قارة تطرز أناقتها بخيوط الهوية.. كيف غزت الموضة الأفريقية العالم؟

يوليو 20, 2025

كتبت – أسماء حمدي

في شوارع داكار النابضة، كما في أروقة “الميت جالا” الباذخة، تتردد أنفاس الموضة الإفريقية، لا بوصفها اتجاهًا عابرًا، بل كهوية متجذرة تعيد تعريف الأناقة على إيقاع الطبول القديمة ونقوش الأقمشة التي تشبه الحكايات.

من الجلابية المغربية إلى القفطان الجزائري، ومن فساتين “البوبو” في نيجيريا إلى خرز الزولو في جنوب إفريقيا، تمتد هذه الموضة على خارطة لا تعترف بالحدود، وتجاهر بتنوعها، لتُثبت أن إفريقيا ليست مجرد قارة، بل كونٌ من الجمال المتعدد.

بين الروح والأسلوب

في كل مرة يُستخدم فيها مصطلح “الموضة الإفريقية”، ينهض سؤال ضمني: أي إفريقيا نقصد؟ فبين شمالها الذي يفضل الجلابيات والقفاطين ذات الطابع العربي الأندلسي، وجنوبها الذي يحتفي بتطريز الخرز وثراء التفاصيل، وشرقها المحب للكتان الأبيض، وغربها الذي يعشق الأقمشة اللامعة والنقوش الصاخبة، تتبدد فكرة التصنيف الواحد.

لكن رغم هذا التباين، هناك “روح” يمكن التعرف إليها من أول نظرة، لا تُختزل في زي أو قماش، بل تتجسد في الطريقة التي تُلبس بها الألوان، ويُروى بها التراث على الجسد.

وبين اللباس اليومي البسيط مثل “البوبو” و”التوب”، تقف الموضة بوصفها فعل إعادة اختراع، ومقاربة بصرية تعيد صياغة الزي التقليدي ليلائم العصر، دون أن يفقد صلته بالأصل.

من الحي الشعبي إلى المنصات العالمية

على مدار العقدين الماضيين، تحول الشغف المحلي إلى ظاهرة عالمية، مدفوعة بموجة من المصممين من أبناء القارة أو الشتات، ممن صاغوا لأنفسهم مكانة بارزة في سوق الأزياء الدولية. وقد تجاوزت صادرات الموضة الإفريقية اليوم 15 مليار دولار سنويًا، واخترقت العديد من علاماتها قطاع الفخامة، دون أن تفقد ملامحها الأصلية.

أسماء مثل ستيلا نوفارينو، ذات الأصول الهايتية والإيطالية، ولييا كيبيدي، العارضة الإثيوبية التي أسست علامة Lemlem، باتت مألوفة في دور الأزياء، حيث جمعت بين الحرفية المحلية والشراكات العالمية، كما فعلت مع H&M.

تفصيل الأناقة السمراء

أما العلامات الناشئة مثل Zuri الكينية، التي تطرح فستانًا واحدًا بنقوش متغيرة، فقد نجحت في الانتقال من نيروبي إلى حي سوهو في نيويورك. بينما شقت Dye Lab طريقها نحو جمهور عالمي من خلال الشحن الدولي وجولات عرض مؤقتة مرتقبة في مدن عدة عام 2025. وفي قلب هذا الحراك، برز موقع Ichyulu كمنصة رقمية تحتضن أكثر من 40 علامة إفريقية، حاملة معها قصصًا من كل زاوية في القارة.

وفي حفل “ميت جالا” الأخير، حيث كان الشعار “تفصيل الأناقة السمراء”، أضاءت أسماء إفريقية مثل أديبايو أوكي لاوال (مؤسس Orange Culture) وثيبي ماجوجو من جنوب إفريقيا، منصة الموضة العالمية، مؤكدة أن إفريقيا لم تعد ضيفة، بل صاحبة بيت في هذا العالم، بحسب صحيفة الجارديان البريطانية.

الطبقة الوسطى والمشاهير

جزء كبير من هذه النهضة يعود إلى صعود الطبقة المتوسطة الإفريقية، وازدياد جمهور الشباب المنتمي للشتات، ممن يبحثون عن تجسيد بصري لهويتهم. ومع ازدهار موسيقى القارة، خاصة Afrobeats، أطلق فنانون مثل Wizkid وBurna Boy خطوط أزياء خاصة، لتتلاقى الأصوات مع الأقمشة في نشيد واحد.

ولم يعد الأمر مجرد ترف فني، بل وعي بصري يتجلى على السجادات الحمراء في هوليوود. فها هي لوبيتا نيونجو ترتدي غطاء رأس من أصداف الكوري في عرض Wakanda Forever، ووونمي موساكو تعتمد الأزياء الإفريقية في كل ظهور فني، بينما تكتب بيونسيه فصلًا جديدًا من الشراكة الثقافية حين ارتدت من علامة Tongoro السنغالية في جولتها عام 2023، لتعلق العلامة قائلة: “مرحبًا بكم في عصر النهضة الإفريقية.”

موضة بعيدة عن متناول الجميع

مع كل هذه الوهج، تظهر حقيقة لا يمكن تجاهلها، أن الموضة الإفريقية، رغم جمالها وقيمتها الفنية، ليست متاحة بسهولة للجميع. فالقطع غالبًا ما تُنتج يدويًا، بكميات محدودة وبوتيرة بطيئة، ما يرفع من كلفتها ويجعل اقتناءها تجربة نخبوية.

وعلى الرغم من عرض بعض العلامات على منصات كبرى مثل Net-a-Porter، فإن أسعارها قد تصل إلى مئات الدولارات، بل حتى العلامات الأصغر ليست في متناول اليد. كما أن غياب المتاجر الثابتة داخل القارة أو في العواصم الغربية، يعقّد تجربة الشراء الإلكتروني، وسط تحديات الجمارك ومحدودية خيارات الإرجاع.

ويخشى البعض من أن تتحول هذه الموضة، التي انطلقت بوصفها نقيضًا للترف الغربي، إلى سلعة فاخرة تحتكرها قلة.

جرأة على المسرح.. وتحدٍ في الشارع

ثمة مفارقة أخرى تلفت الانتباه، حيث أن معظم هذه التصاميم مصممة للمناسبات، لكنها لا تجد طريقها إلى الاستخدام اليومي. ورغم أن كثيرًا من الطبعات الإفريقية جريئة وتتمتع بشخصية قوية، إلا أن غياب الخطوط البسيطة التي يمكن ارتداؤها بسهولة يجعل بعض المستهلكين يترددون في دمجها ضمن حياتهم اليومية.

فهل يمكن للموضة الإفريقية أن تنسج من تراثها قطعًا يومية أكثر مرونة؟ وهل يمكن للبساطة أن تتعايش مع الجذور دون أن تُفقدها قوتها؟

قطعة قماش.. تحكي قصة قارة

رغم كل الأسئلة والتحديات، تظل الموضة الإفريقية شهادة حيّة على قدرة القارة على الإبداع من رحم تقاليدها. فهي ليست مجرد موضة، بل حركة ثقافية، واحتفاء باللون، والنقوش، والخامة، والهوية.

في كل قطعة قماش، قصة تُروى، في كل غرزة، ذكرى تنبض، وفي كل تصميم، وعدٌ بأن إفريقيا ليست على الهامش، بل في القلب من حكاية الأناقة العالمية.