عرض – نداء كسبر

تحتل منطقة القرن الأفريقي، موقعًا استراتيجيًّا مهمًّا في منطقة جنوب البحر الأحمر، وذلك في الجزء الشّمالي الشرقي من القرن الأفريقي، وتتمتع بخصائص استراتيجية، وأهمية جغرافية سياسية (جيوبولوتيكية)، ما جعلها محطًّا للأنظار، ومجالًا للصراع العالمي، وذلك في ضوء تأثيرها على كل من البحر الأحمر كممر تجاري عالمي، وكذلك المحيط الهندي، فيحمل التنافس الدولي على الموانئ البحرية في منطقة القرن الأفريقي بعض الآثار المترتبة عليه، والتي تشمل طبيعة العلاقة بين الموانئ وبعضها البعض، إذ يتصاعد التنافس بينها، كما هو الحال بين مينائي جيبوتي ومومباسا الكيني، بهدف نَيْل لقب أكبر ميناء في أفريقيا والتحول إلى نقاط لوجستية مهمة للنقل والتجارة والاتصال مع العالم الخارجي، حيث دفع الموقع الجغرافي الاستراتيجي للقرن عددًا متزايدًا من القوى الإقليمية والدولية إلى تكثيف وجودهم في المنطقة، ويأتي ذلك غالبًا عن طريق تطوير البنية التحتية البحرية التجارية أو عن طريق بناء منشآت عسكرية.

أولًا: الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي

تشكّل منطقة القرن الأفريقي حلقة اتصال استراتيجية بين مناطق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، تبدو موانئ المنطقة في دول مثل جيبوتي وإريتريا والصومال بمثابة حلقة ربط مهمة بين المراكز التجارية الناشئة في شرق أفريقيا مثل إثيوبيا وبين دول أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، كما أنها بوابة مهمة لشرق القارة الأفريقية ووسطها، وتتضاعف أهميتها كونها جزءًا مهمًّا من بعض المبادرات الدولية مثل مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، وممر التنمية الآسيوي الأفريقي الذي أطلقته الهند واليابان لمواجهة النفوذ الصيني في البحر الأحمر[1].

وباعتبارها نقطة التقاء البحر الأحمر مع منطقة المحيط الهندي فإن أهمية منطقة القرن الأفريقي تتصاعد لتشهد تنافسًا محتدمًا بين بعض القوى الدولية مثل الولايات المتحدة والصين والهند، قد يجد هذا التنافس طريقه إلى المنطقة، خاصة بين الصين والهند، بهدف تعزيز النفوذ والهيمنة من خلال السيطرة على الموانئ البحرية، وإيجاد موطئ قدم عسكري، وما يترتب عليه من تدفق الاستثمارات لبلدان المنطقة، كما تلعب الزيادة المضطردة في تعداد السكان، وتزايد طبقة المستهلكين في دول القرن الأفريقي، دورًا في زيادة الطلب على السلع المستوردة من الخارج، ما يوسع الاعتماد على الموانئ البحرية، ويُحفِّز على تحسين قدراتها لضمان استمرارية سلاسل التوريد إلى أفريقيا[2].

ثانيًا: خريطة الموانئ البحرية في القرن الأفريقي

في دراسة لـ “مركز الإمارات للدراسات” للباحث أحمد عسكر، يشير فيها إلى أن منطقة شرق أفريقيا تزخر بعدد كبير من الموانئ البحرية على طول ساحل البحر الأحمر والمحيط الهندي، فهناك أكثر من 8 موانئ بحرية متطورة في القرن الأفريقي في إريتريا وجيبوتي والصومال والسودان وكينيا على البحر الأحمر، تتمثل أبرزها في الآتي:

– ميناء بورتسودان: يعتبر الميناء الرئيس في السودان، ويتكون من عدة موانئ مختلفة الاختصاصات، هي الميناء الشمالي والميناء الجنوبي والميناء الأخضر وميناء الخير وميناء سواكن. وبورتسودان هو المنفذ البحري الوحيد للسودان التي تمر تجارتها عبره، ويمكن الاعتماد عليه من قبل بعض الدول الحبيسة مثل جنوب السودان وأوغندا والكونغو الديمقراطية. كما أنه يتوسط البحر الأحمر، ويعد ممرًّا مهمًّا للبحر المتوسط عبر قناة السويس ما يجعله قريبًا من تطورات التجاذبات الدولية والإقليمية في شرق المتوسط، وفي أحداث ليبيا، وهو ما جعل موسكو تندفع نحو إنشاء قاعدة لوجستية لقواتها فيه. ويمكن الربط بينه وبين أهم الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر، التي تبعد عنه بنحو 250 كم[3].

– ميناء عصب الإريتري: يقع في أقصى جنوب البلاد، ويتمتع بموقع استراتيجي مهم، لقربه الجغرافي من مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر الذي يبعد عنه بمقدار 20 ميلًا بحريًّا. كما يقترب من الحدود اليمنية، وبعض الموانئ اليمنية مثل ميناء المخا الذي يبعد عنه بحوالي 40 ميلًا بحريًّا[4].

– ميناء مصوع الإريتري: يُعد الميناء الرئيس في إريتريا، وهو الأكبر مساحة والأكثر نشاطًا مقارنة بميناء عصب. ويتوسط الساحل البحري الإريتري، وتتزايد أهميته الاستراتيجية بسبب موقعه القريب من مضيق باب المندب، وكذلك اليمن ومنطقة الخليج العربي[5].

– ميناء جيبوتي: يقع عند مدخل البحر الأحمر الجنوبي، وهو أحد موانئ التصدير الرئيسة في شرق أفريقيا. كما يُعد حلقة وصل وبوابة مهمة لأسواق بلدان شرق ووسط أفريقيا ومركزًا إقليميًّا لنقل البضائع. ويطل على مضيق باب المندب الذي يتمتع بأهمية جيواستراتيجية كبيرة، وتعتمد عليه بكين بوصفه أحد الموانئ الرئيسة في شرق أفريقيا ضمن مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقتها عام 2013[6].

– ميناء بربرة: يقع في إقليم أرض الصومال، وهو من أقدم الموانئ الصومالية، وتُجرى بعض التوسعات في الميناء لاستيعاب المزيد من الحاويات والبضائع. ويوصف هذا الميناء بأنه مفتاح البحر الأحمر. ويمثل عامل الاستقرار الأمني لأرض الصومال حافزًا قويًّا للاعتماد على الميناء مستقبلًا، تجاريًّا وعسكريًّا، كما يُنظر إليه كبديل مستقبلي محتمل لميناء جيبوتي في المنطقة[7].

– ميناء مقديشو: يعد أكبر الموانئ في الصومال، ويمكنه التعامل مع مختلف أحجام السفن التجارية. ويتمتع بأهمية استراتيجية كونه يطل على ساحل المحيط الهندي، كما أنه يقع ضمن الحزام الاستراتيجي لمبادرة الحزام والطريق الصينية[8].

– ميناء بوصاصو: هو ثاني أكبر ميناء في الصومال بعد مقديشو، ويطل على خليج عدن. ويتميز بالقرب من مدخل مضيق باب المندب، وفي مواجهة الساحل البحري اليمني، وتحديدًا ميناء المكلا[9].

– ميناء هوبيو: يقع في شمال شرق الصومال بالقرب من خليج عدن ومضيق باب المندب، ويمثل حلقة وصل بين شمال الصومال وجنوبه. ويمكن أن يمثل بوابة عبور للصادرات النفطية من إقليم أوجادين في إثيوبيا إلى العالم الخارجي.

– ميناء مومباسا: يُعد من أكبر الموانئ في شرق أفريقيا، ويعتبر مركزًا إقليميًّا لشرق ووسط أفريقيا، ويتوقع أن يكون قادرًا على التعامل مع 110 مليون طن من البضائع بحلول عام 2040 مقارنة بـ22 مليون طن سنويًّا في الوقت الراهن، واستقبال أكثر من 2.6 مليون حاوية بحلول عام 2025. كما يخدم الميناء دول أوغندا ورواندا وبوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ويحتوي على 21 مرسى بالإضافة إلى رصيفين للنفط السائل، ويوفر الميناء خيارات عدة للمستثمرين الأجانب مثل عمليات التخزين[10].

– ميناء لامو: يقع شمال ميناء مومباسا في كينيا، ويتألف من 32 مرسى، ويمكن استغلاله كمنفذ للدول الحبيسة. وهو جزء من مشروع “لابسيت” الممر الذي يربط بين جنوب السودان وكينيا وإثيوبيا، ما يمنحه مزايا عدة كبوابة ومركز للنقل في منطقة شرق أفريقيا.

دوافع التنافس الدولي على الموانئ البحرية بالمنطقة

ضاعفت الموانئ البحرية الأهمية الجيواستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي لتحتل مرتبة متقدمة بالنسبة لسياسات القوى الإقليمية والدولية الطامحة للعب دور هناك مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا والإمارات وتركيا وإثيوبيا. ومع تنامي المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية لتلك القوى، تتعزز أهدافها على المدى القصير والطويل في استغلال موانئ المنطقة اقتصاديًّا وتجاريًّا لتحفيز اقتصاداتها، وضمان الحصول على المزيد من الموارد، وصولًا إلى الحصول على عقود امتياز لإدارة هذه الموانئ الاستراتيجية تدوم لسنوات طويلة[11].

تتعدد المحددات التي تدفع اللاعبين الدوليين للتنافس على الموانئ في القرن الأفريقي، والتي ينطلق معظمها لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية وأمنية واستراتيجية، ويظل العامل الاقتصادي حاسمًا لدى التفاعل الدولي مع منطقة القرن الأفريقي، إذ تتطلع تلك القوى إلى الاستفادة من الموارد والثروات التي تحظى بها دول المنطقة، بالإضافة إلى فتح أسواق جديدة لها هناك والوصول إلى وسط وجنوب القارة، فضلًا عن تنفيذ المزيد من الاستثمارات والمشروعات الاقتصادية، خاصة مع ظهور استكشافات نفطية جديدة، وتطوير مشروعات النفط والغاز المرتقبة في بعض دول المنطقة مثل إثيوبيا والصومال التي أشارت تقارير إلى امتلاكها احتياطات نفطية هائلة تصل إلى 100 مليار برميل[12].

كما يمثل أمن البحر الأحمر -وفي القلب منه أمن الموانئ البحرية- دافعًا قويًّا لتعزيز الحضور الدولي في القرن الأفريقي بحجة المساهمة في ضمان حرية الملاحة الدولية، وتأمين مرور التجارة الدولية، ومكافحة عمليات القرصنة عند مضيق باب المندب وخليج عدن، وصد التهديدات الأمنية والإرهابية، كما أن هناك رغبة جماعية لدى القوى الدولية ليصبح الحزام الساحلي الذي يضم إريتريا وجيبوتي والصومال ساحلًا آمنًا لضمان سلامة التجارة بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط عبر البحر الأحمر[13].

وتبرز أهمية الموانئ البحرية في القرن الأفريقي أيضًا في كونها تمثل منصات يمكن استغلالها لاستهداف بعض التنظيمات الإرهابية والمتطرفة في المنطقة مثل جماعة الحوثي في اليمن، وحرمان بعض القوى المناوئة مثل إيران من استغلال الموانئ لتقويض أمن المنطقة، فضلًا عن تعزيز عمليات المراقبة والاستطلاع الاستخباراتية للتحركات الدولية والإقليمية في نطاق البحر الأحمر والمحيط الهندي، وتدفع تطلعات بعض القوى الدولية مثل الصين في أن تصبح قوة بحرية عالمية، نحو السعي للاستحواذ على أكبر عدد من الموانئ البحرية في المنطقة، خاصة بعد إطلاق مبادرة “الحزام والطريق” التي تعتمد على بعض الموانئ مثل ميناء جيبوتي[14].

ثالثًا: أشكال التنافس الدولي على الموانئ البحرية بالمنطقة

مع تنامي المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية للدول الطامحة للعب دور هناك مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا والإمارات وتركيا وإثيوبيا، في ظل مضاعفة الموانئ البحرية الأهمية الجيواستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي، فقد تعزز أهدافها على المديين القصير والطويل في استغلال موانئ المنطقة اقتصاديًّا وتجاريًّا لتحفيز اقتصاداتها، وضمان الحصول على المزيد من الموارد، وصولًا إلى الحصول على عقود امتياز لإدارة هذه الموانئ الاستراتيجية تدوم لسنوات طويلة[15].  

ويمكن ملاحظة أن الصين تُعد الفاعل والشريك الرئيس لمعظم موانئ منطقة القرن الأفريقي خلال السنوات الأخيرة، إذ تسعى إلى السلوك في طريق جديد، لبسط نفوذها على المنطقة عن طريق مبادرة أطلقها مبعوثها الجديد “شيويه بينج”، بتشكيل منظمة تحت مسمى “اتحاد دول القرن الأفريقي”، سيعلن عنها خلال مؤتمر يتنافس على استضافته كينيا وإثيوبيا، ويعقد شهر يونيو أو يوليو المقبلين، حيث نوه “بينج” عن هذه المبادرة، خلال جولته في القرن الأفريقي مارس الماضي مع رؤساء دول إريتريا وجيبوتي والصومال وكينيا وجنوب السودان وأوغندا، وكان المبعوث الصيني الخاص للشرق الأوسط، “تشاي جيون”، التقى رئيس المجلس السيادي السوداني، الفريق أول “عبدالفتاح البرهان”، وسلمه رسالة تتعلق بالمقترح[16].

وفي إطار الدور المحوري الذي تقوم به في تطوير وتنمية تلك الموانئ كجزء من إتمام مبادرة “الحزام والطريق” البحري التي تعد منطقة البحر الأحمر جزءًا رئيسًا منها، إذ موّلت العديد من المشروعات الخاصة بالبنية التحتية والتطوير في المنطقة، مثل خط السكك الحديدية الذي يربط بين إثيوبيا وميناء جيبوتي بطول 750 كم، بقيمة 4 مليارات دولار، والتفكير في إنشاء خط بحري يربط بين الصين وآبار النفط في منطقة أوجادين بشرق إثيوبيا عبر ميناء هوبيو الصومالي،  كما تنفذ استثمارات ضخمة في عدد من الموانئ مثل ميناءي جيبوتي ومومباسا الكيني. وتدير بيجين بعض المبادرات مثل مبادرة OBOR الصينية التي تركز بقدر أساسي على الموانئ البحرية في كل من مصر وجيبوتي وإثيوبيا وتنزانيا إلى جانب زامبيا وأنجولا[17].

وفي هذا السياق، شكّلت مبادرة الحزام والطريق التي أعلنتها الصين سببًا إضافيًّا لتصاعد أهمية القرن الأفريقي؛ حيث تضاعفت أهمية موانئ الدول المطلة على البحر الأحمر، وربما هذه الأهمية تفسر لنا إقدام الصين على دفع تعويضات مالية نيابة عن الصومال، وذلك في أعقاب الخلافات بين شركة موانئ دبي، والصومال، كما تخوض كل من شركة موانئ دبي التي تدير 78 ميناءً في 40 دولة  حول العالم والصين حربًا ضروسًا بعد أن ساهمت الصين في إلغاء جيبوتي اتفاقًا مع الشركة، كان يؤمِّن لها حقوق امتياز لمدة ٥٠ عامًا، ولكن تم إلغاؤه بعد أقل من ثلث المدة بسبب ضعف عوائده من ناحية، والتدخل الصيني من ناحية أخرى[18].

ومن ناحية أخرى، تخطط روسيا لتوسيع نطاق قوتها البحرية في البحر الأحمر، ففي نوفمبر 2020، وافق رئيس الوزراء الروسي “ميخائيل ميشوستين” على مشروع اتفاق لإنشاء قاعدة بحرية في ميناء بورتسودان بالسودان للحفاظ على السلام والاستقرار الإقليمي. وتسعى موسكو إلى التمركز بالقرب من مسرح العمليات في ليبيا وشرق المتوسط، وتعزيز علاقاتها التجارية مع السودان ودول المنطقة، وحماية استثماراتها، وتعزيز مصداقيتها كحصن آمن ضد تهديدات الأمن البحري في البحر الأحمر والمحيط الهندي، وإعادة تأكيد نفسها قوة بحرية في البحر الأحمر[19].

ومن بين القوى الإقليمية التي لها دور في منطقة القرن الأفريقي، الإمارات العربية المتحدة التي تمكنت من ترسيخ حضور قوي لها في المنطقة، حيث طورت سلسلة من الموانئ التجارية على جانبي خليج عدن والبحر الأحمر، بالإضافة إلى الحصول على حق إدارة وانتفاع مجموعة من الموانئ في الصومال التي تعاني فقرًا شديدًا وصراعات أهلية وعمليات إرهابية، فضلًا عن قطر التي حصلت على أكبر ميناء على البحر الأحمر بتمويل قطري في السودان، حيث يمتلك الصومال أطول ساحل في القارة الأفريقية بطول يُقدَّر بأكثر من 3 آلاف كيلومترات. ويطل أغلبه على المحيط الهندي، بينما تقع سواحله الشمالية على خليج عدن، وسواحله الشرقية على مضيق باب المندب[20].

ومن جانب آخر نجد تركيا التي استطاعت الحصول عبر شركة البيرق التركية، على حق إدارة ميناء مقديشو بعد أن منحتها الحكومة الصومالية الفيدرالية حق تشغيل الميناء لـ20 عامًا في سبتمبر 2014، على أن تعطي 55% من عائداته السنوية لخزانة الحكومة الصومالية، أما الإمارات فحصلت عبر شركة موانئ دبي على حق إدارة ميناء بربرة من إدارة حكومة “أرض الصومال” -غير المعترف بها دوليًّا- في عام 2015 ولمدة 30 عامًا، وفي إريتريا حصلت الإمارات أيضًا على حق إدارة ميناءي مصوع وعصب، عبر شركة موانئ دبي في عام 2015 لمدة 30 عامًا مقابل أن تحصل إريتريا على 30% من عائدات الميناء الذي سيبدأ تشغيله في 2018، كما حصلت موانئ دبي عام 2000 على حق إدارة ميناء جيبوتي الذي يقع على مدخل البحر الأحمر الجنوبي[21].

في المقابل تسعى إيران إلى وضع قدمها في منطقة باب المندب بجانب سيطرتها على جزء من منطقة مضيق هرمز، للسيطرة بقدر أكبر على حركة الملاحة التجارية العالمية من الشرق إلى الغرب، وتدعم إيران جماعة الحوثيين التي تسيطر على مساحات شاسعة في اليمن أبرزها العاصمة صنعاء ومنطقة ميناء الحديدة الاستراتيجي عند باب المندب[22].

إذ يشهد القرن الأفريقي حالة من سباق القوة فيما يتعلق بالموانئ البحرية، تواصل جيبوتي مساعيها لكسب المزيد من الثقل الإقليمي كمركز رئيس للتجارة والأمن، حيث لم تواجه جيبوتي خلال السنوات الأخيرة سوى منافسة إقليمية ضئيلة في ظل انغلاق إريتريا على العالم الخارجي بفعل العقوبات الدولية، ومعاناة الصومال الأمنية بفعل تهديدات حركة الشباب المجاهدين وعمليات القرصنة التي تتعرض لها سواحلها[23].

 إلا أن ثمة حالة من التنافس الجديد على الموانئ الاستراتيجية تظهر بنحو جلي في ضوء الاهتمام المتزايد بميناء بربرة بأرض الصومال، الذي قد يتحول لبوابة لوجستية لشرق أفريقيا، فضلًا عن التنافس بين مينائي جيبوتي ولامو الكيني، وكذلك التنافس بين مينائي دار السلام بتنزانيا ومومباسا بكينيا، خاصة بعد اعتماد بوروندي في أعمالها التجارية على الأول، الأمر الذي يضع المنطقة أمام مسار آخر محتمل من التفاعلات في المستقبل، في ضوء احتدام التنافس بين موانئ منطقة القرن الأفريقي لتعظيم المكاسب الاقتصادية[24].

ختامًا: يعود التنافس الدولي على الموانئ البحرية بمنطقة القرن الأفريقي لدول المنطقة بفوائد عدة، ومزيد من الاستثمارات، بالإضافة إلى ذلك يمكن أن يؤدي وجود العديد من المستثمرين المحتملين إلى زيادة المنافسة، ما قد يؤدي إلى سباق على الاستثمارات وزيادة التدفقات المالية إلى قطاع البنية التحتية في دول القرن الأفريقي، وفي هذا السياق، يظل استقرار أمن المنطقة النسبي مرهونًا بعدم تطور التنافس الدولي والإقليمي فيها إلى صراعات أو صدامات بين القوى الفاعلة، ما يدفع نحو مزيد من العسكرة للمنطقة، يظل السباق على الموانئ البحرية في القرن الأفريقي قائمًا في ضوء احتدام التنافس الدولي، والرغبة في بناء النفوذ في بلدان المنطقة.

المراجع


[1] عارف عادل مرشد، “أمن البحر الأحمر بين أمن الطاقة ومصالح القوى الإقليمية والدولية”، آراء حول الخليج، 14 مايو 2019، متاح على:

https://bit.ly/3qOchcx

[2] Willem van den Berg, Jos Meester, Ports & Power: the securitization of ports politics, in Maritime Insecurity Dilemmas amidst a new scramble for the horn?, Horn of Africa Bulletin, March-April 2018, Volume 30, Issue 2, PP. 12-16.

[3] Nafisa Eltahir, Khalid Abdelaziz and Jonathan Saul,” Sudan’s Red Sea port struggles to recover from blockade and turmoil“, 2021, Available at: https://www.reuters.com/markets/commodities/sudans-red-sea-port-struggles-recover-blockade-turmoil-2021-12-23/

[4] Alex Mello and Michael Knights, ” How Eritrea’s Assab port became a major UAE naval base“, Madote, Available at: http://www.madote.com/2016/09/how-eritreas-assab-port-became-major.html

[5] The Editors of Encyclopaedia Britannica, ” Asseb Eritrea“, Available at:   https://www.britannica.com/place/Eritrea

[6] Andres Schipani, ” Djibouti’s port dream to become the ‘Singapore of Africa’“,  Available at:   https://www.ft.com/content/15aefce3-2e6b-4e1a-b480-bfc066f7d8dd

[7] Andres Schipani, ” Somaliland gears up for ‘healthy’ battle of ports”,  Available at:  https://www.ft.com/content/f928ecda-2c96-4957-ae3c-94be56385fcf  

[8] Mombasa Port — a pearl on East Africa’s logistics map, New China, 14 January 2017. Available at: https://bit.ly/37Rp454 

[9] Middle East Power Struggle Plays Out on New Stage, The Wall Street Journal, 1 June 2018. Available at: https://on.wsj.com/3mSwXgg

[10] Brian Gicheru Kinyua, Modernization Milestones at Mombasa Port, East Africa’s Regional Hub, The Maritime Executive, 8 March 2020. Available at: https://bit.ly/3qEDqi2

[11] عارف عادل مرشد، مرجع سبق ذكره.

[12] حكيم نجم الدين، “نفط الصومال وفرص توسيع دائرة الأعمال وتحقيق الازدهار”، قراءات أفريقية، 16 نوفمبر 2020، متاح على:

https://bit.ly/3gzRDYV

[13] Alexander Rondos, The Horn of Africa – Its Strategic Importance for Europe, the Gulf States, and Beyond, Center for International Relations and Sustainable Development. Available at: https://bit.ly/3puGADF

[14]

David H. Shinn, The Red Sea: A magnet for outside powers vying for its control, The Africa Report, 27 November 2020. Available at: https://bit.ly/374RN7q

[15] Samuel Ramani, Russia’s Port Sudan Naval Base: A Power Play on the Red Sea, Rusi, 7 December 2020. Available at: https://bit.ly/2LnxZUx

[16] Ibid.

[17]  Ibid.

[18] David H. Shinn, Op.Cit.

[19] Ibid.

[20] عارف عادل مرشد، مرجع سبق ذكره.

[21]. حفصة أحمد، “أنقرة.. تعريف بخط بحري يربط تركيا بجيبوتي والصومال”، وكالة الأنباء الوطنية الصومالية، 24 أكتوبر 2020، متاح على:

https://bit.ly/3a1seGn

[22] عارف عادل مرشد، مرجع سبق ذكره.

[23]  Somalia: Government to build Hobyo Port in the coastal town, Construction Review Online, 12 November 2020. Available at: https://bit.ly/3gCg5bX

[24]   Ibid.

error: كل الحقوق محفوظة!!