كتبت – أسماء حمدي
في شهر رمضان، تتجه الأنظار عادة إلى موائد الإفطار وروائح الطعام التي تعلن نهاية يوم الصيام، لكن في السودان، يحمل الطعام هذا العام معنى مختلفًا، فالحرب التي تمزق البلاد منذ سنوات جعلت من أبسط تفاصيل الحياة اليومية تذكيرًا بما فُقد وما يزال على المحك.
وسط هذا المشهد، يظهر كتاب «المطبخ السوداني» للباحث والكاتب السوداني عمر التيجاني، كأكثر من مجرد مجموعة وصفات، إنه محاولة لاستعادة ذاكرة وطن عبر أطباقه، وتوثيق لحياة كانت نابضة قبل أن تُثقلها الحرب والنزوح والجوع.

رحلة البحث عن المطبخ
لم تبدأ قصة الكتاب في زمن الحرب، بل قبلها بسنوات طويلة، عندما كان التيجاني طالبًا في جامعة مانشستر في أوائل العقد الثاني من الألفية، اكتشف فجأة أنه لا يعرف كيف يطبخ الأطباق التي نشأ عليها.
كانت وجبات والدته التي اعتادها في المنزل تختفي سريعًا خلال زياراته القصيرة، بينما بدا طعام الطلاب في بريطانيا رتيبًا وخاليًا من النكهة، حين حاول البحث عن وصفات سودانية، اكتشف مفارقة غريبة: “المطبخ السوداني شبه غائب عن الكتب والمصادر”.

15 عامًا من التوثيق
منذ تلك اللحظة بدأ مشروع طويل استمر أكثر من 15 عامًا، تنقّل التيجاني بين مدن السودان وقراه، وجمع الوصفات من المطابخ المنزلية ومن أفواه الأمهات والجدات.
كان المشروع يتشكل بالتوازي مع تحولات سياسية كبرى، أبرزها الثورة التي أطاحت بالرئيس السوداني السابق عمر البشير، بعد 3 عقود في السلطة، خلال تلك الفترة، كان الباحث يجوب البلاد وسط الاحتجاجات وانقطاعات الوقود، بينما كانت الخرطوم تعيش لحظة تاريخية صاخبة.
يقول التيجاني، في حديثه لصحيفة “الجارديان” البريطانية، إن مشروع الكتاب لم يكن مجرد عمل ثقافي، بل أصبح جزءًا من سردية السودان السياسية والاجتماعية.
مطبخ يشبه السودان
ما اكتشفه خلال رحلاته كان مفاجئًا حتى له، فالمطبخ السوداني ليس واحدًا متجانسًا، بل فسيفساء واسعة من الأطباق التي تعكس تنوع البلاد الجغرافي والثقافي.
تختلط فيه التأثيرات الأفريقية والعربية، وتتغير وصفاته من إقليم إلى آخر، فبعض الأطباق لم يكن معروفًا حتى في العاصمة، بسبب تركّز السلطة والاقتصاد في الخرطوم، ما جعل كثيرًا من تقاليد الطعام المحلية تبقى في الظل.
حتى التيجاني نفسه فوجئ باكتشاف أن الفطر يُزرع في بعض المناطق، ويُستخدم في أطباق تقليدية مثل يخنة الدجاج، وبينما اكتشف آخرون أن أطباقًا نشأوا عليها في بيوتهم ليست شائعة خارج مناطقهم.

كتاب بطعم الفقد
تصفح كتاب «المطبخ السوداني» يشبه السفر عبر البلاد، الصور لا تعرض الطعام فقط، بل تُظهر البيوت والساحات وأدوات الطهي القديمة، والنساء اللواتي يحملن ذاكرة المطبخ عبر الأجيال.
لكن ظل الحرب يخيم على هذه الصفحات، فالكثير من الأماكن التي توثقها الصور تغيرت أو دمرتها الحرب التي اندلعت في 2023، ودخلت البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ملايين السودانيين نزحوا داخل البلاد وخارجها، بينما تفككت الحياة اليومية التي كانت هذه الأطباق جزءًا أساسيًا منها.
حين يصبح الطعام ذكرى
لو صدر الكتاب قبل الحرب، ربما كان سيُقرأ كاحتفاء بالمطبخ السوداني، أما اليوم، فيحمله القراء بشعور مختلف.
خلال حفل إطلاقه، قال التيجاني إن كثيرين تأثروا بشدة، لم يكن الأمر مجرد عرض لوصفات، بل عودة رمزية للحياة التي عرفوها، وللحظات، شعر الحضور وكأن السودان عاد إلى الحياة كما كان: “بيوته مفتوحة، ومطابخه دافئة، وأصوات الضحكات تتردد حول الموائد”.
موائد المنفى
في المنفى، يكتسب الطعام معنى جديدًا، ففي مدن مثل نيروبي التي أصبحت ملاذًا للعديد من السودانيين، تتحول الأطباق إلى جسر يربطهم بوطن بعيد.
يروي أحد السودانيين أنه رأى في قائمة مطعم مشروبًا يحمل اسم «الكنداكات»، وهو لقب تاريخي لملكات ومحاربات السودان، ابتسم بمرارة وقال: “عندما تتحول ثقافتك إلى مشروب في قائمة مطعم، تدرك أن بلدك يمر بوقت عصيب”.

رمضان الذي تغير
في السودان، كان رمضان موسمًا اجتماعيًا بامتياز، فترى البيوت مفتوحة، والدعوات لا تتوقف، والمائدة تمتد للجيران والضيوف.
التحضيرات تبدأ قبل أسابيع، بين تجفيف الفواكه، وتحميص المكونات، وإعداد التوابل والعصائر التقليدية، كما ينتقلن النساء بين البيوت لمساعدة بعضهن، في طقس اجتماعي يشبه الاحتفال.
كان رمضان يشبه حفل زفاف كبير، كما يصفه التيجاني، لحظة تلتقي فيها العائلة والمجتمع حول الطعام.
طقوس المائدة السودانية
المطبخ السوداني، كما يشرح التيجاني، ليس مطبخ الشارع السريع، إنه مطبخ البيوت، يعتمد على الطهي البطيء والتوابل المعالجة يدويًا، كما تُطهى اللحوم لساعات، وتُحضَّر الفطائر والمعجنات المخمرة في المنزل، وتُقدَّم أطباق غنية بالنكهات.
بعد يوم صيام طويل، يتحول الإفطار إلى تجربة شبه روحية، حين تتذوق مرق ساخن مالح، ونكهة ليمون خفيفة، ولمسة من معجون الفول السوداني تمنح الطبق عمقًا خاصًا.
الطعام كمقاومة
لكن الطعام اليوم لم يعد مجرد متعة أو تقليد، بالنسبة للتيجاني، أصبح وسيلة للحفاظ على شيء حي في بلد يتعرض للتمزق.
يقول إن نشر المعرفة عن السودان أصبح بالنسبة له مهمة شخصية، فكل وصفة يوثقها، وكل قصة يرويها، هي محاولة لمواجهة النسيان.
رواية أخرى للسودان
في النهاية، يرى التيجاني أن كتابه ليس مجرد كتاب عن الطبخ، بل شكل من أشكال المقاومة الثقافية، فبينما تروي الأخبار قصص الحرب والدمار، يروي المطبخ قصة أخرى، قصة البيوت التي عاشت، والأيدي التي طبخت، والأواني التي حملت حياة كاملة.
يقول: “هذه الأشياء حقيقية وثابتة، لقد عشنا في هذه البيوت، واستخدمنا هذه المكونات، وبنينا حياتنا حول هذه الموائد، الكتاب ليس مجرد وصفات، بل دليل على أننا كنا هنا، وما زلنا”.






