أماني ربيع
يُعدّ موسم هجرة السردين في جنوب أفريقيا مشهدًا خلابًا، حيث تلتهم آلاف المفترسات أسراب السردين الضخمة، إلا أن تغير المناخ والصيد الجائر يُهددان هذا المشهد، كما يهددان أنواعا أخرى من الحياة البرية في تلك المنطقة بالانقراض.
ومع اقتراب فصل الشتاء في نصف الكرة الجنوبي، تتدفق المياه الباردة إلى السطح، فتظهر كتلة فضية من أعماق المحيط، حيث تتجمع أسماك صغيرة تشبه الطوربيدات قبالة سواحل جنوب أفريقيا، وغالبًا ما يزيد طول هذه الأسراب الضخمة المكتظة عن 7 كيلومترات وعرضها عن 1.5 كيلومتر، وعمقها عن 30 مترًا وتتكون من عشرات إلى مئات الملايين من أسماك السردين الجنوب أفريقية.
وليمة بحرية
تتبع أسماك السردين التيارات الباردة الغنية بالمغذيات، وتبدأ هجرتها السنوية من رأس أجولاس إلى كوازولو ناتال، يقول بيتر تيسكي، خبير علم الجينوم البحري في جامعة جوهانسبرج بجنوب أفريقيا، إنه مع حلول ذروة موسم هجرة السردين في يونيو، يقوم نحو 18,000 دولفين، بجمع السردين في كرات طُعم يصل قطرها إلى 20 مترًا، وتصبح هذه الكرات فريسة سهلة للحيوانات المفترسة الأخرى أيضًا، فتنضم أسماك القرش والحيتان والفقمات والطيور إلى هذه الوليمة البحرية الوفيرة.
ويوضح تيسكي لموقع هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” أن هجرة السردين تعد حدثا استثنائيا وجزءا مهما من السلسلة الغذائية، ويضيف أنه خلال ظاهرة صعود المياه الباردة الغنية بالمغذيات إلى السطح، تزدهر العوالق النباتية، وتتغذى عليها العوالق الحيوانية، ثم تتغذى الأسماك عليها، وبالتالي، تتغذى جميع الكائنات الحية الأخرى على الأسماك، حيث يصبح هناك مصدرا هائلا للبروتين.
أما بالنسبة للسردين القليل الذي ينجو من هذا الحصار فيبقى مستقبله قاتماً، حيث يستمر سرب السردين بالتحرك شمالاً مع المياه الباردة حتى تنتهي المياه الباردة، ويجد نفسه محاصراً في بيئة شبه استوائية، شديدة الحرارة بحيث لا يمكنه البقاء على قيد الحياة، وبهذا تنتهي رحلة هذه السمكة الصغيرة التي تمتد لألف كيلومتر، في “فخ بيئي”، مما يجعل هجرة السردين مثالًا نادرًا على هجرة جماعية لا تُحقق أي فوائد ظاهرة لبقاء هذا النوع.
هجرة مهددة بالانقراض
لكن هناك أمر واحد مؤكد، وهو أن شبكة غذائية كاملة، تشمل أنواعًا مهددة بالانقراض منها البطريق الأفريقي، والغاق وغيرها من الأنواع التي تعتمد على إتمام هجرة السردين، لكن الآن يتسبب الصيد الجائر وارتفاع درجة حرارة المحيطات في انهيار مخزون السردين، لتصبح هجرة السردين الشهيرة عالميًا مُهددة بالانقراض في غضون بضعة عقود.
فعلى سبيل المثال، تهاجر الحيتان الحدباء من أعماق المحيط الجنوبي، وتقطع رحلة ذهابًا وإيابًا لمسافة 8000 كيلومتر لتصل في الوقت المناسب لموسم هجرة السردين. وهناك تلتقي بالحيوانات المقيمة على مدار العام، مثل دلافين المحيط الهندي الحدباء وحيتان برايد، وقد أدى الصيد الجائر للسردين إلى ما يصفه الخبراء بـ “انهيار موسم هجرة السردين”، تاركًا “الأنواع المفترسة عالقة” دون الفرائس التي تعتمد عليها للبقاء.
وبإضافة تغير المناخ وارتفاع درجة حرارة المحيطات إلى هذه العوامل، يبدو مستقبل موسم هجرة السردين غير مؤكد، وبحلول عام 2018، انخفضت الكتلة الحيوية الإجمالية لهجرة السردين إلى أقل من ربع ذروتها في عام 2002 التي تجاوزت 4 ملايين طن.
والآن، تظهر أسماك السردين تدريجيًا في وقت متأخر من العام، إن ظهرت أصلًا، وقد وجدت دراسة أجريت عام 2019، منذ توثيق هجرة السردين لأول مرة في الصحف قبل قرابة مئة عام، أن مواعيد وصول السردين الأولى قد تأخرت بمقدار 1.3 يوم لكل عقد خلال الفترة من 1946 إلى 2012، بالتزامن مع تحول المياه الدافئة في المحيط نحو القطبين.
ومنذ عام 2000، لاحظ علماء المحيطات تغيرًا في هجرة السردين، ففي السابق، كانت الهجرة كبيرة، تضم أعدادًا هائلة من الأسماك، ومحددة زمنيًا بدقة. أما الآن، فهي أشبه بنبضات قصيرة قد تستمر من خمس إلى عشر دقائق. ولم يعد توقيت الهجرة قابلًا للتنبؤ كما كان من قبل.

مجاعة البطريق الأفريقي
وأظهرت دراسة حديثة ارتباط اختفاء السردين بنفوق أكثر من 60 ألف بطريق جوعا في مستعمرتين للتكاثر في جنوب أفريقيا، حيث ساهمت أزمة المناخ والصيد الجائر في فقدان نحو 95% من طيور البطريق الأفريقية، في جزيرتي داسن وروبن، وهما اثنتين من أهم مستعمرات التكاثر، ونفقت هذه الطيور بين عامي 2004 و2012.
وأشارت الدراسة، المنشورة في مجلة “النعامة: مجلة علم الطيور الأفريقي”، إلى أن الخسائر التي سجلها الباحثون في هاتين المستعمرتين لم تكن الوحيدة، وقال الدكتور ريتشارد شيرلي، من مركز علم البيئة والحفظ بجامعة إكستر، إن هذه الانخفاضات تنعكس في أماكن أخرى، حيث شهدت أعداد طيور البطريق الأفريقي انخفاضًا بنسبة 80% تقريبًا خلال 30 عامًا.
ويُبدّل البطريق الأفريقي ريشه البالي سنويًا لحماية نفسه من البرد والماء، ومع ذلك، خلال فترة تبديل الريش، التي تستغرق حوالي 21 يومًا، يضطر للبقاء على اليابسة، وللبقاء على قيد الحياة خلال هذه الفترة، يحتاج إلى تخزين الطعام مسبقًا.
وبحسب صحيفة “الجارديان” البريطانية، أضاف شيرلي: “إذا كان العثور على الطعام صعبًا للغاية قبل تبديل الريش أو بعده مباشرة، فلن يكون لديه مخزون كافٍ من الطعام للبقاء على قيد الحياة خلال فترة الصيام”.
وأضاف: “لا نجد جثثًا كثيرة، ونعتقد أنها على الأرجح تموت في البحر”.
هل تُحسن الإدارة المستدامة الوضع؟
وكشفت دراسة أن الكتلة الحيوية لسمك السردين انخفضت إلى 25% من أقصى وفرة لها قبالة سواحل غرب جنوب أفريقيا في كل عام باستثناء ثلاثة أعوام منذ عام 2004، ويُعدّ هذا النوع من الأسماك غذاءً أساسياً لطيور البطريق الأفريقية، وقد أدت التغيرات في درجة الحرارة والملوحة قبالة الساحل الغربي لأفريقيا إلى انخفاض نجاح تكاثر هذه الأسماك، ومع ذلك، لا تزال مستويات الصيد مرتفعة في المنطقة.
في عام 2024، صُنّفت طيور البطريق الأفريقية ضمن الأنواع المهددة بالانقراض بشدة، حيث لم يتبق منها سوى أقل من 10,000 زوج قادر على التكاثر.
مكن أن تُحسّن الإدارة المستدامة لمصايد الأسماك فرص بقاء طيور البطريق، وهناك بعض الإجراءات الميدانية التي يتخذها دعاة الحفاظ على البيئة للحفاظ على هذه الطيور، منها: بناء أعشاش اصطناعية لإيواء الفراخ، ومكافحة الحيوانات المفترسة، وتربية الطيور البالغة والفراخ التي تحتاج إلى إنقاذ يدوياً.
من جهة أخرى، تم حظر الصيد التجاري بشباك الجرّ، الذي يتضمن تطويق سرب من الأسماك بشبكة كبيرة ثم اصطيادها بإغلاق قاعها، حول أكبر ست مستعمرات لتكاثر طيور البطريق في جنوب أفريقيا، ويؤمل أن يُسهم هذا الحظر في زيادة فرص حصول طيور البطريق على الفرائس في مراحل حاسمة من دورة حياتها، وفقًا لما ذكره الدكتور أزويانيوي ماخادو، المشارك في إعداد الدراسة، من إدارة الغابات ومصايد الأسماك والبيئة في جنوب أفريقيا.
وقالت لوريان بيشجرو، أستاذ علم الأحياء البحرية في جامعة نيلسون مانديلا بجنوب أفريقيا، والذي لم يشارك في الدراسة، إن النتائج “مقلقة للغاية” وتُسلط الضوء على سوء إدارة أعداد الأسماك الصغيرة في جنوب أفريقيا على مدى عقود.
وقالت: “تستند نتائج الدراسة فقط إلى بقاء طيور البطريق حتى عام 2011، لكن الوضع لم يتحسن مع مرور الوقت”.
وأضافت بيشجرو أن معالجة المستويات المنخفضة للغاية لمخزون الأسماك الصغيرة تتطلب تحركًا عاجلًا، ليس فقط من أجل طيور البطريق الأفريقية، بل أيضًا من أجل الأنواع المستوطنة الأخرى التي تعتمد على هذه المخزونات.






