كيف يعيد الذكاء الاصطناعي رسم خريطة النزاعات في أفريقيا؟ (دراسة)

يوليو 19, 2026

كتب – فاروق حسين أبو ضيف

باحث سياسي متخصص في الشؤون الأفريقية

لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي في أفريقيا يقتصر على كونه تقنية داعمة للتنمية أو أداة لتحسين كفاءة المؤسسات، بل أصبح يرتبط بصورة متزايدة بمستقبل السلم والأمن داخل القارة. فمع اتساع استخدام الخوارزميات، والطائرات المسيّرة، وتحليل البيانات الضخمة، وأنظمة المراقبة الرقمية، دخلت الصراعات الأفريقية مرحلة تختلف عن أنماطها التقليدية، إذ بات التفوق العسكري أو الأمني يعتمد بدرجة متزايدة على امتلاك القدرات التقنية والبيانات، وليس فقط على حجم القوات أو الموارد التقليدية. وفي المقابل، تظل القارة الأفريقية واحدة من أكثر مناطق العالم معاناة من الفجوة الرقمية، وضعف البنية التحتية، والهشاشة المؤسسية، وهو ما يجعل انتقال تقنيات الذكاء الاصطناعي إليها عملية غير متوازنة، تفتح المجال أمام تفاوتات جديدة في القوة والنفوذ. ومن ثم، فإن السؤال لم يعد يتمثل فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر في النزاعات الأفريقية، وإنما في الكيفية التي سيعيد بها تشكيل طبيعة هذه النزاعات، والفاعلين المشاركين فيها، وحدود القوة بين الدولة والجماعات المسلحة، في ظل بيئة تتسم بتداخل الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية والإقليمية.[1]

تكمن الإشكالية الأساسية في أن الذكاء الاصطناعي يحمل طبيعة مزدوجة؛ فهو يوفر أدوات قادرة على دعم الإنذار المبكر، وتحليل أنماط العنف، ورصد خطاب الكراهية، وتحسين إدارة الموارد، بما يُعزز فرص الوقاية من النزاعات وبناء السلام، لكنه في الوقت نفسه يتيح وسائل أكثر تطورًا للمراقبة، والاستهداف، والتضليل الرقمي، وإدارة العمليات العسكرية منخفضة التكلفة، وهو ما قد يسهم في إطالة أمد الصراعات أو زيادة حدتها. وتزداد خطورة هذه المفارقة في السياق الأفريقي بسبب هشاشة مؤسسات الحوكمة، وضعف الأطر القانونية المنظمة لاستخدام التقنيات الناشئة، إلى جانب الاعتماد الكبير على التكنولوجيا المستوردة وما يرتبط بها من اعتبارات جيوسياسية ومصالح خارجية. وعليه، فإن تأثير الذكاء الاصطناعي لا يرتبط بخصائص التقنية ذاتها، وإنما بالسياق السياسي والمؤسسي الذي تُوظف داخله، وبقدرة الدول الأفريقية على التحكم في استخدامها، أو تحولها إلى أدوات تخدم أطرافًا داخلية وخارجية تسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل القارة.

وانطلاقًا من ذلك، فإن دراسة العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والنزاعات في أفريقيا تتطلب تجاوز التصورات الثنائية التي تصنفه باعتباره إما فرصة للتنمية أو تهديدًا للأمن، لأن الواقع يكشف عن تفاعل أكثر تعقيدًا تتداخل فيه التكنولوجيا مع بنية الدولة، وطبيعة الفاعلين المسلحين، والتحولات في البيئة الإقليمية والدولية. فقد أظهرت تطورات النزاعات في إثيوبيا والسودان ومنطقة الساحل ونيجيريا أن الذكاء الاصطناعي لم يعد عنصرًا مساعدًا في إدارة الصراع، بل أصبح جزءًا من بنيته التشغيلية، سواء عبر توظيف الطائرات المسيّرة، أو استخدام الخوارزميات في جمع المعلومات وتحليلها، أو استغلال المنصات الرقمية في حملات التضليل والتعبئة والتحريض. وفي المقابل، برزت محاولات لتسخير الأدوات نفسها في دعم الوساطة، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، ومكافحة خطاب الكراهية، الأمر الذي يجعل مستقبل السلم والأمن في أفريقيا مرتبطًا بقدرة الفاعلين الأفارقة على بناء حوكمة فعالة للذكاء الاصطناعي، توازن بين متطلبات الابتكار، وضرورات الاستقرار، ومتطلبات السيادة الرقمية.[2]

هذا، فقد أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل ديناميات الصراع في أفريقيا؛ حيث لم يعد دوره مقتصرًا على الدعم التقني، بل أصبح مؤثرًا في موازين القوة، وسرعة الاستهداف، وإدارة المعلومات، وتوسيع ساحات المواجهة من الميدان العسكري إلى الفضاء الرقمي، بما يجعل النزاعات أكثر تعقيدًا وأشد قابلية للتدويل والتصعيد.

أولًا: الذكاء الاصطناعي والفجوة الرقمية في أفريقيا

يعيد الذكاء الاصطناعي رسم خريطة القوة الرقمية داخل القارة الأفريقية، بعدما أصبحت القدرة على إنتاج البيانات، وامتلاك البنية التحتية الحاسوبية، وتطوير النماذج الذكية، عناصر حاكمة في تحديد مكانة الدول داخل الاقتصاد الرقمي العالمي. ولم تعد الفجوة الرقمية تعكس تفاوتًا في الوصول إلى الإنترنت أو الخدمات الرقمية فقط، بل امتدت إلى فجوات أكثر عمقًا تتعلق بالحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، ورأس المال البشري، والقدرة على إنتاج المعرفة التقنية. وفي هذا السياق، تدخل الدول الأفريقية سباق الذكاء الاصطناعي من نقاط انطلاق غير متكافئة؛ إذ تمتلك بعض الدول مقومات بناء منظومات وطنية متقدمة، بينما لا تزال دول أخرى تواجه تحديات تتعلق بالبنية الأساسية والكهرباء والاتصال الرقمي. ويؤدي هذا التفاوت إلى إعادة تشكيل خريطة التنمية داخل القارة، بحيث يصبح امتلاك القدرات الرقمية معيارًا جديدًا للنفوذ الاقتصادي والأمني والسياسي.[3]

وتكشف خريطة الجاهزية الأفريقية أن القارة لا تمثل فضاءً رقميًا متجانسًا، بل تتوزع إلى مستويات متباينة من حيث القدرات التقنية والاستثمارية. فقد نجحت دول مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا وكينيا ومصر في تكوين مراكز إقليمية للابتكار بفضل تركز الشركات الناشئة، وتوافر مراكز البيانات، وتدفق الاستثمارات، وتطور الأطر التنظيمية، في حين تسعى دول أخرى إلى بناء منظوماتها الرقمية تدريجيًا، بينما لا تزال مجموعة واسعة من الدول تعتمد على بنى تحتية محدودة وخدمات رقمية مستوردة. ويعكس هذا التفاوت انتقال المنافسة داخل القارة من سباق التنمية التقليدية إلى سباق السيطرة على البنية الرقمية، بما قد يؤدي إلى نشوء نخبة تقنية أفريقية تمتلك أدوات الذكاء الاصطناعي، في مقابل دول تقتصر أدوارها على استهلاك التكنولوجيا دون الإسهام في تطويرها أو توجيهها.[4]

ويفرض هذا الواقع تحديًا يتجاوز البعد الاقتصادي إلى قضية السيادة الرقمية؛ إذ ترتبط قدرة الدول على توظيف الذكاء الاصطناعي بمدى امتلاكها البيانات المحلية، والبنية السحابية، والكوادر القادرة على تطوير النماذج وتحسينها. أما الدول التي تعتمد بصورة شبه كاملة على المنصات الأجنبية، فتظل خاضعة للمعايير والخوارزميات التي تُطوَّر خارج سياقاتها الاجتماعية والثقافية، وهو ما قد ينعكس على دقة النماذج المستخدمة في مجالات الأمن، وإدارة الموارد، والخدمات العامة. ومن ثم، تتحول الفجوة الرقمية من قضية تنموية إلى قضية سيادية، لأن السيطرة على البيانات والخوارزميات أصبحت تمثل أحد محددات النفوذ في البيئة الدولية، تمامًا كما مثلت الموارد الطبيعية أو القدرات العسكرية عناصر للقوة في مراحل سابقة.

ويعزز هذا المشهد احتمالات اتساع الفجوة الرقمية خلال السنوات المقبلة إذا استمرت الاستثمارات والبنية التحتية والقدرات البشرية في التركز داخل عدد محدود من الدول الأفريقية. فالتوسع العالمي في الذكاء الاصطناعي يرفع تكلفة التأخر التقني بصورة غير مسبوقة، ويجعل الدول الأقل جاهزية أكثر اعتمادًا على الحلول المستوردة، وأقل قدرة على بناء تطبيقات تستجيب لأولوياتها الوطنية. ومن ثم، لا يرتبط مستقبل الذكاء الاصطناعي في أفريقيا بمدى انتشار تطبيقاته فقط، وإنما بقدرة القارة على بناء منظومة رقمية متكاملة تقوم على الاستثمار في مراكز البيانات، وتأهيل الكفاءات، وتوطين التقنيات، وتعزيز التعاون الإقليمي، بما يحول الذكاء الاصطناعي من عامل يعمق التفاوتات إلى رافعة للتكامل والتنمية والسيادة الرقمية.[5]

ثانيًا: عسكرة الذكاء الاصطناعي وتحول طبيعة النزاعات الأفريقية

أعادت عسكرة الذكاء الاصطناعي تعريف مفهوم القوة العسكرية داخل القارة الأفريقية، بعدما انتقلت المنافسة من امتلاك السلاح التقليدي إلى امتلاك القدرة على جمع البيانات وتحليلها وتوظيفها في الزمن الحقيقي. فلم تعد فعالية العمليات العسكرية تقاس بحجم القوات أو كثافة النيران فقط، بل أصبحت ترتبط بسرعة معالجة المعلومات، ودقة التعرف على الأهداف، والقدرة على اتخاذ القرار في بيئات عملياتية معقدة. ويعكس ذلك تحولًا في طبيعة الحرب ذاتها؛ إذ أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا مدمجًا في منظومات القيادة والسيطرة والاستطلاع والاستهداف، بما يقلص الفاصل الزمني بين اكتشاف التهديد والاستجابة له. ونتيجة لذلك، لم تعد الحروب الأفريقية تعتمد فقط على التفوق المادي، وإنما على التفوق المعلوماتي، وهو ما يمنح الأطراف الأكثر امتلاكًا للتقنيات الذكية ميزة عملياتية قد تعيد تشكيل موازين القوة داخل مسار الصراع.

ويمتد هذا التحول إلى إعادة صياغة أنماط إدارة العمليات العسكرية؛ إذ أتاح الذكاء الاصطناعي دمج قدرات الاستشعار، وتحليل الصور، وإدارة الإمداد، ودعم القرار في منظومة تشغيلية واحدة، بما يزيد من كفاءة القوات ويخفض زمن الاستجابة للتهديدات. كما ساهم في توسيع استخدام الأنظمة شبه المستقلة، والطائرات المسيّرة، وأدوات المراقبة الذكية، التي أصبحت قادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع وتتبع الأهداف بكفاءة أعلى من الوسائل التقليدية. وتؤكد الأدبيات الحديثة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة للقائد العسكري، بل أصبح جزءًا من عملية إنتاج القرار العملياتي نفسه، الأمر الذي يغير طبيعة القيادة والسيطرة في الحروب الحديثة، ويزيد اعتماد الجيوش على الخوارزميات في إدارة العمليات المعقدة. [6]

ويفرض هذا التطور تحديات استراتيجية تتجاوز ميدان القتال، إذ يؤدي الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية إلى تسريع وتيرة التصعيد وتقليص الوقت المتاح لاتخاذ القرارات السياسية والعسكرية. فكلما ازدادت سرعة تحليل البيانات وتنفيذ الضربات، تقلصت فرص احتواء الأزمات أو تصحيح الأخطاء قبل تحولها إلى مواجهات واسعة النطاق. كما تثير الأنظمة ذاتية التشغيل إشكاليات تتعلق بالمساءلة القانونية والأخلاقية عند وقوع خسائر بشرية أو أخطاء في تحديد الأهداف، خاصة في البيئات الهشة التي تتداخل فيها الجماعات المسلحة مع التجمعات المدنية. ومن ثم، فإن عسكرة الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على تطوير أدوات القتال، بل تؤدي إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك، وتحديات القانون الدولي الإنساني، وآليات إدارة التصعيد داخل النزاعات المسلحة.

وتكتسب هذه التحولات أهمية مضاعفة في السياق الأفريقي، حيث تتسم النزاعات بتعدد الفاعلين، واتساع الرقعة الجغرافية، وضعف مؤسسات الدولة، وتداخل الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية. وفي ظل هذه البيئة، قد تتحول تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى عامل مضاعف للصراع إذا انتقلت التقنيات العسكرية المتقدمة إلى جماعات مسلحة أو شبكات عابرة للحدود، بما يقلل الفجوة العملياتية بينها وبين الجيوش النظامية. كما أن اعتماد الدول الأفريقية على موردي التكنولوجيا الخارجيين يضيف بعدًا جديدًا من التبعية الاستراتيجية، إذ تصبح القدرات العسكرية الذكية مرتبطة بإرادة الموردين وسلاسل الإمداد التقنية. لذلك، فإن عسكرة الذكاء الاصطناعي في أفريقيا لا تعني فقط تحديث وسائل القتال، وإنما تعكس تحولًا هيكليًا في طبيعة الصراع، وفي توزيع القوة، وفي أنماط الردع والاستقرار داخل القارة.[7]

ثالثًا: التضليل الرقمي وخطاب الكراهية: وقود الصراعات الجديدة

يحوّل التضليل الرقمي الصراع في أفريقيا من مواجهة على الأرض إلى معركة على الوعي والثقة؛ إذ لم تعد الجماعات المسلحة أو القوى الخارجية بحاجة إلى السيطرة المباشرة على المجال العام، بل يكفي أن تزرع الشك في الحقيقة، وتضعف ثقة المواطنين في المؤسسات، وتضخم الانقسامات العرقية والدينية والسياسية. وتزداد خطورة هذا النمط في البيئات الهشة، حيث تنخفض الثقة في الدولة، وتضعف الصحافة المهنية، وتنتشر الأمية الرقمية، فيصبح المحتوى المضلل قادرًا على إنتاج أثر سياسي وأمني يفوق أحيانًا أثر السلاح التقليدي. وهنا لا يعمل التضليل كأداة دعائية فقط، بل كآلية لإعادة هندسة الإدراك الجمعي، وتوجيه الغضب، وخلق بيئة اجتماعية أكثر استعدادًا للعنف.[8]

ويمنح الذكاء الاصطناعي حملات التضليل قدرة غير مسبوقة على التوسع والتخصيص والتمويه، من خلال إنتاج محتوى مزيف، وترجمة الرسائل إلى لغات محلية، وتحليل اتجاهات الجمهور، وتوجيه خطابات مختلفة لكل فئة بحسب مخاوفها وانحيازاتها. وبذلك يصبح خطاب الكراهية أكثر دقة وانتشارًا، لأنه لا يعتمد فقط على التحريض العام، بل على استهداف الجماعات الأكثر قابلية للتعبئة داخل لحظات التوتر السياسي أو الأمني. وفي السياق الأفريقي، يمكن لهذا النمط أن يحول النزاعات المحلية إلى صراعات ممتدة، عبر تضخيم المظالم، ونزع الإنسانية عن الخصوم، وإضعاف فرص التهدئة. لذلك، فإن الخطر لا يكمن في كذب الرسالة وحده، بل في قدرتها على خلق واقع اجتماعي جديد يدفع الناس إلى التصرف وكأنها حقيقة.

وتكشف التجربة الأفريقية أن التضليل الرقمي أصبح جزءًا من البنية التشغيلية للصراعات، لا مجرد ظاهرة إعلامية مرافقة لها. فقد استخدمته أطراف خارجية ومحلية لدعم أنظمة أو جماعات بعينها، وتشويه الخصوم، وتقويض الثقة في الديمقراطية والأمم المتحدة والوساطات الدولية، خصوصًا في مناطق مثل الساحل والسودان وليبيا ومالي. كما أن ضعف استجابة منصات التواصل، ومحدودية الاستثمار في التحقق من المحتوى الأفريقي، يتيح لهذه الحملات أن تعمل لفترات طويلة قبل كشفها أو تعطيلها. ومن ثم، فإن مواجهة التضليل وخطاب الكراهية لا تتطلب أدوات تقنية فقط، بل بناء قدرة أفريقية على حماية المجال المعلوماتي، باعتباره جزءًا أساسيًا من الأمن الوطني وبناء السلام.[9]

رابعًا: الذكاء الاصطناعي بين بناء السلام وتصعيد النزاعات

يضع الذكاء الاصطناعي عمليات بناء السلام في أفريقيا أمام معادلة مزدوجة؛ فهو يمنح صناع القرار قدرة أكبر على فهم مؤشرات التوتر قبل انفجارها، لكنه في الوقت نفسه قد يحول إدارة النزاع إلى عملية تقنية منفصلة عن جذوره السياسية والاجتماعية. فقيمة الإنذار المبكر لا تكمن في جمع البيانات فقط، بل في قدرة المؤسسات على تحويلها إلى تدخلات عادلة وسريعة وموثوقة. وفي البيئات الأفريقية الهشة، قد تصبح الخوارزميات أداة نافعة لرصد تحركات العنف أو تغيرات الخطاب العام، لكنها تفقد أثرها إذا غابت الثقة بين الدولة والمجتمع، أو إذا استُخدمت البيانات بطريقة انتقائية تخدم طرفًا ضد آخر. لذلك، يرتبط دور الذكاء الاصطناعي في بناء السلام بشرعية استخدامه، لا بمجرد دقته التقنية.

ويفتح الذكاء الاصطناعي مجالًا أوسع لتطوير الوساطة وإدارة ما بعد النزاع، من خلال تحليل مطالب الأطراف، ورصد نقاط التقارب، وتوثيق الانتهاكات، وتحديد المناطق الأكثر احتياجًا للتدخل الإنساني أو التنموي. وتبرز أهمية هذه الأدوات في النزاعات المعقدة التي تتداخل فيها الهويات المحلية، وشبكات المصالح، والموارد الطبيعية، والفاعلون الخارجيون. غير أن تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة سلام يتطلب إدماج المجتمعات المحلية في تصميمه واستخدامه، لأن النماذج التي تُبنى من خارج السياق قد تُخطئ في تفسير الدلالات الثقافية أو السياسية للعنف. ومن ثم، فإن التقنية قد تدعم المصالحة إذا ساعدت على كشف الأنماط الخفية للصراع، لكنها قد تعطلها إذا اختزلت النزاع في مؤشرات رقمية جامدة.

ويظهر خطر التصعيد عندما تنتقل أدوات الذكاء الاصطناعي من الوقاية إلى السيطرة، ومن تحليل المخاطر إلى إدارة الخصوم عبر المراقبة والاستهداف والتصنيف الأمني. ففي هذه الحالة، قد تستخدم الحكومات أو الجماعات المسلحة التكنولوجيا لتوسيع الرقابة، وتبرير القمع، وتوجيه الموارد نحو الأمن الصلب بدل معالجة أسباب النزاع. كما أن الاعتماد على أنظمة غير شفافة في بيئات ضعيفة الحوكمة قد يؤدي إلى قرارات منحازة أو غير قابلة للمساءلة، بما يضاعف الشعور بالتهميش ويغذي العنف. لذلك، فإن الذكاء الاصطناعي لا يبني السلام بذاته ولا يُصعِّد النزاع بذاته؛ بل تحدد الحوكمة، والشفافية، والرقابة المدنية، وعدالة توزيع المنافع، الاتجاه الذي ستأخذه هذه التكنولوجيا داخل الصراعات الأفريقية.

خامسًا: كيف أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل ديناميات الصراع في أفريقيا؟: دراسات حالة مختارة

أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل ديناميات الصراع في أفريقيا عبر نقل مركز الثقل من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على تدفق المعلومات. فالأطراف القادرة على جمع البيانات من الميدان، وتحليلها بسرعة، وربطها بتحركات الخصوم، أصبحت تمتلك قدرة أكبر على المبادأة وتوجيه الضربات وإدارة الموارد. هذا التحول يغير منطق الصراع نفسه؛ إذ لم تعد القوة مرتبطة فقط بالانتشار العسكري أو الدعم القبلي أو التمويل الخارجي، بل بالقدرة على قراءة البيئة العملياتية لحظة بلحظة. وفي البيئات الأفريقية المفتوحة، حيث الحدود رخوة والدولة محدودة الحضور، يمنح التفوق المعلوماتي ميزة حاسمة، لكنه يزيد أيضًا هشاشة المدنيين عندما تتحول البيانات إلى أداة للتصنيف والملاحقة والاستهداف.

كما غيّر الذكاء الاصطناعي علاقة الفاعلين داخل الصراع، لأنه خفّض كلفة امتلاك أدوات كانت حكرًا على الجيوش النظامية. فالمسيّرات التجارية، وبرمجيات التتبع، وتحليل الصور، وأدوات الدعاية الرقمية، منحت الجماعات المسلحة والميليشيات قدرة أكبر على مراقبة الخصوم، وتوجيه الهجمات، وتضخيم حضورها الإعلامي، حتى دون امتلاك بنية عسكرية تقليدية. وبذلك لم يعد ميزان القوة بين الدولة والفاعلين غير النظاميين قائمًا فقط على السلاح والعدد، بل على القدرة على توظيف تقنيات مدنية ذات استخدام عسكري. هذه النقطة خطيرة لأنها تجعل الصراعات الأفريقية أكثر سيولة، وتزيد صعوبة احتواء العنف، وتفتح المجال أمام شبكات عابرة للحدود تتبادل الخبرة والتمويل والأدوات.

وأعاد الذكاء الاصطناعي أيضًا تشكيل البعد الزمني والسياسي للصراع؛ إذ سرّع دورة التصعيد، وقلّص المسافة بين الحدث الميداني وتوظيفه إعلاميًا أو عسكريًا أو دبلوماسيًا. فالضربة يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى مادة تعبئة، والفيديو المفبرك قد يسبق التحقق، والبيانات الميدانية قد تُستخدم لصناعة رواية سياسية تخدم طرفًا بعينه. هذا التداخل بين الميدان والفضاء الرقمي يجعل النزاع أقل قابلية للفصل بين القتال، والدعاية، والتدخل الخارجي، والضغط الإنساني. ومن ثم، فإن الذكاء الاصطناعي لم يضف أدوات جديدة للصراع فحسب، بل أعاد تنظيم إيقاعه، ووسّع دوائر الفاعلين فيه، وجعل مسارات التسوية أكثر تعقيدًا، هذا، فهناك عدة أمثلة على تأثير الذكاء الاصطناعي على تنمية ديناميات الصراعات الأفريقية، ولعل أبرزها، ما يأتي:

  1. الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة في حرب تيجراي: كشفت حرب تيجراي أن الطائرات المسيّرة لا تمنح الحكومات تفوقًا تقنيًا فقط، بل تعيد تشكيل حسابات الحرب والسلام. فقد سمحت المسيّرات للحكومة الإثيوبية بتقليص كلفة العمليات البرية، وضرب مواقع قوات تيجراي وخطوط تقدمها، خصوصًا عندما اقتربت من أديس أبابا عام 2021، بما رجّح ميزان القوة مؤقتًا لصالح الدولة. لكن هذا التفوق لم يحسم الحرب؛ إذ عجزت المسيّرات عن اقتلاع التمرد من مناطقه الجبلية أو معالجة جذور الصراع السياسي والعرقي. والأخطر أن استخدامها الواسع زاد الكلفة الإنسانية، وعمّق الشعور بالعقاب الجماعي، وفتح الباب أمام اعتماد إثيوبيا على موردي السلاح. بذلك تحولت المسيّرات من أداة حسم عسكري إلى عامل أطال الحرب، وغيّر تحالفات الدولة، وأضعف فرص التسوية السياسية.[10]
  2. استخدام الجماعات المسلحة للتقنيات الذكية في الساحل؛ حيثمنح الانتشار المتزايد للطائرات المسيّرة التجارية المدعومة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي الجماعات المسلحة في الساحل الأفريقي تحولًا نوعيًا في أساليب القتال، بعدما انتقلت من الاعتماد على الكمائن التقليدية إلى تنفيذ عمليات أكثر دقة تعتمد على الاستطلاع والاستهداف وجمع المعلومات الاستخباراتية في الزمن الحقيقي. ولم يعد توظيف هذه الجماعات للتقنيات الذكية يقتصر على إسقاط عبوات ناسفة أو قذائف خفيفة عبر المسيّرات، بل امتد إلى استخدام أدوات ذكاء اصطناعي تعمل دون اتصال بالإنترنت لتحليل الصور، وإنتاج مواد دعائية، وإعداد أدلة تدريبية، وتحسين تخطيط العمليات الميدانية. كما أسهمت هذه الأدوات في تقليل اعتماد الجماعات على العنصر البشري في المهام الخطرة، وزادت قدرتها على مراقبة تحركات الجيوش واستهداف خطوط الإمداد، وهو ما ظهر بوضوح في تكتيكات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم داعش في الساحل. ويشير هذا التطور إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساندة، بل أصبح عاملًا مضاعفًا للقوة يمنح الفاعلين من غير الدول قدرات كانت حكرًا على الجيوش النظامية، الأمر الذي يزيد من تعقيد البيئة الأمنية، ويرفع تكلفة عمليات مكافحة الإرهاب، ويفرض على دول الساحل تطوير منظومات دفاع إلكتروني واستخباراتي قادرة على مواجهة هذا التحول النوعي في طبيعة التهديدات.[11]
  3. الذكاء الاصطناعي بين مكافحة التطرف ورصد خطاب الكراهية في نيجيريا؛ حيث يمثل الذكاء الاصطناعي في نيجيريا أداة متقدمة للحد من التطرف العنيف، في ظل التهديدات المستمرة التي تفرضها جماعات مثل بوكو حرام وتنظيم الدولة في غرب أفريقيا، والتي تعتمد بصورة متزايدة على الفضاء الرقمي في التجنيد والدعاية والتحريض. وقد أسهمت تقنيات التعلم الآلي ومعالجة اللغة الطبيعية في تحليل ملايين المنشورات على منصات التواصل الاجتماعي، ورصد أنماط خطاب الكراهية والمحتوى المتطرف قبل تحوله إلى أعمال عنف، بما يوفر إنذارًا مبكرًا للأجهزة الأمنية وصناع القرار. إلا أن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات لا تكمن في إزالة المحتوى فحسب، بل في تحليل شبكات التأثير الرقمي، وتحديد الحسابات الأكثر قدرة على نشر التطرف والتعبئة المجتمعية. ومع ذلك، تظل فعالية هذه الأدوات مرهونة بدقة البيانات، وقدرتها على فهم التنوع اللغوي والعرقي في نيجيريا، حتى لا تتحول الخوارزميات إلى مصدر للانحياز أو تقييد حرية التعبير، وهو ما يجعل الحوكمة والرقابة القانونية عنصرين أساسيين لتحقيق التوازن بين الأمن وحماية الحقوق المدنية.[12]
  4. دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز الحرب السودانية: وأسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز الحرب السودانية عبر تحويل الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى ساحة اختبار للتقنيات العسكرية والرقابية الجديدة؛ إذ لم تعد المواجهة محصورة في القتال التقليدي، بل امتدت إلى استخدام الطائرات المسيّرة، وتحليل صور الأقمار الصناعية، والمراقبة الرقمية، وتتبع التحركات عبر المصادر المفتوحة. وقد منحت هذه الأدوات أطراف الصراع قدرة أكبر على الاستهداف، وتقدير مواقع الخصوم، وإدارة العمليات بسرعة تفوق آليات القرار التقليدية، لكنها في المقابل زادت احتمالات الخطأ والانتهاكات ضد المدنيين. كما سمح توظيف المسيّرات المدعومة بأنظمة شبه ذاتية بتوسيع نطاق الضربات وتقليل الحاجة إلى الاشتباك المباشر، وهو ما عمّق الكلفة الإنسانية للحرب. وبذلك، لم يعمل الذكاء الاصطناعي كعامل تفوق عملياتي فقط، بل كأداة لتدويل الصراع، مع دخول موردين خارجيين وشبكات تسليح جعلت السودان مختبرًا خطيرًا لحروب أفريقيا المستقبلية.[13]

ختامًا، وإجمالًا لما سبق، فإن الذكاء الاصطناعي لن يصبح بذاته محركًا للنزاعات في أفريقيا، لكنه قد يتحول إلى عامل مضاعف للصراع إذا سبق انتشاره قدرة الدول والمجتمعات على حوكمته. فالتجارب الأفريقية تكشف أن خطورة التقنية لا تنبع من أدواتها فقط، بل من توظيفها داخل بيئات تعاني هشاشة الدولة، وتعدد الفاعلين المسلحين، وضعف الثقة، والتدخلات الخارجية. ومن ثم، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي في القارة سيتحدد بقدرة أفريقيا على امتلاك بياناتها، وبناء بنيتها الرقمية، وتنظيم الاستخدامات العسكرية والرقابية، وتحويل الإنذار المبكر ورصد الكراهية والوساطة الرقمية إلى أدوات سلام لا أدوات سيطرة. وبدون ذلك، قد لا يخلق الذكاء الاصطناعي نزاعات جديدة من العدم، لكنه سيجعل النزاعات القائمة أسرع، وأعقد، وأشد كلفة إنسانية وسياسية.


[1] Ikwuoma Sunday Udochukwu – Amaechi Vera Uche – Fanne Haroun, Navigating the Nexus of War, Peace, and Development in Africa, International Journal of Research and Innovation in Social Science, 28 march 2025. https://rsisinternational.org/journals/ijriss/articles/navigating-the-nexus-of-war-peace-and-development-in-africa/#

[2] Samuel Hill, Jeetendra Khadan, and Peter Selcuk, Fragile and Fragile and Conflict- Conflict-Affected Affected Affected Situations Intertwined Crises, Multiple Vulnerabilities, International Bank for Reconstruction and Development. https://openknowledge.worldbank.org/server/api/core/bitstreams/35bb4b31-e9b0-4a1e-8c6c-df4336558673/content 

[3] فاروق حسين أبو ضيف، نقطة الانطلاق: أفريقيا على خريطة الذكاء الاصطناعي، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات. https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/10874/%D9%86%D9%82%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D8%A5%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A

[4] Tshilidzi Marwala, AI Efficiency: The Key to a Smarter, More Sustainable Future for Africa, United Nations University. https://unu.edu/article/ai-efficiency-key-smarter-more-sustainable-future-africa

[5] Artificial Intelligence and its impact on peace, security and governance, Amani Africa. https://amaniafrica-et.org/artificial-intelligence-and-its-impact-on-peace-security-and-governance/

[6] Vadim Kozyulin, The Militarization of Artificial Intelligence, Stanley Center for Peace and Security. https://stanleycenter.org/publications/militarization-of-artificial-intelligence/

[7] The Militarization of Artificial Intelligence, IBID.

[8] Mapping Disinformation in Africa. Africa Center for Strategic Studies. https://africacenter.org/spotlight/mapping-disinformation-in-africa/

[9] Mapping Disinformation in Africa. Africa Center for Strategic Studies. https://africacenter.org/spotlight/mapping-disinformation-in-africa/

[10] Zecharias Zelalem, Deadly skies: Drone warfare in Ethiopia and the future of conflict in Africa, European Council on Foreign Relations. https://ecfr.eu/publication/deadly-skies-drone-warfare-in-ethiopia-and-the-future-of-conflict-in-africa/

[11] Shola Lawal, Are drones, AI making it harder to fight armed groups in the Sahel?, Al Jazeera Media Network. https://www.aljazeera.com/news/2026/2/11/are-drones-ai-making-it-harder-to-fight-armed-groups-in-the-sahel

[12] Terrorist exploitation of artificial intelligence: current risks and future applications, Pool Reinsurance Company Limited. https://assets.poolre.co.uk/sitefiles/2024/05/PR-Terrorist-Exploit-AI-Report-C6.pdf

[13] Abraham Ename Minko, AI-Powered Early Warning Systems and the Governance of Autonomous Surveillance Technologies in African Conflict Zones: Lessons from the Sudan Crisis (2023–2025), African Centre for the Constructive Resolution of Disputes.. https://www.accord.org.za/analysis/ai-powered-early-warning-systems-and-the-governance-of-autonomous-surveillance-technologies-in-african-conflict-zones-lessons-from-the-sudan-crisis-2023-2025/