د. سالي محمد فريد

أستاذ الاقتصاد المساعد – كلية الدراسات الأفريقية العليا – جامعة القاهرة

تمثل عمالة الأطفال مشكلة خطيرة في أفريقيا، نتيجة أوضاع الفقر التي تعيش فيها قطاعات كبيرة من السكان، وانعدام إمكانية حصول الفقراء على تعليم مناسب، وعلى الرغم من وجود تشريعات تنظم عمالة الأطفال إلا أنها تفتقر إلى التنفيذ، وتعتبر البرامج الرامية إلى تخفيف حدة الفقر وتحسين التعليم والخدمات البشرية ضرورية لتخفيض أشكال عمالة الأطفال.

يعد العامل الاقتصادي من أهم العوامل التي تقف وراء عمالة الأطفال، ولهذا العامل أكثر من سبب ولكن أهمها: الحروب – والكوارث الطبيعيـة – وتـشرد الوالـدين – والهجرة غير الشرعية، وكلها تتسبب في انخفاض مستوى المعيشة والذي يعتبر العامل الرئيسي لعمالة الأطفال، والدافع لاستغلالهم؛ ففي بعض الأحيان يكون أجر الطفـل بمثابـة المـصدر الوحيـد، أو الأساسي للدخل الذي يكفل إعالة الوالدين أو أحدهما، ويوفر الاحتياجات الأساسية التي يعجـز الكبار عن توفيرها.

تهدف هذه الورقة إلى التعرف على تطور عمالة الأطفال في أفريقيا، وتحديد الآثار الاقتصادية المترتبة عليها، ودور المنظمات الإقليمية والدولية في الحد من هذه الظاهرة، وأخيرًا تعرض الورقة عددًا من المقترحات لمواجهة عمالة الأطفال في أفريقيا.

أولًا: تطور عمالة الأطفال في أفريقيا

شهدت القارة الأفريقية أكبر نسبة عمالة للأطفال حول العالم؛ حيث تشير الإحصاءات إلى أنَّ هناك 186 مليون طفل عام 2018 يعملون في القارات الست، منهم في أفريقيا وحدها 80 مليون طفل، يعملون في أعمال خَطِرَة، ويُجنّدون في الجيوش، ويقعون فريسة للفصائل المتقاتلة، ويعتبرون ضحية لغياب الأمن وسوء الأحوال الاقتصادية واندلاع الصراعات العرقية والقبلية[1].

ينخرط حوالي (20٪) من مجموع الأطفال الأفارقة في عمالة الأطفال، وهي نسبة تزيد عن ضعفي النسبة في أي منطقة أخرى. كما ينخرط 9% من الأطفال الأفارقة في أعمال خطرة، وهي أعلى نسبة على مستوى العالم. ولدى أفريقيا أكبر عدد من العمال الأطفال، حيث يقدر عدد الأطفال الأفارقة المنخرطين بعمالة الأطفال بنحو 72.1 مليون طفل، و31.5 مليون طفل في أعمال خطرة، وتقع النسبة الأكبر (85%) في مجالي الزراعة والتعدين.[2]

وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن نسبة الأطفال العاملين أعلى ما تكون في أفريقيا حيث يزاول طفل من كل ثلاثة أطفال في المتوسط شكلًا من أشكال النشاط الاقتصادي، معظمه في قطاع الزراعة. وبصفة عامة، تكون مساهمة الأطفال في قوة العمل أعلى كثيرًا في المناطق الريفية منها في المناطق الحضرية، ويعمل ثلاثة أرباع الأطفال العاملين في منشأة النشاط الذي تزاوله أسرهم. وتزاول نسبة 90% من الأطفال العاملين في المناطق الريفية أنشطة زراعية أو أنشطة مماثلة، بينما يعمل نظراؤهم في المناطق الحضرية بصورة رئيسية في قطاعات التجارة والخدمات، وعدد أقل في قطاعات الصناعات التحويلية والتشييد. وعلى الرغم من أن أطفال الشوارع في المناطق الحضرية حظوا باهتمام كبير، فإن أعدادًا أكبر بكثير تعمل في الزراعة والخدمة المنزلية. وبالمثل، فإن الأطفال العاملين في صناعات التصدير مثل المنسوجات والملابس والسجاد والأحذية قليلون نسبيًّا بالمقارنة بمن يعملون في الأنشطة الموجهة نحو الاستهلاك المحلي ويرجح أن أقل من 5% من الأطفال العاملين يعملون في قطاعات الصناعات التحويلية أو التعدينية الموجهة للتصدير، وأن نسبة تتراوح بين 1 و2% فقط تعمل في الزراعة الموجهة نحو التصدير.[3]

تعد قارَّة أفريقيا واحدة من القارات الأقل استقرارًا على مستوى العالم، وذلك بالوضع في الاعتبار كذلك منطقة شمال أفريقيا التي شهدت احتجاجات واسعة بدءًا من نهاية عام 2010، من أجل تحسين أحوال الشعوب الاقتصاديَّة.

وفي هذا الإطار يقع الطفل الأفريقي بين رحى الفقر وسندان العنف المسلح، وتشير الدراسات الاجتماعية إلى أنَّ عمالة الأطفال تؤدي إلى تشوُّهات نفسية في هؤلاء الأطفال عند الكبر؛ حيث تزداد لديهم ميول العنف وارتكاب الجرائم، وهذا يفاقم المشكلات الاجتماعية والسياسية والأمنية الموجودة بالفعل في أفريقيا جنوب الصحراء، والتي كثيرًا ما تَستخدم أولئك الأطفال أيضًا كمجندين في الصراعات طويلة الأمد، وكذلك في المناطق قليلة السكان، بالإضافة إلى استغلالهم في أعمال شديدة الخطورة، مثل المناجم ومصانع الإسمنت[4].

كما أن زيادة الصراعات الدينية في مناطق التوترات بين المسلمين والمسيحيين على سبيل المثال في جمهورية أفريقيا الوسطى قد أدَّت بدورها إلى زيادة تجنيد الأطفال في تلك الصراعات الدينية، التي تترك آثارًا عميقة على نفسية أولئك الأطفال وقدرتهم على العيش في تسامح في المستقبل مع أصحاب المعتقدات الأخرى. وبعد سقوط الحكومة في عام 2013، تضاعف عدد الجنود الأطفال في البلاد، وارتفع إلى أكثر من 6000، ومع ما يقرب من 400 ألف شخص نزحوا بسبب النزاع، حيث كانت هناك مخاوف من أن يزيد عدد المجندين الأطفال بشكل كبير. كما تمثل حالة جنوب السودان كذلك صراعًا يختلط فيه الصراع الديني بالسياسي، في ظل فشل دولة جنوب السودان في توفير الحد الأدنى من مقومات الدولة التي حلم بها مواطنوها عندما صوّتوا على الانفصال عن الشمال، بما تحمله كذلك من إرث للصراع الديني، وكذلك الصراع على مناطق الرعي والمياه والنفط. وفي أوغندا في السنوات العشرين الماضية، اختطف جيش الرب الأوغندي أكثر من 30 ألف طفل لاستخدامهم كأدوات للقتل والتعذيب والحرب. وتربعت النيجر وأنجولا ومالي وجمهورية أفريقيا الوسطى والصومال وتشاد وجنوب السودان على قائمة الدول الأكثر خطورة على الطفولة. فإن واحدًا من بين كل 10 أطفال يتوفون دون الخامسة من أعمارهم في أنجولا، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وتشاد، ومالي، ونيجيريا، وسيراليون، والصومال[5].

وقد أصدرت شركة “Maplecroft” للاستشارات الدولية مؤشرًا لتصنيف أسوأ الدول من حيث عمالة الأطفال، ووجد التقرير أن 6 من هذه الدول تتركز في أفريقيا، وفيما يلي أسوأ 10 دول من حيث عمالة الأطفال نذكر الدول الأفريقية منها وفقًا لما ذكرته “ورلد أطلس عام 2018 على النحو التالي:[6]

10- بوروندي

يقع أكثر من 68% من سكان بوروندي تحت خط الفقر، وينعكس ذلك على انتشار عمالة الأطفال إلى حد كبير، فمن بين كل 5 أطفال في الدولة هناك واحد داخل سوق العمل.
ويعمل الأطفال في بوروندي في المنازل والمزارع والمصانع، كما يتم تجنيد الكثير منهم ويُجبرون على المشاركة في الحروب.

 8- زيمبابوي

تنتشر عمالة الأطفال في زيمبابوي بشكل كبير، حيث يعملون في مختلف القطاعات مثل الزراعة والصناعة والخدمات، ويعمل نحو 96% من الأطفال في زيمبابوي في مزارع القطن وقصب السكر والشاي، بالإضافة إلى صيد الأسماك والتعدين والتسول.

5- السودان

يتركز في السودان عدد كبير جدًّا من الأطفال العاملين، فهناك نحو 45.6% من الأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين 10 إلى 14 عامًا ينخرطون في العمل. ولا يذهب سوى 31.5% من الأطفال إلى المدرسة ممن تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 14 عامًا. ويعمل نحو 60.2% من الأطفال العاملين في السودان في قطاع الزراعة، بينما يعمل 38.2% في قطاع الخدمات، ونسبة ضئيلة منهم يعملون في قطاع الصناعة.

 3- جمهورية الكونغو الديمقراطية

يُجبر الأطفال في الكونغو على العمل في مناجم الذهب والولفراميت والكولتان، إلى جانب مشاركتهم في النزاعات المسلحة. ويعمل نحو 3 ملايين طفل في الدولة في قطاعات عديدة من بينها الزراعة والصناعة والخدمات، ويتم تجنيد الأطفال قسرًا في الجيش بالدولة.

 2- الصومال

يساهم حوالي 39,8% من الأطفال الصوماليين الذين تتراوح أعمارهم بين 5 إلى 14 في سوق العمل، ويبلغ عدد الأطفال العاملين في الدولة نحو مليون طفل. ويعمل الأطفال هناك في تربية الماشية والزراعة والبناء والتعدين، بالإضافة إلى مشاركتهم في النزاعات المسلحة والأنشطة غير القانونية، كما يتعرضون للاستغلال الجنسي والاتجار بهم.

 1- إريتريا

تصدرت إريتريا القائمة حيث تطبق الحكومة برامج يُطلب بموجبها من الأطفال في الصف التاسع وحتى الحادي عشر أن يعملوا في مختلف المجالات مثل الزراعة والخدمات العامة.
كما يُجبر الأطفال في إريتريا على المشاركة في برامج التدريب العسكري الإلزامي، ورغم وجود قوانين لمنع عمالة الأطفال إلا أنها لا تُطبق؛ فالعمل القسري واستغلال الأطفال جنسيًّا منتشر على نحو كبير في الدولة.

ثانيًا: الآثار الاقتصادية لعمالة الأطفال في أفريقيا

يعزز الفقر ومشاركة الأطفال في النشاط الاقتصادي كل منهما الآخر. ويتسبب الفقر في عمل الأطفال. ويُضعف فرص الارتقاء الاجتماعي. فإنه كذلك يديم الفقر، حيث أنه ينعكس على إمكانية التعليم التي تحقق المكاسب لمدى الحياة. ويُفترض أن ينطبق هذا أيضًا على أي عمل يؤثر على صحة، وسلامة، والنشأة الاجتماعية للطفل. ومن وجهة نظر الاقتصاد الكلى والإضرار بتنمية الطفل، فإن عمالة الأطفال تؤدي إلى استدامة الفقر لأنه يحد من رأس المال البشرى اللازم لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وعلاوة على ذلك، فإن مشاركة الأطفال في النشاط الاقتصادي يزيد الفقر لأنه يزيد البطالة ونقص عمالة البالغين. ويعتمد ذلك على نوع العمل الذي يقوم به الأطفال، وفيما يتعلق بالعمل المأجور، في المصنع، على سبيل المثال يمكن تحويل الأطفال إلى كبار، وسيكون لذلك تأثير سلبي على مجال العمل، والأجور، وظروف العمل الأخرى للبالغين. كما أن عمل الأطفال له آثار تمييزية للغاية، ذلك لأنه يزيد من الأعباء والإعاقة التي تؤثر على الأفراد، والمجتمعات، هذا بالإضافة إلى هبوط مستوى الإنتاج من حيث الكم والكيف، فإن هناك أطفالًا يقومون بأعمال تحتاج إلى الدقة، خاصة في مجالي التشييد والبناء. وكذلك تضخم حجم قطاع الخدمات غير الإنتاجية.[7]

        وتشير الأدبيات الاقتصادية إلى أن معدل انتشار عمالة الأطفال وعدد الأطفال كنسبة من مجموع قوة العمل ينخفض مع ارتفاع متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي إجمالي، فمعدل اشتراك الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين العاشرة والرابعة عشرة في قوة العمل مرتفع جدًّا بنسبة 30- 60% في الدول التي يبلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها500  دولار أو أقل ولكنه يهبط إلى نسبة10- 30% في البلدان التي تتراوح فيها الدخول بين 500 دولار و1000 دولار، وتصبح هذه العلاقة السلبية بين الدخل وعمل الأطفال أقل وضوحًا في البلدان النامية الأكثر ثراء التي يتراوح فيها الدخل بين 1000 دولار و400 دولار، وعمومًا فكلما ارتفعت حصة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي، زاد معدل انتشار عمالة الأطفال[8].

كما يتضح من الأدبيات الاقتصادية انخفاض معدل انتشار عمالة الأطفال مع ارتفاع معدل القيد في المدارس، وقد تكون هذه العلاقة غير واضحة إلى حد ما؛ لأن بعض الأطفال قد يعملون لتمويل تكاليف تعليمهم أو تعليم أخواتهم الأصغر سنًّا. كما تتوفر بعض الأدلة على أن معدلات اشتراك الأطفال في قوة العمل ترتبط سلبًا بنسب المدرسين إلى التلاميذ، وقد يعكس هذا قضايا تتعلق بالنوعية -ابتداء من نقص المدرسين وحتى ازدحام الفصول الدراسية- وينتج عنها انخفاض التوقعات المتعلقة بالقيمة المضافة من التعليم وانخفاض العوائد الخاصة المتوقعة من تعليم الأطفال.[9]

تعد آثار النمو وتخفيض أعداد الفقراء، وتوسيع نطاق التعليم، والحد من النمو السكاني على عمالة الأطفال هي آثار مسلم بها بوضوح. وهناك أدلة على أن الأطفال المنتظمين في الدراسة أقل احتمالًا في أن يشتركوا في أشكال العمل الضارة، والتي تكون معظمها غير متسقة مع الانتظام العادي في الدراسة. وتشير الإحصاءات إلى أن 9 ملايين من الأطفال الإناث، و6 ملايين من الذكور متخلفون عن المدارس في الدول الأفريقية جنوب الصحراء. كما أظهرت أن نصف الأطفال في تشاد والصومال لم يذهبوا إلى المدارس أبدًا، فيما تشكل نسبة الأطفال المحرومين من حق التعليم في النيجر 55%، وجيبوتي 61%، وإريتريا 63%. أما في جنوب السودان فإنَّ ثلثي الأطفال محرومون من حق التعليم. كما أن الدول الأفريقية تتصدر دول العالم في نسبة معدلات عمالة الأطفال؛ حيث تبلغ نسبة الأطفال العاملين في الكاميرون 47%، وفي الصومال 49%، وغينيا بيساو 52%، ومالي 56% عام 2018[10].

وتُثير هذه الإحصاءات القلق؛ حيث إنها تقترب أو تزيد عن النصف في الكثير من الحالات، بما يشير إلى اقتران التسرب من التعليم وعمالة الأطفال وتجنيدهم في الصراعات بالنواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية المتدهورة، وكل تلك المشكلات ترتبط بصورة أو بأخرى بمعدلات التنمية، وكذلك بالعدالة الاجتماعية، ومدى تطبيق الديمقراطية، والتوزيع العادل للثروة في مناطق الريف والحضر.

ثالثًا: دور المنظمات الإقليمية والدولية في الحد من عمالة الأطفال

  • موقف المنظمات الإقليمية
  • الاتحاد الأفريقي

اعتمدت مختلف الدول الأفريقية خطط عمل وطنية للقضاء على عمالة الأطفال. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الجهود والتراجع العالمي في عمالة الأطفال، فمن المؤسف أن معظم البلدان التي تعاني من أسوأ ممارسات عمالة الأطفال توجد في أفريقيا، والتي تعد من بين أكثر المناطق تأثرًا بحالات هشاشة وأزمات الدولة، الأمر الذي أدى بدوره إلى زيادة خطر عمالة الأطفال. لذا انطلقت المشاورة الفنية حول مشروع خطة عمل الاتحاد الأفريقي العشرية للقضاء على عمالة الأطفال والعمل القسري والاتجار بالبشر والعبودية، بتاريخ 13 فبراير 2019، كجزء من جهود للاتحاد الأفريقي لتحقيق أهداف وتطلعات أجندة التنمية الأفريقية 2063 بشأن القضاء على كافة أشكال عمالة الأطفال في القارة، بما يتماشى مع الهدفين السابع والثامن من أهداف الأمم المتحدة 2030.

  • المجلس العربي للطفولة والتنمية

قام المجلس بتنفيذ وتقييم برامج تدخل لمواجهة مشكلة عمل الأطفال بالتعاون مع برنامج إيبك التابعلمنظمة العمل الدولية وبرنامج الخليج العربي للتنمية ”أجفند“. وتم إعداد الإستراتيجية العربية للحد من عمل الأطفال بالتعاون مع منظمة العمل العربية وجامعة الدول العربية، بالإضافة إلى المشروع العربي لحماية أطفال الشوارع، ومشروع سياسات حماية للطفل العربي، ومشروع إعلام داعم لنشر ثقافة حقوق الطفل، ومناهضة العنف ضد الأطفال[11].

  • موقف المنظمات الدولية

يقوم البنك الدولي بتفويض المنظمات الدولية المتخصصة، ويتيح لها ذلك إتباع نهج أكثر تركيزًا على قضايا عمالة الأطفال بشكل عام. فعلى سبيل المثال، تختص منظمة اليونسكو بالتربية والتعليم، وتتحمل منظمة اليونيسيف مسؤولية عالمية عن تحسين وضع الأطفال؛ وتختص منظمة العمل الدولية بالتوظيف وقضايا العمالة الأوسع نطاقًا على أساس ثلاثي، بينما هدف البنك الدولي هو مساعدة الدول المقترضة الأعضاء فيه في جهود الإعمار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وبالإضافة إلى ذلك يوجد اتفاق في الآراء على أن الشراكة على المستوى الدولي والقطري تمثل شرطًا مسبقًا لمكافحة عمالة الأطفال، وكثيرًا ما تسعى المنظمات الأخرى إلى التعاون مع البنك الدولي[12].

  • منظمة اليونيسيف

تدعم اليونيسيف خارطة الطريق للقضاء على أسوأ أشكال عمالة الأطفال، والتي تدعو إلى استجابة متكاملة لعمالة الأطفال. كما تدعم اليونيسيف المجتمعات المحلية في تغيير قبول عمالة الأطفال ثقافيًّا، وفي نفس الوقت تدعم استراتيجيات وبرامج توفير دخل بديل للعائلات والحصول على خدمات دور الحضانة والتعليم الجيد والخدمات الوقائية. وتعمل اليونيسيف أيضًا مع أصحاب العمل والقطاع الخاص على تقييم سلاسل إمداداتهم وممارساتهم التجارية ودراسة تأثيرها على الأطفال. وقد أعدت منظمة اليونيسيف قائمة مراجعة” للخيارات الاستراتيجية التي يمكن أن تحقق أفضل مصالح للطفل.” وبالنسبة لعمالة الأطفال وأشكال الاستغلال الاقتصادي الأخرى للأطفال، تتضمن القائمة: زيادة فرص التعليم إما عن طريق أخذ إجازة للانتظام في الدراسة وإما عن طريق توفير التعليم في مكان العمل؛ وتوفير خدمات إعالة لأولياء الأمور، خاصة الأمهات؛ وتشجيع التشدد في تطبيق القوانين ضد المتاجرين بالأطفال ومن يبرمون “عقود إذعان” في مجال عمالة الأطفال؛ وتوفير خدمات للأطفال الذين يعملون في الشوارع؛ ورفع سن الزواج؛ وتغيير القيم الثقافية والأعراف الاجتماعية التي تتساهل إزاء الاستغلال الاقتصادي للأطفال.[13]

  • منظمة العمل الدولية

قامت المنظمة باتخاذ إجراءات على المستوى القطري وتحسين التعاون الدولي. فعلى المستوى القطري، تدعو المنظمة إلى استراتيجية وطنية وإجراءات محددة لمكافحة عمالة الأطفال، لتحسين قواعد البيانات الخاصة بعمالة الأطفال لتوفير معرفة وتشخيص أفضل للوضع؛ وزيادة الوعي بمشكلة عمالة الأطفال؛ وإقامة تحالف اجتماعي عريض ضد عمالة الأطفال؛ وخلق قدرات مؤسسية للتعامل مع مشكلة عمالة الأطفال. وتدعو منظمة العمل الدولية البلدان الموقعة على اتفاقيات المنظمة ذات الصلة أو اتفاقية الأمم المتحدة المعنية بحقوق الطفل إلى اعتماد برامج عمل محددة زمنيًّا للقضاء على عمالة الأطفال. وتشمل الإجراءات المحددة التي اقترحتها منظمة العمل الدولية تحسين التشريعات الخاصة بعمالة الأطفال وإجراءات تطبيقها؛ وتحسين وتوسيع نطاق التعليم المتاح للفقراء؛ واستخدام حوافز اقتصادية “إيجابية” لتخفيض المعروض من عمالة الأطفال. كما أن منظمة العمل الدولية تحذر من استخدام الحوافز “السلبية” مثل العقوبات التجارية) ومن آثارها غير المقصودة على الأطفال العاملين، وأنه بدلًا من فرض عقوبات تجارية أو التهديد بفرضها ضد البلدان الأكثر فقرًا التي تلجأ إلى تشغيل الأطفال في أنشطتها ذات الصلة بالتصدير، يجب على البلدان المتقدمة أن تساعد هذه البلدان الأكثر فقرًا في حل مشاكلها المتعلقة بعمالة الأطفال[14].

  • البنك الدولي

يبذل البنك الدولي مزيدًا من الجهود في مجالات التعليم والصحة والسكان والتي تساعد بشكل مباشر على تخفيض معدل انتشار عمالة الأطفال وآثارها الضارة؛ مثل مبادرة البنك الخاصة بالأطفال، التي ترصد الأنشطة المتعلقة بالأطفال في مجالي الصحة والتعليم، ويتم توسيع نطاقها لتغطي القضايا المتعلقة بعمالة الأطفال. ويسعى البنك الدولي إلى التأكيد على تبني المبادرات في مجالات التعليم والصحة وتنظيم الأسرة والتشريعات العمالية وتطبيقها، وكذلك الحث على تنفيذ سياسات أخرى تستهدف تخفيض أعداد الفقراء، مثل برامج خلق فرص العمل وزيادة الدخل.[15]

 رابعًا: وسائل تخفيض عمالة الأطفال في أفريقيا

هناك عدة سبل مقترحة لمكافحة عمالة الأطفال، وتتمثل في تخفيض أعداد الفقراء؛ وتعليم الأطفال؛ وتقديم خدمات مساندة للأطفال العاملين؛ وزيادة الوعي الشعبي؛ وتشريع وتنظيم عمالة الأطفال؛ وإزالة الأشكال المسيئة لعمالة الأطفال من خلال إجراءات دولية، وذلك على النحو التالي:

  • تخفيض أعداد الفقراء

يعد انتشار الفقر أحد الأسباب الرئيسية في عمالة الأطفال، ففي الأسر الفقيرة، قد يسهم الأطفال بنسبة كبيرة في دخل الأسرة، مما يعني أن عمالة الأطفال قد تكون بالغة الأهمية للبقاء على قيد الحياة، نظرًا لأن هذه الأسر تنفق معظم دخلها على الغذاء، وفي هذا المجال قد تكون هناك أهمية خاصة للبرامج التي تحسن دخل الفقراء، وتعالج مظاهر عدم اكتمال أسواق رأس المال، وتوفر شبكات أمان[16].

  • تعليم الأطفال

إن الإجراءات التي تستهدف زيادة الاشتراك في التعليم الابتدائي تشجع تنمية رأس المال البشري بما له من نتائج اقتصادية واجتماعية إيجابية. وهناك ثلاثة سبل متمثلة في جعل التعليم الأساسي إلزاميا؛ وتسهيل انتظام الأطفال في العمل والدراسة معا؛ وتخفيض التكاليف التي تتحملها الأسر مقابل انتظام الأطفال في الدراسة. ويعتبر التعليم الإلزامي وسيلة دفاعية هامة ضد استعباد الأطفال وضد أكثر أشكال عمالة الأطفال استغلالًا، ويمثل تخفيض تكاليف التعليم خيارًا آخر؛ لأن ذلك يعطي حافزًا للأسر لتحويل المعروض من عمالة الأطفال نحو التعليم. وقد يتخذ هذا شكل تقديم إعانات تعليمية كالمنح الدراسية وتوفير المستلزمات التعليمية.[17]

  • تقديم خدمات مساندة للأطفال العاملين

تسعى معظم هذه المبادرات إلى مساعدة الأطفال الذين يعملون في القطاع الحضري غير الرسمي، على الرغم من أنه كانت هناك أيضًا مبادرات في المناطق الريفية. وتشمل المشروعات في المناطق الحضرية خطط التغذية، وتوفير مأوى ليلي، وتنفيذ برامج لمحو الأمية، وتنفيذ برامج أخرى، كما تسعى بعض المشروعات إلى مساعدة أسر الأطفال العاملين.[18]

  • زيادة الوعي الشعبي

يغطي الوعي الشعبي نطاقًا عريضًا من الأنشطة التي تشمل: تحسين معرفة الأطفال بأخطار العمل؛ وزيادة وعي أولياء الأمور بالخسارة في رأس المال البشري التي قد ترتبط بعمالة الأطفال؛ وتغيير محور تركيز واضعي السياسات.[19]

  • التشريع والتنظيم

لدى معظم الدول تشريعات ولوائح منظمة لعمالة الأطفال، ولكن كثيرًا ما يكون تطبيقها محدودًا، وهناك إدراك متزايد بأن التشدد في التطبيق العام، في ظروف كثير من الدول، قد يلحق الضرر بمن يستهدف التطبيق حمايتهم عن طريق تخفيض دخول الأسر الفقيرة وإجبار الأطفال العاملين على الدخول في أشكال العمالة المستترة الأشد خطرًا، وإذا كانت رواتب المفتشين منخفضة، فإن احتمال الرشوة وتطبيق التشريعات على أساس تقديري قد يصبحان خطرًا حقيقيًّا[20].

وختامًا يتضح مما سبق أنه يتعين على صانعي القرار وضع حد لعمالة الطفل بالإضافة إلى القضاء على الفقر، حيث تعد القطاعات الأشد فقرًا والمحرومة هي المصدر الرئيسي للأغلبية من الأطفال العاملين؛ فالحد من الفقر من خلال زيادة النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل، والتوزيع الأفضل للدخل، وتغيير ملامح الاقتصاد العالمي، والتخصيص الأفضل للموازنات الحكومية، والتوجيه الأفضل للممتلكات الخاصة من شأنها أن تقلل من معدلات الفقر وبالتالي تقليص عمالة الطفل للحد الأدنى .

الهوامش


[1] ILO: “Facts on Child Labor – 2018” (PDF). Geneva.

[2] Ibid.

[3] ILO “Child labor in Africa” (PDF). 2015.

[4] Canagarajah, R.S., and H. Columbe. 2015. “Child Labor in Africa”

[5] Karen Wells, Findings on the Worst Forms of Child Labor 2016.

[6] Maplecroft | Global Risk Data, Country Analysis & Consulting, www.maplecroft.com

[7] Grootaert, Christiaan, and Ravi Kanbur. “Child Labor: A Review.” World Bank Policy Research Working Paper 1454. Washington, D.C.

[8] Ibid.

[9] Siddiqi, Faraaz, and Harry Patrinos. 2015. “Child Labor: Issues, Causes and

 Interventions.” Human Resources Development Working Paper No. 56. World

 Bank, Washington, D.C.

[10] Ibid.

[11] المجلس العربي للطفولة والتنمية www.arabccd.org
 [12] World Bank: Human Development 3, Washington, D.C.

[13] UNICEF : The State of The World’s Children – 2011″ (PDF). 2012.

[14] ILO: “National programme on the elimination of child labour” (PDF). 2015.

[15] World Bank: Children’s Rights.” International Journal of Children’s Rights. vol. 4.

[16] Canagarajah, R.S., and H. Columbe, op.cit.

[17] Karen Wells, op.cit.

[18] Siddiqi, Faraaz, and Harry Patrinos, op.cit.

[19] Ibid.

[20] Grootaert, Christiaan, and Ravi Kanbur, op.cit.

error: كل الحقوق محفوظة!!