من لاهاي إلى تشاد.. إعادة هندسة المساءلة في مشروع سيادي واحد (دراسة)

سبتمبر 3, 2026

كتب – د. محمد فؤاد رشوان

خبير في الشئون الأفريقية

تُمثل مسألة المساءلة القانونية والسياسية واحدة من أكثر الإشكاليات إلحاحًا في دراسة النظم السياسية المعاصرة، خاصة في سياق الدول الهشة والأنظمة الهجينة التي تجمع بين مظاهر الشرعية الدستورية وآليات الحكم غير الديمقراطي، وإذا كانت أدبيات العلوم السياسية والقانون الدولي قد أولت اهتمامًا واسعًا لدراسة آليات المساءلة الدولية، كالمحاكم الجنائية الدولية، فضلًا عن أدوات المساءلة الداخلية، كالعدالة الانتقالية والعفو الرئاسي، فإن السؤال حول الكيفية التي تتفاعل بها هذه الآليات المختلفة داخل نظام سياسي واحد، وكيف يُعيد النظام إنتاج علاقته بفكرة المساءلة ذاتها، لا يزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتحليل.

ومن الجدير بالذكر أن جمهورية تشاد تقدم نموذجًا فريدًا لاختبار هذه الإشكالية، إذ شهدت في الآونة الأخيرة حدثين متباينين ظاهريًا لكنهما متشابهان بنيويًا؛ إعلان الانسحاب من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في 27 يوليو، ثم الإفراج عن زعيم المعارضة سوكسيه ماسرا بموجب عفو رئاسي بعد ثمانية عشر يومًا فقط. يجمع الحدثان معًا – رغم اختلاف مجاليهما، الأول خارجي والثاني داخلي – نمطًا مشتركًا من التعامل مع المساءلة يقوم على إلغائها شكلًا مع الإبقاء عليها مضمونًا، أو ما يمكن وصفه بـ”إعادة تدوير المساءلة”: عملية تحويل أدوات المحاسبة، الخارجية والداخلية، من التزامات ثابتة يفرضها طرف ثالث إلى أرصدة مرنة يحتفظ بها النظام ويوظفها وفق حساباته الوقتية.

ويأتي هذا البحث ليقدم إطارًا تحليليًا لقراءة هذين المسارين بوصفهما مشروعًا سياديًا واحدًا، يتجاوز مجرد الرد على الضغوط الخارجية أو إدارة أزمة داخلية آنية، إلى إعادة تعريف علاقة النظام التشادي بمفهوم المساءلة ذاته، وعبر الاستناد إلى مفاهيم نظرية مستمدة من أدبيات الصمود السلطوي المقارن، ويسعى البحث إلى اختبار فرضية مفادها أن الأنظمة القائمة على الاستمرارية المؤسسية الشكلية – خلافًا للأنظمة الانقلابية التي تتبنى القطيعة الشاملة – تميل إلى تفضيل المساءلة المعلقة في تعاملها مع آليات المساءلة الدولية والمحلية على حد سواء، فالانسحاب من المحكمة الجنائية، المقترن بالمهلة الإلزامية المنصوص عليها في المادة 127 من نظام روما، والعفو الرئاسي المقيّد بإبقاء الإدانة قائمة من الناحية القانونية، يُبقيان النظام في حالة من المساءلة المعلقة التي تحقق له مرونة تكتيكية قصوى، دون أن يضطر إلى تحمل تكاليف القطيعة الكاملة أو التبرئة الشاملة.

وبناء على ما سبق تتكون هذه الدراسة من ثلاثة محاور رئيسية؛ يتناول الأول الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية في سياقه السياسي والقانوني، محللًا البنية المفارقة التي تجمع بين الإعلان السيادي للخروج والالتزام الزمني المستمر بالتعاون القضائي، وينتقل المحور الثاني إلى تحليل العفو عن سوكسيه ماسرا، كاشفًا عن الآليات القانونية التي تتيح للسلطة إبقاء الخصم في منطقة رمادية بين الحرية الجسدية والوصمة القانونية، ويختتم الثالث بمقارنة بنيوية بين المسارين، صائغًا مفهوم “إعادة تدوير المساءلة” كأداة نظرية قابلة للتعميم، ومستعرضًا دلالات هذا النمط في سياق موجة الانسحابات الأفريقية من المحكمة الجنائية، ومحددًا مؤشرات قابلة للرصد لاختبار الفرضية خلال المرحلة الانتقالية المقبلة.

 أولًا: الانسحاب من لاهاي: عندما يصبح الجسر القضائي أداة حماية

في السابع والعشرين من يوليو ٢٠٢٦، أخطرت الحكومة التشادية الأمين العام للأمم المتحدة رسميًا بقرارها الانسحاب من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وبرّرت وزارة الخارجية القرار بلغة لا تخلو من حدة، واصفة المحكمة بأنها أداة مسيّسة ومنحازة ضد دول الجنوب العالمي وأفريقيا، مستندة إلى إحصاءات المحكمة ذاتها التي تُظهر أن تسعة من أصل ثلاثة عشر تحقيقًا فتحتها المحكمة منذ بدء عملها تتعلق بدول أفريقية، وأن ستة من أصل سبعة محتجزين لديها موقوفون في قضايا أفريقية، رغم أن الدول الأفريقية الأطراف في النظام لا تتجاوز ثلاثًا وثلاثين دولة من أصل مائة وخمس وعشرين دولة طرفًا على مستوى العالم [1].

هذا الخطاب، وإن بدا مستعارًا من موجة الانسحابات الأفريقية السابقة، بدءًا من بوروندي عام ٢٠١٧ وصولًا إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو مجتمعة في سبتمبر ٢٠٢٥، يكتسب في الحالة التشادية مفارقة لافتة، فتشاد لم تكن دولة هامشية في علاقتها بالمحكمة، بل كانت لأكثر من خمسة عشر عامًا من أكثر العواصم الأفريقية تعاونًا معها، إذ سمحت لمحققي المحكمة بمقابلة ضحايا النزاع في دارفور داخل مخيمات اللجوء على أراضيها، بما في ذلك  مقابلة شهود في قضايا مفتوحة ضد عمر البشير وأحمد هارون وعبد الرحيم حسين، وما لبث أن امتد لاحقًا ليشمل ملفي الفاشر والجنينة في سياق الحرب السودانية الراهنة، من هنا فإن الانسحاب لا يُقرأ بوصفه موقفًا مبدئيًا ثابتًا، بل تحولًا حادًا في سياسة دولة كانت حتى الأمس القريب من أعمدة الشراكة القضائية الدولية  خاصة في الملف السوداني.[2]

ويصعب فصل هذا التحول عن سياق أوسع يتقاطع فيه ملفان؛ الأول هو الاتهامات المتكررة الموجهة لنجامينا بتقديم دعم لوجستي وسياسي لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، التي تواجه اتهامات دولية موثقة بارتكاب انتهاكات جسيمة في دارفور، والثاني تقارير أشارت إلى أن مسؤولًا أمريكيًا دعا تشاد صراحة إلى إعادة النظر في عضويتها بالمحكمة، في سياق اضطراب داخلي حاد بالمؤسسة نفسها تمثّل في  تصويت الدول الأعضاء بالأغلبية على إقالة المدعي العام كريم خان بداعي سوء سلوك مزعوم وهذا التزامن يجعل من الصعب قبول التفسير الرسمي التشادي وحده تفسيرًا كافيًا، ويستدعي بدلًا من ذلك قراءة القرار كاستجابة مركّبة لضغط خارجي وحسابات داخلية مرتبطة بحماية النظام من مساءلة محتملة عن دوره في السودان.[3]

بيد أن الأهم من الزاوية النظرية ليس دوافع القرار بقدر ما هو بنيته القانونية ذاتها، فالمادة ١٢٧ من نظام روما الأساسي تنص صراحة على أن الانسحاب لا يسري إلا بعد عام كامل من تاريخ استلام الإخطار، وأن الدولة المنسحبة تبقى ملزمة خلال هذه المهلة فيما يخص الالتزامات الناشئة في أثناء عضويتها، بالتعاون في أي تحقيقات أو إجراءات قضائية بدأت قبل نفاذ الانسحاب، بعبارة أخرى، ستظل تشاد حتى يوليو ٢٠٢٧ ملزمة قانونًا بالتعاون مع المحكمة في ملفات دارفور المفتوحة، بصرف النظر عن إعلانها السيادي بالخروج، هذه الفجوة الزمنية بين الإعلان السياسي والنفاذ القانوني ليست تفصيلًا إجرائيًا هامشيًا.[4]

ومن ثم فإن انسحاب تشاد، الدولة التي كانت جسرًا قضائيًا حيويًا بين المحكمة وملفات دارفور، يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل التعاون القضائي الدولي في المنطقة، خاصة في ظل تزايد الضغوط على المحكمة من دول أفريقية ترى في تحقيقاتها انتقائية مفرطة، غير أن الفجوة القانونية التي يفرضها نظام روما بين الإعلان والنفاذ تمنح المحكمة نافذة زمنية حاسمة لاستكمال إجراءاتها، وتذكّر الدول المنسحبة بأن الخروج من النظام القانوني الدولي ليس قرارًا آنيًا، بل عملية معقدة تخضع لقيود زمنية والتزامات مستمرة، كما أن هذا الانسحاب قد يحفّز دولًا أفريقية أخرى على اتباع المسار نفسه، ما يهدد بتآكل شرعية المحكمة في القارة، رغم أن بعض المحللين يرون أن هذا التآكل قد يكون مؤقتًا وقابلًا للعكس إذا ما أجرت المحكمة إصلاحات هيكلية تعالج انتقادات الدول الأفريقية.

فالانسحاب هنا فعل رمزي يعيد تموضع الدولة خطابيًا تجاه المساءلة الدولية أكثر مما هو تحرر فعلي وفوري منها، وقد شهدت المحكمة سابقة مماثلة حين انسحبت جنوب أفريقيا عام ٢٠١٦ ثم تراجعت بعد أن قضت محكمتها العليا بعدم دستورية الإجراء، وهو ما يذكّر بأن الانسحابات الأفريقية من المحكمة لم تكن يومًا مسارًا خطيًا بسيطًا، بل تخضع لتجاذبات قانونية وسياسية داخلية تفوق ما يوحي به البيان الرسمي للحظة الإعلان.[5]

ثانيًا: من السجن إلى الحرية المشروطة: إعادة هندسة النظام لعلاقته بخصمه الأبرز

بعد ثمانية عشر يومًا فقط من إعلان الانسحاب من لاهاي، وقّع الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي مرسومين للعفو الرئاسي أفرجا عن سوكسيه ماسرا، رئيس الوزراء السابق، إلى جانب ثمانية من رفاقه السياسيين، وكان ماسرا قد صدر بحقه قبل عام تقريبًا حكم بالسجن عشرين عامًا وغرامة مدنية قدرها مليار فرنك أفريقي (نحو 1.8 مليون دولار)، في محاكمة وصفها ناشطون حقوقيون بأنها ذات دوافع سياسية.[6]

وفي الواقع لا يمكن فهم توقيت هذا العفو بمعزل عن الأزمة الاقتصادية المتصاعدة التي تواجهها تشاد نتيجة ومنها تراجع إيرادات النفط التي تشكل نحو 9.3 % من الناتج المحلي الإجمالي والتي من المتوقع أن تهبط إلى 6% في المتوسط مع استمرار تراجع الأسعار العالمية، فضلًا عما تواجهه تشاد من خطر تراجع المساعدات التنموية الرسمية خاصة بعد تأكيدات الكونجرس الأمريكي خفض المساعدات الإنسانية لما بعد 2026 وتفشي قضايا فساد في هذا القطاع الحيوي.

 وتشير التقارير الاقتصادية إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 3.3% في عام 2025 وهو معدل لا يواكب النمو السكاني ولا يخلق فائضًا كافيًا لتمويل الاحتياجات التنموية، ورغم الأداء الجيد في قطاعات الزراعة والخدمات والتعدين الحرفي للذهب، إلا أن قطاع النفط – وهو العمود الفقري للاقتصاد التشادي – يشهد انكماشًا متواصلًا؛ حيث تراجع الإنتاج بنسبة ١.٢٪ في ٢٠٢٤ ثم انخفض مرة أخرى إلى ٠.٧٪ في ٢٠٢٥، بسبب المشكلات التقنية التي أعقبت تأميم أصول بعض المشغلين في ٢٠٢٣، فضلًا عن نضوب الحقول القديمة.

في الوقت نفسه، قفز معدل التضخم من ٥.١٪ في ٢٠٢٤، مدفوعًا بتضخم أسعار الغذاء الذي بلغ ٨.١٪ في 2025، نتيجة لعوامل خارجية (ارتفاع الأسعار العالمية) وداخلية (فيضانات بحيرة تشاد، وتدفق أكثر من مليون لاجئ سوداني على المقاطعات الشرقية)، مما فاقم معدلات انعدام الأمن الغذائي التي تهدد نحو ٢.٤ مليون شخص، وقد ترتفع إلى ٣.٤ مليون (أي ١٨٪ من السكان) في حال توقف المساعدات الإنسانية.[7]

في خضم هذه المعطيات الاقتصادية والاجتماعية المضطربة، جاء العفو الرئاسي عن سوكسيه ماسرا – رئيس الوزراء السابق وزعيم المعارضة – بعد قضاء أكثر من عام في سجن محكوم عليه فيه بعشرين عامًا بتهمة “التحريض على الكراهية والتواطؤ في القتل”، وقد صدر العفو بموجب مرسوم رئاسي ألغى تنفيذ عقوبة السجن، لكنه أبقى على الإدانة الجنائية قائمة في السجل القضائي، مما يعني استمرار السجل الجنائي لماسرا وحرمانه قانونيًا من حق الترشح لأي منصب مستقبلًا، وهي آلية قانونية تحقق للسلطة غايتين تبدو إحداهما ظاهرة والأخرى خفية.

غير أن توقيت العفو – الذي تزامن مع تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع منسوب الغضب الشعبي – ودعوة ماسرا فور إطلاق سراحه إلى “المصالحة والوحدة الوطنية”، واعترافه العلني بأن المعارضة تمثل القوة السياسية الرئيسية خارج الحكومة، كلها مؤشرات تنبئ بأبعاد أعمق من مجرد بادرة كرم، ففي ظل أزمة اقتصادية خانقة يترافق فيها تضخم في أسعار الغذاء مع نقص حاد في الغذاء وتدفق غير مسبوق للاجئين السودانيين (يقدّر عددهم بنحو مليون شخص)، تحتاج الحكومة التشادية إلى تهدئة الجبهة الداخلية لتجنب احتجاجات اجتماعية قد تفجر الأوضاع وتتحول إلى أزمة سياسية مفتوحة، كما أن تشاد، التي تسعى للحصول على دعم صندوق النقد الدولي عبر برنامج تسهيل الائتمان الممدد (ECF)، أصبحت مطالبة بتوفير بيئة سياسية مستقرة وتنفيذ إصلاحات حوكمة كشرط للاستمرار في تلقي التمويلات، مما يجعل العفو خطوة ذكية لتحسين صورة البلاد أمام المانحين والهيئات المالية الدولية التي كانت تتابع ملف ماسرا عن كثب.[8]

في الوقت نفسه، يسمح الإبقاء على الإدانة للحكومة بإبقاء ماسرا ضمن دائرة السيطرة القانونية، ومنعه من خوض الانتخابات المقبلة، مما يحقق توازنًا دقيقًا بين تهدئة المعارضة – عبر إخراج زعيمها من السجن – وتحصين النظام الحالي ضد أي منافسة انتخابية حقيقية، ومن اللافت أن ماسرا نفسه أبدى استعدادًا فوريًا للعمل مع الحكومة “بدءًا من الغد صباحًا”، كما ورد في تصريحه الصحفي، مما يعكس إدراكًا مشتركًا بين الطرفين بأن الاستقرار السياسي قد تحول إلى ضرورة اقتصادية ملحة في مواجهة أزمة متعددة الأوجه، وأن أي تصعيد سياسي في هذا التوقيت قد يهدد فرص البلاد في تجاوز الضائقة المالية الراهنة.[9]

وبالنظر إلى مجمل الأوضاع، نجد أن هذه الأزمات تحمل في طياتها مخاطر احتجاجات شعبية قد تهدد استقرار النظام ذاته، ومن هذه الزاوية بالذات يمكن قراءة العفو بوصفه محاولة ذكية لاستثمار الرمزية السياسية لماسرا – بصفته أبرز وجوه المعارضة التاريخية وأكثرها شرعية في الشارع التشادي – في تهدئة مناخ داخلي متوتر، قبل أن تتفاقم الأزمة الاقتصادية وتتحول إلى أزمة سياسية مفتوحة يصعب السيطرة عليها. وقد بدأت هذه القراءة تثبت صحتها على الأرض، إذ رحّب تحالف إنقاذ الديمقراطية في تشاد (COSADT) بالقرار في بيان أصدره في الخامس عشر من أغسطس، معتبرًا العفو انتصارًا لتشاد وداعيًا إلى أن يكون منطلقًا لميثاق جمهوري جديد قائم على مصالحة وطنية دائمة وشاملة. هذا الترحيب المؤسسي من داخل صفوف المعارضة نفسها – وهو حدث غير مألوف في المشهد التشادي – يعد واحدًا من أهم مؤشرات نجاح التكتيك الرئاسي، إذ حوّل خطوة تنفيذية أحادية إلى لحظة سياسية يُعاد فيها تعريف العلاقة بين السلطة والمعارضة، وبشروط تضعها السلطة وليس المعارضة، مما يمنح الرئيس ديبي زمام المبادرة السياسية دون أن يقدّم تنازلات جوهرية.

غير أن الفحص الدقيق للبنية القانونية للعفو يكشف عن مفارقة جوهرية تستحق وقفة متأنية: فالعفو الرئاسي، كما مُورس هنا، أسقط تنفيذ العقوبة السالبة للحرية فقط، لكنه لم يُسقط الحكم القضائي ذاته ولا وصف الإدانة الجنائية المرتبط باسم ماسرا، وهذا ما عبّرت عنه بدقة تغطية صحفية محلية حملت عنوانًا دالًا: “عفا عنه الرئيس لكنه بقي مدانًا”، في إشارة واضحة إلى أن ماسرا يخرج حرًا جسديًا، لكنه يظل – من الناحية القانونية الصرفة – شخصًا محكومًا عليه بجريمة لم تُبرأ ساحته منها قط، بل عُلّق تنفيذ عقوبتها فحسب، هذه الازدواجية العميقة بين الحرية الجسدية الظاهرة واستمرار الوصمة القانونية الخفية، تمنح السلطة التنفيذية أداة ضغط كامنة يمكن تفعيلها نظريًا في أي لحظة مستقبلية، سواء عبر إعادة تفعيل العقوبة أو عبر توظيف السجل الجنائي في أي مواجهة قضائية أو سياسية مقبلة، وهو ما يضع ماسرا في موقع أقرب إلى الحرية المشروطة الدائمة منه إلى التعافي الكامل لحقوقه المدنية والسياسية، مما يبقيه في حالة ترقب دائم ويمنعه من ممارسة سياسة المعارضة بكامل حريته. [10]

ويتعزز هذا التفسير بشكل لافت بموقف المتحدث الرسمي باسم الحكومة التشادية، الذي رفض صراحة وصف ماسرا بـ”زعيم المعارضة التشادية”، مؤكدًا أن هذا الوصف لم يعد دقيقًا بعد العفو، وأن ماسرا – وإن كان يتمتع كمواطن تشادي بحقوقه السياسية والمدنية الأساسية – فإنه لا يملك أي صلاحية لفرض أجندته السياسية أو تحديد توقيتات التحرك الحكومي. هذا التصريح ليس مجرد زلة لسان عابرة أو تصريح عابر، بل هو إعلان متعمد وممنهج عن استراتيجية نزع الصفة السياسية عن الخصم: فبدلًا من قمع ماسرا وتحويله إلى رمز اضطهاد يستقطب التعاطف الداخلي والدولي – كما كان الحال بوضوح في أثناء فترة سجنه – يُفرَغ ماسرا الآن من مضمونه الرمزي والسياسي عبر إعادة تصنيفه كـ”مواطن عادي” لا كـ”زعيم معارضة”، بينما تحتفظ الدولة بحقها القانوني في استدعاء صفته القضائية كمدان في أي وقت تستدعي المصلحة السياسية ذلك، وبذلك يكتمل نمط متكرر ومعروف في إدارة الخصومة السياسية في الأنظمة الهجينة وشبه الاستبدادية، حيث لا يُستهدف الخصم بالعقاب المباشر والمستمر الذي يجعله شهيدًا، بل يُبقى في منطقة رمادية دائمة ومريبة بين البراءة والإدانة، بين الحضور السياسي المعلن والغياب الفعلي، بين كونه رمزًا للمعارضة وشخصًا مجردًا من صلاحياتها، مما يضمن للسلطة السيطرة على إيقاع الصراع السياسي دون دفع ثمن قمعي قد يكلفها شرعيتها الداخلية والخارجية.

ثالثًا: إعادة تدوير المساءلة

إذا ما وُضع المساران جنبًا إلى جنب، يتضح نمط بنيوي واحد يتكرر بصيغتين مختلفتين: ففي كلتا الحالتين، لا يُقدِم النظام على الإلغاء الكامل لآلية المساءلة التي يواجهها، بل يعيد توطينها في حيز يستطيع التحكم فيه؛ في الحالة الأولى، لا تُلغى فكرة المساءلة عن جرائم دارفور، بل تُنقل، نظريًا على الأقل، من قضاء دولي مُلزم إلى ما وصفته الحكومة التشادية بـ”آلياتها الوطنية والإقليمية”، وهي آليات تظل بطبيعتها خاضعة لتقدير السلطة التنفيذية ذاتها، وفي الحالة الثانية، لا يُلغى حكم الإدانة بحق ماسرا، بل يُعلَّق تنفيذه فحسب، بحيث تظل أداة العقاب قائمة احتياطيًا تحت تصرف الرئاسة، هذا التماثل البنيوي بين المسارين هو ما يمكن أن نصطلح على تسميته بـ”إعادة تدوير المساءلة” وهي عملية تحويل أدوات المحاسبة، الخارجية والداخلية، من التزامات ثابتة يفرضها طرف ثالث (المحكمة الدولية، أو حكم قضائي نهائي)، إلى أرصدة مرنة يحتفظ بها النظام ويستخدمها وفق حساباته الظرفية.

تجد هذه الفرضية سندًا في أدبيات الصمود السلطوي المقارن، فتشير العديد من الدراسات المتعلقة بالنظم الهجينة إلى أن الأنظمة السلطوية المعاصرة تعتمد على مزيج من ثلاث أدوات رئيسية للبقاء وهي؛ الاستمالة، والقمع، والشرعنة، وأن الأنظمة الأكثر مهارة هي القادرة على المزج بينها بدلًا من الاعتماد المفرط على واحدة منها، وما يميز الحالة التشادية أن الحدثين معًا يجسدان هذا المزيج بدقة، فالانسحاب من الجنائية الدولية تحت خطاب شرعنة سيادية موجه للداخل وللمحيط الإقليمي، بينما العفو عن ماسرا أداة استمالة موجهة تحديدًا للمعارضة المؤسسية ولقطاع من الرأي العام المتعب من الاستقطاب، وفي الوقت ذاته، يحتفظ النظام بإمكانية القمع الكامنة في كلا المسارين، مع الاحتفاظ  بالقدرة النظرية على التراجع عن الانسحاب  وإن كانت غير واردة عمليًا، لكن القدرة على إعادة تفعيل حكم ماسرا تظل قائمة بمقتضى بنية العفو ذاته.[11]

وفي الحالة التشادية وبنظرة متأنية لما يحدث تاريخيًا يمكن ملاحظة استخدام تلك الأساليب للتعامل مع المعارضة وحفاظ السلطة على شرعيتها، فيشكل القمع العمود الفقري للحكم في تشاد، حيث يستخدم النظام العنف المباشر وغير المباشر لقمع المعارضة، وتتجسد هذه الاستراتيجية في قمع التظاهرات بالذخيرة الحية (كما حدث في أكتوبر 2022)، واعتقال قادة المعارضة وسجنهم تحت تهم سياسية، كما في حالة سوكسيه ماسرا الذي حكم عليه بالسجن 20 عامًا بتهم “التحريض على الكراهية والتواطؤ في القتل” في محاكمة وصفتها منظمة هيومن رايتس ووتش بأنها “ذات دوافع سياسية”، ولم تقتصر عمليات القمع على المعارضين السياسيين بل شملت النشطاء المدنيين وقادة حركات المجتمع المدني مثل حركتي “كفى” و”إيينا” (التي تعني “لقد تعبنا” بالعربية المحلية) الذين تعرضوا للتعذيب والاعتقال.[12]

هذا التطابق مع استراتيجية قمع حقوق السلامة الجسدية وحقوق الحريات المدنية ينسجم مع ما وثقه الباحثون حول الأنظمة الاستبدادية التي تعتمد على الإرهاب كأداة أساسية.

وفي ذات السياق استخدم النظام التشادي مزيجًا من استراتيجيات الإدماج الانتقائي، حيث تم استيعاب أحزاب المعارضة عبر التحالفات الرئاسية وتوزيع المناصب والمال، ففي عام 2016، انضم 96 حزبًا سياسيًا إلى تحالف يدعم الرئيس إدريس ديبي، وهو نمط متكرر مع وصول نجله محمد ديبي إلى السلطة، لكن هذا الإدماج كان هشًا ومشروطًا، حيث تم استبعاد شخصيات معارضة قوية رفضت الاندماج، وتعرض بعضهم للاغتيال كما حدث لإبني عمر محمد صالح.[13]

ويقدم أندرياس شيدلر إطارًا تكميليًا مفيدًا هنا عبر مفهومه عن “قائمة التلاعب”، الذي يصف كيف تحافظ الأنظمة الهجينة على واجهة إجرائية-قانونية سليمة الشكل، بينما تُفرغ مضمونها الفعلي من الداخل، محافظة بذلك على غطاء من الشرعية الإجرائية يصعب الطعن فيه مباشرة، وهذا بالضبط ما يفسر لماذا اختارت تشاد، في كلا المسارين، ألا تلجأ إلى القطيعة الصريحة: فهي لم تعلن الانسحاب الفوري من المحكمة، بل التزمت بالمهلة القانونية الكاملة التي يفرضها نظام روما نفسه؛ ولم تصدر عفوًا شاملًا يُسقط الحكم بالكلية عن ماسرا، بل اكتفت بتعليق تنفيذه. في الحالتين، يُستخدم النص القانوني ذاته أداةً لإنتاج نتيجة سياسية محسوبة بعناية، لا قيدًا يُراد التحرر منه بالكامل.[14]

ويكتسب هذا النمط أهمية مقارنة إذا ما وُضع في سياق موجة الانسحابات الأفريقية الأوسع من المحكمة الجنائية الدولية. فحالات مالي والنيجر وبوركينا فاسو، التي أعلنت انسحابها المشترك في سبتمبر ٢٠٢٥ ، جاءت في سياق قطيعة شاملة مع الشرعية الدستورية السابقة عقب انقلابات عسكرية متتالية، بحيث كان الانسحاب من الجنائية الدولية جزءًا من إعادة تعريف جذرية للسيادة، ترافقت مع قطيعة مماثلة مع فرنسا والمنظمات الإقليمية، أما الحالة التشادية فتختلف جوهريًا؛ فديبي لم يصل إلى السلطة عبر انقلاب مضاد للنظام الدستوري القائم، بل عبر توريث سلطوي أعقب مقتل والده إدريس ديبي عام ٢٠٢١، ومر بمسار انتقالي شكلي حافظ على مؤسسات الدولة القائمة.

 من هنا فإن الانسحاب من الجنائية الدولية في الحالة التشادية ليس قطيعة ثورية شاملة كما في دول الساحل الانقلابية، بل أقرب إلى تعديل دقيق ومحسوب في هوامش السيادة القضائية، متوازٍ تمامًا مع التعديل الدقيق المحسوب الذي يمثله العفو عن ماسرا في هوامش السيادة السياسية الداخلية. وهذا التوازي بين الحذر في الخارج والحذر في الداخل هو جوهر ما يميز نموذج إعادة تدوير المساءلة عن نموذج القطيعة الانقلابية الشاملة؛ فالأول يسعى لإعادة التفاوض على قواعد اللعبة دون قلبها، بينما يسعى الثاني لإلغاء قواعد اللعبة القديمة برمتها.

ويتضح مما سبق أن الأنظمة الهجينة التي تفتقر إلى مشروعية ثورية أو انقلابية واضحة، وتعتمد بدلًا من ذلك على الاستمرارية المؤسسية الشكلية، تميل إلى تفضيل  المساءلة المؤجلة أو المشروطة على كل من العقاب الكامل والتبرئة الكاملة، سواء في تعاملها مع المساءلة الدولية أو مع خصومها الداخليين، فالعقاب الكامل يخلق شهداء ورموز مقاومة، والتبرئة الكاملة تُسقط ورقة ضغط لا يمكن استرجاعها بسهولة، بينما المساءلة المؤجلة أو المشروطة تُبقي الطرف الآخر مدينًا قانونيًا وأخلاقيًا للسلطة وقابلًا للاستدعاء في أي لحظة، تحقق التوازن الأمثل بين الظهور بمظهر المتصالح والاحتفاظ الكامل بأدوات الردع.[15]

ومع ذلك تظل المساءلة المؤجلة أو المشروطة أداة فعالة على المدى القصير والمتوسط، لكنها تحمل في داخلها مصدر هشاشتها الخاص، ذلك أن إبقاء ملف ماسرا مفتوحًا رمزيًا، وإبقاء تشاد ملزمة بالتعاون الفعلي مع الجنائية الدولية حتى نفاذ انسحابها الكامل، يعني أن كلا المسارين يظل عرضة لإعادة التفعيل من قبل أطراف لا يتحكم فيها النظام بالكامل: فماسرا نفسه قد يختار في أي لحظة إعادة تسييس قضيته عبر وسائل الإعلام أو الشارع، والمحكمة الجنائية قد تُصدر قرارًا استدعائيًا جديدًا في ملفات دارفور المفتوحة قبل انقضاء المهلة القانونية. بعبارة أخرى، فإن الأداة التي تمنح النظام مرونة تكتيكية في اللحظة الراهنة هي ذاتها التي تُبقي زمام المبادرة، جزئيًا على الأقل، خارج قبضته الكاملة. [16]

وختامًا خلصت الدراسة إلى أن التطورات التي شهدتها تشاد خلال صيف 2026، والمتمثلة في إعلان الانسحاب من نظام روما الأساسي والعفو الرئاسي عن سوكسيه ماسرا، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها واقعتين منفصلتين، وإنما باعتبارهما مظهرين لنمط واحد في إدارة السلطة للمساءلة القانونية والسياسية، ففي الحالتين، لم تتجه السلطة إلى الإلغاء الكامل للمساءلة، وإنما إلى إعادة صياغة شروطها وتوقيتها ومجالها بما يزيد من قدرتها على التحكم فيها.

ففي الحالة الدولية، لا يؤدي الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية إلى إنهاء الالتزامات القانونية بصورة فورية، بينما لم يؤدِّ العفو عن ماسرا إلى محو الإدانة القضائية، وإنما أوقف تنفيذ العقوبة مع الإبقاء على آثارها القانونية. ومن ثم، فإن المساءلة لم تختفِ، وإنما انتقلت إلى منطقة رمادية أصبحت فيها أكثر قابلية للتأجيل وإعادة التفعيل.

ومن هنا طرحت الدراسة مفهوم «إعادة تدوير المساءلة» بوصفه إطارًا تفسيريًا لفهم هذا النمط؛ أي تحويل المساءلة من التزام مؤسسي مستقل إلى مورد سياسي يمكن للسلطة إدارته وتوظيفه وفقًا لحساباتها، وهو ما يفسر لجوء النظام التشادي إلى الجمع بين الشرعنة السيادية في الخارج، والاستمالة السياسية في الداخل، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بأدوات الردع القانونية.

وتؤكد الحالة التشادية، إلى حد كبير، فرضية الدراسة القائلة إن الأنظمة الهجينة القائمة على الاستمرارية المؤسسية الشكلية تميل إلى تفضيل المساءلة المؤجلة أو المشروطة على القطيعة الكاملة أو التبرئة الشاملة، فالعقاب الكامل قد يحول الخصم إلى رمز للمقاومة، بينما التبرئة الكاملة تفقد السلطة أداة ضغط مستقبلية؛ أما إبقاء المساءلة معلقة فيوفر للنظام قدرًا أكبر من المرونة السياسية.

ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية تحمل في داخلها مصدر هشاشتها؛ فالمساءلة المؤجلة لا تعني المساءلة الملغاة، والملفات التي تحتفظ بها السلطة في حالة تعليق قد تعود إلى المجال السياسي والقانوني عند تغير موازين القوى، ولذلك فإن «إعادة تدوير المساءلة» قد تكون فعالة في إدارة الأزمات على المدى القصير، لكنها لا تضمن بالضرورة استقرارًا مؤسسيًا طويل الأمد.

وعليه، فإن أهمية الحالة التشادية تتجاوز حدودها الوطنية، لأنها تكشف أن القانون في الأنظمة الهجينة قد لا يكون مجرد قيد على السلطة، بل قد يتحول إلى أداة لإدارة عدم اليقين السياسي وإعادة توزيع القوة. ومن ثم، فإن السؤال الحاسم للمستقبل لا يتمثل فيما إذا كانت تشاد قد تخلت عن المساءلة، وإنما فيمن يملك القدرة على تحديد توقيت عودتها، ومجال تطبيقها، والجهة التي تستطيع تفعيلها. وهنا تحديدًا تتجسد المفارقة الأساسية التي تكشفها الدراسة: كلما نجحت السلطة في إعادة تدوير المساءلة، بدت أكثر قدرة على إدارة النظام؛ لكنها في الوقت نفسه قد تؤجل الأزمات بدلًا من حلها، وتعيد إنتاج مصادر الهشاشة التي تهدد استقراره مستقبلًا.


[1] انسحاب دول الساحل الأفريقي من المحكمة الجنائية الدولية.. تمرد سيادة أم حسابات سياسية، موقع التليفزيون العربي، على الرابط:

https://2u.pw/O9qDtQ

[2] تحقيقات الجنائية الدولية في دارفور تحقق اختراقا وأدلة جديدة تربط الجرائم بالمستويات القيادية، موقع يورو نيوز على الرابط:

https://arabic.euronews.com/2026/07/09/sudan-investigation-breakthrough-new-evidence-links-crimes-leadership

[3] انسحاب تشاد من الجنائية الدولية.. مبررات رسمية وشكوك حقوقية، موقع الجزيرة نت، 29 / 7 / 2026 على الرابط :

https://2u.pw/OZK2lZ

[4]  نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على الرابط :

https://www.ohchr.org/ar/instruments-mechanisms/instruments/rome-statute-international-criminal-court
[5] Rome Statute repeal bill withdrawn from Parliament, News24 at:
https://www.news24.com/SouthAfrica/News/rome-statute-repeal-bill-withdrawn-from-parliament-20170314

[6] Chadian opposition leader calls for unity after presidential pardon at:

https://www.freemalaysiatoday.com/category/world/2026/08/16/chadian-opposition-leader-calls-for-unity-after-presidential-pardon#1

[7] CHAD August 2025 REQUEST FOR A FOUR-YEAR ARRANGEMENT UNDER THE EXTENDED CREDIT FACILITY —PRESS RELEASE; STAFF REPORT; STAFF STATEMENT; AND STATEMENT BY THE EXECUTIVE DIRECTOR FOR CHAD, IMF country Report no.25/236 , P.P., 11-12

[8] IMF Executive Board Approves a New 48-Month Extended Credit Facility (ECF) Arrangement for Chad at:
https://www.imf.org/en/news/articles/2025/07/25/pr25269-chad-imf-executive-board-approves-a-new-48-month-ecf-arrangement#1

[9]  عفا عنه الرئيس لكنه بقي مدانًا …ما قصة أبرز معارضي تشاد؟ موقع الجزيرة على الرابط:

https://2u.pw/NE2vNo

[10] Chad president free opposition leader Masra, BBc News, 14/ 8 / 2026 at:

https://www.bbc.com/pidgin/articles/c62v1gxwj59o?at_campaign=ws_whatsapp&xtor=AL-73-%5Bpartner%5D-%5Binformationng.com%5D-%5Blink%5D-%5Bpidgin%5D-%5Bbizdev%5D-%5Bisapi%5D#1
[11]Ruth ben Ghuat , Pardon Me: From Il Duce to Trump, Authoritarians Use Pardons to Increase Their, 1 Feb. 2022  at : https://lucid.substack.com/p/pardon-me-from-il-duce-to-trump-authoritarians

[12] EU.SEE, Supporting an enabling Environment for civil Society , at :

[13] Jérôme Tubiana and Marielle Debos, Déby’s Chad: Political Manipulation at Home, Military Intervention Abroad, Challenging Times Ahead, Peaceworks (Washington, DC: United States Institute of Peace, No. 136,  2017), P.8

[14]  Waldemar Wojtasik , electoral manipulation S  in Joanna Podgórska-Rykała, Katarzyna Stelmach, Marek Marmola (edt.) , Vademecum Śląsk , (Katowice, Towarzystwo Inicjatyw Naukowych, vol. 2, 2014)P.P, 29- 30

[15] Áron Hajnal, “Understanding Hybrid Regimes: How Are They Maintained and Operated?” PhD.,( of Budapest, Doctoral School of International Relations and Political Science, Political Science Track,  Corvinus University of Budapest, 2025)P.P., 88- 90

[16] Wooseok Kim)(et.al) , Strategies of political control and regime survival in autocracies, in Democratization, (London, Routledge Journals (Taylor & Francis Ltd), 2026 at:

, https://doi.org/10.1080/13510347.2025.2611256.