كتب – محمد الدابولي

تعاني المواقع العسكرية المنتشرة في منطقة «ليبتاكو – جورما» الواقعة بين النيجر وبوركينافاسو ومالي من هجمات مسلحة تشنها الجماعات الإرهابية بصفة منتظمة لتحقيق غرضين؛ أولها إيكال الضربات لجيوش الدول الثلاثة وإضعافها، أما الغرض الآخر والأكثر أهمية فهو الاستحواذ على الذخائر والأسلحة التي تحويها المواقع العسكرية، وذلك لضمان استمرار القدرات القتالية لتلك الجماعات.

شهدت الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء خلال العقد الأخير تطورًا ملحوظًا في نوعية وكمية العتاد الحربي الذي تملكه، ويرجع ذلك إلى ظروف الحرب الأهلية الليبية التي اندلعت في فبراير 2011 على خلفية القتال بين قوات الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي وقوات المعارضة الليبة في ذلك الوقت.

بانهيار نظام «القذافي» عام 2011 باتت منطقة الساحل والصحراء تعج بالفوضى والارتباك، نظرا لتلاشي الدور المحوري الليبي في المنطقة عقب سقوط القذافي هذا من ناحية، وانهيار الجيش الليبي الذي باتت ثكناته العسكرية محط سرقة ونهب من الجميع؛ سواء ميليشيات متمردة أو جماعات إرهابية أو عصابات إجرامية تهدف إلى الاتّـجار غير الشرعي بالسلاح، وما هي إلا شهور قليلة حتى باتت الميليشيات المسلحة في منطقة الساحل والصحراء مدججة بأسلحة الجيش الليبي المسروقة، خاصة الأسلحة الخفيفة كالرشاشات، والمتوسطة كمدافع الهاون، وبعض المركبات المخصصة لنقل الجنود.

الارتدادات في مالي

أسفرت الأحداث السياسية في ليبيا عامي 2011 على تصدع منظومة الأمن الإقليمي على خلفية تهريب الأسلحة إلى معظم الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل، واشتداد عودها بالأسلحة الليبية المهربة؛ ففي يناير 2012 -أي بعد اندلاع الأحداث الليبية بـ11 شهرًا- اندلعت المواجهات بين عناصر الجيش المالي وبعض متمردي جماعة الطوارق.

أسفرت المواجهات بين الطرفين عن تفوق ملحوظ للمتمردين، خاصة في العتاد الحربي، الأمر الذي دفع بعض ضباط الجيش المالي -في مارس 2012- إلى الانقلاب على الحكومة المالية في بماكو، معلنين سخطهم على الحكومة لرفضها تزويد الجيش بالدعم اللازم في إطار حربه مع المتمردين، إلا أن حركة المتمردين المدعومين في ذلك الوقت بالعديد من الجماعات الإرهابية -مثل حركة التوحيد والجهاد وأنصار الدين- كانت أسرع، حيث نجحوا في السيطرة على مناطق شمالي مالي «غاو- تمبكتو» معلنين قيام دولة الأزواد.

تكتيك الهجوم

يشير الباحث «حسن كوني» في تقريره «Where do Sahel terrorists get their heavy weapons» المنشور في معهد الدراسات الأمنية إلى قيام الجماعات الإرهابية باستخدام تكتيك الهجوم الشامل والخاطف على المواقع العسكرية، من خلال استهداف المواقع بقذائف الهاون لإضعاف استحكامات تلك المواقع وإجبار الجنود على النزول في الملاجئ العسكرية، ثم تأتي الخطوة التالية المتمثلة في هجوم أعداد غفيرة من المقاتلين المستقلين الدراجات النارية والشاحنات الصغيرة، الأمر الذي يصعب على جنود تلك الوحدات الدفاع عنها مما يجعلهم للانسحاب منها تاركين خلفهم معدات وذخائر كفيلة بإعادة تسليح تلك الجماعات الإرهابية.

كشفت تلك الهجمات عن عبء جديد أمام جيوش المنطقة ألا وهو القدرة على تأمين الأسلحة والمعدات والحيلولة دون وصولها إلى يد الجماعات المتطرفة والإرهابية، خاصة أن تلك الهجمات تزايدت بعد انحسار عمليات التهريب في منطقة الساحل.

انحسار تهريب السلاح

حظيت التنظيمات الإرهابية -خاصة في منطقة الساحل- بوفرة مؤقتة في التسليح والمعدات القتالية في أعقاب سقوط القذافي، إلا أن مصادر توريد الأسلحة والأدوات اللوجستية في منطقة الساحل والصحراء تعرضت للنضوب والشح بفعل العديد من المتغيرات أبرزها:

  • التدخل الفرنسي في مالي: في يناير 2013 تدخلت فرنسا عسكريًّا في منطقة مالي في إطار عملية السرفال؛ للحيلولة دون تقدم ميليشيات حركة التوحيد والجهاد وأنصار الدين تجاه العاصمة بماكو، وبناء عليه أصبحت خطوط توريد الأسلحة لتلك التنظيمات وكذلك مخازنها هدفًا استراتيجيًّا للقوات الفرنسية.
  • إعادة انتشار الجيش الجزائري: في أعقاب التدخل الفرنسي في مالي، قامت جماعة إرهابية محسوبة على تنظيم القاعدة يقودها الإرهابي «مختار بلمختار[i]» في 16 يناير 2013 بالاعتداء على مصفاة نفط واقعة بمنطقة عين أميناس جنوب الجزائر  واحتجاز أكثر من 700 رهينة، الأمر الذي أدى لاستنفار الجيش الجزائري، وإعادة الانتشار والتمركز على الحدود مع كل من مالي والنيجر لوأد أي تحركات للتنظيمات الإرهابية من شأنها الإضرار بالأمن القومي الجزائري([ii])، وفي ديسمبر 2013 أعلنت قيادة الجيش الجزائري عن موافقة الرئيس الجزائري الأسبق «عبدالعزيز بوتفليقة» على خطة إعادة انتشار الجيش في جنوب الجزائر بعد زيادة تحركات جماعات المرابطون والموقعون بالدم وحركة التوحيد والجهاد([iii]). وفي مايو 2014 عزز الجيش الجزائري وحداته المرابطة على الحدود مع مالي والنيجر بـ5 آلاف جندي إضافي، بالإضافة إلى إنشاء قطاع عملياتي في ولاية إليزي الحدودية([iv]).
  • تحولات الموقف الليبي: ساهمت التحولات التي مرت بها الأزمة الليبية إلى انحسار  عمليات توريد السلاح إلى الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل، فمنذ عام 2014 اندلعت الحرب الأهلية الليبية بين قوات الجيش الليبي والميليشيات المسلحة الأمر الذي خلق طلبًا متزايدًا من الميليشيات على الأسلحة المهربة والمسروقة من مخازن الجيش الليبي، كما ساهم إحكام الجيش الليبي على مناطق الجنوب الليبي في تقليل عمليات تهريب الأسلحة في منطقة الساحل.

المواجهة

تشير الهجمات الأخيرة في منطقةليبتاكو – جورما إلى أن الجماعات الإرهابية تمتلك نَفَسًا طويلًا وتحاول جاهدة التغلب على كافة المعوقات والتكيف معها، فبعد انحسار خطوط التهريب لجأت إلى الهجوم على المواقع العسكرية للاستيلاء على الأسلحة والذخائر، ولمواجهة تلك الظاهرة الخطيرة ينبغي التحرك على العديد من الأصعدة المحلية والإقليمة والدولية. فمحليًّا ينبغي على الأجهزة والأمنية والاستخباراتية في النيجر ومالي وبوركينافاسو إنشاء محطات رصد وتعقب للجماعات الإرهابية، يكون هدفها تعقب ورصد الهجمات التي قد تتعرض لها المواقع العسكرية، أما على المستوى الإقليمي والدولي يجب على الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة دعم قوات الساحل (G-5) المكونة من جيوش مالي والنيجر وتشاد وموريتانيا وبوركينافاسو، حتى تتمكن تلك الدول من مواجهة الهجمات الإرهابية على المواقع العسكرية، من خلال دعم تحصينات المواقع العسكرية المخصصة لتخزين الأسلحة والذخ


[i] . فرانس 24، الجهادي الجزائري مختار بلمختار يعلن مسؤولية القاعدة عن عملية احتجاز الرهائن، 20 يناير 2013، متاح على الرابط التالي:

https://www.france24.com/ar/20130120-%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%A7%D8%B1-%D8%A8%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%AF%D8%A9-%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A6%D9%86

[ii] . بي بي سي عربي، عين أميناس: انتهاء أزمة الرهائن بمقتل 23 رهينة و32 مسلحا، 19 يناير 2013، متاح على الرابط التالي:

https://www.bbc.com/arabic/middleeast/2013/01/130119_algeria_death_toll_britain.shtml

[iii] . العربية، الجزائر تعزز انتشارها العسكري على حدود ليبيا ومالي، 2 ديسمبر 2013، متاح على الرابط:

https://www.alarabiya.net/ar/north-africa/algeria/2013/12/02/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%AA%D8%B9%D8%B2%D8%B2-%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AD%D8%AF%D9%88%D8%AF-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A

[iv] . البيان، الجزائر تواصل غلق حدودها البرية مع ليبيا ومالي والنيجر، 29 إبريل 2017، متاح على الرابط:

https://www.albayan.ae/one-world/arabs/2017-04-29-1.2930159