كتبت – آيات عبد العزيز
باحثة متخصصة في دراسات المرأة والسلام والأمن
شهدت العقود الأخيرة اهتمامًا دوليًا وإقليميًا متزايدًا بدور المرأة في تحقيق السلام والأمن، ولا سيما بعد إصدار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراره رقم (1325) لعام 2000، والذي يُعد أول قرار رسمي يعترف بأهمية مشاركة المرأة في الوقاية من النزاعات وحلها، وفي بناء السلام.
وتبع هذا القرار سلسلة من القرارات المكملة، عُرفت بأجندة المرأة والسلام والأمن، التي برزت كإطار مرجعي عالمي يهدف إلى تعزيز حقوق النساء، وحمايتهن من آثار النزاعات، وضمان مشاركتهن الفاعلة في عمليات صنع القرار على جميع المستويات، وذلك من خلال أربع ركائز مترابطة هي: الوقاية، والحماية، والمشاركة، والإغاثة والتعافي[1].
استجابت العديد من الدول الأفريقية لهذا الأمر باتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير الرامية لتوطين هذه الأجندة، يأتي على رأسها تطوير خطط العمل الوطنية المعنية بهذا الشأن. غير أن التطبيق الفعال للأجندة في أفريقيا يواجه واقعًا متباينًا؛ نظرًا لما شهدته دول القارة من تحولات أمنية وسياسية واقتصادية عميقة خلال العقدين الماضيين، انعكست سلبًا وإيجابًا على أوضاع النساء فيها.
فعلى الرغم من أن النزاعات المسلحة والصراعات السياسية التي تعج بها القارة قد أظهرت مدى هشاشة أوضاع النساء، فإنها كشفت في الوقت ذاته عن قدراتهن الكامنة على لعب أدوار محورية في إحلال السلام والأمن في أرجاء القارة[2]، وهو ما تجسَّد بشكل عملي في جهود المنظمات والجمعيات النسائية، التي قادت مبادرات متنوعة لتحقيق هذا الغرض. بناء عليه، تهدف هذه الورقة إلى مناقشة أدوار تلك الجمعيات والمنظمات في دعم أجندة المرأة والسلام والأمن في أفريقيا جنوب الصحراء، مع التركيز على التحديات التي تواجهها، وكيفية التعامل معها.
أوضاع النساء في أفريقيا جنوب الصحراء: محاولة لفهم السياق
تتسم أوضاع النساء في أفريقيا جنوب الصحراء بتنوعها وتعقيدها، نتيجة تداخل العديد من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تشكيل واقعهن. فالآثار السلبية للثقافة التقليدية والصورة النمطية الراسخة عن النساء وأدوارهن الاجتماعية، لا تزال تحد من مشاركتهن في المجال العام، ولا سيما السلام والأمن، اللذين يُنظر إليهما كمساحة ذكورية لا مكان للنساء فيها.
يتزامن مع هذا أيضا وجود أطر قانونية تمييزية لا تراعي احتياجات النساء، ولا تأخذ بعين الاعتبار الآثار المترتبة على تهميشهن[3]، مع انتشار العنف القائم على النوع الاجتماعي، خاصة في سياق النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي[4].
انعكس ذلك بوضوح على أداء دول المنطقة في مؤشر المرأة والسلام والأمن لعام 2025/2026، حيث حلت المنطقة مجددًا في المرتبة قبل الأخيرة (0.511) في المؤشر، وهيمنت دولها على الشريحة الدنيا منه. كما شملت المنطقة دولتين من الدول الاثنتي عشرة الأكثر تدهورًا في الترتيب منذ عام 2023/2024؛ إذ تراجعت جنوب أفريقيا من المرتبة 91 إلى 113، ورواندا من المرتبة 103 إلى 121[5].
وقد احتلت دول أفريقيا جنوب الصحراء هذه المراكز المتأخرة في الترتيب، رغمًا عن إصدار 34 دولة في المنطقة خطط عمل وطنية للمرأة والسلام والأمن، ووضع المنظمات الإقليمية الفرعية خطط عمل مماثلة، بما في ذلك خطتا المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الايكواس) والجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي (سادك)[6]، فضلا عن تبني الاتحاد الأفريقي أطرًا قانونية وسياسات واستراتيجيات داعمة للأجندة، وإنشائه هياكل مؤسسية وأدوات برامجية لتحقيق الهدف ذاته.
ومن أبرز هذه المبادرات شبكة النساء الأفريقيات لمنع النزاعات والوساطة (FemWise) التي تأسست لبناء قدرات النساء في الوساطة وصنع السلام، وشبكة القيادات النسائية الأفريقية (AWLN) لتعزيز صوت المرأة الأفريقية في التحولات التي تشهدها القارة، وتطوير نموذج الإبلاغ الموحد لتقييم ورصد الفجوات في تنفيذ الأجندة على المستويات كافة في الفترة من 2018 وحتى 2028[7].
ومع الإقرار بقيمة هذه المبادرات، لا تزال الأدبيات تشير إلى محدودية تمثيل النساء في الوفود التفاوضية ولجان الوساطة في معظم عمليات السلام الكبرى في السنوات الأخيرة بما في ذلك مفاوضات وقف إطلاق النار، وتقاسم السلطة، وإصلاح القطاع الأمني، حيث تلعب النساء أدوارًا استشارية ومجتمعية مكملة، بينما تظل الأدوار الرئيسية محصورة بيد النخب العسكرية والسياسية.
نستنتج من هذا كله وجود فجوة كبيرة بين الالتزام اللفظي والتنفيذ الفعلي لهذه الأجندة نتيجة عوامل عدة؛ منها على سبيل المثال لا الحصر عدم الاستفادة الكاملة من قدرات المجتمع المدني في دعم الأجندة، بما في ذلك المنظمات والجمعيات النسائية [8].
المنظمات والجمعيات النسائية: المفهوم والأهمية والأدوار
يشير هذا المفهوم إلى مجموع المنظمات والجمعيات والمبادرات والشبكات التي تقودها النساء، أو التي تضع قضايا النساء وحقوقهن في صميم نشاطها، وتسعى إلى إحداث تغيير اجتماعي وسياسي وثقافي يستهدف تعزيز المساواة بين الجنسين في شتى المجالات، بما في ذلك السلام والأمن. وتُعدّ هذه الكيانات من أبرز الفاعلين في توطين أجندة المرأة والسلام والأمن في الدول المختلفة؛ حيث تعمل على الموائمة بين المعايير الدولية والواقع المحلي[9].
فيُعد إشراك هذه الكيانات في وضع الخطط الوطنية المعنية بهذا الشأن، على سبيل المثال لا الحصر، ضمانة لاستجابتها لاحتياجات النساء المحليات، خاصة في أثناء وبعد النزاعات. ويتخذ هذا الأمر أشكالًا متنوعة؛ فيمكن لها تقديم التوصيات والمقترحات عند صياغة الخطط، سواء من خلال لجان التوجيه أو مجموعات العمل المشتركة مع الحكومة، أو من خلال تنظيم حملات التوعية والمناصرة لرفع الوعي السياسي والمجتمعي بأهمية مشاركة النساء في السلام والأمن.
كما يمكنها أن تشارك في تنفيذ هذه الخطط من خلال تدريب النساء المعنيات وبناء قدراتهن، أو تنفيذ مشروعات ميدانية، خاصة في المناطق المتأثرة بالنزاع أو التي تعاني هشاشة أمنية، وأيضًا من خلال حشد الدعم المجتمعي لتعزيز القبول بمشاركة النساء في عمليات السلام وصنع القرار. وتضطلع هذه الكيانات كذلك بدور هام فيما يتعلق بمتابعة تنفيذ الأجندة والمساءلة، عبر إعداد تقارير دورية مستقلة تُرفع إلى الجهات الحكومية والدولية لرصد التقدم المحرز في التنفيذ، وتسليط الضوء على أوجه القصور وسبل معالجتها[10].
ولا يُقتصر دورها على ذلك، بل تمتد مساهماتها إلى مجالات الوساطة والتنسيق والتعاون بين مختلف الجهات المعنية وأصحاب المصلحة في القضايا ذات الصلة[11]، فضلًا عن عملها على تفكيك الهياكل البنيوية السلبية، من خلال الدعوة إلى مقاربة شاملة للسلام تتجاوز التركيز على المشاركة العددية للنساء، إلى معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، مثل التهميش، والتمييز، وانعدام المساواة[12] .
تأسيسًا على ما سبق، ومع الأخذ في الاعتبار التجارب الفردية لكل دولة على حدة، نجد أن هناك تشابهًا كبيرًا بين الدول الأفريقية فيما يتعلق بدور المنظمات والجمعيات النسائية، والعوائق البنيوية التي تواجهها في سياق تعزيز المساواة بين الجنسين ودعم توطين أجندة المرأة والسلام والأمن في المجتمع.
فعلى صعيد الأدوار، تُعنى هذه المنظمات بتعزيز الوعي بقضايا النساء وبأجندة المرأة والسلام والأمن، من خلال حملات التوعية والبرامج التثقيفية الموجهة للمجتمع بشكل عام، ولصانعات القرار والناشطات بشكل خاص، لتعريفهن بحقوقهن، والأدوات التي يمكن لهن استخدامها في بناء السلام ومواجهة العنف والنزاع.
وتعد الأنشطة التي ينظمها مركز السلام الدولي للنساء أبرز مثال على ذلك، حيث أطلق المركز “المعهد النسوي للقيادة”، بهدف رفع وعي القيادات النسائية في اوغندا وبوروندي وجنوب السودان والكونغو الديمقراطية بأجندة المرأة والسلام والأمن وتعزيز قدراتهن على المناصرة والتأثير في السياسات الوطنية في هذا السياق[13].
كما أطلقت شبكة النساء للسلام والأمن في فضاء الإيكواس (REPSFECO)، حملات توعية في عدد من دول الإقليم خلال الفترات الانتخابية، ركّزت على دور النساء في الوقاية من العنف الانتخابي والمشاركة السلمية في العمليات السياسية، بما ساهم في إدماج مبادئ الأجندة في الثقافة السياسية والمجتمعية على مستوى غرب أفريقيا[14].
كما تقوم بتنفيذ مجموعة واسعة من الأنشطة التي تتعلق ببناء قدرات أصحاب المصلحة والمعنيين، من خلال تنظيم برامج تدريبية وورش عمل في مجالات القيادة، والتفاوض، وحل النزاعات، وكيفية المشاركة في الحياة العامة.
في هذا السياق، يمكن تسليط الضوء على مشروع “النساء الماليات من أجل السلام”، الذي نفذته شبكة النساء للسلام والأمن في فضاء الإيكواس مع شركائها، بهدف تدريب النساء في مناطق النزاع على الحوار المجتمعي والوساطة وبناء المبادرات المحلية، مما مكنهن من لعب دور مباشر كوسيطات بين المجتمعات المتنازعة، ورفع أصوات النساء في عمليات السلام على المستوى الوطني والمحلي[15].
أما في رواندا، قاد مركز كارونا للسلام سلسلة برامج لتدريب عضوات من ائتلاف “Pro-Femmes Twese Hamwe” على تحليل النزاعات وحلها وتعليم هذه المهارات للآخرين، وأسهمت الخريجات لاحقًا في برامج مصالحة وحوارات مشتركة بين الناجيات والجناة[16]. إضافة إلى ما سبق، تشارك هذه الجمعيات والمنظمات في جهود المصالحة وبناء السلام وتعزيز التماسك الاجتماعي والتعايش السلمي في العديد من دول القارة.
في هذا الصدد، تبرز جهود حركة “العمل الجماهيري لنساء ليبريا من أجل السلام” التي قادت اعتصامات ومسيرات شعبية ضحمة تمهيدًا للوصول لمفاوضات أكرا عام 2003، والتي دفعت الأطراف المتحاربة لتوقيع اتفاق السلام، وفتحت الباب أمام مشاركة النساء في جهود إعادة الإعمار[17].
وارتباطًا بهذا أيضًا، تسعى هذه المنظمات والجمعيات إلى توفير شبكات الدعم والحماية للنساء المتضررات في سياق النزاعات وفي غيرها، عن طريق تقديم النفسية والاجتماعية والاقتصادية، التي لا تستطيع الجهات الحكومية توفيرها في كثير من الأحيان، لا سيما في المناطق الهشة والمتأثرة في بالنزاع.
ويمكن هنا استحضار تجربة مركز السلام الدولي للنساء في تنفيذ برامج الدعم النفسي والاجتماعي للنساء الأوغنديات، التي شملت جلسات علاج جماعي، ومجموعات دعم ذاتي، وتدريب قيادات مجتمعية نسائية على التعامل مع الصدمة، بما مكّن النساء المتأثرات بالنزاع من استعادة توازنهن النفسي والاجتماعي[18].
في سياق مماثل، تدير جمعية حماية المرأة وتنميتها (AWSAD) في إثيوبيا، بيوت إيواء للناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتقدم لهن حزمة خدمات متكاملة تشمل الإيواء، والاستشارات النفسية، والمتابعة القانونية، والتدريب المهني، بهدف تمكين النساء نفسيًا واجتماعيًا واستعادة قدرتهن على اتخاذ القرار[19].
في الوقت نفسه، تضطلع هذه الكيانات بدور محوري في رصد الانتهاكات التي تتعرض لها النساء وتوثيقها وتوجيهها للجهات المعنية، وهي خطوة مركزية في تحقيق العدالة خاصة في أثناء النزاعات.
ويمكن هنا استحضار مساهمات المنظمات النسائية والحقوقية الرواندية في توثيق شهادات النساء اللواتي تعرضن لانتهاكات جسيمة في أثناء الإبادة الجماعية عام 1994، بما أتاح مساحة أكبر للاعتراف بالعنف الجنسي وغيره من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، وبلورة توصيات تُعنى بجبر ضرر النساء وإعادة إدماجهن[20].
وفي سيراليون، تعاونت منظمات المجتمع المدني النسائي مع لجنة الحقيقة والمصالحة بهدف توثيق الانتهاكات التي تعرضت لها النساء إبان الحرب الأهلية، خاصة العنف الجنسي والعمل القصري، مما أدى إلى تطعيم التقرير الختامي للجنة بتوصيات حول احتياجات النساء في مجالات التعويضات والإصلاحات القانونية والمؤسسية[21].
كما أنه لا يمكن تجاهل دور هذه المنظمات والجمعيات في بناء الشبكات والتحالفات الوطنية والإقليمية لدعم الأجندة وتطبيقها بشكل فعال. فعلى سبيل المثال، أنشأت مفوضية الشؤون الجندرية والتنمية في الإيكواس شبكتي “السلام والأمن للنساء في فضاء الإيكواس (REPSFECO)” و”الشابات القائدات في غرب أفريقيا (ROAJELF)”، لتنسيق جهود المناصرة والتدريب والمراقبة المجتمعية للنزاعات والانتخابات[22].
في الوقت نفسه، تعاونت الشبكة العالمية للنساء صانعات السلام مع منظمات في ليبريا وسيراليون والكونغو وجنوب السودان لمتابعة خطط العمل الوطنية المعنية بالأجندة عبر تقارير الظل ومبادرات الكسب الدعم والمناصرة[23].
وهنا يمكننا إجمالا القول بأن هذه الكيانات قد سعت من خلال أنشطتها المختلفة إلى دعم أجندة المرأة والسلام والأمن، لكنها لا تزال تواجه العديد من المعوقات التي تحد من فعاليتها واستدامة أثرها على المدى الطويل، ومن أبرز هذه المعوقات:
1 – القيود الأمنية وعدم الاستقرار، حيث تواجه المنتسبات والعاملات في تلك الكيانات العديد من المخاطر والتهديدات، ولا سيما في ظل الصورة الذهنية النمطية السائدة عن النوع الاجتماعي في المجتمع، مما يؤثر سلبًا في مشاركة النساء في الحياة العامة، ويشكك في قدرتهن على قيادة عمليات السلام[24]. يتزامن هذا مع وجود صورة ذهنية سلبية تجاه القرارات الأممية والاتفاقات المتعلقة بالمرأة التي ينظر إليها في كثير من الأحيان كتهديد مباشر للثقافة التقليدية. ويزداد الأمر صعوبة مع استخدام هذه القرارات أو الاتفاقات لمفردات أو مصطلحات غير ملائمة للسياقات المحلية، مما يثير ردود فعل سلبية تجاه الأجندة عمومًا، رغم ما تحمله من محتوًى إيجابي لصالح المرأة[25] .
2 – ضعف الإرادة السياسية لتطبيق الأجندة عمومًا، ولإشراك المجتمع المدني خصوصًا بما في ذلك المنظمات والجمعيات النسائية في بعض الدول الأفريقية. ويرجع ذلك لعوامل عدة؛ فقضايا المرأة ليست ذات أولوية لا سيما في ضوء النزاعات المستمرة، مما يجعل اهتمام الحكومات بها محدودًا. إضافة إلى افتقار الأجندة لآليات ملزمة تضمن تنفيذها الفعلي على الأرض، إذ يظل الالتزام بتنفيذها إجراءً طوعيًا تختاره الدول أو تتخلى عنه. كما أنه لا توجد آلية متابعة ورقابة لتقييم مدى التزام الدول بتنفيذ الأجندة، بما في ذلك إشراك المجتمع المدني في تلك الجهود.
3 – معاناة المنظمات والجمعيات النسائية من محدودية الموارد، بما يؤثر سلبًا في قدرتها على تنفيذ برامج مستدامة أو توسيع نطاق عملها. فالتمويل المستدام والمرن يُعد من أكبر التحديات التي تواجه تلك الكيانات، التي كثيرًا ما تعتمد على التمويل الخارجي في عملها، الأمر الذي قد يعرضها للانتقاد، أو يجعلها عرضة للتقلبات السياسية والأزمات المالية للجهات المانحة، التي قد تقوم بتجميد أو سحب التمويل مما يؤدي إلى تعطيل الخدمات الأساسية التي تقدمها للنساء. وتُعد المنظمات الصغيرة والمحلية هي الأكثر تضررًا من أزمات التمويل، حيث تفتقر غالبيتها إلى الموارد الاحتياطية والقدرة على التكيف، لا سيما في ضوء تفضيل الجهات المانحة المنظمات الكبيرة على حسابها، مما يخلق شعورًا بالتهميش لدى المجموعات المحلية، ويحد من فرصها في الحصول على تمويل مرن، خاصة مع التركيز على التمويل القائم على المشاريع[26]. ولهذا، قد تضطر هذه المنظمات أحيانًا إلى تعديل أهدافها لتتناسب مع شروط المانحين التي قد لا تخدم الواقع المحلي، وهو ما يهدد استقلاليتها ويقوّض قدرتها على تلبية الأولويات الحقيقية للمجتمع.
4 – ضعف التنسيق وغياب الشراكات الفعالة بين الجهات المعنية وأصحاب المصلحة خاصة في ظل غياب سياسات وطنية واضحة لدعم أجندة المرأة والسلام والأمن. فتباين مستويات التطور المؤسسي بين المنظمات المختلفة يعرقل العمل الجماعي وتوزيع المهام والمسؤوليات، كما يسبب صعوبات جمة في توحيد الرؤى والاستراتيجيات نظرًا لتنوع السياقات المحلية والوطنية[27].
5 – الوعي المحدود بمبادئ الأجندة، الذي لا يقتصر على عامة الناس فقط، بل يشمل الجهات المعنية وأصحاب المصلحة أيضًا. وتكمن خطورة ذلك في أن هذه الجهات هي المسؤولة عن رفع مستوى الوعي وصياغة الاستراتيجيات الوطنية المتخصصة. ونتيجة لذلك، تفتقر هذه الجهات إلى المهارات الفنية والقدرات المؤسسية والخبرة اللازمة للعمل الفعال، مما يضعف جودة جهودها ويحد من توطين الأجندة محليًّا. ومع ذلك، يبدو الوضع أفضل نسبيًّا في الدول المتأثرة بالنزاعات بفضل الدعم الدولي الأكبر. وأخيرًا، النقص الواضح في البيانات الأساسية حول تجارب النساء مع النزاعات، مما يعيق فهم التحديات التي تواجههن، ويصعّب تطوير تدخلات فعّالة تلبي احتياجاتهن، وذلك بالتزامن مع النقص الكبير في البيانات المتعلقة بتنفيذ الأجندة، مما يعيق عملية قياس الأثر والتقدم المحرز في هذا السياق.
بيد أن التحديات السابق ذكرُها لا ينبغي أن تشكل عائقًا أمام الدور الحيوي للمجتمع المدني في دعم أجندة المرأة والسلام والأمن، حيث يمكنه التغلب عليها من خلال:
- تطوير قنوات مؤسسية بهدف تعزيز التواصل والحوار المستمر بين المجتمع المدني النسوي وأجهزة الأمن والعدالة، بما يُسهم في إدماج قضايا النوع الاجتماعي في إصلاحات قطاع الأمن. ويشمل ذلك رفع الوعي بقضايا النوع الاجتماعي داخل القطاعات الأمنية من خلال برامج بناء القدرات والتدريب المستمر، وإنشاء أقسام متخصصة تعنى بقضايا المرأة والسلام والأمن، إلى جانب وضع آليات للإنذار المبكر لرصد التهديدات الأمنية التي تواجه النساء، تمكّن من التدخل السريع لحمايتهن [28]
- تطوير شراكات فعالة بين المنظمات والجمعيات النسائية والحكومات والمنظمات الدولية لتبادل الخبرات وتنسيق الجهود خلال مراحل تطوير وتنفيذ الأجندة الوطنية للمرأة والسلام والأمن المختلفة. كما يتعين توسيع شراكات تلك المنظمات لتشمل القطاع الخاص والإعلام ومنظمات حقوق الإنسان لمعالجة القضايا المتداخلة[29] .
- العمل على تنويع مصادر التمويل، والضغط لزيادة حصة المنظمات النسوية المحلية من التمويل الحكومي والدولي، وتطوير شراكات مع القطاع الخاص، وتأسيس صناديق إقليمية مشتركة أو وطنية لدعم برامج المرأة والسلام والأمن. توفير تمويل مرن ومستدام للمنظمات النسوية المحلية، وتبسيط إجراءات الحصول عليه، مع إعطاء الأولوية للمبادرات المحلية التي تمتلك فهمًا أعمق للسياق المحلي وقدرة أكبر على الوصول إلى مختلف الفئات[30].
- تنظيم أنشطة للمناصرة بهدف إصدار تشريعات وطنية تُعزز إدماج النساء بشكل فعّال في أطر السلام والأمن، مع تبني مقاربات شمولية ومتكاملة ترتكز على العمل الهيكلي في البنى الاجتماعية والقانونية والثقافية القائمة، والاستثمار في دعم برامج بناء القدرات للقيادات النسائية المعنية، مع التركيز على القيادات الشابة، وتوفير التدريب في مجالات التفاوض، والوساطة، وإدارة النزاعات، وبناء السلام.
- تشجيع إجراء دراسات وأبحاث حول تجارب إدماج النساء في السلام والأمن، مع توثيق الممارسات الفضلى لتطوير سياسات مدعومة بالأدلة[31]. كما يمكن إنشاء منصات وطنية وإقليمية تجمع منظمات المجتمع النسوي لتبادل الخبرات، وتعميم أفضل الممارسات، وتنسيق حملات المناصرة، مع ضرورة الاستثمار في الإعلام الرقمي وتدريب القيادات النسائية على وسائل التواصل لدعم بناء السلام والأجندة [32].
ختاما، يُبرز تحليل تجربة المجتمع المدني النسوي والمجموعات النسائية في أفريقيا دورها المحوري في دعم أجندة المرأة والسلام والأمن، رغم التحديات البنيوية والثقافية والسياسية التي تواجهها. فقد أثبتت هذه المنظمات قدرتها على التأثير في السياسات العامة، وتمكين النساء، والمساهمة في جهود المصالحة الوطنية وبناء السلام المستدام. إلا أن تعزيز هذا الدور يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتعاونًا متعدد الأطراف، واستثمارًا في بناء القدرات وتطوير السياسات الداعمة. إن تحقيق سلام عادل ومستدام في شمال أفريقيا لا يمكن أن يتم إلا بضمان مشاركة النساء كفاعلات في كل مسارات صنع القرار.
المراجع
[1] https://dppa.un.org/ar/women-peace-and-security
[2] Fathya AlDakhakhny. (2025, May 31). الجامعة العربية لتنسيق جهود حماية النساء في مناطق النزاع. Asharq Al-Awsat. https://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A/%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7/5086065-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B3%D9%8A%D9%82-%D8%AC%D9%87%D9%88%D8%AF-%D8%AD%D9%85%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D8%A7%D8%A1-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%B7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B2%D8%A7%D8%B9
[3] العراسي، س. م. (2016). استجابة المنطقة العربية لقرار مجلس الأمن 1325 بشأن المرأة والأمن والسلام. في المؤتمر السادس لمنظمة المرأة العربية: دور النساء في الدول العربية ومسارات الإصلاح والتغيير.
[4] المصدر نفسه.
[5] https://giwps.georgetown.edu/wp-content/uploads/2025/10/WPS-Index-2025-Report.pdf
[6] https://1325naps.peacewomen.org/
[7] https://www.aupaps.org/en/page/80-women-gender-peace-and-security-1
[8] Women’s International League for Peace and Freedom (WILPF). (2014). Leveraging UNSCR 1325 National Action Plans for Local Change: Civil Society opportunities in the MENA Region.
https://wilpf.org/wp-content/uploads/2015/09/Leveraging-UNSCR-1325-National-Action-Plans-for-Local-Change.pdf
[9] Abu Habib, L., Abdel Khalik, Z., & Naji, O. (2021). Women, Peace and Security in the Arab Region (Policy Paper). UN Women Regional Office for Arab States.
https://arabstates.unwomen.org/sites/default/files/Field%20Office%20Arab%20States/Attachments/2021/07/WPS-Policy%20Paper-EN.pdf
[10] Ibid.
[11] United Nations Development Programme (UNDP). (2023, September 4). Knowledge exchange emphasizes civil society’s role in advancing the Women, Peace and Security agenda in Yemen, Australia, and Indonesia.
https://www.undp.org/yemen/stories/knowledge-exchange-emphasizes-civil-societys-role-advancing-women-peace-and-security-agenda-yemen-australia-and-indonesia
[12] Women, Peace and Security in the Arab Region, Op.cit.
[13] The-Peace-Centres-2019-Annual-Report_EN_compressed.pdf
[14] Women Peace and Security in the Sub-region – ECOWAS Gender Development Centre
[15] Women Peace and Security in the Sub-region – ECOWAS Gender Development Centre
[16] Rwanda – Karuna Center for Peacebuilding
[17] https://thenonviolenceproject.wisc.edu/2024/02/04/how-women-ended-liberias-civil-war-women-of-liberia-mass-action-for-peace/
[18] The-Peace-Centres-2019-Annual-Report_EN_compressed.pdf
[19]https://erepository.uonbi.ac.ke/bitstream/handle/11295/101922/Mengistu_Experences%20of%20Women%20Survivors%20of%20Gender-based%20Violence%20With%20Survivor-centred%20Approach,%20a%20Case%20of%20Association%20for%20Women%E2%80%99s%20Sanctuary%20and%20Development%20(Awsad)%20Ethiopia.pdf?sequence=1
[20] https://www.peacewomen.org/assets/file/gnwp_monitoring_rwanda.pdf
[21] https://www.sierraleonetrc.org/
[22] Women Peace and Security in the Sub-region – ECOWAS Gender Development Centre
[23] https://peacewomen.org/sites/default/files/CSO%20Survey%20Report%20FINAL.pdf
[24] العراسي، مرجع سابق
[25] Sara Chehab, (2024, May 13). Adapting the Women, Peace and Security (WPS) Agenda to the Arab World. Middle East Council on Global Affairs
https://mecouncil.org/blog_posts/adapting-the-women-peace-and-security-wps-agenda-to-the-arab-world/
[26] Georgetown Institute for Women, Peace and Security (GIWPS). (2025, May 1). Women Peacebuilders Bear the Brunt of the Funding Freeze: How You Can Help.
https://giwps.georgetown.edu/women-peacebuilders-funding-freeze-how-you-can-help/
[27] Women, Peace and Security in the Arab Region, Op.cit.
[28] Leveraging Government-Civil Society Collaboration: Insights and Recommendations for Strengthening the WPS Agenda Amid Growing Challenges. Op.cit.
[29] Women, Peace and Security in the Arab Region, Op.cit.
[30] Peck, S. (2025, April 25). Financing Women Peacebuilders: Canada’s Feminist International Assistance Policy in Colombian Peacebuilding. Research Network on Women, Peace and Security.
https://www.rnwps.ca/policy-briefs/pb-5-suzanne-peck
[31] Women, Peace and Security in the Arab Region, Op.cit.
[32] https://mythoslabs.org/wp-content/uploads/2024/07/Background-Research-on-PeaceTech-and-Opportunities-for-Women-Peacebuilders.pdf





