله فرماجو58
إثيوبياأبي أحمد44
كينياأوهور كينياتا59
تنزانياجون ماغوفولي61
أوغندايوري موسيفني76
روندابول كاجامي63
برونديإيفاريست ندايشميي52
الكونغو الديمقراطيةفيلكس تشيسكيدي57
الكونغوديني ساسو نغيسو76
الجابونعلي بونغو أونديمبا61
غينيا الإستوائيةتيودورو أوبيانغ78
ساتومي وبرنسيبإفاريستو كارفاليو78
الرأس الأخضرخورخي كارلوس فونسيكا70
الكاميرونبول بيا87
أفريقيا الوسطيفوستان آرشانج تواديرا63
تشادإدريس ديبي68
النيجرمحمد يوسفو68
نيجيريامحمد بوخاري78
بنينباتريس تالون62
توجوفور غناسينغبي54
غانانانا أكوفو أدو76
ساحل العاجالحسن وتارا78
سيراليونجوليوس مادا بيو56
ليبيرياجورج ويا56
غينياألفا كوندي82
غينيا بيساوعمر سيسكو إمبالو48
السنغالماكى سال58
جامبياآداما بارو55
ماليكيتا ــ 75 ثم انقلاب عسكري 
بوركينافاسوروش مارك كريستيان كابوري63
مدغشقرأندريه راجولينا46
سيشلوافيل رامكالاوان59
موريشيوسأمينة غريب فقيم61
موزمبيقفيليبي نيوسي61
مالاويلازاروس مكارثي تشاكويرا65
زامبياإدغار لونغو64
زيمبابويإمرسون منانغاغوا78
أنجولاجواو لورنسو66
نامبياهاكه كينكوب79
ليسوتو  (مملكة)ليتسي الثالث57
إسواتيني (مملكة)مسواتي الثالث52
جنوب أفريقياسيريل رامافوزا67
جزر القمرغزالي عثمان61
بتسواناMokgweetsi Masisi58

جدول: من اعداد الباحث يوضح سن الرؤساء الأفارقة حاليا