كتب – د. سالي محمد فريد محمود

أستاذ الاقتصاد المساعد – كلية الدراسات الأفريقية العليا – جامعة القاهرة

تعد منظومة التأمين منظومة عالمية هدفها مثل أي مشروع هو الربح؛ لذلك لا بد أن تعمل بمنظومة تحمي الشركة، وفي الوقت نفسه تحمي أموال العميل وتقلل من المخاطر التي يتعرض لها، ومن أهم المتطلبات التي  يحتاج إليها المُصدرون لتوجهم إلى السوق الأفريقية تأمين مخاطر الائتمان الخاصة بالاستيراد؛ حيث إن خطاب الضمان يعد عائقًا يواجه الكثير من المصدرين والمستوردين، وفي ظل التوجه لزيادة حجم التعاون الصناعي والتجاري مع الدول الأفريقية، يسعى المصدرون إلى فتح مجالات تعاون عديدة مع نظرائهم بدول القارة، إلا أنه يوجد عدد من المعوقات عند التصدير لمختلف الدول الأفريقية.

وتتمثل أبرز المعوقات التي تواجه المصدرين بالتعاملات التجارية مع الدول الأفريقية في ارتفاع تكلفة نقل البضائع للدول الأفريقية، وعدم وجود خطوط نقل مباشرة مع عدد من الدول الأفريقية سواء برية أو بحرية؛ مما يضطر المصدرين لنقل بضائعهم ترانزيت في دولة وسيطة، وتكلفة النقل الداخلي بالدول الأفريقية التي تعد أعلى تكلفة للنقل بالعالم، وعدم وجود شركة لتأمين البضائع بين الدول الأفريقية؛ مما يصعّب من عملية التصدير، ويتضح ذلك من خلال النقاط التالية:

أولًا: نظرة تحليلية على صناعة التأمين في أفريقيا

ثانيًا: مساهمة قطاع التأمين في الاقتصاد الأفريقي

ثالثًا: تحديات تواجه صناعة التأمين في أفريقيا

رابعًا: عقبات تغطية مخاطر الصادرات للأسواق الأفريقية

خامسًا: مقترحات لتفعيل صناعة التأمين الأفريقية

أولًا: نظرة تحليلية على صناعة التأمين في أفريقيا

أوضح تقرير “نبض إعادة التأمين في أفريقيا”، في نسخته الثانية، أن سوق إعادة التأمين في أفريقيا، التي تقدر قيمتها بمبلغ 6.8 مليار دولار أمريكي عام 2018، حققت انتعاشًا ملحوظًا، في ظل تحسن نتائج النمو بشكل ملحوظ في السوق الأفريقية، وتحسنت عائدات التأمين بفعل الزيادة في معدلات التأمين على الحياة، وانخفاض التكاليف، وتشديد ضوابط الاكتتاب، والانتعاش المطرد لاقتصادات الدول الأفريقية؛ حيث إن سوق التأمين الأفريقية تقدم العديد من الفرص نتيجة لقوة إمكانيات النمو الاقتصادي فيها مع اتساع حجم الطبقة الوسطى والاستثمارات في البنية التحتية؛ حيث إن هناك تشابهًا كبيرًا بين ديناميكية السوق الأفريقية ومنطقة الشرق الأوسط.

وتعتبر الشركة الأفريقية لإعادة التأمين من أهم دعائم صناعة التأمين في أفريقيا؛ فقدتم إنشاء المكتب الإقليمي للشركة الأفريقية لإعادة التأمين بالقاهرة عام 2004؛ ليكون مسئولًا عن دول شمال أفريقيا بالإضافة للعمليات الواردة من دول الشرق الأوسط. ووفقًا لاتفاقية إنشاء الشركة تم إعفاؤها من جميع الضرائب مع منحها الحصانات الدبلوماسية وحرية التداول لأموالها خارج حدود كل دولة من الدول الموقعة على الاتفاقية من خلال المصارف المختلفة.

توالى، عقب تحرر معظم الدول الأفريقية من الاستعمار الأجنبي، إنشاء مؤسسات مالية مصرفية وغير مصرفية مملوكة للدول الأفريقية، إلا أنه فيما يتعلق بصناعة التأمين كانت هناك سيطرة كاملة من قِبل الأجانب على هذا النشاط، ومن هنا جاءت الحاجة إلى إنشاء كيان قوي يتولى إعادة التأمين على مستوى القارة، ويعمل على الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الأقساط داخل أفريقيا بدلًا من الاعتماد على الأسواق الخارجية بصورة كاملة.

وقد كان لمصرف التنمية الأفريقي فضل المبادرة بالترويج لإنشاء شركة إعادة التأمين الأفريقية؛ حيث تُولي إعداد الدراسات وتمويل الأعمال التحضيرية لتأسيس هذه الشركة، ثم المساهمة بنسبة 10% من رأس مالها، وفي عام 1976 تم التوقيع على عقد إنشاء الشركة الأفريقية لإعادة التأمين من قبل 41 دولة من الدول الأعضاء بالاتحاد الأفريقي.[1]

إن المساهمة في رأس مال هذه الشركات كانت قاصرة في البداية على الحكومات وبنك التنمية الأفريقي، ثم فُتحت المساهمة أمام شركات التأمين وإعادة التأمين الأفريقية، وبلغت حصة مصر في رأس مال هذه الشركة 21.9 مليون دولار أمريكي، والتي تعادل 3.7% من إجمالي رأس المال المصدر والمدفوع، وتتمثل في 219000 سهم بقيمة اسمية قدرها مائة دولار أمريكي للسهم.

وتُمثل قارة أفريقيا مصدر الدخل الرئيسي للشركة؛ حيث إن 95% من حجم أعمال الشركة يتركز في أفريقيا، فيما يصل نصيب القارة الآسيوية والشرق الأوسط من نشاط الشركة 5% فقط. كما حصلت الشركة الأفريقية لإعادة التأمين على التصنيف الائتمانى العالمي من مؤسسة (A..M.BEST)  للتصنيف الدولي على مستوى (A-) ، وهذا يعتبر أعلى تصنيف ائتماني موجود في أفريقيا، وتحاول الشركة الحفاظ على هذا المستوى نتيجة استمرار تحقيق الشركة معدلات نمو ثابتة.

      وتمتلك الشركة أكبر مساهمين على مستوى العالم أهمهم مساهمة 42 من حكومات الدول في أفريقيا منهم مساهمة الحكومة المصرية في الشركة، بالإضافة إلى مساهمة 140 شركة تأمين وإعادة على مستوى أفريقيا منهم بعض شركات التأمين المصرية، أبرزهم: المهندس للتأمين ومصر لتأمينات الحياة ومصر للتأمين، إضافة إلى مساهمة بنك التنمية الأفريقي ومؤسسة التمويل الدولية ومؤسسة التمويل الفرنسية.

     ويبلغ رأس مال الشركة 500 مليون دولار، وتبلغ حقوق المساهمين 350 مليون دولار، وبلغت إجمالي الأصول 960 مليون دولار، كما استطاعت الشركة تحقيق 628 مليون دولار إجمالي الأقساط عام 2017، وحققت الشركة أرباحًا بلغت 65 مليون دولار في نفس العام.[2]

تجاوز إجمالي أصول الشركة 1.4 مليار دولار بنهاية عام 2019 مقابل 1.3 مليار دولار للعام السابق عليه، أما عن تطور نشاط الشركة الأفريقية لإعادة التأمين بالأرقام بنهاية عام 2019 مقارنة بنهاية العام المالي 2012، خاصة فيما يتعلق بحجم الأقساط المكتتبة للشركة والتي بلغت 642 مليون دولار مقابل 648 مليون جنيه، ويرجع ذلك إلى إخفاق بعض العملات الرئيسية أبرزها الجنيه المصري والسوداني، علاوة على الآثار السلبية التي خلفتها ثورات الربيع العربي خلال هذه الفترة. كما حققت الشركة صافي أقساط 567.5 مليون دولار مقابل 559.5 مليون دولار عبر نفس فترة المقارنة بزيادة 12 مليون دولار فقط خلال تلك الفترة لنفس الأسباب سالفة الذكر.[3]

كما ارتفعت حقوق المساهمين بصورة كبيرة؛ فقد حققت 812.3 مليون دولار ديسمبر 2019 مقارنة بـ 608 ملايين دولار بنهاية ديسمبر 2012 بزيادة قدرها 204 ملايين دولار؛ فإن تطور نشاط الشركة لا يزال مستمرًّا بالرغم من الظروف العصيبة التي يمر بها اقتصاد المنطقة، خاصة معظم الدول التي توجد بها أفرع للشركة الأفريقية لإعادة التأمين، إلا أن ذلك لم يحُل بينها وبين تحقيق أرباح تجاوزت 100 مليون دولار مقابل 92.6 مليون دولار أرباح 2012، علاوة على إعلانها دخول دائرة المسئولية الاجتماعية تجاه رأس المال من خلال تأسيس صندوق لتلك المهمة يسهم بـ2% سنويًّا من أرباح الشركة المحققة لخدمة تطوير صناعة التأمين في المنطقة.[4]

ثانيًا: مساهمة قطاع التأمين في الاقتصاد الأفريقي

إن نشاط قطاع التأمين في القارة الأفريقية يبلغ 66 مليار دولار؛ حيث إن قطاع التأمين يمثل 4,5% من حجم الناتج الإجمالي للقارة الأفريقية، وترتفع معدلات التأمين على المشروعات الكبرى، خاصة النفطية، في دول مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا، والتي تعد من أكثر الدول تقدمًا، ويمثل حجم قطاع التأمين إلى الناتج القومي نسبة أكبر من ذلك بكثير، بينما ينخفض متوسط الإنفاق السنوي على الـتأمين في أفريقيا؛ حيث يبلغ 70 دولارًا للفرد في حين يصل إلى 2700 دولار غرب أوروبا.[5]

وقد أعد الاتحاد الأفروآسيوي للتأمين وإعادة التأمين دراسة عن معوقات التوسع في التأمين الصغير، وهو منظمة دولية مسجلة في UNCTAD  كإحدى المنظمات غير الهادفة للربح، أنشئ في عام 1964 على أن يكون مقرها الرئيسي القاهرة، ويبلغ عدد أعضائها 275 من 52 دولة تمثل شركات التأمين وإعادة التأمين والسمسرة والمعاهد التدريبية، بالإضافة لاتحادات التأمين في الدول الأعضاء.

فعلى جانب الطلب، جاءت نتائج الدراسة لتشير إلى أن أهم عوائق التوسع كانت عدم فهم التأمين (%80)، والقدرة المحدودة على دفع أقساط التأمين (%72)، وعلى جانب العرض، شملت المعوقات عدم وجود تكنولوجيا المعلومات (%78)، والتكاليف الإدارية العالية (71%)، وعدم وجود الكوادر المؤهلة (%73 (أما من حيث تحليل الردود حسب نوع المؤمِّن، أشارت صناديق التأمين التبادلي إلى أن الصعوبات تنشأ من عدم وجود التكنولوجيا، قلة كفاءة الإدارة والموظفين، قدرة العملاء على دفع الأقساط، والوصول إلى إعادة التأمين، وركزت شركات التأمين التجاري على خفض التكاليف الإدارية من خلال التكنولوجيا، وشككت في الطلب في الأسواق الأكثر نضجًا، ورأى مقدمو التأمين الحاجة لتثقيف المستهلك لتسهيل المبيعات ونشر الفهم العام لمفاهيم التأمين.

وقد كشفت نتائج الاستطلاع عن الوضع الحالي والنظرة المستقبلية لقطاع التأمين خلال الفترة (2018/2020) في قارتي أفريقيا وآسيا، أن 10% فقط من شركات التأمين في أفريقيا جاهزة بصورة تامة لتطبيق قواعد الرقابة على أساس الخطر مقابل 20% من شركات التأمين الآسيوية، وهو ما يوضح الحاجة إلى بذل مزيد من الجهد الأفريقي في هذا الملف المهم لشركات التأمين وإعادة التأمين، وتوقعت شركات التأمين الأفريقية تحقيق معدل نمو يتراوح بين 11 – 25% حتى عام 2020 [6].

وتواجه شركات التأمين الأفريقية ثلاثة تحديات مهمة، وهي: الوصول للعملاء وزيادة معدلات المخاطر الطبيعية وبيئة الاستثمار الصعبة، كما تواجه الشركات الأفريقية ثلاثة عوائق بارزة في اختراق الأسواق، وهي: انخفاض دخول المواطنين والمضاربات السعرية ومعدل الوعي التأميني. هذا بالإضافة إلى وجود نقص كبير في المهارات في مجالات تكنولوجيا المعلومات، وعدد الخبراء الاكتواريين ومديري المخاطر في أفريقيا، وحددت الشركات أولويات العملاء في أفريقيا عند شراء وثيقة التأمين، وهي: حجم القسط ومبلغ التأمين ومدى تلبيتها لاحتياجات العميل وميزانيته والعلامة التجارية لشركة التأمين.

        وعن أبرز المنتجات التي ستقود النمو في الأسواق الأفريقية والآسيوية حتى عام 2020 كانت منتجات التأمين الطبي والتكافل والتأمين متناهي الصغر؛ حيث إن شركات التأمين الأفريقية والآسيوية، على حد سواء خلال العشرين عامًا الماضية استخدمت آليات متطورة لنقل الأخطار، ونماذج للاكتتاب والتسعير في أخطار الكوارث الطبيعية والكوارث البشرية؛ لاحتساب معدلات تكرار تلك الأخطار ودرجة خطورتها.[7]

        وأكد الاستطلاع على أن أفضل قرار اتخذته شركات التأمين الأفريقية منذ عام 2016 هو الاتجاه نحو الرقمنة كاستراتيجية جديدة لها، والعمل على ميكنة جميع العمليات باستخدام التكنولوجيا الحديثة، وأوضحت أن أكثر ثلاثة عوامل خارجية تؤثر على أعمال أسواق التأمين الأفريقية، هي: تغير وتطور التكنولوجيا الحديثة بسرعة والتسعير والقواعد التنظيمية، وعن العوامل التي ستعيد تشكيل أسواق التأمين الأفريقية في المستقبل هي تكنولوجيا المعلومات، وهي نفسها في آسيا بجانب زيادة قوة العملاء؛ نتيجة لظهور مواقع التواصل الاجتماعي.[8]

وحددت الشركات الأفريقية أبرز ثلاثة أهداف تعمل عليها، وهي: تحقيق النمو والتوسع في الأسواق وإعداد الكوادر لتولي القيادة وتأسيس إدارات متخصصة لإدارة المخاطر، وبالنسبة للقرارات التنظيمية التي كان لها أكبر تأثير على عمل شركات التأمين الأفريقية والآسيوية، فهي: قواعد الملاءة المالي «solvency» وقواعد التسعير والقرارات التنظيمية للجهات الرقابية، وأن أبرز ثلاثة تغيرات ديموجرافية مؤثرة على قطاع التأمين في أفريقيا، هي: تغير معدلات الأمية والتعليم وزيادة حجم القوة العاملة والنمو السكاني.[9]

يقدم البنك الدولي نموذج تقييم المخاطر تحت مُسمى “منتج التأمين المستند لمؤشر المخاطر”، وذلك لمساعدة صناعة التأمين على التنقل عبر العملية المعقدة لاتخاذ القرارات الإدارية ونمذجة المخاطر وتصميم المنتجات؛ فالتأمين المستند للمؤشر لا يساعد المشاريع فحسب، بل إنه يرفع قطاع التأمين ككل، بالإضافة إلى مساعدة الأطراف المعنية على فهم أفضل الممارسات، التي تدعم التنمية السليمة المستدامة والمتسمة بالمسؤولية لسوق التأمين المستند للمؤشرات، والالتزام بها.

وتهدف هذه الجهود الرامية لبناء القدرات في البلدان النامية إلى مساعدة سوق التأمين المستند للمؤشر على النمو بسرعة أكبر وبطريقة أكثر استدامة، فعلی سبیل المثال، طلبت هيئة الرقابة على التأمین الکینیة طرح الدلیل على 300 مندوب في اتفاقیة مهنية في شهر یولیو 2019، ومن المتوقع أن تقوم بلدان أخرى – بما في ذلك نيجيريا وبنغلاديش وأوكرانيا – بوضع منتجات تأمينية تستند إلى المؤشر في السنوات الثلاث المقبلة[10].

          وتواجه صناعة التأمين في أفريقيا تحديًا يتمثَّل في عدم تفعيل وتطبيق مبادئ الحوكمة في الشركات العاملة فيها بشكل يُسهم مباشرة في ضمان استمرارية ونمو المؤسسات المالية ومنها شركات التأمين، وتجنيب هذه الكيانات مخاطر المركزية في اتخاذ القرارات الإدارية وتعارض المصالح؛ لذا لا بد من التعاون بين الأجهزة الإشرافية والرقابية على قطاعات التأمين  من خلال تبادل المعلومات والخبرات، بشكل يضمن الارتقاء بمستوى قطاع التأمين في القارة الأفريقية إلى مصاف الأسواق العالمية.[11]

ثالثًا: تحديات تواجه صناعة التأمين في أفريقيا

هناك أربعة تحديات رئيسية تقف حائلًا أمام تحول أفريقيا لمركز رئيسي لإعادة التأمين، أولها: انخفاض معدلات النمو في أغلب دول القارة بما لا يسمح بتغذية الأقساط المجمعة، والتي لا يرتبط مجال عملها بالأسواق القائمة في النطاق الجغرافي، بل يتسع إلى جميع أسواق العالم، فيما شكلت ضآلة العناصر البشرية المؤهلة لإدارة المجمعات القارية عنصرًا ضاغطًا لتحول أفريقيا لمركز تأمين رئيسي. وشمل التحديان الثالث والرابع ضعف الملاءة المالية لشركات إعادة التأمين، مما أثر على طاقتها الاستيعابية، وهو ما يحول دون تجميعها في كيان واحد لتشكيل قوة إقليمية أو قارية للإعادة، وظهر العنصر السياسي كتحدٍّ رئيسي أمام دعم القارة لتحويلها لمركز رئيسي للإعادة خاصة مع عدم استقرار الأنظمة السياسية في العديد من دول القارة؛ مما يعوق حركة انتقال الأموال ذهابًا وعودة في دول القارة.

وتمثل ندرة العنصر البشري تحديًا رئيسيًّا أمام إنشاء الكيانات القارية المتخصصة في إعادة التأمين؛ حيث إن السوق الأفريقية يعمل بها 36 شركة أغلبها لا يملك تصنيفًا ائتمانيًّا يساعده على منافسة الكيانات العالمية، إضافة إلى صعوبة تجميع تلك الشركات في كيان واحد يعمل على مستوى القارة لاختلاف سياسات كل منها وخططها الاستراتيجية.[12]

لذا فإن حكومات الدول الأفريقية يقع على عاتقها عبء كبير في تأسيس شركات إعادة تأمين قوية أو تقوية دعائم شركات الإعادة القائمة من حيث رأس المال حتى تتمتع بسمعة طيبة عالميًّا تتمثل في القدرة على تسوية التعويضات بسرعة لصالح شركات التأمين، وتوافر العديد من الكفاءات الفنية التي لديها خبرة في مجال الاكتتاب والتسعير، وكذلك كوادر على درجة عالية من الكفاءة في مجال الاستثمار لجلب عوائد كبيرة وتحقيق فوائض اكتتاب ونشاط كبيرين، ومعدلات نمو مرتفعة وربحية عالية.

إن رؤوس أموال الشركات والاكتتاب الفني السليم والتسعير الجيد بشركات إعادة التأمين، تمنحها القدرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه شركات التأمين التي تعيد لديها وتخلق نوعًا من الثقة لدى عملائها في قدرتها على دفع التعويضات بسرعة، علاوة على ضعف الوعي التأميني بالمنطقة بشكل عام بسبب الظروف الاقتصادية لغالبية دول أفريقيا والتي خلفتها القلاقل السياسية، مثل وجود عقوبات اقتصادية موقعة على بعض الدول الأفريقية، والتي تعوق التوسع فيها بالرغم من توافر موارد عدة بها غير مستغلة لعدم القدرة على تحويل أموال منها وإليها.[13]

        ويتضح مما سبق أن هناك تحديات رئيسية تواجه صناعة التأمين في أفريقيا، بسبب انخفاض معدلات النمو في أغلب دول القارة، ومحدودية العناصر البشرية المؤهلة لإدارة المجمعات القارية، وضعف الملاءة المالية لشركات إعادة التأمين.

رابعًا: عقبات تغطية مخاطر الصادرات للأسواق الأفريقية

  • عقبات تتعلق بالسوق الأفريقية
  • ارتفاع معدلات المخاطر التجارية وغير التجارية في الأسواق الأفريقية.
  • ارتفاع تكلفة التأمين على المنتجات المصدرة في الوقت الذي لم يمتد نشاط شركة ضمان الصادرات لتغطية المخاطر بأنواعها في العديد من الأسواق الأفريقية.
  • تشابه الهياكل الإنتاجية للدول الأفريقية؛ حيث تعتمد غالبيتها على تصدير المواد الأولية واستيراد السلع المصنعة، هذا بالإضافة إلى الافتقار إلى المعلومات الأساسية عن تلك الأسواق والسلع المطلوبة فيها وأذواق المستهلكين بها.
  • المنافسة الشرسة من دول جنوب شرق آسيا للعديد من المنتجات المصرية مثل الملابس؛ حيث إن الأسواق الأفريقية أسواق سعر في المقام الأول؛ نظرًا لانخفاض القوة الشرائية للمستهلك.
  • سوء الأوضاع الاقتصادية وانخفاض معدلات النمو ومستويات دخول الأفراد وضعف القوة الشرائية في العديد من الدول الأفريقية.
  • سيطرة الوسطاء والوكلاء التجاريين اللبنانيين والهنود على القنوات التجارية في دول أفريقيا عمومًا ودول غرب أفريقيا بشكل خاص، وهو ما يعني صعوبة اختراق تلك الأسواق.
  • تفتقد معظم الدول الأفريقية لنظم مصرفية جيدة مع عدم وجود فروع للبنوك المصرية في تلك الدول، بالإضافة إلى عدم وجود آليات لضمان وتمويل الصادرات وندرة العملات الأجنبية في بعض تلك الدول.
  • هذا بالإضافة إلى ارتفاع مخاطر عدم السداد مع عدم وجود تسهيلات ائتمانية قصيرة الأجل (أقل من 60 يومًا).
  • الافتقار إلى وجود نظام اعتراف متبادل بالمواصفات على المستوى  الإقليمي.

10-دعم توافر المعلومات والبيانات التجارية الأمر الذي يرجع إلى محدودية الموارد البشرية والتكنولوجيا الحديثة.

        كما تبرز قضية البنية التحتية الضعيفة في معظم الدول الأفريقية كأبرز التحديات، وبشكل خاص ما يتعلق بتدهور الطرق التي تربط بلاد القارة بعضها ببعض، وفي قطاع الطاقة يعتبر التحدي الرئيسي هو ضعف الطاقة الكهربائية المتاحة وارتفاع أسعارها.[14]

        إن اعتماد القارة على تصدير المواد الأولية يجعلها عرضة للتأثر بتقلبات أسعار هذه المواد في السوق العالمية، والتي ترتبط بعوامل خارج نطاق القارة نفسها، ويشير البنك الدولي إلى أنه إذا تراجع طلب الصين على المواد الأولية، مثل النحاس الذي يمثل الطلب الصيني عليه 45% من إجمالي الطلب العالمي، بينما يستمر إنتاجه في الارتفاع؛ فإن أسعار النحاس قد تتراجع بشكل حاد، مما يكون له آثار سلبية شديدة على الدول التي تعتمد على تصديره، ولهذا فإن تحقيق التنوع في صادرات دول القارة، والبعد عن الاعتماد على تصدير المواد الأولية، خاصة البترول، يُعد من أهم التحديات التي يجب أن تواجهها لمواصلة نموها الاقتصادي.[15]

        إضافة إلى ضعف قطاع الصناعة؛ حيث إن “مخرجات القطاع الصناعي بالقارة لا تتعدى 2% من الإنتاج العالمي، وصادراتها الصناعية تبلغ 1% فقط من إجمالي الصادرات العالمية”؛ فيعد القطاع الصناعي في أفريقيا أكثر القطاعات حاجة إلى الإمكانات الفنية والمالية، والمعلومات والخبرات حول تنفيذ البرامج الخاصة بالتنمية الصناعية.[16]

        تعتبر أفريقيا قارة المتناقضات؛ فإن نظرت إلى مواردها فهي من أغنى المناطق من حيث الموارد الطبيعية والبشرية، ولكن من أفقرها من حيث التنمية، ويترتب على هدر الموارد في أفريقيا العديد من المخاطر، ولكن أشدها خطورة على تحقيق التنمية للقارة الأفريقية هما الفقر والأمية.

      لقد أصبح الفقر سمة يتصف بها أغلب سكان القارة، رغم الثروات الطبيعية التي تتمتع بها والتي تعد الأكبر على مستوى قارات العالم، ولكن جاء ذلك نتيجة عدم وجود خطط اقتصادية مدروسة لاستغلال تلك الثروات التي تزخر بها القارة، وكذلك نقص الخبرة، وندرة الكفاءات الفنية وقصور وسائل النقل والمواصلات وهشاشة البنية التحتية.[17]

  • التنافس بين القوى الدولية في أفريقيا

        تتسابق الدول نحو أفريقيا في تنافس محموم، في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والصين وروسيا إضافة إلى إيران وتركيا وماليزيا والهند وكوريا وتايوان والبرازيل، جميعها تسعى للنفاذ إلى ثروات القارة، وخاصة مصادر النفط فيها، وقد سارعت الولايات المتحدة في محاولتها لتعزيز السيطرة على النفط الأفريقي من خلال المجلس الاستشاري لأفريقيا، وهو تحالف يضم شركات أمريكية عملاقة، ويعد هذا المجلس شريكًا أصيلًا للحكومة الأمريكية في كل ما يخص أفريقيا، وهو وراء تضخم الاستثمارات الأمريكية في قطاع النفط في غرب أفريقيا حتى تجاوزت 7 مليارات دولار بعد أن كانت مليارًا واحدًا في بداية التسعينيات.

     كما دعا أفارقة إلى إعداد استراتيجية إقليمية وقارية للعلاقة مع الصين لتجنب الاختلال في علاقاتهما الثنائية، مشيرين إلى أن “الاستثمارات الصينية مرتبطة بالاحتكارات الكبرى للدولة الصينية”، وأنها تركز على قطاع المناجم والمسح الجيولوجي أو على البنية التحتية.[18]

تعتبر الصين شريكًا تجاريًّا رئيسيًّا لأفريقيا؛ حيث تجاوز التبادل التجاري للصين مع أفريقيا أكثر من 192 مليار دولار عام 2017.[19]

يتضح من الشكل السابق أنه على مستوى الصادرات الصينية تأتي جنوب أفريقيا في المرتبة الأولى؛ حيث تستحوذ على 21% من صادرات الصين لأفريقيا، تليها مصر 12%، ثم نيجيريا 10%، وعلى مستوى الواردات تأتي أنجولا في المرتبة الأولى حيث تستحوذ على 34% من إجمالي واردات الصين من أفريقيا، تليها جنوب أفريقيا 20%، ثم السودان 11%.

يوضح الشكل السابق الهيكل السلعي لتدفقات التجارة والاستثمارات الصينية؛ حيث تنحصر معظم صادرات أفريقيا للصين في البترول والسلع المصنعة وبنسب متقاربة خلال الفترة (2011-2016)، وتنحصر معظم الاستثمارات الصينية في أفريقيا في المواد المعدنية يليها الطاقة خلال الفترة (2011-2016).

يتضح من الشكل السابق أن جنوب أفريقيا تجذب حوالي 20% من تدفقات الاستثمارات الصينية لأفريقيا وكذلك نيجيريا، تليها السودان 12%، والجزائر 12%، ثم زامبيا 8% من إجمالي استثمارات الصين في أفريقيا، أما على مستوى رصيد الاستثمارات الصينية؛ فتأتي جنوب أفريقيا في المرتبة الأولى بنسبة 16%، تليها نيجيريا 14%، ثم السودان 13%، ثم زامبيا 10%، ثم الجزائر 9% من إجمالي الرصيد التراكمي للاستثمارات الصينية في أفريقيا.

إن أكثر من 80% من احتياجات الصين من الموارد الطبيعية والمواد الخام تأتي من أفريقيا بقيمة 93 مليار دولار، وتدير بكين نحو 2500 مشروع تطوير وأعمال مدنية ومشاريع إنشائية بقيمة 94 مليار دولار في 51 دولة أفريقية، وقد تجاوزت الصين الولايات المتحدة كأكبر شريك تجاري لأفريقيا منذ عام 2009، ويتوقع أن تبلغ تجارتها مع القارة نحو 200 مليار دولار هذا العام، وستزيد إلى نحو 300- 400 مليار دولار بنهاية البرنامج التنفيذي للتعاون الصيني- الأفريقي (2019 – 2022)، كما ينتظر أن تتجاوز استثمارات الصين في أفريقيا أكثر من 300 مليار دولار.

وقد تعهد الرئيس الصيني، خلال القمة الأخيرة لمنتدى التعاون الأفريقي- الصيني، بتقديم حوالي 60 مليار دولار لتمويل مشاريع التنمية في القارة خلال السنوات الثلاث القادمة. ويشمل التمويل 15 مليار دولار كمساعدات لا تُرد، وكقروض بدون فوائد واستثمارات شركات صينية، و20 مليار دولار خطوطًا ائتمانية وصندوقين للتنمية وتمويل واردات سلع أفريقية تناهز قيمتها نحو 5 مليارات دولار، فضلًا عن خطة لتشجيع الشركات الصينية للاستثمار في القارة.[20]

ويتمثل أبرز مسارات حركة الصين لتنفيذ استراتيجيتها في القارة في دعم التعاون بين الأجهزة التشريعية في الصين وأفريقيا، وزيادة مساعدات بكين للاتحاد الأفريقي ودعم قدراته في مجالات حفظ السلام والأمن، وزيادة حجم استثماراتها ومساعداتها، ودفع مزيد من خبرائها لتنمية المجالات الزراعية، فضلًا عن تطوير قطاعات البنية التحتية، وتقديم التسهيلات لمعالجة مشكلة

الديون، إضافة إلى أن لها أكثر من 600 شركة استثمارية تعمل في مجالات استكشاف وتطوير الموارد المعدنية والزراعة والنقل والاتصالات والطاقة في القارة.[21]

بلغ حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والقارة الأفريقية عام 2017 نحو 55.47 مليار دولار، كان من بينها 22.06 مليار دولار صادرات أمريكية للقارة الأفريقية، و33.41 مليار دولار واردات أمريكية منها؛ حيث حققت الولايات المتحدة عجزًا تجاريًّا مع أفريقيا قيمته 11.34 مليار دولار، وخلال الفترة من يناير حتى سبتمبر 2018 بلغ حجم الصادرات السلعية الأمريكية للقارة الأفريقية نحو 19.1 مليار دولار، في حين بلغ حجم وارداتها السلعية من القارة نحو 27.26 مليار دولار، أي إنها حققت خلال هذه الفترة عجزًا تجاريًّا مع القارة الأفريقية قدره 8.16 مليار دولار.[22]

جدول رقم (1): واردات النفط الخام الأمريكية من بعض الدول الأفريقية عام 2018

الدولةالقيمة بالألف دولار
نيجيريا3586794
أنجولا2178041
الجزائر1689225
ليبيا943578
تشاد398980
غينيا الاستوائية371901
الكونغو برازافيل278982
الجابون181549

Source: U.S. Census Bureau, U.S. Bureau of Economic Analysis, Monthly U.S. International Trade in Goods and Services September 2018 (Washington DC: U.S. Department of Commerce, November 2, 2018).

يتضح من الجدول السابق أن أمريكا تؤمِّن مصادر الحصول على النفط من بعض الدول الأفريقية؛ حيث جاءت نيجيريا في المرتبة الأولى في تصدير النفط لأمريكا عام 2018، تليها أنجولا، ثم الجزائر، ليبيا، تشاد، غينيا الاستوائية، الكونغو برازافيل، وأخيرًا الجابون.

بلغ حجم الاستثمار الأمريكي المباشر في أفريقيا عام 2017 نحو 50.28 مليار دولار، كما بلغت قيمة مشروعات الاستثمار الأمريكي المباشر الجديدة Greenfield FDI Projects في أفريقيا نحو 3901 مليون دولار عام 2017 مقارنة بـ 3640 مليون دولار خلال عام 2016.[23]

         ويتضح مما سبق مدى تأثير العقبات المتعلقة بالسوق الأفريقية على ارتفاع تكلفة التأمين من خلال ارتفاع معدلات المخاطر التجارية وغير التجارية في الأسواق الأفريقية، وسيطرة الوسطاء والوكلاء التجاريين اللبنانيين والهنود على القنوات التجارية، وارتفاع مخاطر عدم السداد، والافتقار إلى وجود نظام اعتراف متبادل بالمواصفات.

  • عقبات خاصة بالنقل والشحن
  • عدم وجود خطوط ملاحية بحرية وجوية منتظمة بمعظم دول أفريقيا، بالإضافة إلى عدم كفاءة الموانئ في العديد من الدول.
  • وجود العديد من أوجه القصور التي تشوب خطوط السكك الحديدية بالدول الأفريقية، وتظهر هذه المشكلات بشكل أوضح في الدول الحبيسة؛ مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة النقل.
  •  ارتفاع أسعار الشحن والنقل إلى أفريقيا وتحكم شركات الشحن الأجنبية في فترة الشحن التي قد تصل إلى 28 يومًا؛ مما قد يؤدي إلى تلف البضائع في بعض الأحيان .

تعتبر شبكة الطرق الرئيسية في أفريقيا ضئيلة الكثافة بالنسبة لمساحة القارة وعدد السكان، ويبلغ طول شبكة الطرق الرئيسية 1,66000 كم، وهذا يدل على أن البنية الأساسية للطرق ضئيلة جدًّا، كما أن حالة الطرق تتراوح ما بين ضعيف وضعيف جدًّا، وهناك عدد قليل جدًّا من الطرق في حالة جيدة؛ حيث تمثل الطرق المعبدة الجيدة 56% من إجمالي شبكة الطرق بدول أفريقيا جنوب الصحراء، و24% من الشبكة تصنف على أنها في حالة ضعيفة.[24]

جدول رقم (2): مؤشر جودة النقل بالطرق ببعض الدول الأفريقية

الدولةمؤشر جودة النقل بالطرقالدولةمؤشر جودة النقل بالطرقالدولةمؤشر جودة النقل بالطرق
جنوب أفريقيا100إريتريا25غينيا بيساو13,2
بوتسوانا87,5غينيا23,1الصومال12,4
زيمبابوي50موزمبيق23,1رواندا12,4
جامبيا41,6بوركينافاسو21,2النيجر11
السودان40,4مالاوي20,4بوروندي10,9
توجو37الجابون19,2أوغندا10,7
السنغال36جيبوتي18,5سيراليون9,6
نيجيريا32,2الكاميرون18,4ليبيريا7,1
سوازيلاند27,4موريتانيا16,6غينيا الاستوائية6,5
غانا27مالي16,5تنزانيا6,2
ناميبيا25,9كينيا16,3أفريقيا الوسطى4,4
ليسوتو25,7أنجولا15,8الكونغو الديمقراطية3,8
زامبيا25,1كوت ديفوار14,4تشاد1,8
بنين25,1الكونغو13,6  

Source: Piet Buys, Uwe Deichmann, David Wheeler: “Road Network Upgrading and Overland Trade Expansion in Sub-Saharan Africa”, (Washington DC. The World Bank, Paper no. 4097, December, 2016, p.33.

ويتضح من الجدول السابق أن مؤشر جودة النقل بالطرق يتراوح بين 100 للطرق ذات الجودة العالية وبين صفر للطرق المعدومة، وجاءت البيانات لتعبر عن أن هناك أربع دول يتراوح المؤشر بها بين 40 – 100، وهي: جنوب أفريقيا، بوتسوانا، زيمبابوي، جامبيا، و13 دولة بين 20 – 40، و26 دولة أقل من 20، مما يعبر عن ضعف البنية التحتية للطرق بها، ويدل على أن معظم الطرق في أفريقيا متدهورة، وتمثل عائقًا أمام التجارة بين الدول الأفريقية.

خريطة رقم (1) مشروعات وخطوط تنفيذ الطرق في أفريقيا

إن عامل المسافة، والذي كلما زادت قيمته السالبة زاد تأثيره على التجارة – وهي علاقة عكسية – كلما زادت المسافة انخفض حجم التجارة، ومن هنا يمكن توضيح حجم تأثير حالة الطرق على التجارة؛ حيث إن حالة الطرق السيئة تزيد من الوقت المستغرق في الرحلة، والذي يعتبر زيادة في المسافة المستغرقة، وبالتالي فإن تكاليف النقل تزداد كلما ساءت حالة الطرق، وكلما زاد الوقت المستنفد عند عبور النقط الحدودية، مما يؤدي إلى انخفاض التجارة البينية والعكس صحيح؛ فعند تقليل الوقت لعبور الحدود يؤثر على الزمن المستغرق في الرحلة، وعند إعادة تأهيل الطريق أو تحسينه سوف تزداد السرعة المتوسطة، وبالتالي التقليل من الوقت المستغرق في الرحلة، مما يؤدي إلى تقليل المسافة وزيادة التجارة البينية.[25]

وتؤثر الطرق على الوضع الاقتصادي لأفريقيا؛ حيث إن تحسينات الطرق تؤدي إلى تقليل تكاليف النقل، وبالتالي دفع التنمية الاقتصادية، كما أن عبور الحدود يؤثر على حجم التجارة البينية، ويخفض أسعار السلع مما يؤدي إلى تشجيع الاستثمار وزيادة معدلات النمو. وهذا ما تسعى مبادرة الحزام والطريق لتحقيقه؛ حيث إن إمكانية تحقيق ذلك المشروع العملاق طريق الحرير كبيرة جدًّا على الرغم من التحديات التي تواجهه.[26]

يعتبر قطاع النقل البحري من أهم وأرخص وسائل النقل العالمي للبضائع والركاب؛ لذا فإن النقل البحري هو من أهم الوسائل التي يتم استخدامها لنقل البضائع للسوق الأفريقية، وهي تتم باتخاذ عدة إجراءات لتأمينها، بمعنى أن يحصل المصدر على التعويض المناسب في حالة حدوث أي خسائر، وقد اتفقت الأسواق العالمية على شروط محددة؛ فمجمع التأمين في لندن – وهو المتفق عليه عالميًّا – قام بتقسيم نوعية التأمين على النقل البحري، والبضائع التبادلية بين الدول إلى ثلاث فئات، (أ، ب، ج)، والتغطية الشائعة التي تحمل الفئة (أ) من أول خروجها من مخازن المصدر وحتى وصولها مخازن المستورد، أما التأمين من نوعية فئة (ب) فهو التأمين على البضاعة من الميناء وحتى ميناء الدولة المستوردة، أما فئة (ج)، فهي التأمين على البضاعة من ميناء الدولة المستوردة فقط.

ويعد استخدام الخدمات اللوجيستية في الموانئ البحرية من أهم وسائل تنشيط  التبادل التجاري، ولكن تعاني معظم الدول الأفريقية  فقرًا في الخدمات اللوجيستية الحديثة، والتي تؤدي إلى زيادة الوقت المستغرق لعملية التصدير وعرقلة حركة التجارة الخارجية، ومن ثم ارتفاع تكاليف التصدير، مما يؤدي إلى ضعف موقف الصادرات الأفريقية في مواجهة المنافسة الدولية للسلع.

يمثل الناتج المحلي الإجمالي لقارة أفريقيا 3% فقط من إجمالي الناتج القومي العالمي، والتجارة البينية بين الدول الأفريقية تقدر فقط بـ 20% من إجمالي حجم التجارة مقارنة بـ40% لأمريكا الشمالية و30% لدول آسيا.

ومن التحديات التي تواجه الحلم الأفريقي، عدم وجود بنية تحتية تسمح بسهولة لتنقل الأشخاص والبضائع جوًّا أو برًّا؛ حيث ستحتاج تلك الدول للكثير من التمويل لبناء بنية تحتية قوية، والذي يعد غير متاح حاليًّا نتيجة لتباطؤ حركة الاقتصاد عالميًّا، وتمثل اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية، اللبنة الأساسية في الحلم الأفريقي، بأن يتحكم الأفارقة في مواردهم الاقتصادية الهائلة، وأن يتمكنوا من تحويل تلك الموارد الخام إلى منتجات “صنعت بأفريقيا”، تسهم في خدمة الأهداف التجارية والصناعية الجديدة للقارة.

ويتضح مما سبق أن عقبات النقل والشحن تؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين في أفريقيا من خلال عدم وجود خطوط ملاحية بحرية وجوية منتظمة بين مصر ومعظم دول أفريقيا، بالإضافة إلى عدم كفاءة الموانئ في العديد من الدول، وأوجه القصور التي تشوب خطوط السكك الحديدية بالدول الأفريقية، وتظهر هذه المشكلات بشكل أوضح في الدول الحبيسة مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة النقل والشحن إلى أفريقيا وتحكم شركات الشحن الأجنبية في فترة الشحن التي قد تصل إلى 28 يومًا؛ مما قد يؤدي إلى تلف البضائع في بعض الأحيان.

خامسًا: مقترحات لتفعيل صناعة التأمين الأفريقية

يتعين دراسة كل الأسواق المستهدفة في أفريقيا وطرح المعوقات التي يواجهها المصدرون من قبل، وكيفية التغلب عليها؛ فكلما توافرت معلومات عن هذه الأسواق تم تقديم منتج تأميني يؤمن المصدرين بشكل أوسع وأشمل، ويستطيع أن يرفع قيمة التأمين، خاصة أن منظومة التأمين منظومة عالمية هدفها مثل أي مشروع هو الربح؛ لذلك لا بد أن تعمل بمنظومة تحمي الشركة، وفى نفس الوقت تحمي أموال العميل وتقلل من المخاطر التي قد يتعرض لها لأي ظروف، ويعد خطاب الضمان عائقًا يواجه الكثير من المصدرين والمستوردين، لذا لا بد من توافر بدائل تساعد على إمكانية التأمين على البضائع المتجهة للسوق الأفريقية.

إن التأمين متناهي الصغر يأتي في صدارة الأبعاد الواجب على الشركات اكتساب خبرات الأسواق الأفريقية بها؛ حيث إن هذه النوعية من التأمين تحتاج إلى تدعيم خبرات في السوق المصرية للوصول إلى معدلات نمو مرتفعة بها، لتسهم في جذب شرائح جديدة من العملاء وتعظيم محفظة أقساط لتصل إلى 50 مليار جنيه وفقاً للخطة الاستراتيجية القومية الموضوعة من جانب الهيئة العامة للرقابة المالية لتعظيم حجم أعمال القطاعات المالية غير المصرفية خلال الـ4 سنوات المقبلة.

ومع ازدياد القدرة الاستعابية في المنطقة تحتاج شركات التأمين إيجاد طرق  ابتكارية لزيادة النشاط وخدمة العملاء، كما ساعدت التكنولوجيا الرقمية وانتشار الهواتف والأجهزة الذكية والنظم المبتكرة في تحقيق دفعة قوية لصناعة التأمين بالقارة، وضرورة تعميق مسار التعاون الإقليمي والدولي وتعزيزه وزيادة قنوات التواصل بين شركات التأمين الأفريقية مع الأسواق الخارجية.

يعتبر سوق التأمين الأفريقي من أهم ركائز عملية التطوير التي تنشدها شركات التأمين بعد حزمة التشريعات التأمينية التي سنتها الدول الأفريقية لتغيير مناخ الاستثمار لديهم وفتح آفاق التعاون بعد التغيير الواضح في السياسات الاقتصادية والاستثمارية الأفريقية، أيضًا يعد اختيار فرص الاستثمار المناسبة كلمة السر في نجاح المشروعات الاقتصادية خاصة في المجالات التي تسعي لجذب مزيد من العملاء مثلما يحدث في قطاع التأمين؛ حيث تعتمد فرص الاستثمار على نتائج الاختبارات والدراسات الاكتوارية لاحتياجات السوق ومعدلات التدفق على الشهادات التأمينية أو الوثائق التي تصدر لتغطية ما، أو تقوم بعملية لصالح مرحلة من مراحل مشروع قائم أو مشروع مزمع إنشاؤه بالنسبة للأسواق المحلية والخارجية. كما أن حجم الاستثمار الأفريقي آمن مما يعطي مجالًا مفتوحًا لتعزيز القدرات التنافسية للشركات التأمينية في أفريقيا، خاصة أن معدلات نمو هذا القطاع بلغت 40% من إجمالي الاستثمار في قلب القارة السمراء، إضافة إلى وصول قيمة التعزيزات التأمينية لقرابة 6 مليارات دولار لتغطي نسبة ضئيلة جدًّا من العملاء في هذه القارة الكبيرة والتي لا تزيد عن 2% فقط.

هناك تفاؤل كبير بمستقبل قطاع التأمين في أفريقيا وهذا مرهون بارتفاع المؤشرات الاقتصادية، كما أن هناك ضرورة لاتخاذ عدد من الإجراءات الاحترازية للتحوط من المخاطر السياسية وتقييم السعر الفني العادل عند قبول الاكتتاب فيه، فضلاً عن ضرورة تحسين الشركات نتائج أعمالها بصفتها المسئولة عن ذلك، إضافة إلى مقاطعتها المضاربات السعرية التي أضرت بسمعة القطاع. 

تهتم كل الدول العربية والأفريقية والأجنبية بهذه السوق الواعدة وتعمل على حفز مؤشرات الاستثمار حولها؛ لأنها داعم رئيسي لتحريك عجلة التطور في المنطقة؛ حيث إن التحديات هي العائق الوحيد الذي يؤخر تنمية قطاع التأمين في أفريقيا لكن موارد القارة وثرواتها تعتبر أحد أهم المحفزات الداعمة للانطلاق والتوجه للاستثمار في مثل هذا السوق، ولا بد من مواجهة مخاطر الاستثمار في أفريقيا ووضع حلول مع المسئولين عنها بدلًا من الهروب إلى أسواق أخرى.

وختامًا يمكن دعم وتطوير صناعة التأمين في أفريقيا من خلال دعم خطط التنمية الصناعية وتحفيز الدول على تطبيق اتفاقية التجارة الحرة القارية، والتعجيل بالانتهاء من باقي المراحل التفاوضية الخاصة بها.

الهوامش


[1]  الهيئة العامة للرقابة المالية في مصر

 www.fra.gov.eg

[2]  المرجع السابق مباشرة

[3] AfricaRe: Annual Report & Accounts 2019.

[4] Idem.

[5] Osei-Mensah, Steve: Insurance opportunities in Sub-Saharan Africa,( Kenya: Nairobi, ,2019),at:

https://www.ey.com/Publication/vwLUAssets/ey-insurance-opportunities-sub-saharan-africa/$FILE/ey-insurance-opportunities-sub-saharan-africa.pdf

[6] Ukpeh, Gabriel, Susan de Klerk, Insurance Industry Survey 2019 ,( Nigeria: Lagos, PwC Africa Insurance,2019),at:

https://www.pwc.com/ng/en/assets/pdf/nigeria-insurance-survey.pdf

[7] Ibid.

[8] Ibid.

[9] Idem.

[10] World Bank: World Bank Database at www.worldbank.org

[11] شركة مصر القابضة للتأمين

www.misrholding.co

[12] Muguto, Victor: African insurance industry poised for growth,2018) ,at:https://www.pwc.co.za › south-african-insurance-2018

[13]  منظمة العمل الدولية: التأمين الصغير في أفريقيا،

https://www.findevgateway.org › mfg-ar-microfinance-in-africa-27460

[14] the World Bank: African Development Indicators, (Washington D.C.: World Bank, 2018).

[15]  Jaime de Melo and Yvonne Tsikata, Regional Integration in Africa Challenges and prospects,WIDER Working Paper 2014/037, (Finland: World Institute for Development Economics Research, United Nations University, 2 February 2017) , p. 13.

[16] Jaime de Melo and Yvonne Tsikata, op.cit, p.15.

[17]  الأمم المتحدة: مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، (جنيف: الأمم المتحدة، 2017).

[18]  د. سالي محمد فريد: “التكتلات الاقتصادية وآفاق إنشاء منطقة التجارة الحرة الأفريقية“، التقرير الاستراتيجي الأفريقي 2017-2018، (جامعة القاهرة: معهد البحوث والدراسات الأفريقية، 2018)، ص 204.

[19] African Development Bank: China and Africa: An Emerging Partnership for Development, Belvédère, TUNIS: African Development Bank Group, 2018.

[20] Ibid.,

[21]  لي ليان خه، الصين وأفريقيا… يدًا بيد نحو مستقبل أفضل، نشر بتاريخ : 22 تشرين2/نوفمبر 2018 https://goo.gl/8grsdF

[22] U.S. Census Bureau, U.S. Bureau of Economic Analysis, Monthly U.S. International Trade in Goods and Services September 2018 (Washington DC: U.S. Department of Commerce, November 2, 2018).

[23]  الأونكتاد : تقرير الاستثمار العالمي لعام 2018 (جنيف: مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية UNCTAD، 2018)

  1. Piet Buys, Uwe Deichmann, David Wheeler: “Road Network Upgrading and Overland Trade Expansion in Sub-Saharan Africa“, (Washington DC. The World Bank, Paper no. 4097, December, 2018.

[25] Jaime de Melo and Yvonne Tsikata, Regional Integration in Africa Challenges and prospects, WIDER Working Paper 2017/037, (Finland: World Institute for Development Economics Research, United Nations University, 2 February 2017) , p. 13.

13- African Development Bank, Review of the Implementation Status of the Trans African Highways and the Missing Links, Vol. 1, Main Report. www.afdb.org

error: كل الحقوق محفوظة!!