حققت روسيا تقدمًا استراتيجيًا على الدول الغربية، خاصة فرنسا، بتلويحها بإمكانية بناء محطة طاقة نووية في النيجر، الدولة الغنية جدًا باليورانيوم، والتي كانت باريس تستورد منها أغلب احتياجاتها من هذا المعدن المهم، قبل انقطاع العلاقات بين البلدين، وفقًا لتحليل سياسي للكاتب “بول ميلي” الاستشاري في برنامج أفريقيا بمعهد تشاتام هاوس في لندن، نشرته “بي بي سي” أمس الأربعاء.
وقال ميلي إن خطوة بناء محطة طاقة نووية في النيجر، الدولة الشاسعة على أطراف الصحراء الغربية، والتي تستورد معظم احتياجاتها من الكهرباء، قد تكون غير عملية وقد لا تتحقق أبدًا، إلا أنها تمثل خطوة أخرى من موسكو لتحقيق تقدم جيوسياسي على حساب الدول الغربية.
ولطالما صدرت النيجر اليورانيوم لتكريره في فرنسا، لكن هذا الوضع بدأ يتغير مع قطع القيادة العسكرية الجديدة للنيجر علاقاتها مع القوة الاستعمارية السابقة، وفي يونيو الماضي قررت نيامي تأميم عملية تعدين اليورانيوم، التي تديرها مجموعة “أورانو” النووية الفرنسية، ما مهد الطريق لروسيا لتقديم نفسها كشريك جديد.
وسارعت موسكو عبر شركة “روساتوم” الحكومية إلى توقيع اتفاقية مع النيجر تتعلق بتوليد الطاقة والتطبيقات الطبية، مع التركيز على تدريب الخبرات المحلية، وإذا تحقق هذا المشروع فسيكون أول مشروع للطاقة النووية في غرب إفريقيا.
باستثناء المناقشات الأولية، من غير الواضح إلى أي مدى سيتقدم هذا المشروع. ولكن بالفعل، مع هذه الخطوة الأولى، أظهرت موسكو أنها تدرك المزاج المحلي لدى دول الساحل، والتي دخلت في حالة عداء مع مستعمرها القديم فرنسا.
يذكر أن شركة “أورانو” الفرنسية كانت تستخرج اليورانيوم من النيجر لأكثر من 50 عامًا، لتزويد قطاع الطاقة النووية الذي يُمثل جوهر استراتيجية الطاقة الفرنسية، لكن بعد انقطاع العلاقات مع نيامي، تحصل الشركة الفرنسية المملوكة للحكومة الآن على معظم إمداداتها من كندا وكازاخستان، ولديها مشاريع قيد التطوير في منغوليا وأوزبكستان.
ورغم استفادة فرنسا باليورانيوم النيجري طوال خمسة عقود لم تشارك خبرتها في مجال الطاقة النووية مع موردها الأفريقي المُخلص. في الوقت الذي تعتمد فيه النيجر بشكل كبير على توليد الطاقة بالفحم واستيراد الكهرباء من نيجيريا.
وقد التقطت روسيا هذا الأمر، وغازلت النيجر بالحديث عن أمل في دخول النادي النووي، وإن كان بعيدًا، وقال وزير الطاقة الروسي سيرجي تسيفيليف خلال زيارة إلى نيامي في 28 يوليو الماضي إن “مهمتنا لا تقتصر على المشاركة في استخراج اليورانيوم فحسب، بل يجب علينا إنشاء نظام متكامل لتطوير الطاقة الذرية السلمية في النيجر”.
ولا تعتبر الخطوة الروسية مجرد خطوة في سبيل التنافس مع الدول الغربية على النفوذ في منطقة الساحل، لكنها ستحقق لموسكو فوائد اقتصادية كبيرة، خاصة إذا أتيح لها فرصة تطوير منجم إيمورارين النيجري، أحد أكبر رواسب اليورانيوم في العالم، فمن شأن الاستحواذ على هذا المورد الحيوي، أن يعزز مكانة روسيا المهمة أصلًا في الإنتاج العالمي لليورانيوم، وهي سلعة حيوية للغاية الآن، حيث يتجه العالم إلى الاعتماد على الطاقة النووية في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
وقد يتمكن الروس أيضًا من شراء كل أو جزء من مُركز اليورانيوم شبه المُعالج، والمنتظر تصديره من منجم سوميناك، الذي كانت تديره شركة “أورانو” الفرنسية، والذي يقدر مخزونه الحالي بـ 1400 طن.
ووصلت #روسيا إلى هذه الخطوة لشعور النيجريين بالاستياء من افتراض #فرنسا أنهم يجب أن يكتفوا بالبقاء موردًا للمعدن الخام إلى أجل غير مسمى، دون أمل في التدرج إلى مستوى صناعي أكثر تطورًا، ما يؤكد أن الروس فهموا المزاج السياسي النيجري جيدًا. وتمكنوا من استغلال عزم المجلس العسكري الحاكم إنهاء حقبة التنقيب الفرنسي عن اليورانيوم في النيجر، حيث صرح أحد المسؤولين لصحيفة لوموند الباريسية بأن “أورانو” “كانت تُغرق نفسها بموارد بلادنا الطبيعية”.





