كتب – هشام قدري أحمد
باحث في العلوم السياسية
كشفت المجموعة الاقتصاديَّة لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، في فبراير 2026، عن مبادرةٍ إقليميَّة تتضمَّن مقترحًا بإنشاء منطقة محمية بحريَّة تغطي مساحةً قدرها 200 ألف كيلومتر مربع في المُحيط الأطلسي، تمتد من سواحل السنغال والرأس الأخضر شمالًا إلى نيجيريا وجزر ساو تومي جنوبًا، ويأتي الإعلان عن المُقترح بعد دخول معاهدة التنوع البيولوجي خارج نطاق الولاية الوطنيَّة، المعروفة اختصارًا بمعاهدة أعالي البحار، حيز التنفيذ في 17 يناير 2026، وهي المعاهدة التي تجيز للدول حق إنشاء مناطق محمية في المياه الدوليَّة الواقعة خارج نطاق ولايتها القضائيَّة.
تسعى “إيكواس” عبر إنشاء هذه المنطقة المحمية إلى مواجهة التحديات البيئيَّة المرتبطة بالتلوث، والصيد الجائر، والاستغلال المفرط للموارد البحريَّة، وفي حال الموافقة على هذا المُقترح واعتماده للتنفيذ، سيُمثل سابقةً من شأنها تعزيز دور أفريقيا في مجال الحوكمة البحريَّة العالميَّة وتأكيد السيادة الأفريقيَّة على المناطق البحريَّة التي تقع خارج السيطرة المباشرة للدول الوطنيَّة، كما سيشكل هذا المقترح خطوةً هامةً نحو تحقيق الهدف العالمي المُتمثل في حماية 30% من المُحيطات بحلول عام 2030. تأسيسًا على ذلك، يتناول هذا التقرير الدوافع الرئيسيَّة التي تدعم مقترح المجموعة الاقتصاديَّة لدول غرب أفريقيا لإنشاء منطقة محمية بحريَّة، كما يستعرض أهم التحديات التي قد تعترض تنفيذ هذه المُبادرة، بالإضافة إلى أهم السيناريوهات المُحتملة.
أولًا: أفريقيا وقضايا البيئة البحريَّة.. تغيُّر في المنظور
لعقودٍ، ظلت إدارة المناطق البحريَّة الواقعة خارج ولاية الدولة وتقييم آثارها البيئيَّة وتقاسم اكتشافاتها البحريَّة، بعيدةً عن اهتمام الحكومات الأفريقيَّة وأجندتها الإقليميَّة، على الرغم من حجم الأضرار والمخاطر التي تعتري هذه المناطق البحريَّة، كالتلوث البحري، والصيد الجائر وغير القانوني، وأمام غياب هذا الاهتمام ظلت جنوب أفريقيا الدولة الوحيدة في القارة التي تضطلع بدور ريادي في مجال حماية البيئة وحوكمة المُحيطات.
إلا أنَّ هذا المنظور تغيَّر بصورةٍ واضحة خلال السنوات الماضية؛ حيث أظهرت الحكومات الأفريقيَّة اهتمامًا متناميًّا بمجال المحميات البحريَّة في إطار جهودها لتأمين أمنها الغذائي وتحقيق استدامة اقتصاداتها المحليَّة. وفي هذا السياق بادرت عديد الدول الأفريقية، ولاسيَّما في غرب أفريقيا، إلى إنشاء مناطقها البحريَّة المحمية؛ إذ بدأت توغو بإنشاء أول منطقة بحريَّة محمية بهدف حماية التنوع البيولوجي الساحلي وتعزيز مصائد الأسماك، وأعلنت غانا عن أول منطقة محمية بحريَّة لها في يونيو 2025 وتغطي مساحةً قدرها 700 كيلومتر مربع، ويتوقع أن تولي دول أخرى، مثل نيجيريا والسنغال والرأس الأخضر وليبيريا، اهتمامًا بحماية بيئاتها البحريَّة في نطاق المياه الدوليَّة وأن تعزز جهودها الإقليميَّة في هذا المسار[1].
وبعد أن ساهمت الدول الأفريقيَّة وكان لجهودها أثر بالغ في إنجاح المفاوضات الدولية التي أدَّت إلى صياغة معاهدة أعالي البحار، المعروفة أيضًا باسم معاهدة التنوع البيولوجي خارج نطاق الولاية الوطنيَّة (BBNJ) التي تم اعتمادها في يونيو 2023 ودخلت حيز التنفيذ في يناير 2026، وصادقت عليها أكثر من 80 دولةً حتى الآن، فإنَّ استثمار أفريقيا واستغلالها هذا الزخم العالمي لم يعد خيارًا، بل ضرورةً اقتصاديةً لتعظيم مكاسبها وتعزيز فرص التنمية المُستدامة.
ثانيًا: منطقة الحماية البحريَّة المُقترح إقامتها في غرب أفريقيا
اقترحت المجموعة الاقتصاديَّة لدول غرب أفريقيا (إيكواس) في فبراير 2026 إنشاء منطقة محمية بحريَّة تبلغ مساحتها 200 ألف كيلو متر مربع في المياه الدوليَّة المُحاذية لدول الإقليم في المُحيط الأطلسي؛ بحيث تمتد من سواحل السنغال والرأس الأخضر شمالًا إلى نيجيريا وساو تومي جنوبًا، وتتميز هذه المنطقة المقترحة بأنها غنية بيئيًّا وتضم أنواعًا مختلفةً من الموائل والأنواع البحريَّة النادرة، كما أنها تعد منطقة انتقالية بين النظم المعتدلة والاستوائيَّة.
ويشمل النطاق البحري للمجموعة الاقتصاديَّة لدول غرب أفريقيا (إيكواس) المُحيط الأطلسي المجاور، والجزر، والمصبات، فضلًا عن الجزر المتناثرة، وتمتلك 11 دولةً من أصل 12 دولة عضوًا في إيكواس (بعد انسحاب مالي والنيجر وبوركينا فاسو في يناير 2025) سواحل تمتد بطول 2868 ميلًا بحريًّا على المُحيط الأطلسي، وهي منطقة شاسعة ومتنوعة تمتد من الصحاري الرملية شمال السنغال المتاخمة لموريتانيا، مرورًا بمنطقة دلتا النيجر المتاخمة للكاميرون وغينيا الاستوائيَّة جنوبًا، وتواجه هذه الدول تحديات متزايدة ومتعددة الأوجه في مجالها البحري تتمثل في التلوث، وتآكل السواحل، والاستغلال المفرط للموارد البحريَّة، والتدهور السريع للبيئة البحريَّة، فضلًا عن أعمال القرصنة والتهريب والسطو المسلَّح في المياه الدوليَّ[2]؛ لذا يأتي مقترح “إيكواس” بإنشاء منطقة حماية بحريَّة استجابةً لهذه التحديات ومواجهتها عبر تعزيز التعاون الإقليمي.

Source: Alan Randall, “Analysis of Fish Consumption in the ECOWAS Region and Mauritania: Current Constraints and Future Challenges”, MDPI, at https://n9.cl/gpufv
هذه الرغبة في مواجهة التحديات المذكورة أعلاه، والتي يفرضها المجال البحري لدول غرب أفريقيا تأكدت بشكل واضح من خلال تدافع دول المنطقة للتوقيع على معاهدة التنوع البيولوجي في المناطق الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنيَّة (معاهدة أعالي البحار)، التي يفترض أن توفر إطارًا قانونيًّا للمساعدة في حماية وإدارة ثلثي المُحيطات الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنيَّة؛ حيث وقَّعت اثنتا عشرة دولةً من غرب أفريقيا، وصادقت عليها سبع دول بالفعل، مما يجعل دول المنطقة الكتلة الأكثر تمثيلًا من بين الدول الأطراف الأخرى في المعاهدة[3]. وسيتيح التصديق على هذا الإطار بالنسبة لدول “إيكواس” الوصول إلى الآليات الماليَّة المُنشأة بموجب المعاهدة وتقاسم المنافع المرتبطة باستغلال الموارد البحريَّة.
ثالثًا: دوافع “إيكواس” لإنشاء منطقة محمية بحريَّة في غرب أفريقيا
إنَّ قرار دول “إيكواس” بإنشاء منطقة محمية بحريَّة في غرب أفريقيا يستند إلى مجموعة من الدوافع والأهداف الطموحة التي تسعى المجموعة الاقتصادية إلى تحقيقها، ومن بين هذه الدوافع تنظيم الصيد وحماية التنوع البيولوجي، والحفاظ على مخزون الأسماك، فضلًا عن تعزيز قدرة دول المنطقة على التكيُّف مع تغيُّر المُناخ، والأهم من ذلك تأكيد السيادة الأفريقيَّة وتعزيز دور القارة في مجال الحوكمة البحريَّة العالميَّة بما يعكس قدرتها على تحقيق التنمية المُستدامة.

المصدر: الشكل من إعداد الباحث
1- تنظيم الصيد وحماية التنوع البيولوجي: إذ يمثل إنشاء منطقة محمية بحريَّة في غرب أفريقيا فرصةً استراتيجية بالغة الأهمية لتنظيم عمليات الصيد الجائر وغير المُنظم، ومن ثمَّ إدارة مصائد الأسماك بفعالية عبر تقليل الصيد في مناطق معينة، بما يسمح لبعض الأنواع السمكيَّة بالنمو، وبالتالي تعزيز المخزون السمكي الذي يمثل مصدرًا غذائيًّا للمُجتمعات الساحليَّة، كما تساعد المناطق المحمية البحريَّة في حماية التنوع البيولوجي من خلال توفير ملاذات آمنة تسمح بتعافي الأنواع والموائل البحريَّة المُهدَّدة بالانقراض[4].
2- تعزيز القدرة على التكيُّف مع تغيُّر المُناخ: يمكن للمنطقة البحريَّة المحمية المقترحة أن تسهم في تعزيز القدرة على التكيُّف مع التغيُّرات المُناخية من خلال حماية التنوع البيولوجي، وتأمين موائل الكربون الأزرق والحد من الضغوطات غير المُناخية مثل الصيد والتلوث، ومن خلال الحد من الأنشطة الضارة، تساعد المناطق المحمية البحريَّة في استعادة التوازن البيئي، وتحسين الصحة العامة للمُحيط، مما يعزز بدوره قدرة المُحيط على أداء وظائفه الأساسيَّة في تنظيم المُناخ[5].
من ناحية أخرى، تعمل شبكات المناطق البحريَّة المحمية، مثل الأعشاب البحريَّة والمستنقعات المالحة، على منع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عن طريق حماية هذه المناطق من التدهور الذي يؤدي إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون، كما تعزز هذه الشبكات امتصاص الكربون من خلال استعادة النظم البيئيَّة الساحليَّة المتضررة، مما يُسهم في تكوين الكربون الأزرق الذي تحتجزه النظم البيئية الساحليَّة ويعد أداةً حيويةً لمكافحة تغيُّر المُناخ وتآكل السواحل[6].
3- المساهمة في تحقيق الهدف العالمي “30×30”: تأتي مبادرة إنشاء منطقة محمية بحريَّة ذات حماية كاملة وعالية المستوى في المياه الدوليَّة بغرب أفريقيا لتعكس سعي “إيكواس” لتحقيق الهدف الأساسي الذي وضعته اتفاقية أعالي البحار، التي أصبحت نافذةً في يناير 2026، وهو الهدف الذي عبرت عنه المعاهدة بالصيغة “30×30” والذي يرمي إلى حماية ما لا يقل عن 30% من محيطات العالم بحلول عام 2030[7].
4- تعزيز التعاون الإقليمي بشأن إدارة موارد المُحيطات: لا شك أنَّ إقامة منطقة حماية بحريَّة في المياه الدوليَّة بغرب أفريقيا تنفيذًا لمعاهدة أعالي البحار سيعزز مسارات التعاون الإقليمي بين دول “إيكواس”، من خلال توحيد جهود حكومات هذه الدول نحو أهداف بيئيَّة مشتركة، مثل تنظيم الصيد وحماية التنوع البيولوجي، والحد من التلوث، فضلًا عن إنشاء شبكة من القنوات لدعم التنسيق والرقابة المشتركة عبر الحدود البحريَّة، وهذه القنوات ستساعد بدورها في تعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال التقاسم العادل للثروات، وتبادل التكنولوجيا والمعرفة العلميَّة، ودعم الإدارة المشتركة لموارد المُحيطات.
5- تأكيد السيادة الإقليميَّة الأفريقيَّة: أحد الأهداف الرئيسيَّة التي تسعى دول غرب أفريقيا إلى تحقيقها من خلال مبادرة إنشاء منطقة محمية بحريَّة تمتد من السنغال شمالًا إلى نيجيريا جنوبًا هو تأكيد سيادتها الإقليميَّة على تلك المساحات البحريَّة التي لا تتمتع فيها الدول بالولاية القضائيَّة، كما هو الحال بالنسبة لمياهها الإقليميَّة ومناطقها الاقتصاديَّة الخالصة، وهي المناطق التي لطالما هيمنت عليها قوى أجنبيَّة، فمن شأن تطبيق هذا المقترح أن يقلل الاعتماد على القوى الخارجيَّة في عمليات المراقبة والإدارة، خاصةً وأنَّ هذه المنطقة تقترن غالبًا بأنشطة الصيد والتعدين الصناعيَّة الأجنبيَّة، وبالتالي من المرجح أن تضع المبادرة المقترحة حدًا لعقودٍ من السيطرة الأجنبيَّة، وتمنح الحكومات الوطنيَّة صلاحيات أوسع في مجال الصيد والتعدين والرقابة البحريَّة.
6- إعادة تعريف دور أفريقيا في مجال الحوكمة البحريَّة العالميَّة: إنَّ مقترح “إيكواس” بإنشاء منطقة محمية بحريَّة بمساحة 200 ألف كم2 في حال وضع قيد التنفيذ سيؤكد بلا شك دور منطقة غرب أفريقيا، والقارة الأفريقيَّة بصفة عامة، في تعزيز الاقتصاد الأخضر وحماية التنوع البيولوجي ومكافحة الجرائم البحريَّة، وما يرتبه ذلك من تعزيز حضور القارة في دوائر صنع القرار الدوليَّة لإدارة المنافع العامة للمُحيطات، ومعالجة قضايا تغيُّر المُناخ، كما ستبرز هذه الخطوة أيضًا مركزية أفريقيا ودورها الريادي في مجال الحوكمة البحريَّة العالميَّة، سيَّما وأنَّ هذه المبادرة تنسجم مع أهداف المعاهدة الجديدة لأعالي البحار.
رابعًا: التحديات التي قد تعرقل تنفيذ المبادرة وتعترض تطبيقها بشكل فعَّال
على الرغم من الفوائد العديدة التي سيوفرها إنشاء المنطقة البحريَّة المحمية في غرب أفريقيا، كتعزيز سبل عيش المجتمعات المحليَّة وحماية التنوع البيولوجي البحري والحفاظ عليه، وتأكيد السيادة الإقليمية الأفريقية، فإنَّ إنشاء هذه المناطق وإدارتها بشكل فعَّال ليسا بالأمر اليسير، فثمة تحديات عدة يمكن أن تعترض ذلك، وتتمثل أبرز هذه التحديات فيما يلي:

المصدر: الشكل من إعداد الباحث
1- ضعف الحوكمة الإقليميَّة ونقص التمويل: يعترض إنشاء منطقة محمية بحريَّة في غرب أفريقيا تحديًا رئيسيًّا يتمثل في ضعف الحوكمة ومحدودية التمويل ما قد يجعل مهمة حماية البيئة البحريَّة طموحة للغاية وغير قابلة للتنفيذ؛ حيث إنَّ ضعف الحوكمة من شأنه ترسيخ أوجه عدم المساواة في الوصول إلى الموارد البحريَّة، وتقويض الجهود المبذولة للحد من الصيد غير القانوني وغير المُنظم، فضلًا عما قد يفضي إليه من عدم تحقيق التوازن بين الحفاظ على البيئة وضمان حقوق المجتمعات المحليَّة، ومن ناحية أخرى، قد يعرقل انقطاع التمويل المُستدام إنفاذ الحماية البحريَّة عبر الأقمار الصناعيَّة والسفن المسيَّرة، ومن ثمَّ فإنه من الضروري توفير مئات الملايين من الدولارات كتمويل طويل الأجل لدول “إيكواس” لتنفيذ المبادرة، ومع غياب هذا التمويل ستظل هذه الأهداف بعيدة المنال[8].
2- محدودية أنظمة الرصد والمراقبة: تحتاج إدارة المنطقة المحمية البحريَّة المُقترحة إلى شبكة معقدة من أنظمة الرصد والمُراقبة والإنفاذ، ويزيد هذا التعقيد من تكلفة عملية إدارة هذه المناطق بشكل فعَّال، وهي مشكلة لطالما واجهت الدول الأفريقيَّة صعوبةً في تنفيذها في الماضي، ويمكن أن تستمر أيضًا في المُستقبل، ومن الحلول المُقترحة لتجاوز تلك العقبة استخدام السفن السطحية وغير المأهولة، والتي يمكن أن توفر مراقبة مستمرة وفعَّالة من حيث التكلفة لمساحاتٍ شاسعة من المياه الدوليَّة[9].
3- التحديات الإداريَّة والسياسيَّة: يمكن أن تشكل التحديات الإداريَّة والسياسيَّة عائقًا أمام إقامة منطقة محمية بحريَّة فعَّالة، وتشمل تلك التحديات ضعف الحوكمة والقدرات المؤسسية، ونقص تمثيل المُجتمعات المحليَّة، فضلًا عن عدم كفاية إنفاذ القوانين التي تضمن حماية المصالح والحقوق المحليَّة، الأمر الذي يهدد بنشوء نزاعات مع مجتمعات الصيد الوطنيَّة أو الأجنبية، كما تشمل هذه التحديات أيضًا الاعتماد في كثير من الأحيان على المنظمات غير الحكوميَّة الدوليَّة بدلاً من الآليات الوطنيَّة المُستدامة[10]، ومن شأن هذه العوامل أن تضعف مستوى الحماية والامتثال للرقابة في المنطقة المحمية البحريَّة المُقترحة.
4- القيود القانونيَّة والتشريعيَّة: وتتجلَّى هذه القيود في التناقض بين القوانين الرسمية للدولة من جهة والقواعد العرفيَّة التقليديَّة التي تتبعها المُجتمعات المحليَّة من جهةٍ أخرى، مما قد يخلق حالةً من التعارض وعدم الانسجام بين هذه الأنظمة القانونيَّة. علاوةً على ذلك، تعاني آليات الإنفاذ في غرب أفريقيا من ضعفٍ ملحوظ في فعاليتها، إذ تفتقر هذه الآليات إلى القدرات اللازمة لردع الأنشطة غير المشروعة كالصيد الجائر الذي يهدد التنوع البيولوجي، وعلى الرغم من أهمية الأطر القانونيَّة في تنظيم وحوكمة المناطق البحريَّة المحمية، فإنها غالبًا ما تكون محدودةً في تأثيرها ولا تراعي احتياجات أفراد المُجتمعات المحليَّة الذين قد يتملكهم الشعور بالسخط والاستياء، نظرًا لعدم مراعاة أوضاعهم المعيشية، والضرر الذي يمكن أن يلحق بهم جراء تطبيق هذه الأطر التشريعيَّة.
خامسًا: السيناريوهات والمسارات المُحتملة لمبادرة “إيكواس”
في ضوء ما سبق، يمكن أنْ نطرح ثلاثة سيناريوهات مُحتملة، على الأقل، لاستشراف فرص نجاح المبادرة الإقليميَّة لمجموعة “إيكواس”، وذلك على النحو الآتي:
1- السيناريو الأول: يتمثل هذا السيناريو في قدرة “إيكواس” على تنفيذ مقترحها بإنشاء منطقة محمية بحريَّة بشكل فعَّال، ويعتمد نجاح هذا السيناريو على تحقيق التنسيق والتعاون الإقليمي بين دول المجموعة الاقتصاديَّة لدول غرب أفريقيا، وقدرتها على إنفاذ وسائل المراقبة البحريَّة الفعَّالة بما يمكنها من مكافحة الصيد غير القانوني وغير المُنظم، واستعادة المخزونات السمكيَّة التي تدعم الأمن الغذائي المحلي.
2- السيناريو الثاني: يفترض هذا السيناريو اكتفاء “إيكواس” بتحديد المنطقة البحريَّة المحمية على الخرائط، مع اخفاقها في الانتقال إلى المرحلة الثانية المتمثلة في توفير حماية فعلية للمنطقة البحريَّة الواقعة خارج نطاق الولاية الوطنيَّة للدول الأطراف، وذلك بسبب العوائق والتحديات التي أشرنا إليها آنفًا، مثل ضعف الحوكمة ونقص التمويل، ومحدودية أنظمة الرصد والمراقبة، فضلًا عن القيود الإداريَّة والتشريعيَّة، ومن العوامل الأخرى التي قد تعزز هذا السيناريو ردود الفعل السلبية التي ستواجه المبادرة من قبل أساطيل الصيد الأجنبيَّة التي ستسعى إلى حماية مصالحها في هذه المنطقة من المياه الدوليَّة.
3- السيناريو الثالث: وفقًا لهذا السيناريو، تتم إدارة المنطقة البحريَّة المحمية المقترحة كنظام بيئيٍّ مشترك يتجاوز الحدود الوطنيَّة، بدلًا من تنفيذ وإدارة المبادرة كمشروع إقليميٍّ تحت إشراف “إيكواس”؛ ومما يدعم هذا السيناريو أنَّ مبادرة “إيكواس” تنسجم مع إستراتيجية الاقتصاد الأزرق للاتحاد الأفريقي AU Blue Economy Strategy، الأمر الذي يمكِّن من دمج أهداف التنوع البيولوجي وتعزيز السلامة البحريَّة الإقليميَّة، فضلًا عن تحسين سبل العيش للمُجتمعات الساحليَّة المحليَّة.
خاتمة:
تمثل مبادرة المجموعة الاقتصاديَّة لدول غرب أفريقيا (إيكواس) بإنشاء منطقة محمية بحريَّة، تمتد من السنغال شمالًا وصولًا إلى نيجيريا جنوبًا لمواجهة التحديات البيئية، كالتلوث والصيد الجائر والاستغلال المفرط للموارد البحريَّة، ركيزةً أساسيةً لدعم جهود أفريقيا في الحفاظ على التنوع البيولوجي البحري وتعزيز التنمية المُستدامة، كما ستشكل فرصةً واعدةً لإعادة تعريف دور القارة في مجال الحوكمة البحريَّة العالميَّة، ومع ذلك فإنَّ ترجمة هذا المُقترح وتحويله إلى واقع يحتاج إلى أكثر من توافر الإرادة السياسيَّة؛ حيث يتطلب إنشاء منطقة محمية بحريَّة، بهذا الاتساع، موارد ماليَّة واستثمارات ضخمة، فضلًا عن تكنولوجيا متقدمة لضمان الامتثال لأنظمة الحماية، ومهما يكن من أمر، فإنَّ استمرار تصاعد التحديات البيئيَّة، يجعل من مقترح “إيكواس” حلًا استباقيًّا يمكن أن تسترشد به أقاليم ودول أخرى، سواء داخل القارة الأفريقية أو خارجها، في سياق التوجهات العالميَّة لحماية التراث البحري.
[1] Mustapha Manneh, “How high seas protection could empower West Africa“, Dialogue Earth, Published on 20 February 2026, available at https://n9.cl/2hyjd2
[2] Ecowas Integrated Maritime strategy (EIMS), ECOWAS Publications, August 2014, PP. 1-3.
[3] Sikeade Oluwakemi, “A new era for the high seas: West Africa’s blueprint for global ocean governance”, Together for the ocean, Published on 5 February 2026, available at https://n9.cl/5cvvn
[4] Enrico Gennari, “The Importance of Marine Protected Areas (MPAs)”, Oceans Research, Published on 8 October 2024, available at https://n9.cl/p3wku
[5] Arin Owoturo, “How MPAs increase resilience against climate change”, Oceana, Published on 21 November 2025, available at https://n9.cl/iigurg
[6] Lauren Ackermans, “The importance of Marine Protected Areas (MPAs) in ocean conservation”, Go Ocean, available at https://n9.cl/davzcq
[7] Sikeade Oluwakemi, Op. cit.
[8] Mustapha Manneh, Op. cit.
[9] David Willima, “Africa must ride the High Seas Treaty wave”, Institute for Security Studies, Published on 30 July 2025, available at https://n9.cl/7ogtay
[10] Ratana Chuenpagdee, et al. “Marine protected areas: Re-thinking their inception”, Marine Policy, Volume 39, May 2013, available at https://n9.cl/yha8b5





