كتبت – أسماء حمدي
على سطح بحيرة لاجوس، حيث اعتاد الصيادون أن يبدأوا نهارهم مع انكسار الضوء على الماء، تحوّلت الحياة فجأة إلى سباق مع الجرافات.
قرية ماكوكو، التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر وتُعرف بـ«فينيسيا نيجيريا»، استيقظت على أصوات الهدم بدل نداءات الصيد.
آلاف السكان وجدوا أنفسهم بلا مأوى، بعدما طالت عمليات إجلاء حكومية بيوتهم العائمة، في مشهد يعيد طرح سؤال قديم جديد في المدن الكبرى: “هل تعني التنمية بالضرورة اقتلاع الأضعف؟” وبين خطط التخطيط العمراني وحق السكن، تتكشف مأساة إنسانية تُغرق قرية كاملة في العراء.

قرية على الماء وذاكرة من قرن
ماكوكو ليست مجرد تجمع عشوائي، بل قرية ساحلية نشأت في القرن التاسع عشر، واستقر فيها الصيادون على أكواخ خشبية مبنية على ركائز فوق الماء. عبر الأجيال، طوّر السكان نمط حياة متكاملًا يعتمد على الصيد وتدخين الأسماك وتوريدها إلى أسواق لاجوس، المدينة التي تضم نحو 20 مليون نسمة.
الوصول إلى ماكوكو يتم بالقوارب فقط، فيما يراها العابرون من أعلى جسر مزدحم، كمدينة عائمة تعيش على هامش العاصمة الاقتصادية. وعلى الرغم من فقرها، شكّلت القرية مصدر رزق مستقر لآلاف العائلات، ومجتمعًا متماسكًا حافظ على تقاليده وسط زحف العمران.

الهدم باسم السلامة والتخطيط
أواخر ديسمبر، بدأت الجرافات الحكومية عملية هدم واسعة شملت ماكوكو وقريتين مجاورتين على بحيرة لاجوس. قادة المجتمع المحلي ومنظمات إنسانية قالوا إن ما لا يقل عن 10 آلاف شخص فقدوا منازلهم خلال أيام قليلة.
تُبرّر حكومة ولاية لاجوس العملية بدواعٍ تتعلق بالسلامة العامة، مشيرة إلى قرب المنازل من خط كهرباء عابر للبحيرة قد يشكّل خطرًا مستقبليًا، إضافة إلى اعتبارات التخطيط العمراني. غير أن السكان يؤكدون أنهم لم يتلقوا سوى إنذارات محدودة، وأن التنفيذ تجاوز بكثير ما تم الاتفاق عليه.

من 30 مترًا إلى 500 متر
في العام الماضي، أبلغ مسؤولون حكوميون سكان ماكوكو بمنع البناء على مسافة تقل عن 30 مترًا من خط الكهرباء. لاحقًا، رُفعت المسافة إلى 100 متر. اجتمع قادة المجتمع مع السلطات، ووافقوا على الامتثال. وغُرس العلم النيجيري في الماء لتحديد الحد المتفق عليه.
لكن مع وصول الحفارات البرمائية، يقول السكان إن الهدم لم يتوقف عند تلك العلامة. منظمات غير ربحية استعانت بصور جوية وقدّرت أن المنازل المهدمة امتدت إلى مسافة تصل إلى 500 متر من خط الكهرباء، ما أثار شعورًا بالخداع والغضب داخل المجتمع.

يوميات الهدم.. خوف وماء وحطام
في صباحات متتالية، دوّت أصوات التكسير فوق سطح البحيرة، وتحولت الأكواخ إلى أكوام من الألواح المتشظية، والأوعية البلاستيكية، وبقايا شباك الصيد. بعض السكان، وقد أدركوا أن بيوتهم قادمة عليها الجرافات، بدأوا بهدمها بأيديهم، محاولين إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.
كان المشهد فوضويًا ومؤلمًا، قوارب خشبية ضيقة محمّلة بالألواح وصفائح الصفيح، وأطفال يراقبون بذهول بيوتهم وهي تختفي. في خضم ذلك، أُطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق عائلات حاولت حماية مساكنها، بحسب إفادات قادة المجتمع.

ضحايا بلا أرقام نهائية
تقول منظمات إنسانية إن 4 أشخاص على الأقل لقوا مقتلهم خلال عمليات الهدم، بينهم رضيعان وامرأة سبعينية أصيبت بمشاكل تنفسية. الحكومة امتنعت عن التعليق على تقارير الوفيات، ما زاد من حالة الاحتقان، وفقًا لـ”نيويورك تايمز”.
بالنسبة للسكان، لا تُختزل الخسارة في الأرقام، يقول إسحاق أتامادو، 15 عامًا، وهو يجدّف بقاربه وسط المياه العكرة ليجمع بقايا منزله، الذي كان يعيش فيه مع 11 فردًا من عائلته في كوخ من طابقين، وهو ينظر إلى الحطام: «كان هذا بيتي»، لم يبقَ له سوى ملابسه، وينام الآن على أرضية قاربه المبتلة مع شقيقه.
مجتمع يتلاشى واحتجاجات لا تُسمع
فرانسيس سامسون فيتوا، أحد قادة ماكوكو، قال إن ما يحدث يتكرر مع آلاف العائلات. يعود نسبه إلى جده الذي استقر في القرية قبل عقود طويلة، بحسب الصحيفة.
«الحياة هنا جيدة»، يقول، مشيرًا إلى أن ماكوكو مكّنته من إعالة أسرته وإرسال أطفاله الخمسة إلى المدرسة، مضيفًا: «لا خير يُرجى من هذا الوضع».
هذا الأسبوع، نظم السكان احتجاجات أمام مبنى مجلس ولاية لاجوس، وفي مناسبتين، تعهّد مسؤولون بوقف عمليات الهدم، وفق منظمات داعمة، لكن على أرض الواقع، استمرت الجرافات في عملها، وكأن الوعود لم تكن سوى هدنة لفظية.
لاجوس والتنمية القاسية
ما يحدث في ماكوكو ليس حالة معزولة، إذ شهدت لاجوس في السنوات الأخيرة حملات إزالة متكررة لمناطق فقيرة باسم التنمية، غالبًا دون بدائل سكنية واضحة.
ويرى السكان أن المجتمعات الهشة تدفع ثمن تحويل المدينة إلى واجهة حديثة، بينما تُترك الفئات الأفقر بلا حماية.
تقول ميجان تشابمان، المديرة المشاركة لمنظمة مجتمعية داعمة للسكان: «لا يزال هناك مجتمع بحاجة إلى إنقاذ».
وبين التخطيط والأمان من جهة، وحق السكن والكرامة من جهة أخرى، تبقى ماكوكو مثالًا حيًا على صراع المدن الكبرى مع ذاكرتها الإنسانية، حين تُغرق التنمية قرية كاملة في العراء.






