بقلم ـ شاهيناز جلال
هدى شعراوي، إحدى أبرز رائدات الحركة النسائية في مصر والعالم العربي، استطاعت أن تتحدى واقع عصرها، وأن تلعب دورًا مهمًا في تغيير نظرة المجتمع إلى المرأة. فقد جعلت من قضية المرأة جزءًا أساسيًا من قضايا المجتمع والوطن خلال القرن العشرين، ولم تكن قصتها مجرد سيرة لامرأة طموحة تسعى إلى تغيير واقعها، بل كانت جزءًا من مرحلة تاريخية شهدت تحولات اجتماعية ووطنية مهمة في تاريخ مصر؛ حيث ظهرت هدى شعراوي في زمن كانت فيه المرأة المصرية تعيش وسط قيود اجتماعية تحدُّ من تعليمها وحضورها في الحياة العامة، وكانت مشروعها أن تتعلم الفتاة، وأن تعرف حقوقها، وأن يكون لها صوت في مجتمعها، وأن تصبح قادرة على المشاركة في الحياة العامة والوطنية، فلم تكن قضيتها مجرد رفع النقاب عن الوجه، كما اختزلتها بعض الروايات لاحقًا، ولم يكن طموحها أن تصبح المرأة نسخة من الرجل، وإنما أن تمتلك حقها في التعليم والوعي والمشاركة، وأن تعامل باعتبارها فردًا كامل الحقوق والإيمان بمقدرتها على الإسهام في بناء مجتمعها.
طفولة صنعت وعيًا مبكرًا
ولدت نور الهدى محمد سلطان، التي عرفت فيما بعد باسم هدى شعراوي، في 23 يونيو 1879، بمدينة المنيا، وكانت عائلتها ذات مكانة اجتماعية وسياسية كبيرة، فوالدها محمد سلطان باشا شغل منصب رئيس مجلس النواب بعهد الخديوي توفيق
ورغم المكانة التي تمتعت بها أسرتها، لم تخل طفولة هدى شعراوي من الصعوبات والتجارب المؤثرة، فقد فقدت والدها وهي في سن صغيرة، وكان لهذا الحدث أثر واضح في حياتها وتكوين شخصيتها. بعد وفاة والدها، انتقلت إلى القاهرة وتلقت تعليمها في المنزل، في وقت لم يكن تعليم الفتيات متاحًا على نطاق واسع.
تلقت هدى دروسها على أيدي عدد من المعلمين، ودرست اللغة العربية والخط واللغات الأجنبية، كما تعلمت الموسيقى واهتمت بالقراءة والشعر، وفي سن التاسعة، ختمت القرآن الكريم، وساعدت هذه البيئة التعليمية، على تشكيل شخصيتها في سن صغيرة.
تمييز مبكر في سنوات الطفولة
شعرت هدى في طفولتها أن أخاها يحظى بمعاملة وامتيازات لا تحصل عليها هي، رغم أنها تكبره، وعندما تساءلت عن سبب هذا التفضيل، جاءتها الإجابة التي كانت تعكس منطق ذلك العصر أن الولد سيحمل اسم الأسرة، وسيصبح في المستقبل مسؤولا عن إعالتها واستمرارها، بينما ستتزوج هي وتغادر بيت أبيها لتحمل اسم زوجها. وتروي هدى أن هذا الشعور بالتمييز ظل يؤلمها، حتى مع محبتها لأخيها، لأنه جعلها تدرك منذ طفولتها أن الفارق بين ما يُمنح للولد وما يُمنح للفتاة لم يكن مرتبطا بقدراتهما، وإنما بجنس كل منهما. وربما كانت هذه التجربة المبكرة واحدة من أولى اللحظات التي جعلتها تتساءل عن مكانة المرأة في مجتمعها، وعن الأسباب التي تجعل حقوقها وفرصها أقل من حقوق الرجل، فبدء وعيها يتشكل بقضية أكبر ستصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من مسيرتها.
زواج مبكر.. ووعي يتشكل
في سن الثالثة عشرة، تزوجت هدى شعراوي من ابن عمتها علي شعراوي، الذي كان يكبرها بنحو أربعين عاما. ولم يستمر الزواج طويلا، فانفصلت عنه بعد عام، وكانت هذه التجربة لها دور في تشكيل وعيها بقضايا المرأة، وبعد فترة من الانفصال، عادت إلى حياتها الزوجية، وأنجبت ابنة وابنًا. ومع مرور السنوات، أخذت تفكر بصورة أعمق في وضع المرأة، وفي القيود الاجتماعية التي تحد من حقها في التعليم والعمل واختيار مستقبلها.
أوروبا تفتح الأفق
وكان السفر إلى أوروبا من المحطات التي وسَّعت أفقها بصورة أكبر، فهناك، التقت بنساء من خلفيات مختلفة، وتعرفت إلى أفكار وتجارب لم تكن مألوفة لها في مصر، لاحظت أن المرأة في المجتمعات الأوروبية تمتلك مساحة أكبر في التعليم والحياة العامة، وهو ما دفعها إلى مقارنة ما تراه هناك بما تعيشه المرأة المصرية في ذلك الوقت، وبدأت تتساءل عن إمكانية إتاحة فرص أكبر للمرأة في مجتمعها، وعندما عادت إلى مصر، لم تعد أفكارها كما كانت قبل السفر، وبدأت تتجه بصورة أكثر وضوحًا نحو العمل العام، فأسست صالونًا ثقافيًا كانت تستضيف فيه النساء لمناقشة قضايا الأدب والمجتمع والتعليم، وتحول هذا اللقاء تدريجيًا إلى مساحة للنقاش وتبادل الأفكار حول أوضاع المرأة، ودورها في المجتمع، وفي عام 1908 نجحت في إقناع الجامعة المصرية بتخصيص قاعة لإقامة محاضرات موجهة إلى النساء، وكانت هذه المحاضرات فرصة لتشجيع النساء على التعلم والاطلاع.
بداية العمل الاجتماعي
بدأت هدى شعراوي تتجه نحو العمل الخيري والاجتماعي، من خلال دعم المبادرات التي تهتم باحتياجات النساء والأطفال والفئات الأكثر احتياجا في المجتمع. فشاركت في عدد من الأنشطة والجمعيات التي اهتمت بالتعليم والرعاية ومساعدة المحتاجين، وسعت إلى تشجيع النساء على المشاركة في هذه الجهود.
وفي عام 1907، اهتمت بجمع التبرعات لإنشاء جمعية لرعاية الطفل، كما شاركت في مبادرات هدفت إلى تثقيف النساء ومساعدتهن، وكانت تؤمن بأن المرأة المتعلمة والقادرة على مساعدة غيرها ممكن أن تسهم في تحسين حياة أسرتها ومجتمعها. وكانت هذه المرحلة بداية انتقال هدى من الاهتمام بقضايا المرأة إلى محاولة تقديم حلول عملية لقضايا مجتمعها.
المرأة في قلب ثورة 1919
ومع اندلاع ثورة 1919، خرجت النساء المصريات إلى الشوارع للمشاركة في الاحتجاجات ضد الاحتلال البريطاني، وأصبحت المرأة جزءا واضحا من المشهد الوطني. وكانت هدى شعراوي في قلب هذا التحول، وكانت الصورة جديدة على المجتمع المصري حيث نساء يخرجن من البيوت يهتفن من أجل الوطن، ويشاركن في الاحتجاج السياسي.
وبالنسبة إلى هدى شعراوي، كانت هذه اللحظة دليلا عمليا على أن المرأة قادرة على المشاركة في قضايا وطنها والتأثير في الأحداث حين تُتاح لها الفرصة، وأصبحت هدى واحدة من الوجوه البارزة في الحركة الوطنية، وهكذا انتقلت من الاهتمام بقضايا المرأة والعمل الاجتماعي إلى شخصية عامة لها حضور وتأثير في المجتمع.
بعد سنوات من النفي، عاد سعد زغلول إلى مصر وسط استقبال شعبي حاشد، وكانت عودته حدثًا وطنيًا لفت أنظار المصريين. وكانت هدى شعراوي وصديقتها سيزا نبراوي على متن الباخرة التي أقلته إلى مصر، وفي تلك اللحظة قررتا أن ترفعا غطاء الوجه “البرقع أو النقاب” كما كان يعرف آنذاك، في خطوة عكست رغبتهما في تغيير نظرة المجتمع إلى المرأة.
وتروي هدى شعراوي في مذكراتها تفاصيل تلك اللحظة قائلة: “ورفعنا النقاب أنا وسكرتيرتي سيزا نبراوي، وقرأنا الفاتحة ثم خطونا على سلم الباخرة مكشوفتي الوجه”. ثم التفتتا إلى الجموع لتريا أثر ظهورهما للمرة الأولى من دون غطاء الوجه، لكنهما فوجئتا بأن الأنظار كانت متجهة بالكامل نحو سعد زغلول، الذي كان المصريون ينتظرون عودته بشغف بعد سنوات من المنفى، فلم تثر خطوتهما رد الفعل الذي توقعته هدى.
أول اتحاد نسائي في مصر
وفي 16 مارس 1923، جاءت إحدى أهم خطوات هدى شعراوي عندما أسست الاتحاد النسائي المصري، وأصبحت أول رئيسة له، واستمرت في رئاسته حتى وفاتها. وكان الاتحاد من أبرز الكيانات النسائية المنظمة التي حملت مطالب واضحة تتعلق بتعليم المرأة وتحسين أوضاعها وزيادة مشاركتها في المجتمع. وكانت هدى ترى أن المرأة لا يمكن أن تحصل على استقلال حقيقي من دون المعرفة، لذلك اهتمت بفتح أبواب التعليم أمام الفتيات، ودعم المؤسسات التي تساعد النساء على التعلم.
ولم تتوقف هدى شعراوي عند قضية التعليم، بل اهتمت أيضًا بقضايا الزواج والطلاق وتعدد الزوجات، ودعت إلى رفع سن زواج الفتاة إلى 16 عامًا، وهي أول من دعت لإنشاء دور حضانة في أماكن العمل للتخفيف على المرأة العاملة. وكانت رؤيتها تقوم على ألا تُحصر المرأة في دور واحد، فالمرأة في تصورها يمكن أن تكون أمًا وزوجة، وفي الوقت نفسه إنسانة متعلمة وعضوًا فاعلًا في المجتمع وقادرة على المشاركة في الحياة العامة.
صوت يتجاوز الحدود
لم تظل هدى شعراوي محصورة في الشأن المصري، بل شاركت في مؤتمرات نسائية دولية، وأصبحت شخصية معروفة في الحركة النسائية العربية، ثم ساهمت في تأسيس الاتحاد النسائي العربي عام 1944، وتولت رئاسته، فكانت ترى أن مشكلات النساء في البلدان العربية، رغم اختلاف المجتمعات، تتمثل في ضعف فرص التعليم، والزواج المبكر، والقيود الاجتماعية، ومحدودية المشاركة العامة، وبذلك أصبح صوتها يتجاوز حدود مصر، وأصبح اسمها مرتبطا ببدايات التنظيم النسائي العربي.
وفي تلك السنوات، لم تعد قضيتها محصورة في المرأة المصرية وحدها، بل امتد اهتمامها إلى عدد من القضايا العربية، ومن بينها القضية الفلسطينية التي شغلت جانبًا من اهتمامها حتى في أيامها الأخيرة. وتذكر بعض المصادر أنها كانت تكتب بيانًا بشأن فلسطين وهي في فراش مرضها، وذلك بعد صدور قرار تقسيم فلسطين في 29 نوفمبر 1947، وقبل وفاتها في ديسمبر من العام نفسه.
إرث باق
رحلت هدى شعراوي، في القاهرة في ديسمبر 1947، بعد حياة امتدت لنحو ثمانية وستين عامًا، لكن رحيلها لم يكن نهاية قصتها، بل تركت وراءها إرثًا ظل حاضرا في مسيرة المرأة المصرية والعربية. فقد جاءت من بعدها نساء كثيرات حملن الراية وواصلن العمل في مجالات مختلفة، إلا أن اسم هدى شعراوي ظل مرتبطًا بمرحلة مهمة من بدايات الحركة النسائية في مصر، لما تركته من أثر في المجتمع وفي الوعي بقضايا المرأة، لتصبح سيرتها جزءًا من تاريخ مصر الحديث كواحدة من أبرز رائدات الحركة النسائية المصرية والعربية.
تكريم مستحق
يُذكر أن جهود هدى شعراوي لم تمر دون تقدير خلال حياتها وبعد رحيلها، ففي عام 1945 حصلت على نيشان الكمال، وهو من أرفع الأوسمة المصرية في ذلك الوقت، تقديرًا لخدماتها وجهودها.
كما أصبحت سيرتها بعد وفاتها حاضرة في التاريخ المصري الحديث وأُطلق اسمها على شوارعِ ومدارس ومؤسسات في عدد من المدن المصرية، تخليدًا لدورها في الحركة النسائية والعمل الوطني، ولتبقى شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ المرأة المصرية.





