مسيرة موشويشوي في ليسوتو.. رحلة ثقافية على خُطى التراث

مارس 11, 2026

أماني ربيع
ازدحمت قمم شمال ليسوتو بالكثير من الأشخاص القادمين من بلدان مختلفة، مخترقين ضباب الجبال الكثيف، ليشقوا أجواء قرية مينخوانينج الهادئة بالأغاني والرقص، قبل الانطلاق في رحلة سير طويلة تيمنا بتراث الدولة الأفريقية الصغيرة.
انطلقت في مارس الجاري نسخة عام 2026 من مسيرة موشويشوي السنوية والتي جذبت نحو 2000 مشارك، حيث تُعيد هذه المسيرة التراثية، التي تستغرق ثلاثة أيام، إحياء الرحلة التاريخية لموشويشوي الأول، الذي قاد شعبه إلى قلعة ثابا بوسيو الجبلية في القرن التاسع عشر.


حدث دولي
وما بدأ عام 2007 كفعالية ثقافية، تطور ليصبح حدثًا دوليًا يجذب المتنزهين من جميع أنحاء الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي (SADC) وبقية أنحاء أفريقيا وخارجها.
وبحسب ثابو ماريتلان، المدير الإداري لشركة “تي كونيكشن” للتسويق والسياحة ومؤسس المسيرة، تعد هذه المسيرة السنوية أحد أكثر التجارب التراثية تميزًا في أفريقيا، وفقا لوكالة أنباء ليسوتو.
وقال: “لا يوجد حدثٌ يُضاهي مسيرة موشويشوي في أفريقيا، إنها ليست مجرد مسيرة عادية، بل هي السير على خطى الملك موشويشوي الأول، يجب أن يعلم شعب الباسوتو أن هذا مصدر فخرهم”.


بُعد اجتماعي
تبدأ المسيرة من ماتي، مينخوانينج، مرورًا بمالاوانينج، ماهوبونج، ​​ثابا-فاتسوا، ليبتو، ها ماخوروانا، ماهلاتسا، ماليمونج، ها كومي، سيفيكينج، ميتولونج، وخامولاني، وصولًا إلى قرية ثابا بوسيو الثقافية.
إلى جانب الاحتفاء بالتاريخ، يؤكد منظمو المسيرة أنها تحمل أيضًا بُعدًا اجتماعيًا هامًا، فعلى مر السنين، قامت المبادرة ببناء دورات مياه للمدارس على طول المسار، وتوفير الهواتف المحمولة لكبار السن من القرويين، وتوزيع الأحذية المدرسية على التلاميذ المحتاجين.
ومسيرة موشويشوي، هي رحلة سير على الأقدام بطول 116 كيلومترًا تُعيد إحياء المسار التاريخي الذي سلكه الملك موشويشوي الأول مؤسس دولة الباسوتو، قبل أكثر من قرنين، والتي أصبحت مملكة ليسوتو عام 1966 بعد استقلالها عن المملكة المتحدة، وتعد واحدة من أهم التقاليد الثقافية في ليسوتو منذ انطلاقها عام 2007.
ومنذ ذاك الوقت وحتى اليوم، نمت هذه الفعالية السنوية، التي تُقام في شهر مارس من كل عام، لتصبح واحدة من أهم التقاليد الثقافية في ليسوتو، حيث تجمع الصغار والكبار للسير على خطى أجدادهم.


تاريخ المسيرة
قبل أكثر من 200 عام، في وقت كانت فيه أجزاء كبيرة من جنوب أفريقيا غارقة في الصراعات العنيفة التي تسببت في نزوح الكثيرين عن أراضيهم، اختار الملك موشويشوي الأول مسارًا سيُشكّل هوية شعب الباسوتو، وبدلاً من غزو الجماعات المجاورة، رحّب بالمجتمعات النازحة، وأقام تحالفات عبر الحوار والزواج، ومنح أراضي لدمج الناس من خلفيات مختلفة.
يسافر متجولون من دول مختلفة، من بينها ليسوتو وجنوب إفريقيا وزيمبابوي وموزمبيق، من مختلف أنحاء المنطقة للمشاركة في هذا الحدث، حيث يتعرفون ليس فقط على تاريخ ليسوتو، بل أيضًا على منصة أوسع للتبادل الثقافي الإقليمي.
ويرى موخيلي مولوبي، أحد المشاركين بالمسيرة من جنوب أفريقيا، أن المسيرة تحمل رسالة تتجاوز حدود البلاد.
وأضاف: “يمثل الملك موشويشوي الأول روحًا توحد الشعوب”، مشيرًا إلى أن هذا الحدث يُسهم في إحياء إرث الملك المؤسس والحفاظ عليه حتى بعد مرور سنوات عديدة.
بينما قال ليكهوا راموخورو، وهو متجول من ليسوتو يبلغ من العمر 56 عامًا: “علينا أن نعرف من أين أتينا لنفهم من نحن وإلى أين نتجه”، مشيرًا إلى أن الرحلة تربط المشاركين بماضي البلاد، حيث لا تقتصر الفعالية على كونها نشاطًا رياضيًا فحسب، بل تساعد المشاركين أيضًا على فهم تاريخ ليسوتو وثقافتها بشكل أفضل.
ورحب موتلاتسي ماكيليبو، وزير السياحة والرياضة والفنون والثقافة في ليسوتو، بالمشاركين من مختلف البلدان في الفعالية، وأكد على أهميتها في التبادل الثقافي.
ليسوتو، دولة غير ساحلية محاطة بجنوب أفريقيا، ويبلغ عدد سكانها حوالي 2.3 مليون نسمة، هي الدولة الوحيدة في العالم التي تقع أراضيها بالكامل على ارتفاع يزيد عن 1000 متر.


يوم موشويشوي
وتحتفل ليسوتو في الحادي عشر من مارس كل عام بيوم موشويشوي، وهو عطلة رسمية لإحياءً ذكرى ميلاد موشويشوي الأول، زعيم شعب الباسوتو، الذي ساهم في تأسيس دولة الباسوتو، التي أصبحت فيما بعد دولة ليسوتو الحالية.
كان موشويشوي أول ملك للبلاد، ويُعرف بجهوده الحثيثة في ترسيخ سيادة شعبه وحمايتها من التهديدات الخارجية، ولأن تاريخ ميلاده الدقيق غير معروف، يُصادف يوم موشويشوي ذكرى وفاته عام 1870.
ولد موشويشوي في عام 1776 تقريبًا، وأصبح أول ملك لليسوتو، وبفضل جهوده في توحيد القبائل المجاورة في منطقته بجنوب أفريقيا، والحفاظ على سيادة شعب الباسوتو، يُعتبر مؤسس الأمة.
سكن شعب الباسوتو منطقة ليسوتو الحالية منذ حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، وعلى مر التاريخ، انقسموا إلى مجموعات عرقية مختلفة نتيجة للصراعات الإقليمية والاستعمار البريطاني، لعب موشويشوي الأول دورًا محوريًا في توحيد هذه القبائل، مُشكلاً أمة السوتو أو “أرض الباسوتو”، وفي عام 1829 فقط، أطلق شعب موشويشوي الأول على أنفسهم اسم الباسوتو وعلى أراضيهم اسم ليسوتو.
استخدم موشويشوي تحالفات الزواج القبلية والدبلوماسية كأدوات لتعزيز التماسك الاجتماعي، كان من أبرز جهوده لتوحيد شعبه رفضه الاعتراف بالحدود المرسومة بين ليسوتو والدولة الحرة (التي تقع الآن في جنوب أفريقيا)، وذلك لتعزيز الوحدة القبلية.
ولا يزال يُحتفى بـموشويشوي كشخصية بارزة في تاريخ ليسوتو لجهوده في توحيد شعب السوتو، توفي عام 1870 ودفن في هضبة ثابا بوسيو، حيث بدأ نضاله.