كتب – د. محمود زكريا محمود إبراهيم
مدرس العلوم السياسية بكلية الدراسات الأفريقية العليا
ونائب مدير مركز دراسات حوض النيل – جامعة القاهرة

تعد قضية تسوية الصراعات في أفريقيا بمثابة أحد أبرز القضايا ذات التأثير المركزي على واقع الدولة الوطنية والتنمية الاقتصادية، وذلك من منظور تأثيرها المباشر على منظومة السلم والأمن في أفريقيا؛ إذ إن الصراعات -سواءً الداخلية (الأهلية) أو الخارجية (البينية)- تشكل أحد التهديدات الرئيسية المباشرة لهذه المنظومة، وعلى الرغم من تفاوت كل من طبيعة العوامل المُحفزة لاندلاع هذه الصراعات والسياقات المكانية والزمانية المرتبطة بها، إلا أنها تشترك في كونها تنطوي بالأساس على حالة من التناقض في منظومة الأهداف والمصالح المرتبطة بأطراف الصراعات، وذلك على نحو قد يؤدي إلى إطالة أمدها أو ربما تجددها في مراحل تالية على توقفها عبر تبني اتفاقيات لوقف إطلاق النار.

وترتيبًا على ما سبق، جاءت تسوية الصراعات في أفريقيا على رأس الأولويات القارية المرتبطة بالاتحاد الأفريقي، وهو ما تجلى بوضوح من خلال التطلعات الواردة في إطار أجندة أفريقيا 2063: أفريقيا التي نريدها والتي تم تبنيها في عام 2013م؛ حيث تضمن التطلع الرابع في إطارها التأكيد على جعل أفريقيا قارة تنعم بالسلم والأمن، وذلك من خلال تبني مبادرة (اسكات البنادق في أفريقيا بحلول 2020) Silencing the Guns التي باتت بمثابة العنوان والقضية الرئيسية لقمة رؤساء الدول والحكومات الأفريقية المنعقدة في (أديس أبابا) في فبراير 2020م[1].

وفي ضوء الأهمية التي تطرحها هذه القضية جاءت هذه الدراسة في محاولة منها للاقتراب من الواقع المرتبط بتسوية الصراعات في أفريقيا، وذلك عبر إلقاء الضوء على الأليات المؤسسية أو الأجهزة المعنية بتأدية مهام منع وإدارة وحل الصراعات، انطلاقًا من كونها هي المرجعية الرئيسية المُحددة والناظمة لهذه المهام، وكذا تناول سبل تفعيل هذه  الآليات المؤسسية ، والتي تحفز بدورها من قدرتها على الاضطلاع بمهامها وفقًا للتصورات المُفترضة الخاصة بمهامها ووظائفها، ويمكن تناول ذلك كما يلي:

أولًا- آليات تسوية الصراعات في أفريقيا

شهدت آليات تسوية الصراعات في أفريقيا تطورًا مستمرًّا منذ تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963م؛ ففي عهد هذه المنظمة كان هناك جملة من الآليات لعل من أبرزها آليتين رئيسيتين، وهما لجنة الوساطة والتوفيق والتحكيم، وآلية منع وإدارة وحل الصراعات، وقد اندرجت الأولى ضمن الهيكل التنظيمي للمنظمة، ويمكن القول إنها لم تكن بمثابة آلية فعالة بشكل تام في تسوية الصراعات في أفريقيا، حيث لم يُعرض عليها أي صراع تقريبًا حتى مطلع التسعينيات من القرن العشرين، وذلك نظرًا لجملة من الأسباب ولعل أبرزها ترجيح الدول الأفريقية بديل التسويات السياسية في إدارة الصراعات والقائمة بالأساس على جهود الوساطة الخاصة لبعض الزعماء والقيادات الأفريقية، بينما نشأت الثانية بموجب الإعلان الصادر عن قمة منظمة الوحدة الأفريقية (OAU) المُنعقدة في (القاهرة) في 28 يونيو 1993م، والتي ضخت دماءً جديدة في مجال إدارة الصراعات في العديد من الدول الأفريقية، ومنها مثلًا بعثة المراقبة العسكرية القائمة في: رواندا (1991م- 1993م)، وبوروندي (1993م- 1996م)، وجزر القمر (1998م-2002م)، والكونغو الديمقراطية منذ عام 1999م.

وقد شهدت آليات تسوية الصراعات في أفريقيا تحولًا جذريًّا في ظل الاتحاد الأفريقي وذلك منذ صدور القانون التأسيسي له في مدينة (لومي)، وذلك في 11 يوليو 2000م، والذي نص ضمن مبادئه الواردة في إطار المادة الرابعة على تسوية الخلافات بين الدول الأعضاء بالوسائل المناسبة التي يقرها مؤتمر الاتحاد، منع استخدام القوة أو التهديد باستخدامها بين الدول الأعضاء في الاتحاد، ووضع حجر الأساس لمشروعية تدخل الاتحاد الأفريقي في الشئون الداخلية للدول الأعضاء وذلك في ظل ثلاثة أوضاع محددة على سبيل الحصر، والمتمثلة في جرائم الحرب، والإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية[2].

كما تبنى الاتحاد الأفريقي آليات محددة لتسوية وإدارة الصراعات في القارة، وهو ما تبلور بالأساس من خلال نصوص البروتوكول المنشئ لمجلس السلم والامن الأفريقي الصادر في يوليو 2002م، ويمكن تناول هذه الآليات على النحو التالي: 

  • مجلس السلم والأمن

يعد أحد الأجهزة التابعة للاتحاد الأفريقي، والدعامة الرئيسية لبناء السلم والأمن الأفريقي (APSA)، وقد اقتُرح إنشاؤه في قمة لوساكا في عام 2001م، وقد تم تبنى البروتوكول المُنشئ له في يوليو 2002م، والذي دخل حيز النفاذ في ديسمبر 2003م ، وبدأ عمله فعليًّا في مارس 2004م، ويعد هذا المجلس بمثابة الجهاز المركزي لصنع القرار بشأن قضايا منع وإدارة وحل الصراعات في أفريقيا، ويدعم المجلس في عمله مجموعة من الأجهزة الأخرى وهي: جهاز الإنذار المبكر القاري، والقوة الأفريقية الجاهزة، وصندوق السلام، ولجنة الحكماء، ولجنة أركان الحرب[3].

ويتكون المجلس من خمس عشرة دولة منتخبة، يتم انتخاب عشر دول منهم كل عامين، بينما يتم انتخاب الخمسة الآخرين كل ثلاثة أعوام، ويراعي في عملية الانتخاب مبدأ التمثيل الإقليمي للخمس أقاليم الفرعية في أفريقيا وقاعدة التناوب، وذلك بواقع ثلاث دول عن كل إقليم من أقاليم وسط وشرق وجنوب القارة الأفريقية، ودولتين من إقليم شمال أفريقيا، وأربع دول من إقليم غرب أفريقيا، ويتم تعيينهم من قبل المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي، وثمة مجموعة من الاعتبارات الحاكمة لاختيار الدول الأفريقية لعضوية هذا المجلس، ولعل من بينها المساهمة في صنع وبناء السلم وحل الصراعات على المستوى الإقليمي والقاري، وتأدية الالتزامات المالية للاتحاد الأفريقي، والمساهمة في صندوق السلم، وامتلاك بعثات دائمة مدربة ومجهزة في المقرات المتعلقة بالاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة.

ويضم التشكيل الحالي لمجلس الأمن كلا من (رواندا، جيبوتي، كينيا) من إقليم الشرق الأفريقي، (أنجولا، ليسوتو، زيمبابوي) من إقليم الجنوب الأفريقي، (بوروندي، غينيا الاستوائية، الجابون) من إقليم الوسط الأفريقي، (الجزائر، المغرب) من إقليم الشمال الأفريقي، (نيجيريا، سيراليون، توجو، ليبيريا) من إقليم الغرب الأفريقي، علمًا بأن عضوية خمس من هذه الدول وهي (الجزائر، بوروندي، كينيا، نيجيريا، ليسوتو) في المجلس تمتد لمدة ثلاثة أعوام على أن تنتهي بحلول 31 مارس 2022م، في حين أن عضوية باقي الدول وعددها (10) تمتد لمدة عامين فقط على أن تنتهي بحلول 31 مارس 2020م[4].   

ويجتمع هذا المجلس مرة واحدة سنويًّا على مستوى رؤساء الدول والحكومات، وقد يجتمع مرتين شهريًّا على مستوى الممثلين الدائمين، ويعقد اجتماعاته في مقرات الاتحاد الأفريقي أو لدى دولة عضو بناءً على طلبها، على أن يكون ذلك مدعومًا بموافقة أغلبية ثلثي الدول الأعضاء فيه، وتمتلك كل دولة عضو صوت واحد، ويتخذ المجلس قراراته وفقًا لقاعدة التوافق، وفي حال تعذر التوصل للتوافق، يتخذ قراراته بالأغلبية البسيطة فيما يخص المسائل الإجرائية، وبأغلبية الثلثين فيما يخص باقي المسائل الأخرى[5].

  • لجنة الحكماء Panel of the Wise

تعد أحد الآليات المساعدة لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في تأدية مهامه، وقد حدد نص المادة (11) من البروتوكول المنشئ للمجلس الإطار القانوني الناظم لعمل هذه اللجنة، وتتكون وفقًا له من خمس شخصيات أفريقية مؤثرة، بحيث يكون لكل منهم مساهمات بارزة في مجالات السلم والأمن والتنمية في القارة الأفريقية، ويتم اختيارهم من قبل رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي عقب مشاورات مع الدول الأعضاء المعنية وذلك وفقًا لقاعدة التمثيل الإقليمي، ويُعينهم مؤتمر رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي لمدة ثلاثة أعوام.

وقد تم تشكيل أول لجنة للحكماء في الفترة (ديسمبر 2007- 2010)، وتلا ذلك تشكيل ثلاث لجان متتالية وصولًا للجنة الحكماء الحالية (2018- 2022)، وتجتمع هذه اللجنة ثلاث مرات سنويًّا على الأقل لتأدية المهام المنوطة بها أو كلما اقتضت الظروف ذلك لتأدية مهامها أو بناءً على طلب من مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي أو رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، على أن يكون ذلك في مقرات الاتحاد الأفريقي أو خارجها وذلك بعد التشاور مع رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي.

وتتمثل اختصاصات هذه اللجنة في تقديم النصح والمشورة لمجلس السلم والأمن ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي بشأن التعامل مع الصراعات، وتسهيل إنشاء قنوات للاتصال بينهما من جانب والأطراف المتنازعة من جانب أخر، ومن أجل منع تصاعد النزاع القائم، وتنفيذ المهمات الخاصة بالكشف عن الحقائق، وقيادة الدبلوماسية المكوكية بين الأطراف المختلفة في الصراع، وذلك في حال غياب إمكانية إقامة حوار أو محادثات مباشرة فيها بينها[6].

  • نظام الإنذار المبكر القاري Continental Early Warning System

يعد أحد الآليات المساعدة لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، وقد حدد نص المادة (12) من البروتوكول المنشئ للمجلس الإطار القانوني الناظم لعمل هذا النظام، ويتكون هذا النظام وفقًا له من آليتين رئيسيتين، أما الأولى فتتمثل في مركز التحكم والمراقبة (Situation Room)، وتكمن وظيفته في جمع وتحليل البيانات، بينما يكمن الثاني في وحدات التحكم والمراقبة المتعلقة بالأليات الإقليمية، والتي تقوم بجمع ومعالجة البيانات على المستوى الإقليمي ونقلها لمركز التحكم والمراقبة.

وتتمثل اختصاصات هذا النظام بالأساس في القيام بمهمة المنع والتوقع للصراعات، وذلك من خلال تحليل التطورات والمستجدات القارية وترشيح أفضل المسارات وخطط العمل، وذلك بالاعتماد على وحدة قياس للإنذار المبكر، والتي تستند بدورها على جملة من المؤشرات المتنوعة سواءً أكانت ذات طبيعة سياسية، اقتصادية، اجتماعية، عسكرية، أو إنسانية محددة ومقبولة، ومن أجل معاونة هذا النظام على أداء مهامه تتعاون مفوضية الاتحاد الأفريقي مع الأمم المتحدة بوكالاتها المختلفة والمنظمات الدولية ذات الصلة ومراكز الأبحاث والمؤسسات الأكاديمية والمنظمات غير الحكومية، ويستخدم رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي المعلومات التي قام هذا النظام بتجميعها من أجل تقديم النصح لمجلس السلم والأمن الأفريقي.

وقد تمت الموافقة على تبني الإطار التشغيلي لهذا النظام من قبل المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في (أديس أبابا) في عام 2007م، حيث تم الاتفاق على تبني مفوضية الاتحاد الأفريقي كافة الإجراءات والخطوات الضرورية بشأن التنفيذ الكامل للإطار التشغيلي لنظام الإنذار المبكر القاري بحلول عام 2009، والمتمثلة في: جمع وتحليل بيانات الصراعات، إصدار تقارير بشأن الإنذار المبكر الفعال لتسهيل التفاعل مع صانعي القرارات، التنسيق والتعاون مع التجمعات الاقتصادية الإقليمية والامم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني، فضلًا عن تعبئة الموارد المالية والفنية والبشرية المتطلبة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي والشركاء الآخرين[7].

  • القوة الأفريقية الجاهزة African Standby Force

تعد القوة الأفريقية الجاهزة بمثابة أحد أهم الآليات المعاونة لمجلس السلم والأمن في تأدية مهامه، وقد حدد نص المادة (13) من البروتوكول المنشئ للمجلس الإطار القانوني الناظم لعمل هذا القوة، وتتشكل هذه القوة وفقًا له من وحدات جاهزة متعددة التخصصات (عسكرية، وشرطية، ومدنية)، وتكون جاهزة للانتشار السريع في التوقيت المناسب للتعامل مع مواقف الأزمات الطارئة، وتتكون القوة الأفريقية الجاهزة من خمس فرق عسكرية أو قوى جاهزة على المستوى الإقليمي الفرعي أو الأقاليم الأفريقية الفرعية، وتكمن الوظائف المتعلقة بالقوة الأفريقية الجاهزة في المجالات التالية:

  • بعثات التحكم والمراقبة.
  • التدخل في الظروف الخطيرة بناءً على طلب من الدولة العضو لاستعادة السلم والأمن بها وذلك وفقًا لنص المادة الرابعة من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي.
  • الانتشار الوقائي من أجل منع تصعيد نزاع أو صراع أو انتشار صراع عنيف مستمر في المناطق أو الدول المجاورة أو تجدد أعمال العنف بعد توصل أطراف الصراع للاتفاق.
  • بناء السلم ويشمل ذلك تسريح القوات ونزع السلاح في مرحلة ما بعد الصراع.
  • تقديم المساعدات الإنسانية للتخفيف من معاناة المدنيين في مناطق الصراع ودعم جهود معالجة الكوارث الطبيعية الرئيسية.
  • أنماط أخرى من بعثات دعم السلم.
  • أي وظائف أخرى تفوض إليها من قبل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي أو مؤتمر رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي.

وعلى المستوى الفعلي، تم إجراء تدريبين عسكريين للوصول بهذه القوة إلى مرحلة التشغيل الكامل، أما التدريب الميداني القاري الأول (AMANI Africa I) فقد أُجرى في (أديس أبابا) وذلك في أكتوبر 2010م، وذلك بهدف تقييم الاستعداد التشغيلي لهذه القوة، بينما أُجري التدريب الميداني الثاني (AMANI Africa II) في جنوب أفريقيا وذلك في أكتوبر ونوفمبر 2015م، وتمثل الهدف منه في تطوير هذه القوة وتأكيد وصولها إلى القدرة التشغيلية الكاملة (FOC) بحلول نهاية هذا العام[8].

كما تم إنشاء أول قاعدة لوجستية على المستوى القاري في مدينة (دوالا) بالكاميرون وذلك في الخامس من يناير 2018م، والتي ترمي إلى دعم قدرات الاتحاد الأفريقي في مجال عمليات دعم السلم، وعلى الرغم من كل هذه الجهود المبذولة في هذا الشأن، إلا أن هذه القوة لم تصل لمرحلة التشغيل الكامل بعد، بحيث يتم توظيفها في إطار مواقف الأزمات في الدول الأفريقية[9].

  • صندوق السلام Peace Fund

تعود جذور تأسسيه إلى عام 1993م في ظل عهد منظمة الوحدة الأفريقية، ويعد بمثابة الآلية الرئيسية لتمويل أو توفير الموارد المالية اللازمة لأنشطة السلم والأمن في أفريقيا، وكذلك أحد الآليات المعاونة لمجلس السلم والأمن الأفريقي، وقد حدد نص المادة (21) من البروتوكول المنشئ للمجلس الإطار القانوني الناظم لعمل هذا الصندوق، ووفقًا له يحكم عمليات هذا الصندوق القواعد المالية المتعلقة بالاتحاد الأفريقي، وتتمثل موارده في المخصصات المالية المنبثقة عن الميزانية العادية للاتحاد، والتي تشمل المساهمات الطوعية من الدول الأعضاء ومصادر أخرى من داخل أفريقيا، والتي تشمل القطاع الخاص والأفراد والمجتمع المدني وأنشطة جمع التمويل، كما يجوز لرئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي قبول وجمع مساهمات طوعية من مصادر من خارج أفريقيا على أن يتسق ذلك مع أهداف ومبادئ الاتحاد الأفريقي.

وقد تم تفعيل هذا الصندوق بناءً على قرار صادر من قمة رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي المنعقد في (كيجالي) وذلك في يوليو 2016م، كما تبنت هذه القمة مقترحًا بشأن هيكلية صندوق السلم، وقد ارتكزت على ثلاثة مجالات رئيسية، وهي الوساطة والدبلوماسية الوقائية، القدرة المؤسسية، وعمليات دعم السلم، وفي إطار ذات القمة تم إقرار فرض رسم أو ضريبة بقيمة (0.2%) على الواردات الأفريقية، وذلك من أجل تمويل عمليات دعم السلم التابعة للاتحاد الأفريقي بدءًا من عام 2017م، ويعود هذا الرسم أو الضريبة على صندوق السلم بنحو (325) مليون دولار في عام 2017م، ويفترض أن ترتفع هذه القيمة إلي نحو (400) مليون دولار بحلول عام 2020م[10].

  • لجنة أركان الحرب Military Staff Committee

تعد من أهم الآليات المعاونة لمجلس السلم والأمن الأفريقي، وقد حدد نص المادة (13) من البروتوكول المنشئ للمجلس الإطار القانوني الناظم لاختصاصها وتشكيلها، وتتكون اللجنة وفقًا له من كبار الضباط العسكريين للدول الأعضاء في مجلس السلم والأمن، وقد تدعى أي دولة غير عضو في هذه اللجنة لحضور مداولاتها ومناقشاتها متى كان ذلك متطلبًا، وتهدف هذه اللجنة إلى تقديم النصح والمساعدة لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في كافة المسائل ذات الصلة بالمتطلبات العسكرية والأمنية لدعم والحفاظ على السلم والأمن في أفريقيا، كما تجتمع هذه اللجنة متى كان ذلك ضروريًّا لمناقشة المسائل التي تحال إليها من قبل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي[11].

  • قسم السلم والأمن التابع لمفوضية الاتحاد الأفريقي

بعد من أهم الآليات المعاونة لمجلس السلم والأمن الأفريقي وذلك وفقًا لنص المادة (2) من البروتوكول المنشئ للمجلس، حيث يختص بدعم جهود المجلس بشأن تنفيذ مهامه ومسئولياته وذلك وفقًا للبروتوكول المنشئ له، وكذلك دعم الأنشطة المتعلقة بمفوضية الاتحاد الأفريقي ذات الصلة بالسلم والأمن والاستقرار في القارة الأفريقية، وتتمثل الأهداف الرئيسية له فيما يلي:

  • تنفيذ السياسة الأفريقية المشتركة للدفاع والأمن.
  • تفعيل هيكل وبناء السلم والأمن الأفريقي.
  • دعم جهود منع وإدارة وحل الصراعات.
  • دعم البرامج المعنية بمسألة المنع الهيكلي للصراعات، وذلك من خلال برنامج الحدود التابع للاتحاد الأفريقي.
  • تنفيذ إطار السياسة المتعلق بإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الصراعات والتنمية.
  • تنسيق ودعم برامج السلم والأمن في أفريقيا وذلك بالتعاون مع التجمعات الاقتصادية الإقليمية والآليات الإقليمية لمنع وحل وإدارة الصراعات، فضلًا عن الشركاء الدوليين.

ويشمل هذا القسم على فروع أو أقسام داخلية، والتي تتمثل فيما يلي:

  • قسم الدفاع والأمن: يعد مسئول عن معالجة قضايا الأمن طويلة المدى/الأجل، تطوير استراتيجيات للسياسة الأفريقية الأمنية والدفاعية المشتركة، وسياسة التطوير وإعادة الإعمار فيما بعد الصراعات.
  • قسم عمليات دعم السلم: تكمن وظيفته في: التخطيط والتدشين والمتابعة لكافة عمليات دعم السلم التي تقوم بها أجهزة صنع السياسات في الاتحاد الأفريقي، والمتمثلة في مجلس السلم والأمن ومؤتمر رؤساء الدول والحكومات.
  • قسم إدارة الأزمات وإعادة الإعمار فيما بعد الصراعات: يهدف إلي دعم تنسيق الأنشطة المتعلقة بإدارة وحل الصراعات في أفريقيا، والتنمية وإعادة الإعمار وبناء السلم في مرحلة ما بعد الصراعات، ويشمل في إطاره على عدد من البرامج أو المبادرات أو الأطر، من قبيل سياسة التنمية وإعادة الإعمار فيما بعد الصراعات (PCRD)، ومبادرة التضامن الأفريقي.
  • قسم منع الصراعات والانذار المبكر: يركز هذا القسم على تفعيل بعض جوانب بناء السلم والأمن الأفريقي، والتي تشمل نظام الانذار المبكر ولجنة الحكماء (POW)، فضلًا عن برنامج الحدود التابع للاتحاد الأفريقي، والذي تكمن رسالته في منع وحل النزاعات المتعلقة بالحدود، وتطوير التعاون العابر للحدود وذلك في إطار التجمعات الاقتصادية الإقليمية ومبادرات التكامل الإقليمي[12].

ثانيًا – سبل تفعيل آليات تسوية الصراعات في أفريقيا

يمكن القول بأن آليات تسوية الصراعات في القارة الأفريقية شهدت تطورًا إيجابيًّا في ظل الاتحاد الأفريقي، وذلك بالمقارنة بعهد منظمة الوحدة الأفريقية، وذلك على النحو السالف توضيحه في إطار هذه الدراسة؛ فالإشكالية ليست في تطوير الهياكل والأطر المؤسسية المعنية بتسوية الصراعات في أفريقيا، بقدر ما يتعلق الأمر بجملة من الإشكاليات المؤثرة على كفاءة وفعالية هذه الآليات، والتي يمثل التغلب عليها فرصة لتطوير سبل تفعيلها، وتطرح الدراسة بعض هذه السبل والمتمثلة في النقاط التالية:

  1. توافر الإرادة السياسية الحقيقية للدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي

يمكن القول: إن فلسفة إنشاء وتفعيل آليات تسوية الصراعات في أفريقيا تعتمد بالأساس على مدى توافر الرغبة الفعلية والدعم والمساندة المُقدمة من قبل القيادات السياسية للدول الأعضاء، وهو ما تبلور بشكل جلي في كثير من المواقف، ومنها مثلًا الاستجابات أو ردود الفعل السلبية من قبل بعض الدول الأعضاء عندما تكون بعض المواقف في دولهم تنطوي على الحاجة إلى الإنذار المبكر، والتي أُدرجت ضمن الإشكاليات المُواجهة لتفعيل نظام الإنذار المبكر القاري من قبل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي وذلك في يوليو 2015م[13].

  • إتاحة الموارد المالية الأفريقية اللازمة لتمويل الأنشطة الخاصة بآليات تسوية الصراعات في القارة   

يقصد بذلك حشد التمويل المُتطلب لتمكين آليات تسوية الصراعات سواءً القارية أو الإقليمية الفرعية من أداء المهام والصلاحيات المنوطة بها، على أن يتم الاعتماد في ذلك بالأساس على مصادر من داخل أفريقيا، فعلى الرغم من وجود صندوق السلم المعني بهذا الأمر بالأساس، غير أن ثمة إشكالية تتعلق بمحدودية إجمالي المساهمات المالية للدول الأعضاء في الميزانية السنوية للاتحاد الأفريقي، والتي قد تصل في مجملها إلى نحو (40%) تقريبًا من إجمالي الميزانية السنوية له، وهو ما يعنى أن ثمة اعتمادًا رئيسيًّا على المساهمات المالية الوافدة من مصادر خارجية ومن بينها مفوضية الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يقلل بدوره من نطاق الاستقلالية المتعلقة بصنع القرارات الأفريقية في مجال السلم والأمن[14].

  • التقدم المتكافئ في تطور الآليات الإقليمية الفرعية المعنية بتسوية الصراعات في أفريقيا

تستند الفلسفة الحاكمة لعمل آليات تسوية الصراعات في أفريقيا على المستوى القاري (الاتحاد الأفريقي) على وجود آليات موازية على المستوى الإقليمي الفرعي (التجمعات الاقتصادية الإقليمية) بل إن هذه الأخيرة تعد بمثابة وحدات الارتكاز الرئيسية لوظائف ومهام الآليات القارية، وهو ما يعني أن الوصول لمرحلة التشغيل أو التنفيذ الكامل لمختلف الآليات القارية يقتضي تحقيق تطور متكافئ ومتوازن على مستوى الآليات الإقليمية الفرعية.

ويوجد لدينا العديد من النماذج الدالة في هذا الصدد، ونذكر منها على سبيل المثال التأثير السلبي للتقدم غير المتوازن للقوى الجاهزة التابعة لإقليمي الشمال والوسط الأفريقيين بالمقارنة بباقي أقاليم القارة على الوصول لمرحلة التشغيل الكامل للقوة الأفريقية الجاهزة، وهو ما أشار إليه الفريق المُفوض من قبل مؤتمر رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي ومجلس السلم والأمن الأفريقي في عام 2017، والذي تمثل دوره بالأساس في التحقق من مسألة الجاهزية التشغيلية لهذه القوة وتقديم التوصيات اللازمة في هذا الشأن[15].

  • تعزيز التنسيق والتعاون الأفريقي البيني بشأن تسوية الصراعات في القارة

يشكل التفاعل الأفريقي البيني أو “الأفرقة” Africanism أحد أبرز سبل تفعيل آليات تسوية الصراعات في أفريقيا، ذلك أن كثافة المساحات التعاونية الأفريقية تتناسب عكسيًّا مع حجم النفوذ الخارجي في هذا الشأن، ويشير الواقع القائم إلي وجود ثمة إشكالية رئيسية متمثلة بالأساس في حالة التنافس غير المتناغم بشأن تسوية الصراعات في أفريقيا وذلك على ثلاثة مستويات، أما الأول فيتمثل في المنافسة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي بعضهم البعض، بينما يكمن الثاني في المنافسة بين الآليات القارية والإقليمية الفرعية المعنية بتسوية الصراعات، في حين يتمثل الثالث في المنافسة بين الآليات القارية والفاعلين الدوليين الأخرين من جانب آخر في هذا الشأن.

فعلى الرغم من أن الرؤية الذاتية للاتحاد الأفريقي ترتكز على كونه بمثابة الفاعل الرئيسي في تسوية الصراعات في أفريقيا، غير أنه يواجه العديد من الإشكاليات المتعلقة باختصاصاته وصلاحياته، وذلك في ضوء مساعي بعض الدول الأفريقية التركيز على الحلول الفورية الذاتية. وذلك بالإضافة إلى رغبة بعض التجمعات الاقتصادية الإقليمية تسوية الصراعات الواقعة في نطاق أقاليمها في إطار مستقل عن التنسيق الكامل مع الاتحاد الأفريقي، وذلك من قبيل إيكواس وإيكاس في إطار إقليمي غرب ووسط أفريقيا على التوالي، حيث يسعيان إلى تحقيق المزيد من النفوذ السياسي والمالي بشأن الاستجابة للصراعات في إطار أقاليمهم. وكنتيجة لما سبق يتعين على مجلس السلم والأمن الأفريقي أن يعمد إلى تأسيس إطار للحوار السياسي القائم على التفاهم والتنسيق المسبق بين الاتحاد الأفريقي والدول الأعضاء التي تواجه أزمات متصاعدة من جانب، والأليات التابعة للتجمعات الاقتصادية الإقليمية من جانب آخر[16].


[1] – African Union Commission, African Agenda 2063: African We Want (Addis Ababa, 2015) PP:6-7

[2] – African Union, Constitutive Act of African Union (Lomé, 11 July 2000) Article.4.

[3] – African Union , Protocol Relating to the Establishment of the Peace and Security Council of the African Union (Durban , 9 July 2002) Articles. 2,3

[4] – African Union , “The Peace & Security Council” , Access Date: 18 Mars 2020, Available at:

https://au.int/en/psc

[5] – African Union, Protocol Relating to the Establishment of the Peace and Security Council of the African Union,Op.Cit.,Article.8

[6] – African Union, “Panel of Wise”, Access Date: 17 Mars 2020, Available at:

https://www.peaceau.org/en/page/29-panel-of-the-wise-pow

[7] – African Union , “The Continental Early Warning System (CEWS)”, Access Date: 15 Mars 2020 , Available at:

http://www.peaceau.org/en/page/28-continental-early-warning-system-cewsi

[8] – African Union, “The African Standby Force (ASF)”, Access Date: 10 Mars 2020 , Available at:

https://www.peaceau.org/en/page/82-african-standby-force-asf-amani-africa-1

[9] – Institute for Security Studies, “Is the African Standby Force any closer to being deployed?”, 2 NOV 2018, Access Date: 15 Mars 2020 , Available at:

https://issafrica.org/iss-today/is-the-african-standby-force-any-closer-to-being-deployed

[10] – African Union, “Peace Fund”, Access Date: 10 Mars 2020 , Available at:

https://au.int/en/aureforms/peacefund

[11] – African Union , The Peace & Security Council, Op.Cit.

[12] – African Union , “About Peace and Security”, Access Date: 12 Mars 2020 , Available at :

https://au.int/en/directorates/about-peace-and-security

[13] – African Union , “The Continental Early Warning System (CEWS)”,  Access Date: 15 Mars 2020 , Available at:

http://www.peaceau.org/en/page/28-continental-early-warning-system-cewsi

[14] – SIPIRI , “The African Union’s road to financial independence: Pragmatic or ideological?”, Access Date: 14 June 2017, Access Date :14 Mars 2020, Available at:

https://www.sipri.org/commentary/blog/2017/african-unions-road-financial-independence-pragmatic-or-ideological

[15] – Institute for Security Studies, Op.Cit.

[16] – International Crisis Group, “The Problems with “African Solutions”, 2 DEC 2013 , Access Date: 19 Mars , Available at:

https://www.crisisgroup.org/africa/problems-african-solutions

error: كل الحقوق محفوظة!!