كارم عبد الغفار
ماجستير تاريخ إسلامي
تقديم
للمكان حضوره القوي في تشكيل الفكر وإنعاش الطاقة وتنشيط التصورات لدى أصحاب الرأي والقلم، وفي أفريقيا التي يظنها البعض فضاءات مترامية من الرمال أو الصخور أو المساحات الخضراء دون فاعلية حضارية بين البشر والمكان، نجد ميراث الحضارة والعمارة قائمًا فيها ظاهرًا شاهدًا على عبقرية المكان، وتظهر قلعة بني سلامة في ولاية “تيارت” بالجزائر، في قائمة التراث الحضاري في الشمال الأفريقي، والتي ارتبطت جدرانها بأهم منجز في الفلسفة التاريخية والاجتماع السياسي في تاريخ المسلمين، وهو مقدمة ابن خلدون، فصارت علمًا عليه وصار علمًا عليها، وتحولت مع الزمن إلى قِبلة سياحية للباحثين عن الزهو الأفريقي وحضارته مترامية الأطراف، وكذلك للباحثين في سيرة ابن خلدون والمؤثرات البيئية التي صنعت مجده الفكري.

صورة رقم (1) موقع قلعة بني سلامة
القلعة على صفحات التاريخ
تتشكل المساحة التي فيها قلعة بني سلامة من نتوء صخري متسع يقع على الحافة الشرقية لهضبة بلاد شبيبة، وتشرف على منخفض وادي التَّحت، وتشتمل على قصر مندثر، وعدد من المغارات لا تزال بقاياها حتى اليوم، ولا يزال الموقع الجغرافي للقلعة موطنًا مفضلًا للسكن والاستراحة، وبالقرب منها توجد آثار رومانية وبقايا حصن صغير، ما يعني أن المكان له صدى في وقائع التاريخ.
وبالنسبة لموقعها الجغرافي فهي تقع على بعد ستة كيلو مترات من مدينة فرندة بالغرب الجزائري، ما جعلها – في القديم والحديث – تُشكل ملتقى نادرًا بين بيئة البدو وبيئة الحضر، وتحيط بها دائرة من التفاعلات المثيرة للفكر، وأخص ميزاتها هي إطلالتها البديعة على الفضاء المتسع([1]).
وقد تناقلت الأيادي العربية والبربرية ملكية المكان عبر أزمنة الصراعات التي بدأت مع سقوط الدولة الرستمية عام 296 هـ، وصارت إحدى أهم مواطن الاستقلال بعيدًا عن صليل السيوف، فسكنها في البدء بطن من من زناتة، وهم بنو توجين؛ حيث اختاروا الابتعاد عن صراعات السلطة بين قبيلتهم زناتة وصنهاجة، ثم شاركهم بنو سويد من بني هلال في القرن الرابع الهجري، وتحالف الساكنان ضد حكم دولة بني زيان حتى سقطت، وفي إحدى الجولات التاريخية انتصر السلطان أبو عنان المريني على السلطان الزياني فاقتطع المنطقة وأعطاها منفردة لقبيلة سويد وصارت تعرف بقلعة بني سلامة، التي ظلت تُتناقل ملكيتها حتى وصلت إلى أولاد عريف([2]).
لماذا اختارها ابن خلدون؟
قبل أن يحمل ابن خلدون متاعه ويتجه إلى قلعة بني سلامة كان قد عاش في زحام السياسة وأوجاعها قرابة ربع قرن، ذاق خلالها عسل السياسة وحنضلها، وتقلَّب ما بين الرياسة والسجن، والحرية والمطاردة، وسافر بين فاس وتلمسان وغرناطة، واحتك بأمراء العصر وسلاطينه، ونال الحظوة في أكثر من مكان، وفي الوقت نفسه نالته سهام العداوة وتتبُّع السقطات، حتى أنهكته الحركة والعمل في بلاط الحكام، وأوجعته السعايات والوشايات التي آذت روحه والتي كانت تأتيه من كل مكان، حتى من أعز الأصدقاء، وكان كلما أراد أن يفرغ للعلم ولكتابة منجز تاريخي كان يحلم به، جذبته جواذب السياسة، باختياره أو رغمًا عنه([3]).
وبعد سنين طويلة ساقه القدر عام 776 هـ ناحية أولاد عريف الذي يسيطرون على قلعة بني سلامة، وكان عمره حينها نحو 44 عامًا، أي بلغ نضجًا مناسبًا وتخمَّرت لديه التجارب، وصار مشغولًا بصياغتها تاريخًا وفلسفة على الورق، وهناك، عند قلعة بني سلامة، أغراه المكان، وعاوده حلمه حول العزلة والعودة للأوراق والأحبار، وقرر أن يبدأ رحلة مجده العلمي من هذا المكان.
ولخشيته ألا يوافق سلطان الزيانيين حينها (أبو حمُّو) على استعفائه واعتزاله العمل السياسي، طلب من أولاد عريف أن يستأذنوا له من السلطان في أن يُريحه من أعباء العمل في بلاطه، وأن ويتركه في عزلته زمنًا لإنهاء مشروعه، وأن يُرسل له أولاده وزوجته إلى القلعة، وبعد محاولات ومفاوضات وافق أبو حمُّو أن يترك ابن خلدون لعُزلته، وألحق به أسرته([4]).
ورسم ابن خلدون لنفسه منذ ذلك الحين جدول أعمال شديد التكثيف انتوى فيه أن يكتب الطريق من زاوية جديدة وبرؤى جديدة، لم تكن اتضحت بعد في مخيلته، لكنه كان في انتظار الإلهام، وأدرك أن الوحي سيحل عليه ضيفًا في هذا المكان البديع.
الوحي في المغارة
سكن ابن خلدون وأسرته في قصر ملحق بالقلعة وقد وفرت له قبيلة أولاد عريف كل احتياجاته المادية ليتم أنسه بالمكان، ويرتاح للجلوس بينهم، ثم اختار ابن خلدون لنفسه مكانًا نائيًا في إحدى النتوءات يعتزل فيه أهله والناس للتفرغ في نهاره للكتابة والتدوين، فاختار مغارة في أقصى القلعة منفردة تطل على أجواء فسيحة وصحراء مترامية، لكنها في الوقت نفسه بها طرق للمارة ونشاط الرعاة.

صورة رقم (2) مدخل المغارة
وشعر ابن خلدون أن ذلك المكان سيكون الأفضل ليصير موضع دفاتره وريشته، وبالفعل جمع أوراقه وجهَّز خلوته، وكان يقضي يقضي يومه كاملًا في تلك المغارة من القلعة، واستفتح حينها كتابه “العبر” وابتدأ بالمقدمة الشهيرة التي وضع فيها خلاصة تجربته السياسية طيلة 25 عامًا، واستطاع ابن خلدون متأثرًا بالأجواء التي تحيطه في تلك القلعة ومغارتها، وبحالة السكينة التي دخلها أن يُنهي المسودة الأولى من مقدمته في 5 أشهر، ثم شرع بعد ذلك في كتابة التاريخ، وظل على هذا الوضع طيلة 5 سنوات، ويصف ابن خلدون رؤيته لمقدمته التي كتبها على نحو ربما فاجأه هو شخصيًّا: “وأكملت المقدّمة على ذلك النحو الغريب الّذي اهتديتُ إليه في تلك الخلوة، فسالت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر حتى امتخضت زُبدتها، وتألّفت نتائجها”([5]).

صورة رقم (3) المغارة من الداخل
ويستطيع المدقق في المقدمة والمقام التي حجزته لنفسها ولمؤلفها بين وقائع التاريخ أن يدرك أهمية القلعة وموقعها الروحي، وما استجلبته من إلهام إلى ابن خلدون، حتى إن الأستاذ ساطع الحصري يقول في ذلك: “إنني عندما أتأمل فيما كتبه ابن خلدون في هذا الصدد، أجزم بأن توصُّله إلى مجموعة الآراء المبتكرة الكثيرة المسطورة في المقدمة، إنما حدث من جراء (تدفق فجائي)، بعد (حدس باطني)، و(اختمار لا شعوري)، كما لاحظ ذلك بعض علماء النفس في حياة عدد غير قليل من المفكرين والفنانين، وفي تاريخ عدد غير يسير من الابتكارات والاكتشافات. ذلك النوع من التدفق الفجائي الذي يحمل المفكر على التعجب من نتائج تفكيره ويوصله أحيانًا إلى النظر إليها على أنها آراء إلهامية تصدر عن قدرة خارجة عن نفسه كأنه تُلقى إليه إلقاء”([6]).
والتدفق الذي كرر الأستاذ الحصري الإشارة إليه، لا يحدث إلا تحت تأثير عوامل زمنية ومكانية توافرت لابن خلدون في القلعة الساحرة.
وداعًا بني سلامة
بعد تمام السنوات الخمس وتحديدًا عام 780 هـ، كان ابن خلدون قد قطع شوطًا كبيرًا في تاريخه، فأنهى المقدمة وتقدم في كتابة تاريخ العرب والبربر وزناته، لكنه صار في حاجة إلى مصادر داعمة ليتوسع في تاريخه، ولم تكن تلك المصادر متوافرة حينها في القلعة، خاصة فيما يخص تاريخ المشرق الإسلامي، فقرر قراره الصعب وهو أن يغادر مسكنه الهادئ المنعزل، ويترك خلوته مؤقتًا ليعود إلى زحام الحاضر التونسي والمغربي حينها، بحثًا عن المصادر أولًا، وثانيًا ليعود إلى المعترك السياسي، باختياره أو مضطرًّا، فحمل أوراقه وودَّع قلعة بني سلامة، تاركًا فيها بصمة عظيمة.
وكتب إلى السلطان أبي العباس الذي سبق له التعرف إليه منذ عشر سنوات وكانت بينهما في البدء خصومة، لكن بعدما قضى ابن خلدون سنواته في خلوته، كان أبو العباس الحفصي قد بسط رداء سلطانه على تونس وغيرها، ولم يكن في حاجة إلى مضايقة ابن خلدون فصفح عنه، وفتح له الباب مجددًا ليعود ويشارك في الحياة العامة، ويعود إلى وطنه تونس، وكذلك يُكمل مشروعه التاريخي الذي بدأه([7]).
وهكذا غادر ابن خلدون القلعة مودعًا، وكانت آخر علاقته بها، لكن بعدما تركت فيه بصمة ستظل باقية في روحه وقلمه طول حياته ومشوراه العلمي والسياسي، وكذلك بعدما ترك هو فيها بصمة ستظل على مدار التاريخ شاهدة لها وإحدى علاماتها المضيئة.

صورة رقم (4) المشهد من داخل المغارة
ما تبقى من القلعة
بعد سنوات من مغادرة ابن خلدون لها، جاء السلطان الزياني أبو حمو الثاني فدمر القلعة انتقامًا من بني سويد وبني عريف لمساعدتهم سلاطين المرينيين ومعاداة أبي حمو.
ومضت العقود والقرون على القلعة وقد صارت على كف الإهمال والنسيان، ولم يبق صامدًا فيها إلا بعض الآثار، ورغم ما تمثله من دليل على الذاكرة الإسلامية والأفريقية لكن قلعة بني سلامة تشهد الآن إهمالًا شديدًا وتجاهلًا من قبل إدارة العمران.

صورة رقم (5) النصب التذكاري لقلعة بني سلامة
وعلى الرغم من اعتبار قلعة بني سلامة موقعًا وطنيًا منذ عام 1967م، إلا أنها تعاني الإهمال. فقد فقدت إحدى المغارات سقفها جرّاء تآكل الصخور بفعل العوامل الطبيعية، واختلطت مياه الحوض المحاذي للمغارات بمياه الصرف الصحي المتدفقة من منازل تمّ بناؤها حديثاً ليس بعيداً عن الموقع، إضافة إلى بقايا وفضلات السياح، الّذين يزورون المكان بحثاً عن المناظر الخلابة وليس عن تأمل خلوة ابن خلدون. قلعة بني سلامة موقع أثري وطبيعي، حيث ما زال بعض الزوار يعثرون فيه على قطع نقدية قديمة وأوانٍ فخارية بعيداً عن اهتمام الجهات الوصية أو الباحثين وذوي الاختصاص. خاصة وأن المنطقة عاشت فيها قبائل البربر منذ القرن الثاني قبل الميلاد ثم عمّرها الرومان بعد ذلك([8]).
([1]) علي الوردي: منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته، دار كوفان – بيروت، الطبعة الثانية 1994م، ص 128.
([2]) عبد الوهاب بن منصور: خلوة ابن خلدون: مغارات بني سلامة حيث ولدت المقدمة، مجلة القافلة، متاح على الرابط: https://2u.pw/SnwYE
([3]) ساطع الحصري: دراسات عن مقدمة ابن خلدون، مكتبة الخانجي – القاهرة، الطبعة الثالثة 1967م، ص 118.
([4]) محمد عبد الله عنان: ابن خلدون: حياته وأثره الفكري، دار الكتب والوثائق القومية – القاهرة، الطبعة الرابعة 2006م، ص 63 – 64.
([5]) ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون (المقدمة)، تحقيق: خليل شحادة، دار الفكر – بيروت، الطبعة الثانية 1988م (7/ 639).
([6]) ساطع الحصري: مرجع سابق، دراسات عن مقدمة ابن خلدون، ص 118.
([7]) عنان: مرجع سابق، ابن خلدون وأثره، ص 65.
([8]) عبد الوهاب بن منصور: مرجع سابق، خلوة ابن خلدون، وانظر: فيديو قلعة بني سلامة، متاح على هذا الرابط: https://2u.pw/jP3Eg.





