كتب – عبدالله محمد
باحث ماجستير في الدراسات الاقتصادية
تواجه أفريقيا مفارقة اقتصادية وغذائية لافتة يصعب تجاهلها؛ فعلى الرغم من امتلاك القارة نحو 65% من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة عالميًا، فإنها تستورد أكثر من 100 مليون طن من الحبوب سنويًا بتكلفة تقارب 75 مليار دولار سنويًا على استيراد الغذاء.
ولا تقتصر الفجوة على فاتورة الاستيراد، إذ تأتي نحو 39% من إمدادات الحبوب في أفريقيا من الواردات، وهي نسبة تقارب 4 أضعاف المستوى المسجل في آسيا. وفي ظل هذه المفارقة، يعاني نحو 307 ملايين أفريقي من نقص التغذية وفق أحدث التقديرات المتاحة لعام 2024.
وتكشف هذه المؤشرات مجتمعة أن التحدي الغذائي الأفريقي لا يرتبط، في جوهره، بندرة الموارد الزراعية أو محدودية الإمكانات الطبيعية، بقدر ما يعكس ضعف القدرة على توظيف هذه الموارد وتحويلها إلى منظومة إنتاج غذائي متكاملة وذات قيمة مضافة وقادرة على المنافسة.[1]
بداية الأزمة
تبدأ إحدى أهم فجوات السلسلة الغذائية من المدخلات الزراعية، وفي مقدمتها الأسمدة؛ إذ لا يتجاوز متوسط استخدامها في أفريقيا جنوب الصحراء 22 كيلوجرامًا للهكتار، مقابل 146 كيلوجرامًا عالميًا، بما يسهم في اتساع فجوة الإنتاجية الزراعية. [2]
وتتفاقم هذه الهشاشة مع اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية؛ فقد أظهرت أزمة مضيق هرمز كيف يمكن لاضطرابات الملاحة أن ترفع تكاليف الطاقة والمدخلات الزراعية وتعطل تدفقات تجارة الأسمدة، بما يهدد إنتاج المحاصيل الأساسية في الدول الأكثر اعتمادًا على الواردات. وفي المقابل، تمتلك القارة فرصة استراتيجية لتوظيف موارد الغاز الطبيعي والفوسفات في تطوير صناعة محلية للأسمدة، بما يربط بين الطاقة، والتعدين، والإنتاج الزراعي، والتصنيع.[3]
لذلك، لا تمثل الأسمدة مجرد مدخل للإنتاج، بل نقطة انطلاق لسلسلة تمتد من الموارد الطبيعية ورفع الإنتاجية إلى التصنيع الغذائي والتجارة، بما يسمح للقارة بالاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل اقتصاداتها.
المشكلة لا تنتهي عند زيادة الإنتاج
زيادة الإنتاج الزراعي وحده لا يكفي لتحقيق التحول المطلوب؛ فالتحدي الحقيقي يتمثل في تحويل الإنتاج الزراعي إلى قيمة مضافة داخل القارة.
وتبرز هنا أهمية التصنيع الزراعي (agro-processing) باعتباره ركيزة لبناء سلاسل قيمة إقليمية تربط الإنتاج بمراحل المعالجة والتعبئة والتوزيع والأسواق النهائية، بدلًا من تصدير المواد الأولية واستيراد المنتجات المصنعة. حيث لا تتولد القيمة الاقتصادية عند مستوى الزراعة وحدها، وإنما عبر تكامل الحلقات الممتدة من تأمين المدخلات والإنتاج إلى التخزين والنقل والتصنيع والتجارة، بما يُعزز التصنيع، ويوسع فرص العمل، ويزيد قدرة الاقتصادات الأفريقية على الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل القارة. [4]
وتزداد أهمية التصنيع الزراعي في ظل استمرار الاعتماد المرتفع على السلع الأولية الذي يحد من قدرة أجزاء واسعة من القارة على تحقيق التنويع الاقتصادي.
وتُعرّف الاقتصادات المعتمدة على السلع الأولية بأنها تلك التي تتجاوز حصة السلع الأساسية 60% من صادراتها السلعية، بينما تتجاوز هذه النسبة 80% من إيرادات الصادرات في معظم اقتصادات وسط وغرب أفريقيا خلال 2021 : 2023. ويعني ذلك أن جزءًا كبيرًا من القيمة الاقتصادية للموارد الأفريقية لا تزال تتحقق خارج القارة، بما يجعل اقتصاداتها أكثر عرضه لتقلبات الأسعار والصدمات الخارجية. ومن هنا، يمثل إضافة القيمة وتنويع الإنتاج مسارًا لتحويل الموارد الطبيعية من مصدر للهشاشة إلى قاعدة للنمو والتصنيع.[5]
ولا يعني ذلك إلغاء تصدير السلع الأولية، وإنما زيادة عدد مراحل القيمة المضافة التي تتم داخل القارة. وهنا تبرز اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية AfCFTA كإطار يمكن أن يساعد الدول على توزيع مراحل الإنتاج وبناء سلاسل قيمة عابرة للحدود، وصولًا إلى منتجات تحمل علامة “صُنع في أفريقيا”.
العقبة الأخرى: ضعف السوق الأفريقية نفسها
قد تبدو السوق الأفريقية، التي تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، قاعدة طبيعية لبناء سوق غذائية متكاملة، لكن ضخامة الطلب لا تتحول تلقائيًا إلى قوة اقتصادية إذا ظلت الأسواق مجزأة وتكلفة الوصول إليها مرتفعة. فقد بلغت التجارة البينية الأفريقية نحو 13.2% فقط من إجمالي تجارة السلع في 2024، مقابل نحو 38% في آسيا، بما يعكس فجوة كبيرة في قدرة الاقتصادات الأفريقية على الاستفادة من سوقها الداخلية. ومن ثم، لا تكمن المشكلة في غياب الطلب، وإنما في ضعف القدرة على ربط المنتجين والمستهلكين عبر سوق قارية منخفضة التكلفة.[6]
وتتضح تلك الفجوة بصورة أكبر عند النظر إلى تكلفة حركة السلع داخل القارة؛ فوفق UNCTAD، يمثل النقل البري نحو 29% من سعر السلع المتداولة داخل أفريقيا، مقابل 7% فقط للسلع المتداولة خارج القارة، بينما يمكن للحواجز غير الجمركية والإجراءات الجمركية غير الكفؤة أن تقيد التجارة بأثر يفوق تأثير التعريفات الجمركية بنحو ثلاثة أضعاف.[7]
وفي إحدى الحالات التي درستها المنظمة، أدت تكاليف النقل إلى ارتفاع سعر أحد المدخلات من نحو 4 دولارات إلى 42 دولارًا للطن[8]، بما جعل التجارة الإقليمية غير مجدية اقتصاديًا. وهكذا، تصبح تكلفة الاتصال بين الأسواق عائقًا أمام بناء سلاسل القيمة بقدر أهمية القدرة على الإنتاج نفسها.
وهنا تبرز منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) باعتبارها أكثر من مجرد أداة لخفض الرسوم الجمركية؛ فهي تتيح، من خلال قواعد تراكم المنشأ (cumulation)، استخدام مدخلات من دول أفريقية متعددة مع الحفاظ على الاستفادة من المعاملة التفضيلية، بما يفتح المجال لتوزيع مراحل الإنتاج عبر القارة. غير أن هذه الإمكانات لا تزال مقيدة بتعقيد الإجراءات، وضعف المعرفة بالقواعد، وارتفاع تكاليف النقل واللوجستيات. ولذلك، فإن نجاح AfCFTA في دعم سلاسل القيمة الغذائية يتطلب الانتقال من إزالة الحواجز التجارية إلى خفض تكلفة الإنتاج والربط بين الأسواق.[9]
ومن ثم، تكمن القيمة الحقيقية لـ AfCFTA في الانتقال من “التكامل من أجل التجارة” إلى “التكامل من أجل الإنتاج”؛ فقد توفر دولة الأسمدة والمدخلات، وتنتج أخرى المحاصيل، وتتولى ثالثة التصنيع والتعبئة، بينما توفر رابعة الخدمات اللوجستية والأسواق. ومع ارتفاع التجارة البينية الأفريقية من 13.6% في 2022 إلى 14.9% في 2023، تظل أمام القارة مساحة واسعة لتعميق التكامل، مع إمكانية ارتفاعها إلى نحو 35%بحلول 2045 إذا تسارعت وتيرة تنفيذ AfCFTA وإزالة الحواجز التجارية. والهدف النهائي ليس مجرد زيادة التجارة بين الدول الأفريقية، بل تحويل السوق القارية إلى شبكة إنتاج متكاملة تستطيع فيها الدول إنتاج الغذاء وتصنيعه وتداوله داخل القارة قبل المنافسة في الأسواق العالمية.[10]
الحلقة التي قد تفشل عندها السلسلة
لا يقتصر التحدي على تمويل المزارعين، بل يمتد عبر حلقات السلسلة من شراء المدخلات والإنتاج إلى التخزين والنقل والتصنيع والتصدير. لذلك تتجه المؤسسات التنموية إلى توظيف الضمانات الائتمانية والتمويل المختلط وتقاسم المخاطر لجذب رأس المال الخاص. [11]
وفي هذا السياق، طرح البنك الأفريقي للتنمية في 2025 مرفقًا بقيمة 500 مليون دولار يستهدف تعبئة نحو 10 مليارات دولار لتمويل صغار المزارعين والشركات الزراعية، بما يعكس توجهًا نحو استخدام التمويل التنموي كرافعة لتوسيع الاستثمار الخاص في القطاع الزراعي والغذائي.[12]
من الأمن الغذائي إلى الأمن الاقتصادي
تقليل الاعتماد على الخارج لا يعني السعي إلى الاكتفاء الذاتي الكامل؛ فالتجارة الدولية تظل ضرورية لتحقيق الكفاءة والوصول إلى السلع التي تكون تكلفة إنتاجها محليًا مرتفعة. وتكمن المشكلة عندما يتحول الاعتماد على الواردات إلى اعتماد مرتفع ومتركز وقابل للتعطل أمام الصدمات الخارجية. ومن ثم، فإن المسار الأكثر واقعية يتمثل في الجمع بين رفع الإنتاجية المحلية، وتنويع مصادر الاستيراد، وتوسيع التصنيع الغذائي، وتعميق التجارة البينية، مع بناء سلاسل إمداد أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات المناخية والاقتصادية والجيوسياسية[13].
ختامًا، لا تكمن معضلة أفريقيا في قدرتها على إنتاج الغذاء، وإنما في قدرتها على امتلاك السلسلة الاقتصادية التي تقف وراءه. فالأمن الغذائي لا يعني الاكتفاء الذاتي، بل تقليص هشاشة الاعتماد على الخارج عبر ربط الموارد بالأسمدة، والأسمدة بالزراعة، والزراعة بالتصنيع، والتصنيع بالتجارة، والتجارة بسوق أفريقية متكاملة. وعندها يمكن للغذاء أن ينتقل من بند يستنزف النقد الأجنبي إلى محرك للتصنيع وخلق الوظائف والقيمة المضافة. فالثروة لا تُقاس بما تملكه القارة من أراضٍ وموارد وأسواق، وإنما بقدرتها على تحويلها إلى إنتاج وقيمة تحتفظ بها داخل اقتصاداتها؛ ومن ثم، فإن السؤال الحاسم ليس: هل تستطيع أفريقيا أن تنتج ما يكفي من الغذاء؟ بل: هل تستطيع أن تجعل من غذائها صناعةً أفريقية، ومن سوقها قوةً إنتاجية، ومن مواردها قيمةً تبقى داخل القارة؟
[1] . Food and Agriculture Organization of the United Nations (FAO). (2026). Taking action for Africa’s agrifood systems amid global uncertainty, available at: https://www.fao.org/africa/news-stories/news-detail/taking-action-for-africa-s-agrifood-systems-amid-global-uncertainty/en
[2] . African Development Bank Group (AfDB). (2024). Africa Fertilizer Financing Mechanism (AFFM) – Annual Report 2024, Page 9, available at: https://www.afdb.org/sites/default/files/documents/publications/annual_report_2024_-_africa_fertilizer_financing_mechanism_-_en.pdf
[3] . Food and Agriculture Organization of the United Nations (FAO). (2026). Implications of the disruptions in the Strait of Hormuz for global agricultural and fertilizer markets and trade, available at: https://www.fao.org/markets-and-trade/news-and-events/events-detail/implications-of-the-disruptions-in-the-strait-of-hormuz-for-global-agricultural-and-fertilizer-markets-and-trade/en
[4] . United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD). (2023). Evidence and Potentialities of Regional Value Chains in Sub-Saharan Africa Using Cumulation, available at: https://unctad.org/publication/evidence-and-potentialities-regional-value-chains-sub-saharan-africa-using-cumulation
[5] . UN Trade and Development (UNCTAD). (2025). The State of Commodity Dependence 2025, available at: https://unctad.org/publication/state-commodity-dependence-2025
[6] . African Development Bank Group (AfDB). (2026). Annual Development Effectiveness Review 2026: Mobilising Africa’s Development Financing at Scale, available at:
https://www.afdb.org/sites/default/files/documents/publications/ader_2026_en_web.pdf
[7] . United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD). (2024). Economic Development in Africa Report 2024: Unlocking Africa’s Trade Potential – Boosting Regional Markets and Reducing Risks, available at: https://unctad.org/publication/economic-
[8] . United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD). (2026). Evidence and Potentialities of Regional Value Chains in Sub-Saharan Africa Using Cumulation: A Quantitative and Firm Level Approach, available at:
[9] . United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD). (2025). External Debt Sustainability and Development 2025, available at:
https://unctad.org/system/files/official-document/aldc2025d6_en.pdf
[10] . African Development Bank Group (AfDB). (2026). African Economic Outlook 2026: Mobilizing Africa’s Development Financing at Scale in a Fragmented World, available at:
https://www.afdb.org/en/knowledge/publications/african-economic-outlook
[11] . Food and Agriculture Organization of the United Nations (FAO). (2026). New report urges urgent, coordinated financing to reverse rising hunger and transform agrifood systems across Africa, available at: https://www.fao.org/newsroom/detail/new-report-urges-urgent–coordinated-financing-to-reverse-rising-hunger-and-transform-agrifood-systems-across-africa/
[12] . African Development Bank Group (AfDB). (2026). African Development Bank mulls $500 million facility to mobilize financing for smallholder farmers, available at:
[13] . United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD). (2024). Economic Development in Africa Report 2024: Unlocking Africa’s Trade Potential – Boosting Regional Markets and Reducing Risks, available at: https://unctad.org/publication/economic-development-africa-report-2024





