كتبت – أسماء حمدي
في القرى المترامية وسط الغابات الكثيفة بجمهورية الكونغو الديمقراطية، لا يبدو فيروس الإيبولا مجرد مرض عابر، بل شبحًا يتكرر ظهوره كل بضع سنوات، حاملًا معه الخوف والموت والعجز. هناك، حيث تتداخل الطبيعة البرية مع الفقر المزمن والصراعات المسلحة والعادات الاجتماعية المتجذرة، يتحول أي تماس بين الإنسان والحيوان أو حتى بين الأحياء والموتى إلى شرارة لوباء جديد.
وبينما تحاول السلطات الصحية احتواء سلالة نادرة وخطيرة من الفيروس، يجد السكان أنفسهم عالقين بين الجوع والخرافة والخوف، في بلد بات يحمل الرقم الأعلى عالميًا في تفشيات الإيبولا منذ اكتشاف المرض لأول مرة عام 1976.
غابة تمنح الحياة.. وتنشر الموت
تغطي الغابات المطيرة أكثر من 60% من مساحة جمهورية الكونغو الديمقراطية، ما يجعلها بيئة مثالية لتكاثر الفيروسات القاتلة، وفي مقدمتها الإيبولا، لكن بالنسبة لملايين السكان في المناطق الريفية، لا تمثل هذه الغابات مجرد طبيعة برية، بل مصدر الغذاء الوحيد تقريبًا.
ففي حوض الكونغو، ثاني أكبر غابة مطيرة في العالم، يعتمد كثير من السكان على لحوم الطرائد البرية لتأمين ما يصل إلى 80% من احتياجاتهم من البروتين.
هنا تبدأ الحلقة الأخطر، فالعلماء يعتقدون أن فيروس الإيبولا انتقل لأول مرة إلى البشر عبر التعامل مع الحيوانات البرية المصابة، سواء أثناء الصيد أو الذبح أو تناول اللحوم. وتشمل هذه الحيوانات خفافيش الفاكهة والقردة والنيص والظباء والجرذان البرية، ومع غياب البدائل الغذائية وانتشار الفقر المدقع، يصبح التخلي عن هذه الممارسات شبه مستحيل.
ويقول وزير الصحة الكونغولي السابق إيتيني لونغوندو، إن السيطرة على الصيد داخل الغابات الشاسعة تمثل مهمة شبه مستحيلة، موضحًا أن العادات المرتبطة بلحوم الطرائد ليست مجرد تقاليد غذائية، بل جزء من أسلوب حياة متوارث، فالكثير من الأسر لا تملك خيارًا آخر في ظل انهيار الاقتصاد وتفاقم الأزمات الإنسانية، خاصة في شرق البلاد الذي تمزقه النزاعات المسلحة، بحسب شبكة “سي إن إن” الأمريكية.
سلالة نادرة وخطر بلا لقاح
التفشي الحالي يرتبط بسلالة “بونديبوجيو”، وهي إحدى أندر سلالات فيروس الإيبولا وأكثرها تعقيدًا، وعلى عكس سلالة “زائير” الأشهر، لا توجد حتى الآن لقاحات أو علاجات معتمدة لهذه السلالة، ما يزيد المخاوف من اتساع نطاق انتشارها.
ويُعرف الإيبولا بأنه من أكثر الفيروسات فتكًا بالبشر، إذ يسبب حمى شديدة ونزيفًا داخليًا وخارجيًا وفشلًا حادًا في أعضاء الجسم، وبمجرد وصوله إلى مجتمع محلي، ينتشر بسرعة عبر ملامسة سوائل الجسم أو الأسطح الملوثة.
وقد سجلت جمهورية الكونغو الديمقراطية 17 تفشيًا للإيبولا منذ اكتشاف الفيروس قبل نحو نصف قرن، وهو رقم يفوق أي دولة أخرى. وكان التفشي الأعنف بين عامي 2018 و2020، عندما أودى المرض بحياة أكثر من 2200 شخص.
اليوم، تبدو المخاوف أكبر لأن الأزمة تتزامن مع أوضاع أمنية وإنسانية بالغة التعقيد، ففي شرق الكونغو، تسيطر جماعات متمردة على مساحات واسعة، بينما يعيش ملايين السكان في ظروف نزوح ومجاعة، ما يجعل أي استجابة صحية أكثر هشاشة وصعوبة.
حين تتحول الجنازات لـ”بؤر عدوى”
في مقاطعة إيتوري الشرقية، حيث يتركز التفشي الحالي، لا يقتصر الخطر على الطعام فقط، بل يمتد إلى طقوس الوداع الأخيرة. فوفقًا للعادات المحلية، يحرص الأقارب على لمس جثمان المتوفى قبل دفنه، باعتبار ذلك جزءًا أساسيًا من طقوس الحزن والاحترام. لكن في حالة الإيبولا، تصبح هذه اللمسة قاتلة.
يؤكد سكان محليون أن هذه الممارسة ما تزال واسعة الانتشار رغم التحذيرات الطبية، إذ يعتبر كثيرون أن التخلي عنها يمثل خرقًا للتقاليد وإهانة للميت، وفي بلد تتغلغل فيه المعتقدات الشعبية بقوة، تتحول الجنازات أحيانًا إلى بؤر رئيسية لانتقال العدوى.
ولا تقف الأزمة عند هذا الحد، فمع انتشار الخوف، تنشط الشائعات والخرافات بصورة أكبر من أي وقت مضى. ففي مدينة مونغوالو المنجمية، انتشرت روايات عن “نعش ملعون” يقتل كل من يراه، بينما لجأ بعض السكان إلى السحر والصلوات بدلًا من التوجه إلى المراكز الصحية.
ويرى ناشطون محليون أن المعلومات المضللة أصبحت واحدة من أخطر أدوات انتشار الفيروس، لأنها تدفع الناس إلى رفض العلاج أو إخفاء الإصابات خوفًا من العزل والوصمة الاجتماعية.
وباء يعبر الحدود
لم يعد الإيبولا أزمة محلية داخل الكونغو فقط، بل بدأ يتجاوز الحدود بالفعل، فقد سجلت أوغندا المجاورة حالتين مؤكدتين، إحداهما انتهت بالوفاة، لأشخاص قدموا من الكونغو بشكل منفصل.
هذا الانتشار السريع أثار قلقًا دوليًا متزايدًا، خاصة مع تقديرات تشير إلى أن الفيروس ربما ظل ينتقل لأسابيع أو أشهر قبل اكتشافه رسميًا. ويخشى خبراء الصحة من أن تكون “أجيال متعددة من العدوى” قد مرت دون رصد، ما يعني أن حجم التفشي الحقيقي قد يكون أكبر بكثير من الأرقام المعلنة.
وحتى الآن، تم تسجيل مئات الوفيات وأكثر من ألف حالة مشتبه بها، بينما تواصل منظمة الصحة العالمية التحذير من خطورة الوضع، وإن كانت تقلل من احتمالات تحوله إلى جائحة عالمية واسعة النطاق.
في المقابل، سارعت دول عدة إلى اتخاذ إجراءات احترازية، بينها الولايات المتحدة التي فرضت قيودًا على القادمين من المناطق المتضررة، فيما جرى نقل مواطن أمريكي مصاب إلى ألمانيا لتلقي العلاج.
الفقر والصراع.. الوقود الحقيقي للكارثة
وراء كل تفشٍ جديد للإيبولا، تقف أزمة أعمق من مجرد فيروس، فجمهورية الكونغو الديمقراطية، رغم ثرواتها المعدنية الهائلة، تعد واحدة من أفقر دول العالم، إذ يعيش أكثر من 80% من سكانها في ظروف قاسية.
وفي الشرق تحديدًا، تتداخل المجاعة مع النزاعات المسلحة وانهيار الخدمات الصحية، ما يجعل السكان أكثر عرضة للأوبئة. فالمستشفيات تعاني نقصًا حادًا في الإمكانات، والطرق المدمرة تعيق وصول فرق الاستجابة، بينما تؤدي سيطرة الجماعات المسلحة إلى صعوبة تتبع الإصابات واحتواء التفشي.
وسط هذه الفوضى، يصبح الحديث عن تغيير العادات الغذائية أو الاجتماعية رفاهية بعيدة عن الواقع. فالسكان الذين يصطادون الحيوانات البرية لا يفعلون ذلك بدافع التقاليد وحدها، بل لأنهم ببساطة يحاولون البقاء على قيد الحياة.
صمود هش أمام وباء متكرر
رغم الصورة القاتمة، تؤكد السلطات الكونغولية أنها تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع الإيبولا، مستندة إلى نجاحها السابق في احتواء موجات متعددة من التفشي. وتقول وزارة الصحة إن البلاد “هزمت المرض 16 مرة من قبل”، معبرة عن ثقتها في تجاوز الأزمة الحالية.
لكن كثيرًا من الخبراء يبدون أقل تفاؤلًا، فالسلالة الجديدة، وغياب اللقاحات، واستمرار النزاعات المسلحة، وانتشار المعلومات المضللة، كلها عوامل تجعل المعركة الحالية أكثر تعقيدًا.
وفي القرى المحاصرة بالخوف، لا يبدو الإيبولا مجرد مرض عابر، بل انعكاسًا لعلاقة شائكة بين الإنسان والطبيعة والفقر والتاريخ، فكل مرة يظهر فيها الفيروس، يعيد طرح السؤال نفسه: “كيف يمكن لدولة غنية بالغابات والثروات أن تبقى عاجزة أمام وباء يتكرر منذ نصف قرن؟”.
تابعنا
آخر المواضيع
الوجه الخفي لإيبولا في الكونغو

تابعنا
آخر المواضيع




