حين تغيب الأمطار.. الجفاف يعيد رسم الحياة في بونتلاند

نوفمبر 16, 2025

كتبت – أسماء حمدي

في شمال الصومال، حيث تمتد الأرض كصفحةٍ متشققة تبحث عن قطرة حياة، تغيّر الجفاف من شكل الوجود نفسه. في بونتلاند، لا تُقاس الأزمة بعدد المواشي التي نفقَت أو بحجم القرى التي هجرت، بل بوجوه الناس الذين أُجبروا على تبديل أحلامهم ومسارات عيشهم.

هنا، يبدو المناخ لاعبًا خفيًا يعيد توزيع البشر على خرائطهم، ويدفعهم إلى حياة لم يختاروها. بين رعاة فقدوا قطعانهم، ونازحين يبحثون عن سقف يصدّ الريح، وصيادين يطاردون رزقًا تهدده العواصف، ينهض سؤال ملحّ: “كيف يستمر الناس حين يتلاشى الماء من العالم من حولهم؟”.

قرية تغيّر وجهها

في قرية تيب كارو، الواقعة بين قاردهو وبوصاصو، توقّفت حياة الترحال التي شكّلت ملامح المنطقة لعقود. لم تعد المراعي قادرة على حمل قطعان الجمال والماعز، وانكمشت الحياة الرحلانية تحت ضربات الجفاف المتكرر. هكذا وجد السكان أنفسهم أمام واقع جديد: الاستقرار القسري بدل التنقل الحر.

محمد إبراهيم سعيد، الذي بلغ الـ80 تقريبًا، يروي رحلته الطويلة من بندربيلة إلى دلسن قبل 50 عامًا. كان يبحث عن مكان يتيح لأطفاله الـ14 فرصة تعليم أفضل، ولم يخطر بباله يومًا أن تتحول الأرض التي استقر فيها إلى ممر عطش لا يرحم.

وفي منزل آخر في القرية، تروي سُرَت كيف خسرت 90% من قطيعها خلال سنوات قليلة. كانت تمتلك مع زوجها 200 رأس ماعز وجملين، لكن الجفاف لم يُبقِ سوى الذكريات.

ماء على أطراف البُعد

في دلسن، لم تعد الآبار القريبة صالحة للاستعمال. المياه التي كانت تُسقي القطعان تحولت إلى حفر مالحة لا تشبه الحياة. أقرب مصدر للمياه بات على بعد 100 كيلومتر، ورحلة الحصول عليها تمرّ عبر صهاريج تهتز على الطرق الترابية كأنها تحمل عمر الناس لا ماءهم.

وعندما تهطل الأمطار، تُنشأ سدود رملية صغيرة توجه المياه نحو خزان ضخم مغطى بطبقة بلاستيكية، يحاول أن يكون خزانًا للأمل قبل الماء.

ومع ذلك، تظهر قسوة الجفاف في التفاصيل الصغيرة، مثل ذلك الماعز الذي يحتمي بظل شاحنة مياه على جانب الطريق، في لقطة تُشبه اعترافًا صامتًا بأن الطبيعة انقلبت على سكانها، وفقًا لصحيفة “الجارديان” البريطانية.

نزوح داخل الحدود

على أطراف غرووي، في مخيم شبيلي للنازحين، تسير سعدية سيراد عبدالله بين الأكشاك الصغيرة، تمسك بأيدي أطفالها، وتحاول أن تطمئنهم بينما تحاول طمأنة نفسها. كانت تعيش قرب الحدود الإثيوبية قبل أن يجرف الجفاف كل شيء: 25 ماعزًا و35 بقرة، وأمنًا كان يبدو ثابتًا.

تشارك سعدية كوخًا معدنيًا مع أودن أحمد، وهي نازحة فقدت 15 بقرة قبل أن تهجر قريتها.

الأمم المتحدة تقدّر عدد النازحين داخليًا في الصومال بنحو 4 ملايين شخص، معظمهم دفعهم الجفاف والصراع إلى الرحيل داخل حدود بلادهم، كأنهم يبحثون عن وطن داخل وطن.

مراعي تحولت إلى ساحة نزاع

في شيربي، تحولت المراعي الشحيحة إلى شرارة نزاعات دامية. في أبريل 2023، اندلع صراع أودى بحياة 10 أشخاص. خلال تلك الأيام الحارقة، فقد علي عمر غوري اثنين من أبنائه، بينما نُهب متجره المتواضع.

كان الجفاف قد سرق منهم نصف القطيع قبل أن يسرق النزاع أرواح الشباب. علي، الذي تجاوز الـ80، يقول بصوت متعب: “لم نعد نخاف الجوع فقط. صار السلاح يخرج من رحم العطش”.

أرض طمرتها الرمال

في مصبّ نهر نوغال، كانت الأرض يومًا تغص بالخضرة. لكن فيضان 2020 قلب المشهد بالكامل، وترك وراءه طبقات كثيفة من الرمال غطّت الحقول، وحوّلت الأراضي الخصبة إلى بقايا حياة طُمست تحت التراب.

إلى الشرق، في بلدة إيل الساحلية، أخذت الأزمة البيئية شكلًا آخر. العواصف المدارية تضرب الشاطئ بقوة أكبر كل عام. كان إعصار غاتي عام 2020 الأعنف في تاريخ الصومال، ومضى عبر البيوت والسفن كما لو كان يمحو سطرًا كاملًا من ذاكرة الساحل.

بحر غاضب وصيادون صامدون

على الشاطئ، يتابع الشيخ عمر محمد ماتان عودة قارب صيد إلى الرمال. ظلّ يعمل في الصيد عقودًا طويلة، ويعرف تغيرات البحر كما يعرف الطريق إلى المنزل. لكن السنوات الأخيرة كانت ثقيلة. يقول: “العواصف لا تترك لنا بيتًا أو مزرعة. البحر الذي كان صديقًا صار يهجم بلا رحمة”.

لكن الخطر لا يأتي من الطبيعة وحدها. القوارب الأجنبية التي تصطاد بطريقة غير قانونية تمزق شباك الصيادين المحليين، وتزيد ضيق عيشهم.

وفي العقد الأول من الألفية، ساهم الصراع على الموارد البحرية في صعود جماعات مسلحة عُرفت دوليًا بـ”القراصنة”، فيما وصفهم البعض محليًا بأنهم “حرس سواحل غير رسميين”.

أبواب صغيرة للعودة

ورغم كل شيء، يلمح الشيخ عمر ضوءًا خافتًا على خط الأفق. أبناء الجاليات الصومالية في الخارج بدأوا يعودون بحذر، حاملين رؤوس أموال صغيرة تعيد الحركة إلى الأسواق.

هذا السلام النسبي ما يزال هشًا، لكنه يمنح الناس فرصة لالتقاط أنفاسهم في مواجهة أزمة مناخية لا تهدأ.

في بونتلاند، تبدو الحياة ككفاح مفتوح. الجفاف يغيّر الأرض والناس، لكن الحكايات تستمر، كأن البشر يصرّون على جعل قطرة الحياة تعود، مهما طال غياب المطر.