من نيروبي إلى أوكسفورد.. حكايات “الأشباح الأكاديمية”

سبتمبر 27, 2025

كتبت – أسماء حمدي

في شوارع نيروبي المكتظة، حيث تتقاطع طموحات الشباب مع واقع البطالة، تنمو صناعة غير مرئية تُدر مليارات الدولارات سنويًا.

خلف شاشات الحاسوب، يجلس شبان وشابات متعلمون، أذكياء، طموحون، يحملون شهادات جامعية جيدة، لكنهم بلا وظائف، هؤلاء هم “باحثو الظل”، كتّاب يُنجزون مقالات وأطروحات أكاديمية لطلاب في المملكة المتحدة وخارجها، بينما تُسوَّق الأعمال المنجزة على أنها إنتاج شخصي لهؤلاء الطلاب.

صناعة عالمية مركزها نيروبي

ليست كينيا وحدها في هذا المجال، فهناك كتّاب في الهند وباكستان والمملكة المتحدة نفسها، لكن نيروبي تُعتبر مركزًا رئيسيًا، إذ يُقدَّر عدد “كتّاب الظل” هناك بنحو 40 ألف، قادرين على كتابة مقالات في أي موضوع، من الهندسة الميكانيكية إلى جين أوستن، ومن التمريض إلى فيزياء الكم.

هؤلاء الشباب يقضون لياليهم أمام الشاشات، يتصفحون منصات متخصصة، يقدمون عروضًا، وينافسون على مهام جديدة في سباق مرهق مع الوقت.

الكاميرا تكشف السر

فيلم جديد سلط الضوء على هذه الصناعة السرية، من خلال عدسة عالمة الاجتماع وأستاذة جامعة أكسفورد باتريشيا كينجوري، التي عادت إلى مسقط رأسها كينيا لتوثّق حياة هؤلاء الكتّاب.

تصف كينجوري دهشتها قائلة: “شعرت وكأنني أدخل قرية أولمبية، القدرة على إنجاز مقال في 6 ساعات بموضوع لم يدرسه أحدهم من قبل أمر مذهل”، لكنها لاحظت أيضًا الضغوط القاسية، قائلة: “لا إجازات مرضية، ولا تمديدات في المواعيد، فقط سباق دائم مع الوقت والخوف من المراجعات السلبية”.

قصص إنسانية خلف الشاشات

من بين الوجوه التي التقت بها كينجوري، كانت “ميرسي”، خريجة جامعية وأم لطفلة تُدعى أنجيل، والتي تعمل طوال الليل، وأحيانًا تُتقن كتابة مادتين مختلفتين في يوم واحد لإنجاز مهمتين خلال 12 ساعة، مكتفية بـ3 ساعات نوم فقط، مدفوعة بالحاجة الملحّة للمال.

على الجانب الآخر، يروي “تشيجي” كيف غيّرت الكتابة الأكاديمية حياته، حيث دفع تكاليف دراسته، ودعم أخته ماديا حتى تخرجت، كما بنى منزلًا لوالديه، واشترى سيارة، بالنسبة له، هذه ليست مجرد وظيفة، بل وسيلة لبناء مستقبل لم يكن متاحًا بطرق أخرى.

هويات مزيفة.. ومخاوف كامنة

يُنشئ الكُتّاب ملفات تعريف وهمية بأسماء “بيضاء” لإقناع العملاء بأنهم جديرون بالثقة، إذ يقولون إن الاعتقاد السائد يرفض فكرة أن هذا المستوى من الذكاء قد يأتي من أفريقيا.

 تقول كينجوري: “إذا بحثت عن خدمات كتابة عبر الإنترنت، ستُباع لك دائمًا كما لو كانت من بريطانيا أو أمريكا، وكأن أفريقيا غير قادرة على إنتاج المعرفة”، ثم تضيف بغضب: “إنهم يريدون أفكارنا.. لكنهم لا يريدوننا”، وفقًا لصحيفة “الجارديان” البريطانية.

أرباح ومفارقات أخلاقية

الأسعار في هذه السوق تتفاوت، إذ تبدأ من أقل من جنيه إسترليني للصفحة إلى آلاف الجنيهات لأطروحة كاملة، بينما يحقق بعض الكُتّاب دخلًا يعادل ما يكسبه طبيب في نيروبي.

كتب “أدريان” مقالات لطلاب في جامعات كبرى مثل أكسفورد وليدز، وعندما سُئل عن الجانب الأخلاقي، قال ببساطة: “أنا أتعلم، وسأسأل العميل عن الأخلاق”.

في المقابل، تكشف قصة “كيت”، الطالبة الأمريكية، عن وجه آخر، حيث تخلفت “كيت” دراسيًا، فباعت صورًا شخصية كي تجمع 300 دولار لتدفع لكاتب ينجز مقالاتها، بينما استثمر والداها مدخراتهما في تعليمها المكلف. هكذا، تتقاطع مصالح متناقضة في سوق خفي يعكس اختلالات التعليم العالي عالميًا.

تشديد القوانين وظهور الذكاء الاصطناعي

في بريطانيا، حُظر التعامل مع منصات كتابة المقالات عام 2022، لكن الخبير البريطاني توماس لانكستر من كلية إمبريال كوليدج يؤكد أن الظاهرة مستمرة.

 ويشير لانكستر إلى تحولات جديدة مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل ChatGPT، إذ صار بعض الطلاب يطلبون مسودات أولية من الذكاء الاصطناعي، ثم يوكلون “باحثي الظل” لإعادة صياغتها كي لا تُكتشف.

غضب وأسئلة أخلاقية

بالنسبة لكينجوري، التي عاشت التجربة عن قرب، ما يكشفه الفيلم يثير الغضب: “لا دور للسُلطة، لكن نسأل إن كان ينبغي أن تبقى الأمور كما هي، كما لا ينبغي أن يكون هذا سبب وجود كينيا على الخريطة”.

وتختتم حديثها، قائلة: “لو كان العالم عادلًا، لتمكن هؤلاء الشباب من العمل على الساحة العالمية بصفتهم وأسمائهم وبلدانهم الحقيقية”.