كتبت – د. شيماء محيي الدين أستاذ العلوم السياسية المساعد- كلية الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة

تعتبر منطقة الساحل الأفريقي من أكثر المناطق المستهدفة من قبل الجماعات الإرهابية في القارة، حيث تشهد نشاطًا مكثفًا من جانب العديد من التنظيمات الإرهابية التي تهدد أمنها واستقرارها، وجدير بالذكر أن غالبية التنظيمات الإرهابية التي تنشط في المنطقة تتصل بتنظيم القاعدة وتنظيم داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية الدولية الممتدة في مناطق مختلفة من العالم، وجدير بالذكر أيضًا أن غالبية الجماعات الإرهابية النشطة في منطقة الساحل ترفع راية إسلامية بالرغم من أن ممارساتها بعيدة كل البعد عن الإسلام، كما تعمل على إثارة النزعات الإثنية والدينية، ويلاحظ أن التنظيمات الإرهابية في المنطقة تحكمها اعتبارات المصالح التي تدفعها إما إلى التنسيق مع بعضها البعض أو إلى الانشقاق عن الجماعة الأم وتأسيس جماعات أخرى، ولقد أسفرت الهجمات الإرهابية في منطقة الساحل عن العديد من التداعيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية بالغة الخطورة، وكان من أبرز هذه التداعيات: تزايد أعداد القتلى من ضحايا الهجمات الإرهابية، وتصاعد موجات اللجوء والنزوح في دول المنطقة، وتدهور الأوضاع الإنسانية للمواطنين، وتزايد حدة أزمة الغذاء، وغير ذلك من آثار كارثية بدت تشكل خطورة حقيقية على شعوب المنطقة.

ولعل هذا ما دفع العديد من القوى الدولية إلى التدخل في المنطقة وذلك حرصًا على حماية مصالحها ومصالح رعاياها من جانب، ودرءًا للمخاطر التي تنعكس عليها سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر نتيجة تصاعد الهجمات الإرهابية في المنطقة بشكل غير مسبوق خلال الخمس سنوات الماضية.

 ولقد تعددت المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل. وهنا تجدر الإشارة إلى أن فرنسا كانت من أوائل الدول التي تدخلت عسكريًّا بشكل صريح وبتفويض دولي، وذلك بدعوى مكافحة الإرهاب لا سيما في مالي، وحرصًا على مصالحها الاستراتيجية وحماية رعاياها في المنطقة، ولعل هذا ما يستوجب دراسة الدوافع التي حدت بفرنسا إلى التدخل عسكريًّا في منطقة الساحل، والتي ما زالت تدفعها إلى زيادة حجم قواتها العسكرية في المنطقة من أجل توطيد دعائم وجودها في الساحل.

 وفي هذا الإطار، تسعى هذه الورقة إلى دراسة الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل الأفريقي، وما مر به من مراحل وما له من أهداف منذ تدخل فرنسا عسكريًّا بموجب عملية سيرفال عام 2013. وتحقيقًا لهذا الهدف، تم تقسيم الورقة إلى ثلاثة محاور تبدأ بعرض دوافع الوجود العسكري الفرنسي في الساحل، ثم تنتقل الدراسة لبحث مظاهر الوجود الفرنسي في منطقة الساحل مع التركيز على عملية برخان في هذا المقام، وصولًا إلى القسم الثالث والأخير من الورقة، والذي يتضمن أبرز التحديات التي تواجه الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل، لا سيما فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب في المنطقة.

أولا: دوافع الوجود العسكري الفرنسي في الساحل

 لقد حظيت منطقة الساحل الأفريقي باهتمام دولي واسع النطاق لاسيما خلال العقدين الماضيين، وتعتبر فرنسا من أبرز القوى الدولية النشطة في المنطقة، وذلك نظرًا لما تتمتع به من نفوذ وتأثير في منطقة الساحل كونها الدولة الاستعمارية السابقة التي ارتبطت بروابط وثيقة بدول الساحل حتى بعد الاستقلال، وبصفة عامة يمكن رصد جملة من العوامل الاقتصادية والأمنية التي شكلت دافعًا قويًا لتعزيز الوجود العسكري الفرنسي في منطقة الساحل الأفريقي. ولعل من أهم هذه الدوافع ما يلي

1 – مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية

 تعتبر منطقة الساحل من أبرز بؤر الإرهاب على مستوى القارة الأفريقية، ولعل من أبرز الجماعات الإرهابية التي تجدر الإشارة إليها في هذا المقام كل من: جماعة أنصار الدين، تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي (والمعروف في المنطقة بتنظيم القاعدة في بلاد الصحراء)، المرابطون، حركة أنصار الإسلام، حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، جماعة بوكو حرام وجماعات أخرى، ولقد شنّت هذه الجماعات هجمات وحشية راح ضحيتها المئات من المدنيين الأبرياء، فضلًا عن عدد من القوات العسكرية الخاصة بدول الساحل، ليس هذا فحسب، بل إن دول المنطقة قد أصبحت مصدرًا لإمداد أوروبا بالمهاجرين بالطرق غير الشرعية وطالبي اللجوء، حيث أثبتت البيانات الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة أن النيجر مثلًا تعتبر دولة العبور الرئيسي لأكثر من 75% من المهاجرين واللاجئين الذين يصلون إلى ليبيا ثم إلى السواحل الأوروبية والإيطالية[1]، وهنا تجدر الإشارة إلى أن منطقة الساحل تعد أكثر المناطق طردًا للهجرات الأفريقية التي تتوجه مباشرة إلى فرنسا، ومن هذا المنطلق، تحرص فرنسا على بقاء قواتها في المنطقة لتحقيق الاستقرار في غرب أفريقيا لمواجهة تلك الهجرات التي تهدد أمنها القومي[2]

2 – حماية المصالح الفرنسية الخاصة بتأمين مصادر الطاقة والموارد في المنطقة

 تعتبر فرنسا من أبرز القوى الدولية النشطة في المنطقة، وذلك نظرًا لما تتمتع به من نفوذ وتأثير في منطقة الساحل كونها الدولة الاستعمارية السابقة التي ارتبطت بروابط وثيقة بدول الساحل حتى بعد الاستقلال، ولا شك أن الاهتمام الفرنسي المتزايد بالمنطقة إنما يجد تبريرًا قويًّا بالنظر إلى المصالح الفرنسية في هذه المنطقة الغنية بالثروات والموارد الطبيعية، وتعتبر دول المنطقة مصدرًا هامًّا للطاقة، حيث تعتبر النيجر مثلًا خامس دولة منتجة لليورانيوم في العالم، وبالمثل تعتبر تشاد من كبرى الدول المنتجة للنفط، كما تشير العديد من الدراسات إلى تمتع مالي بقدرات وإمكانيات تعدينية هائلة؛ فهي من مصدري الذهب، فضلًا عن تمتعها بإمكانيات هائلة لاكتشاف النفط، كل هذا يجعل من المنطقة مجالًا للتنافس الدولي بغية تأمين مصادر الطاقة، لاسيما وأن هذا الهدف يعد هدفًا استراتيجيًّا رئيسيًّا بالنسبة لعدد كبير من الدول في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا[3].

ثانيًا: مظاهر الوجود العسكري الفرنسي في الساحل

 لقد عملت فرنسا على توطيد دعائم وجودها العسكري في منطقة الساحل الأفريقي، وذلك عبر مجموعة من العمليات والمبادرات العسكرية بدعوى مكافحة الإرهاب في الساحل، وبخاصة في ظل التحديات الأمنية بالغة الخطورة التي تهدد استقرار دول المنطقة، ولعل من أهم العمليات العسكرية الفرنسية في المنطقة ما يلي:

  1. عملية سيرفال

تمثل عملية سيرفال باكورة التدخل العسكري الفرنسي في الأزمة المالية، ففي ديسمبر عام 2012، نجحت فرنسا في استصدار قرار رقم 2085 من مجلس الأمن، والذي يخول للقوات الفرنسية التدخل عسكريًّا في مالي بهدف الدفاع عن السلامة الإقليمية وإعادة سلطة الدولة على المناطق التي سيطر عليها المتمردون، ولقد بدأ التدخل العسكري الفرنسي بالفعل في 11 يناير 2013 بطلب من الرئيس المالي تراوري إثر قيام الطوارق بالسيطرة على إقليم الشمال بالكامل والتوجه جنوبًا للسيطرة على العاصمة باماكو، وبالرغم من نجاح التدخل العسكري الفرنسي في وقف تقدم الجماعات الإرهابية إلى الجنوب ودفعهم إلى خارج المناطق التي سبق وسيطروا عليها، إلا أن الجماعات الإرهابية استمرت في ممارسة نشاطها في المنطقة[4].

2 – عملية برخان

في أغسطس 2014، بدأت عملية برخان الفرنسية، والتي من خلالها تمت إعادة نشر قوة قوامها 3000 جندي فرنسي في مجموعة دول الساحل الخمس، وتجهيز هذه القوة بطائرات مقاتلة ومروحيات وعربات مصفحة وناقلات جوية، مع منحها صلاحيات للعمل عبر الحدود لملاحقة الإرهابيين في الدول الخمس، ومنذ ذلك الحين توحّدت العمليات الفرنسية التي تضم قرابة 4500 جندي تحت اسم عملية برخان، وتعمل القوات الفرنسية في هذا الإطار على نحو وثيق مع القوات المسلحة في منطقة الساحل[5].

 وبالإضافة إلى ما تقدم، يمثل التحالف من أجل منطقة الساحل، الذي انطلق في يوليو 2017 بناءً على مبادرة فرنسية ألمانية، آلية تنسيق بين الشركاء التقنيين والتمويليين الذين يبلغ عددهم اليوم 18 شريكًا، والذين قرروا تعزيز اتساق المساعدات الإنمائية، بالتعاون الوثيق مع البلدان الأعضاء في المجموعة الخماسية لمنطقة الساحل، ويركز التحالف نشاطه القصير الأجل على دعم السلطات المحلية والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية بغية تحسين الظروف المعيشية للمواطنين في المناطق الأكثر تضررًا من الإرهاب، وبموجب هذا التحالف قدّم الشركاء الدوليون مبلغ قدره +11,6+ مليار يورو، خصصت لتنفيذ أكثر من 800 مشروع يستهدف إرساء الاستقرار بغية تلبية الاحتياجات الطارئة للسكان وتوفير الخدمات الأساسية وتعزيز التماسك الاجتماعي.

3 – دعم القوة المشتركة التابعة للمجموعة الخماسية لمنطقة الساحل

تعتبر القوة المشتركة التابعة للمجموعة الخماسية لمنطقة الساحل التي أسسها رؤساء بلدان المجموعة عام 2017 في باماكو مؤشرًا دالًّا على حرص بلدان المنطقة على تولي زمام أمنهما وتنسيق إجراءاتهما في المناطق العابرة للحدود، وتشمل مهام القوة المشتركة مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود والاتجار بالبشر في الأراضي التابعة لبلدان المجموعة الخماسية لمنطقة الساحل، ولقد كان للدعم الدولي -وبخاصة الفرنسي- الذي حظيت به هذه القوة أكبر الأثر في تمكنها من تحقيق بعض الإنجازات، وتنفيذ بعض العمليات التي جرى تنسيق بعضها مع عملية بارخان الفرنسية التي تزودها بالكثير من الدعم الضروري لاستمرارها في إنجاز مهامها[6].

  • 4 – الشراكة من أجل الأمن والاستقرار في منطقة الساحل

بالرغم من الجهود العسكرية الفرنسية سالفة الذكر، إلا أن العمليات الإرهابية ما زالت في تزايد، وفي هذا الإطار، طالبت بوركينا فاسو يوم 16 مايو 2019 الأمم المتحدة، وأعضاء مجلس الأمن بتأسيس «تحالف دولي» ضد الإرهاب لمنطقة الساحل، شبيه بالتحالف الدولي ضد الإرهاب بالعراق وسوريا، وجاء رد الفعل الدولي خلال قمة مجموعة السبع في بياريتز المنعقدة في أغسطس عام 2019، حيث أعلن رئيس الجمهورية الفرنسية إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بمعية رئيس بوركينا فاسو السيد روش كابوريه وهو الرئيس الحالي للمجموعة الخماسية لمنطقة الساحل، إنشاء الشراكة من أجل الأمن والاستقرار في منطقة الساحل، وترمي هذه الشراكة مع بلدان المنطقة إلى تعزيز فعالية الجهود المبذولة في مجالي الدفاع والأمن الداخلي، وكذا إلى تحسين سبل تنسيق الدعم الدولي وإلى دعم الإصلاحات الضرورية في هذين المجالين. وتعمل فرنسا حاليًا على إنشاء عملية جديدة تحت اسم “تاكوبا”، تضم قوات خاصة من نحو عشر دول أوروبية[7].

5 – قوة تاكوبا

في مطلع شهر يناير من عام 2020، أعلنت فرنسا وعدد من حلفائها في أوروبا عم اعتزامهم تشكيل قوة عسكرية جديدة باسم “تاكوبا” (Takuba)، على أن تتكون هذه القوة من عدد من القوات الخاصة، إلى جانب جيوش مالي والنيجر، وذلك لمكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة في منطقة الساحل، وجدير بالذكر أن كلمة تاكوبا تعني السيف، وهو ما يشتهر استخدامه في منطقة الساحل، لا سيما من قبل الطوارق وجماعات أخرى مثل الهوسا والفولاني، وفي هذا السياق أفادت بعض التقارير الصادرة في يناير 2020م بأن فرنسا واجهت صعوبات بالغة في إقناع بعض الحلفاء الأوروبيين -مثل ألمانيا- ليكونوا جزءًا من قوة “تاكوبا” العسكرية، ولقد أصدر ممثلو 13 دولة هي: (فرنسا، بلجيكا، جمهورية التشيك، الدنمارك، إستونيا، ألمانيا، مالي، هولندا، النيجر، النرويج، البرتغال، السويد، المملكة المتحدة) بيانًا يوم 27 مارس 2020، تعهدوا خلاله ببذل المزيد من الجهود لمكافحة الإرهاب في المنطقة، ولقد أكد البيان الصادر من الدول الـ 13 السالف بيانها أن: “قوة “تاكوبا” ستكون لها “قدرة تشغيلية أولية بحلول صيف 2020، ومن المتوقع أن تصبح جاهزة للعمل بحلول أوائل عام 2021”. ومن المنتظر أن تضطلع قوة تاكوبا بدور بارز في مساعدة الجيوش الإقليمية في مواجهة الجماعات المسلحة، بحيث تصبح وكأنها قوة مكملة للجهود التي تبذلها عملية “برخان” الفرنسية والقوة الإقليمية المشتركة لدول الساحل الخمس السابق الإشارة إليها[8].

ثالثًا: تحديات الوجود العسكري الفرنسي في الساحل

بالرغم من الدعم العسكري الكبير لقوة «برخان» الفرنسية، لا يزال جيش الساحل لمكافحة الإرهاب لا يعمل بشكل كامل، بعد خمس سنوات من التعبئة والدعم، وبالتالي لم يصل إلى نسبة 80% من الإمكانية والنشاط الذي كان مرسومًا له في أفق 2019، ولعل هذا ما يستوجب رصد أبرز التحديات التي تواجه الوجود العسكري الفرنسي في المنطقة، وتحول دون مكافحة الإرهاب في دول الساحل، ومن أبرز هذه التحديات ما يلي:

  1. تزايد حجم الهجمات الإرهابية بالرغم من كثافة الوجود العسكري الدولي في المنطقة

تشير الإحصاءات ذات الصلة بعدد الهجمات الإرهابية في منطقة الساحل الأفريقي إلى أن ثمة تزايدًا كبيرًا في عدد الهجمات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، فضلًا عن تزايد أعداد الضحايا في إطار هذه الهجمات بنحو خمسة أضعاف خلال الأربع سنوات الماضية، وذلك طبقًا لتقارير الأمم المتحدة، حيث إن العمليات الإرهابية التي نفذتها الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء قد ارتفع من 90 عملية في عام 2016 إلى 194 عملية في عام 2017، ثم تزايد هذا العدد بشدة خلال عام 2018 حتى وصل إلى 465 عملية إرهابية راح ضحيتها المئات من المواطنين الأبرياء، وبالرغم من عدم وجود حصر دقيق لأعداد العمليات التي شهدتها المنطقة خلال عام 2019، إلا أن التحليلات تشير إلى اتجاه الهجمات نحو المزيد من التزايد والتصعيد مقارنة بالأعوام السابقة، ومن ناحية أخرى، فقد تزايد عدد ضحايا هذه الهجمات من 770 حالة وفاة نتيجة الهجمات الارهابية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو عام 2016 إلى نحو 4000 حالة عام 2019[9]، ليس هذا فحسب، بل إن نحو 34% من الهجمات الإرهابية في منطقة الساحل قد استهدفت المدنيين بالأساس، حيث زاد عدد الهجمات التي تستهدف المدنيين من 18 عملية عام 2016 إلى 39 عملية عام 2017 ثم إلى 160 عملية عام 2018[10]، ولقد استطاع تنظيم «داعش» الإرهابي بالساحل الأفريقي توسيع عملياته في النصف الأول من عام 2019، لتشمل 7 دول بالساحل، وصولًا إلى بحيرة تشاد، ويأتي هذا التمدد العنيف رغم الجهود الدولية والإقليمية التي تقودها فرنسا، والتي تضم 20 دولة، بالإضافة لنشاط القوات الخاصة الأمريكية بالنيجر، وبعثة الأمم المتحدة المكونة من 15 ألف جندي[11]، وتأتي هذه الموجة العنيفة من الهجمات الإرهابية لتضع العديد من علامات الاستفهام حول سياسة مواجهة الإرهاب بالساحل، ذلك أن تصاعد هجمات الجماعات الإرهابية يعد مؤشرًا دالًّا على أن إمكانية مكافحة الإرهاب استنادًا إلى الآليات والعمليات الحالية قد باتت مسألةً محلَّ شكٍّ، خاصة في ظل عدم نجاح جهود قوات «برخان»، ولا جيوش منطقة الساحل السبعة، في هزيمة الإرهاب أو حتى إضعافه في المنطقة.

  • 2 – تقليص حجم القوات العسكرية الأمريكية في المنطقة

تعتمد الجهود الفرنسية لمكافحة الإرهاب في دول الساحل بدرجة كبيرة على المعلومات الاستخباراتية التي تقدمها القوات الأمريكية في منطقة الساحل، وهو الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات طويلة، وفي الوقت الذي أعلنت فيه فرنسا أنها ستزيد عدد قواتها في الساحل إلى أكثر من 5000 جندي، كما بدأت بدعم قدراتها العسكرية على الأرض، ولا سيما استخدام الطائرات بدون طيار، أصدرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية تقريرا تحدثت خلاله عن انسحاب محتمل للقوات الأمريكية من منطقة الساحل الأفريقي، وذلك في أواخر ديسمبر من عام 2019، ولقد تزامن هذا التقرير مع إعلان البنتاجون اعتزامه استبدال جزء من فرقة مشاة تضم عدد كبير من الجنود بعدد مماثل من المتدربين والمستشارين العسكريين في إطار خطة إعادة انتشار القوات الأمريكية في القارة، وذلك لدعم القوات المحلية في الدول الأفريقية[12]، ولقد أثارت هذه التصريحات حفيظة فرنسا التي أعربت عن قلقها البالغ إزاء هذه الخطوة، كما طالبت الولايات المتحدة صراحة بوقف خططها الرامية لتقليص وجودها العسكري في الساحل، وجدير بالذكر أن فرنسا تعتمد بشكل كبير على المعلومات المخابراتية والتسهيلات اللوجستية الأمريكية لقواتها على نحو ما سبقت الإشارة[13]، ولذا فقد طالبت فرنسا الولايات المتحدة الأمريكية بالاستمرار في دعم عملياتها ضد الإرهابيين في غرب القارة الأفريقية، كما أعرب وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، للصحفيين عن “أمله أن يتحليا بالمنطق ويحافظا على هذه الشراكة، وأن يسود الحس الصائب”[14]

3 – تنامي الاستياء الشعبي من الوجود العسكري الفرنسي في دول الساحل

 بالرغم من الدعم المادي والوجود العسكري المكثف لفرنسا وغيرها من القوى الدولية النشطة في منطقة الساحل لتحقيق الاستقرار، فقد شهدت المنطقة تصاعدًا في أعمال العنف على نحو ما سبقت الإشارة إليه، ولعل هذا ما أدى إلى تغذية الشعور بين السكان بأن ثمة فائدة ربما تعود على القوات الأجنبية من حالة انعدام الأمن في المنطقة، وفي هذا الإطار، شهدت مجموعة دول الساحل الخمس حالة من الاستياء الشعبي من الوجود الأجنبي وبخاصة الفرنسي على أراضيها، ولعل هذا ما أثار قلق فرنسا من زيادة الشعور بالعداء لها خصوصًا في مالي التي شهدت الجمعة 10 يناير 2020 تظاهرة لنحو ألف شخص في العاصمة باماكو للمطالبة برحيل القوات الفرنسية والأجنبية، ولقد كان المحتجون يجوبون شوارع العاصمة المالية باماكو، متوجهين نحو «نصب الحرية» في قلب المدينة، ويرددون شعارات مناهضة للوجود العسكري الفرنسي، من قبيل: «نعم لرحيل القوات الفرنسية!»، و«لترحل فرنسا»، و«نعم لرحيل القوات الأجنبية!»، بينما يرفع أكثر المحتّجين تطرّفًا شعارات تقول: «أوقفوا المجازر الفرنسية في مالي»، ولقد بدأ هذا الرفض الشعبي منذ عدة أسابيع في بوركينا فاسو حيث ما زال قطاع عريض من المواطنين يعتبر فرنسا بمثابة قوة استعمارية، وأن جنودها الموجودين في الساحل مهمتهم الأولى الحفاظ على المصالح الفرنسية، وليس محاربة الإرهاب أو حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة[15]، وربما هذا ما دفع فرنسا لدعوة رؤساء مجموعة دول الساحل الخمس لقمة بو Sommet de Pau في فرنسا يوم الإثنين 13 يناير 2020، بهدف “إضفاء الشرعية مجددا” على وجودها في المنطقة، ودعوة الشركاء الدوليين للتحرك، ولقد شارك في القمة رؤساء دول مجموعة الساحل الخمس، تشاد والنيجر وبوركينا فاسو ومالي وموريتانيا، فضلًا عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فقيه، ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال. ولقد جاءت الدعوة للقمة في أعقاب الإعلان عن أكبر خسائر يواجهها جيش النيجر حتى الآن، على إثر هجوم جهادي استهدف معسكر شينيغودار بالقرب من مالي، أسفر عن مقتل 89 جنديا[16].

   وجدير بالذكر أن الدعوة للقمة قد جاءت بشكل مفاجئ في مطلع ديسمبر 2019 من قبل الرئيس الفرنسي الذي شعر بالاستياء من الانتقادات العلنية للرأي العام في هذه الدول لوجود نحو 4500 عسكري من قوة برخان الفرنسية في المنطقة، وتصريحات لبعض وزرائهم اعتبرت مبهمة، وعند إطلاقه هذه الدعوة المفاجئة التي اعتبرها رؤساء الدول الخمس بمثابة “استدعاء”، حذر الرئيس ماكرون من أنه سيضع كافة الخيارات الممكنة أمام رؤساء دول الساحل، من ضمنها خيار انسحاب قوة برخان أو خفض عدد المشاركين فيها، لكن الرئيس الفرنسي أرجأ هذه القمة بعد الهجوم الدموي على معسكر إيناتس في النيجر، الذي قتل فيه 71 شخصًا، وكان الأكثر دموية منذ 2015[17].

ولعل في اختيار المدينة التي انعقدت فيها القمة ما يبرره، حيث تشكل “بو” مركز قاعدة الفوج الخامس للمروحيات القتالية الذي ينتمي إليه سبعة من 13 جنديًّا فرنسيًّا قتلوا خلال عمليات في مالي في نوفمبر 2019. وتعد هذه أكبر خسارة يتكبدها الجيش الفرنسي منذ الهجوم على مقر قيادة القوة الفرنسية دراكار في بيروت في 1983 الذي أودى بـ58 شخصًا[18]، ولقد وضع الرئيس ماكرون مع نظرائه الأفارقة إكليلًا من الزهور تكريمًا لأرواحهم، وقد انتهت فاعليات القمة بصدور إعلان مشترك من قبل الرؤساء الخمسة، يؤكد أن فرنسا تعمل في دولهم بطلب منهم بهدف “إضفاء الشرعية مجددا” على وجودها في المنطقة.

خاتمة

 لقد تبنت فرنسا جملة من العمليات العسكرية التي استهدفت من خلالها مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، وبالرغم من مرور قرابة ست سنوات على انطلاق عملية برخان، باعتبارها واحدة من أكبر العمليات العسكرية الفرنسية في المنطقة، إلا أن المتأمل للإحصاءات ذات الصلة بأعداد الهجمات التي تشنها الجماعات الإرهابية على دول المنطقة، وكذا المتأمل لحجم الآثار الكارثية التي خلفتها تلك الهجمات، من تزايد أعداد الضحايا وارتفاع أعداد اللاجئين والنازحين وغير ذلك من آثار، يدرك دونما عناء أن العمليات العسكرية الفرنسية لم تحقق أهدافها المرجوة منها بالنظر إلى حجم التصعيد في نشاط الهجمات الإرهابية في المنطقة، ولعل هذا ما أثار حفيظة العديد من المواطنين في دول الساحل، لدرجة دفعتهم إلى الخروج في مسيرات منددة بالوجود الفرنسي في دولهم. وفي هذا السياق، فالواقع يشير إلى أن ثمة حاجة ملحة لمراجعة الاستراتيجية التي تتبناها فرنسا بالتعاون مع دول مجموعة الساحل الخمس بغية مكافحة الإرهاب في المنطقة، على نحو ما يجعلها أكثر فعالية في تحقيق أهدافها المنشودة خاصة في ظل العديد من التحديات التي باتت تهدد قدرة القوات الفرنسية في مكافحة الإرهاب في المنطقة، والتي بدا من أبرزها الخطط الأمريكية الرامية إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، في الوقت الذي تعمل خلاله فرنسا بكل جهد على إقناع شركائها داخل أوروبا وخارجها بزيادة عدد قواتها الدولية في هذه المنطقة المضطربة من العالم، وتتعلق العديد من الآمال على عملية تاكوبا التي من المنتظر أن تصبح مكملة لعملية برخان لمكافحة الإرهاب في الساحل، وهنا يمكن القول أنه إن لم تتمكن فرنسا في إطار عملية تاكوبا المزمع انطلاقها عمليا في مطلع عام 2021 من السيطرة على هذه الموجة الشرسة من الهجمات الإرهابية في منطقة الساحل، فإن احتمالات استمرار وجودها العسكري في المنطقة تعتبر مسألة محل شك، خاصة إذا لم تستطع استعادة ثقة شعوب دول الساحل بشأن جدوى وجودها العسكري في المنطقة.


[1] زينب حسني عز الدين: الوجود العسكري الأجنبي في منطقة الساحل الأفريقي

https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=07052018&id=ad2f6498-25b4-4faf-9a17-095681abca28
https://bit.ly/2vRQRmu

[2] لماذا تخاف فرنسا من انسحاب القوات الأمريكية من الساحل الأفريقي؟

[3] The United Nations: UN Support Plan for the Sahel: Working Together For A Prosperous and Peaceful Sahel, (May 2018), pp. 5- 7.

https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/english_summary_report.pdf

[4] د. رانيا حسين خفاجة: “فرنسا وجهود مكافحة الإرهاب في أفريقيا: تقاطعات الداخل والخارج”، إبراهيم أحمد نصر الدين (محرر): الإرهاب وتأثيره على العلاقات العربية الأفريقية، (بغداد: المركز العراقي الأفريقي للدراسات الاستراتيجية، 2016)، ص ص 159- 160.

[5] Ministère des armées: Opération Barkhane

https://www.defense.gouv.fr/content/download/492362/8406707/DP-BARKHANE-0118.pdf

[6] الدبلوماسية الفرنسية: التهديد الإرهابي وأنشطة فرنسا في منطقة الساحل

https://www.diplomatie.gouv.fr/ar/politique-etrangere-de-la-france/securite-desarmement-et-non-proliferation/terrorisme-l-action-internationale-de-la-france/article/la-menace-terroriste-au-sahel

[7] المرجع السابق

[8] حكيم نجم الدين: تاكوبا.. قوة عسكرية جديدة لفرنسا وحلفائها في منطقة الساحل

http://qiraatafrican.com/home/new/%D8%AA%D8%A7%D9%83%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%82%D9%88-%D8%A9-%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A-%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7-%D9%88%D8%AD%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%A6%D9%87%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%86%D8%B7%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84#sthash.63q7snGN.dpbs

[9] أخبار الأمم المتحدة: بن شمباس: ارتفاع عدد ضحايا الهجمات الإرهابية في منطقة الساحل بنسبة خمسة أضعاف منذ 2016

https://news.un.org/ar/story/2020/01/1046801

[10] اليوم السابع: 465 عملية إرهابية شهدتها منطقة الساحل والصحراء في أفريقيا خلال 2018

https://www.youm7.com/story/2019/3/2/465-%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%B4%D9%87%D8%AF%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D9%85%D9%86%D8%B7%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D9%81%D9%89-%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7-%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%84/4158557

[11] شيخ محمد: فرنسا ودول الساحل… نحو تدويل الحرب على الإرهاب: في ظل المتغيرات الأمنية والاعتبارات السياسية

https://aawsat.com/home/article/2087931/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7-%D9%88%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D9%86%D8%AD%D9%88-%D8%AA%D8%AF%D9%88%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8

[12] Helene Cooper, Thomas Gibbons-Neff, Charlie Savage and Eric Schmitt: Pentagon Eyes Africa Drawdown as First Step in Global Troop Shift,

[13] لماذا تخاف فرنسا من انسحاب القوات الأمريكية من الساحل الأفريقي؟ م س ذ

[14] العين الإخبارية: فرنسا تطالب أمريكا بعدم الانسحاب من الساحل الأفريقي

https://al-ain.com/article/france-america-military-withdrawal

[15] شيخ محمد: م س ذ

[16] إنجي مجدي: استدعاء فرنسي لرؤساء دول الساحل الأفريقي

https://www.youm7.com/story/2020/1/13/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A1-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%89-%D9%84%D8%B1%D8%A4%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%89-%D9%85%D8%A7%D9%83%D8%B1%D9%88%D9%86-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%B6%D9%8A%D9%81-%D9%82%D9%85%D8%A9-%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9/4584663

[17] فرنسا 24: زعماء دول مجموعة الساحل يجتمعون في فرنسا بدعوة من ماكرون لتعزيز سبل مكافحة الجهاديين

https://www.france24.com/ar/20200113-%D9%82%D9%85%D8%A9-%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84-%D9%85%D8%AC%D9%85%D9%88%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7-%D8%A8%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D9%85%D8%A7%D9%83%D8%B1%D9%88%D9%86-%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%B2%D9%8A%D8%B2-%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%81%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%8A%D9%86

[18] فرنسا 24: فرنسا: تكريم وطني الإثنين للعسكريين الـ13 الذين قتلوا في عملية ضد الجهاديين في مالي

https://www.france24.com/ar/20191127-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7-%D8%AA%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85-%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AB%D9%86%D9%8A%D9%86-%D9%84%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%8013-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A%D9%86-%D9%82%D8%AA%D9%84%D9%88%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A
error: كل الحقوق محفوظة!!