حروب المياه وهشاشة اتفاقيات الأنهار الدولية.. دراسة مقارنة بين جنوب آسيا وأفريقيا

أغسطس 9, 2025

كتب – د. محمد فؤاد رشوان

باحث في الشؤون الأفريقية

في العقود الأخيرة، تحوّلت المياه من مورد طبيعي إلى أداة جيوسياسية بالغة الحساسية، في ظل تنامي الطلب العالمي عليها نتيجة الانفجار السكاني، والتغير المناخي، وسوء الإدارة، وغياب آليات فاعلة لتقاسم الأنهار الدولية. ورغم توقيع العديد من الاتفاقيات الدولية لتنظيم استخدام الأنهار العابرة للحدود، إلا أن هشاشة هذه الاتفاقيات، وضعف التزامات الدول الأطراف بها، جعل من المياه عنصرًا محفوفًا بالمخاطر، وسببًا مباشرًا أو غير مباشر لصراعات محتملة أو قائمة بالفعل، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى بِنى مؤسسية إقليمية قوية.

تشكل منطقتا جنوب آسيا وأفريقيا مجالين حيويين لفهم ملامح الصراع حول المياه. ففي جنوب آسيا، تتصدّر معاهدة مياه السند المشهد بين الهند وباكستان، والتي أُبرمت عام 1960 لكنها باتت اليوم مهددة بفعل التوترات السياسية المزمنة واستخدام الهند المتكرر لورقة المياه كأداة ضغط. أما في أفريقيا، فيتجلى الخلل في حوكمة المياه في نموذجين بارزين: الأول في شرق القارة من خلال أزمة سد النهضة الإثيوبي بين دول حوض النيل (مصر، السودان، إثيوبيا)، والثاني في غربها عبر تفاقم أزمة حوض بحيرة تشاد، حيث أدى التراجع الحاد في منسوب البحيرة بسبب عوامل طبيعية وبشرية إلى نزاعات على المياه، وخلق بيئة خصبة للتمردات المسلحة والجماعات المتطرفة، في ظل غياب اتفاقية فعّالة وشاملة لإدارة الموارد المشتركة بين دول الحوض (تشاد، النيجر، نيجيريا، الكاميرون).

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل مقارن لهشاشة الاتفاقيات الدولية لتقاسم المياه في جنوب آسيا وأفريقيا، مع التركيز على حالات نهر السند، نهر النيل، وحوض بحيرة تشاد، وذلك لفهم الأسباب البنيوية والقانونية والسياسية التي تجعل من المياه عنصرًا للصراع بدلًا من التعاون، واستشراف مستقبل الأمن المائي في هذه المناطق، في ظل غياب نظام عالمي فعّال لإدارة المياه العابرة للحدود.

أولًا: الحرب بين الهند وباكستان – المياه كسلاح استراتيجي

في الثاني والعشرين من أبريل الماضي، اندلعت موجة عنف دامية في منطقة بيهالغام الكشميرية الخاضعة للإدارة الهندية، حيث شن مسلحون هجوماً وحشياً على مجموعة من السياح، مما أسفر عن سقوط ستة وعشرين قتيلاً وعشرات الجرحى في أسوأ مجزرة تشهدها المنطقة ضد المدنيين منذ أعوام. لم تتردد نيودلهي في وصف الحادثة بالعمل الإرهابي، وهو ما أذكى لهيب التوتر المتأصل أصلاً بين الهند وباكستان.

ورداً على الهجوم الإرهابي، سارعت الحكومة الهندية إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات عقابية شديدة اللهجة، بدأت بإصدار إنذار للمواطنين الباكستانيين بمغادرة الأراضي الهندية خلال سبعة أيام، مروراً بخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى أدنى مستوياته، وليس انتهاءً بإغلاق كافة المعابر الحدودية البرية والجوية بين البلدين الجارين. ولم تكتفِ الهند بذلك، بل ذهبت إلى خطوة بالغة الحساسية تمثلت في تعليق العمل بمعاهدة مياه نهر السند لعام 1960، وهي الاتفاقية التاريخية التي ظلت لسنوات طويلة تنظم عملية تقاسم الموارد المائية بين البلدين.[1]

وعقب ذلك قامت الهند باتخاذ العديد من الإجراءات التصعيدية العقابية بشأن تدفق المياه حيث أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن بلاده ستوقف تدفق مياه الأنهار التي تنبع من أراضيها وتصب في باكستان، في خطوة وصفها بأنها “خدمة لمصالح الهند”، في إشارة مباشرة إلى الأنهار العابرة للحدود، والتي تم تنظيم استخدامها وفقًا لمعاهدة مياه السند الموقعة بين البلدين عام 1960، حيث فُتحت ” بوابات سد باغليهار” المقام على نهر شيناب في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية بهدف تقليص التدفق نحو باكستان.

وردًا على ذلك التصعيد، اتهمت باكستان نيودلهي بإجراء تغييرات مفاجئة على تدفق نهر شيناب، أحد الأنهار الثلاثة الغربية التي تضمن المعاهدة حق إسلام آباد في استخدامها. وقد صرح وزير الري في إقليم البنجاب الباكستاني كاظم بيرزادا قوله إن “منسوب نهر شيناب شهد انخفاضًا كبيرًا خلال ساعات، في ظاهرة غير مألوفة”، محذرًا من تأثير ذلك على الأراضي الزراعية في البنجاب، الذي يعدّ القلب الزراعي لباكستان ويقطنه نحو نصف سكان البلاد البالغ عددهم 240 مليون نسمة.

وتأتي هذه الخطوة بعد أن علّقت الهند رسميًا معاهدة مياه السند، والتي تُعدّ من أنجح اتفاقيات تقاسم المياه في العالم، إذ صمدت لعقود رغم الحروب والأزمات السياسية بين الجارتين النوويتين. غير أن هذا التعليق أحيا المخاوف من “تسليح المياه” في الصراع السياسي، وهو ما وصفته إسلام آباد بأنه “عمل عدائي” قد يرقى إلى مستوى العمل الحربي إذا تم المساس بحصتها المائية.[2]

هذه الإجراءات المتلاحقة، التي جاءت كرد فعل عنيف على الهجوم الدامي، تكشف النقاب عن عمق الهوة المتسعة بين نيودلهي وإسلام أباد، وتعكس حالة من التصعيد الخطير الذي يزيد من حدة القطيعة ويفاقم أزمة الثقة المزمنة بين الطرفين، في مشهد يذكر بأيام التوترات الدبلوماسية والعسكرية الأكثر قتامة في تاريخ العلاقات الهندية الباكستانية المضطربة.

ثانيًا: أوجه التشابه والاختلاف بين جنوب آسيا وأفريقيا فى صراعات المياه

أوجه التشابه:

1 – المياه كمصدر للنزاع

تمثل المياه أحد أهم مصادر الصراع الجيوسياسي في العالم المعاصر، لا سيما في المناطق التي تتشارك فيها عدة دول الأنهار والموارد المائية العذبة. وتُعد منطقة جنوب آسيا نموذجاً واضحاً على ذلك، حيث تحتضن عدداً من أكبر الأنهار العابرة للحدود مثل نهر السند ونهر الجانج ونهر براهمابوترا. هذا التشابك الهيدرولوجي بين دول مثل الهند وباكستان وبنغلاديش ونيبال وبوتان جعل من المياه أداة للصراع وليس فقط للتعاون. الصراع الأبرز في جنوب آسيا يدور حول نهر السند، الذي ينبع من الهند ويجري في أراضي باكستان. وعلى الرغم من توقيع معاهدة السند المائية عام 1960 بوساطة البنك الدولي، والتي قسمت المياه بين الدولتين ومنحت باكستان السيطرة على الروافد الغربية والهند على الشرقية، إلا أن التوترات بقيت حاضرة بسبب تباين تفسير بنود الاتفاقية، وقيام الهند ببناء سدود ومشروعات على روافد النهر مثل “مشروع باغليار” و”مشروع كيشين غانغا” الأمر الذي تعتبره باكستان تهديداً مباشراً لأمنها المائي والغذائي. هذه الخلافات غالباً ما تتصاعد تزامناً مع التوترات السياسية والعسكرية بين البلدين، ما يجعل المياه أداة ضغط وتفاوض، بل وأحياناً تهديد وجودي.

كما أن نهر الجانج، الذي ينبع من الهند ويجري نحو بنغلاديش، هو الآخر يمثل بؤرة توتر، إذ ترى بنغلاديش أن الهند تستأثر بنصيب غير عادل من المياه عبر بناء السدود والتحكم في تدفق المياه، ما ينعكس سلباً على الزراعة والبيئة. ورغم توقيع اتفاقية الجانج بين البلدين عام 1996، إلا أن المشكلة لم تُحل جذرياً، خاصة مع تأثير التغير المناخي وتراجع معدلات الأمطار. نهر براهمابوترا أيضاً يثير مخاوف في كل من الهند وبنغلاديش بسبب بناء الصين مشروعات ضخمة على الروافد العليا في التبت، ما يفتح الباب أمام توترات جديدة في المستقبل القريب بين دول لا تجمعها اتفاقيات ملزمة بشأن تقاسم المياه

ويعد السبب الجوهري للصراع على المياه في جنوب آسيا إلى النمو السكاني المتسارع وتزايد ندرة الموارد المائية، إذ تضم المنطقة نحو ربع سكان العالم، في حين لا تمتلك سوى ما لا يزيد عن 3% من إجمالي الموارد المائية العالمية. هذا التفاوت الحاد بين الكثافة السكانية والوفرة المائية يؤدي إلى تصاعد الطلب على المياه لتلبية الاحتياجات المنزلية والصناعية والزراعية، مما يفاقم من حدة التنافس على هذا المورد الحيوي. وتشير التقديرات إلى أن خُمس سكان جنوب آسيا لا تتوفر لهم إمكانية الحصول على مياه شرب آمنة، في وقت تتنامى فيه الحاجة إلى رفع الإنتاج الزراعي لتلبية احتياجات الأمن الغذائي. وتبرز هذه الأزمة بشكل أوضح إذا ما علمنا أن 80% من سكان المنطقة يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش، وأن الزراعة المروية وحدها تغطي نحو 39% من الأراضي الزراعية، ما يزيد الضغوط على مصادر المياه ويعزز المخاوف من اختلال التوازن بين العرض والطلب في المستقبل القريب.. [3]

في أفريقيا، تؤدي الزيادة السكانية مع العوامل الاقتصادية مثل التنمية الصناعية والزراعية إلى ندرة المياه نتيجة لزيادة الطلب على الموارد المحدودة، أو تدهورها، فأكثر من مليار شخص حول العالم لا يستطيعون الحصول على المياه الصالحة للشرب، وثلثا سكان العالم سيعيشون في فقر مائي،  ومن المتوقع أن يصل عدد الدول الأفريقية التى تعاني من شح المياه، إلى 25 دولة، بحلول عام 2025، الأمر الذي يثير النزاع بين الدول من أجل الحصول على المياه اللازمة لعمليات التنمية، وتوفير الحياة لشعوبها.[4]

وفى ذات السياق تعد ندرة المياه أو شح الموارد المائية السبب الرئيسي للنزاعات حول الأنهار الدولية في منطقة الجنوب الأفريقي بسبب الزيادة السكانية، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، واللذان يمكن أن يؤديا إلى زيادة الضغط على مصادر المياه، وبالتالي زيادة ندرتها، فقد شهدت منطقة الجنوب الأفريقي زيادة في المناطق القاحلة، ومع تناقص معدل هطول الأمطار بنسبة 10% خلال الفترة ما بين عامي 1931و1960، ثم تناقص هذا المعدل مرة أخرى خلال الفترة ما بين 1968 إلى 1997، ونتيجة للتغيرات المناخية، فإن أجزاء كثيرة من منطقة الجنوب الأفريقي سوف تواجه على نحو متزايد انخفاض معدلات هطول الأمطار خلال السنوات المقبلة لا سيما في تلك المناطق التي تعاني من الجفاف، وضغوط الزيادة السكانية.[5]

وتتجسد مشكلات مشابهة في منطقة حوض النيل، وإن اتخذت طابعاً أكثر حدة في السنوات الأخيرة. تُعد مياه النيل شريان الحياة لدول مثل مصر والسودان، ويُشكّل سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق نقطة تحول خطيرة في العلاقات بين دول الحوض. ترى مصر أن السد يهدد حصتها التاريخية من المياه والمحددة باتفاقيتي 1929 و1959، بينما تصر إثيوبيا على حقها في التنمية واستغلال مواردها الطبيعية دون الحاجة إلى موافقة مسبقة. هذا التباين في الرؤى أدى إلى مفاوضات شاقة دامت لأكثر من عقد من الزمن، دون الوصول إلى اتفاق ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل. وتخشى مصر من أن يؤدي ملء السد خلال فترات الجفاف إلى تقليص كميات المياه الواصلة إليها، ما قد يؤثر على الأمن الغذائي والمائي لمئة مليون نسمة.[6]

,وبناء على ماسبق يتجسد وجه الشبه بين الحالتين في جنوب آسيا وأفريقيا يكمن في أن الصراعات المائية تتغذى على عوامل سياسية وأمنية أوسع، وأن كلتا المنطقتين تفتقر إلى أطر قانونية وإقليمية فعالة وملزمة لإدارة المياه العابرة للحدود. لكن الفارق الجوهري أن جنوب آسيا لديها سابقة قانونية مهمة تتمثل في معاهدة السند، التي صمدت رغم الحروب والمواجهات بين الهند وباكستان، بينما تعاني أفريقيا من غياب إطار جامع وشامل لكل دول الحوض، خاصة مع انسحاب إثيوبيا من الاتفاقيات السابقة ورفضها الاعتراف بالحقوق التاريخية لمصر والسودان. هذا الافتقار للاتفاقيات الملزمة في أفريقيا يُضعف فرص الحلول التفاوضية، ويجعل احتمالات التصعيد السياسي، وربما العسكري، أكثر واقعية.

2 – تأثير التغيرات المناخية:

يُعد تغير المناخ عاملاً شاملاً ومركزيًا في زعزعة الاستقرار، حيث يسهم في خلق بيئة مواتية لنشاط الجماعات الإرهابية غير الحكومية. وتُعد المجتمعات التي تعتمد على الزراعة والرعي كمصادر رئيسية للعيش من بين الفئات الأكثر هشاشة أمام هذه التغيرات، إذ إن سبل عيشها تعتمد بصورة كبيرة على الظروف المناخية وتوافر الموارد الطبيعية، في ظل امتلاكها قدرات محدودة للاستجابة للضغوط المناخية.

وبمعنى آخر، عندما تعتمد المجتمعات على الموارد الطبيعية كمصدر رئيس للدخل، وتكون غير قادرة على التكيف مع الصدمات المناخية أو التعامل مع التحديات المرتبطة بها، فإن ذلك يضاعف من هشاشتها. وتشمل هذه الصدمات الجفاف والفيضانات، فضلًا عن التقلبات المناخية المزمنة مثل تدهور التربة والتصحر، والتي تؤثر بشكل مباشر على وفرة الموارد الطبيعية الأساسية مثل المياه، الأراضي الصالحة للزراعة، الماشية، والمحاصيل الزراعية.

وغالبًا ما تواجه الدول الهشة والمعرضة للمخاطر المناخية تحديات حادة في الأمن الغذائي والمائي، الأمر الذي قد يؤدي إلى تصاعد احتمالات نشوب النزاعات. ففي ظل ندرة الموارد، قد تلجأ بعض الأفراد أو الجماعات إلى العنف كوسيلة لحماية ما تبقى من الموارد أو للاستحواذ عليها، وهو ما يُعرف بـ”الصراع على الموارد”. وفي مثل هذه السياقات، تميل المجتمعات التي تعتمد بشكل رئيسي على الموارد الطبيعية المتجددة إلى الانزلاق نحو الصراعات الطائفية أو المجتمعية كرد فعل لفقدان سبل رزقها أو لتأمينها.[7]

وفي العقود الأخيرة، ازداد الجدل حول علاقة التغيرات المناخية بانتشار الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي، وتأثير هذه التغيرات في تغذية العنف بالمنطقة. فعلى الرغم من التأثير المباشر للتغيرات المناخية، الذي يتجلى في الارتفاع المضطرد لدرجات الحرارة – حيث أظهرت الدراسات زيادة تتراوح بين 0.6 و0.8 درجة مئوية في الفترة من 1970 إلى 2010، مع توقعات بارتفاع إضافي يصل إلى 3–6 درجات بنهاية القرن الحادي والعشرين – فإن الآثار غير المباشرة كانت أكثر خطورة. فقد أدى هذا التغير إلى تباين كبير في معدلات هطول الأمطار، وزيادة حدة الظواهر الجوية المتطرفة مثل الفيضانات والجفاف، وتدهور التربة، مما أثر سلبًا على معيشة السكان الذين يعتمد معظمهم على الزراعة وتربية الماشية. كما تسبب الاختلال في النظام المناخي في اضطراب التقويم الزراعي، حيث تأخرت بداية المواسم الممطرة وانتهت مبكرًا، وزادت فترات الجفاف، مما أضر بالإنتاج الزراعي والرعوي وزاد من حدة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تُغذي عدم الاستقرار والعنف في المنطقة.[8]

فقد شهدت النيجر أزمات غذائية متكررة نتيجة لاعتمادها الأساسي على مياه الأمطار ومورد بحيرة تشاد، حيث ضربتها موجات جفاف حادة في أعوام 2005، 2008، 2010، و2012. ويُعاني قرابة 20 مليون نسمة من انعدام الأمن الغذائي نتيجة لعوامل متعددة، أبرزها التقلبات المناخية، وتدهور جودة الأراضي الزراعية، إضافةً إلى التنافس بين نحو 30 مليون شخص على الموارد المائية المحدودة للبحيرة، في ظل نمو سكاني يُقدّر بنسبة 3% سنويًا، ما يزيد من تعقيد الأوضاع المعيشية في المنطقة. ولا تزال آثار التغيرات المناخية تلقي بظلالها على المنطقة، مخلّفةً ارتفاعًا في معدلات الفقر المدقع، وانعدامًا للاستقرار السياسي، فضلًا عن تنامي الهجرة القسرية .

وفي مالي، تُعد الصدمات المناخية من أبرز التهديدات التي تواجه الأمن الغذائي. ووفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، فإن ارتفاع متوسط درجات الحرارة بأكثر من 0.5 درجة مئوية يتسبب في تراجع النشاط الاقتصادي بنسبة نقطة مئوية واحدة، مما يجعل مالي من أكثر الدول تأثرًا بالتقلبات المناخية. وتعاني البلاد من انخفاض في الإنتاجية الزراعية يزيد عن 40%، نتيجة لاعتماد اقتصادها بشكل رئيسي على الزراعة، حيث يشكل الغذاء والقطن نحو ثلث الناتج المحلي، ويعتمد ما يقارب 80% من القوى العاملة على النشاطات الزراعية والرعوية، وتشير بيانات عام 2023 إلى أن حوالي ربع سكان مالي يعانون من تهديدات انعدام الأمن الغذائي، بحسب صندوق النقد الدولي [9].

أما عن الوضع في بوركينا فاسو فلا يختلف كثيرًا، حيث تشترك مع بقية دول الساحل في الاعتماد الكبير على الزراعة من حيث الإنتاج وفرص العمل. ويُمثل القطاع الزراعي حوالي 30% من الناتج المحلي الإجمالي، ويعتمد حوالي 86% من السكان على الزراعة كمصدر رئيسي للرزق. وقد شهدت البلاد، خاصة في شمالها ووسطها، نوبات فيضانات متكررة بين عامي 2006 و2016 نتيجة للتغيرات المناخية .

وتواجه دول الساحل عمومًا صدمات مناخية متقطعة تؤدي إلى فترات من انعدام الأمن الغذائي واستهلاك غير كافٍ للغذاء في بعض المناطق. وتُظهر البيانات أن نحو 15% من سكان مالي يواجهون صعوبات في الحصول على الغذاء الكافي. ويبين الرسم البياني التالي مستويات استهلاك الغذاء غير الكافي في عام 2023، حيث تحتل النيجر المرتبة الأولى بين دول الساحل، تليها مالي، ثم بوركينا فاسو.[10]

ونتيجة لما سبق فقد حذّرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) في تقرير صدر في يوليو 2013 من أن ما لا يقل عن 11 مليون شخص في منطقة الساحل والصحراء لا يزالون يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي. كما أشارت إلى أن الأسر الفقيرة في بلدان الإقليم بدأت بالفعل في استنزاف احتياطياتها الغذائية قبيل موسم الحصاد، في ظل الارتفاع المتواصل في أسعار السلع الغذائية (FAO, 2013).

وفي فبراير 2014، أعلنت الفاو مجددًا أن قرابة 20 مليون شخص في إقليم الساحل الأفريقي يواجهون خطر انعدام الأمن الغذائي، ويحتاج نحو 2.5 مليون منهم إلى مساعدات غذائية عاجلة لتجنب خطر المجاعة. كما توقعت أن نحو 5 ملايين طفل دون سن الخامسة سيعانون من سوء التغذية خلال عام 2014، من بينهم 1.5 مليون طفل يُتوقع أن يصابوا بسوء التغذية الحاد.[11]

وقد برزت العلاقة بين التغيرات المناخية وانتشار الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي كإحدى القضايا الأكثر إلحاحاً، حيث أدت تداعيات التغير المناخي – وعلى رأسها ندرة المياه والجفاف – إلى تفاقم الأزمات البيئية والاقتصادية والاجتماعية، مما شكل بيئة خصبة لانتشار التنظيمات الإرهابية. ففي حوض بحيرة تشاد، استغلت جماعات مثل “بوكو حرام” و”القاعدة” و”داعش” تداعيات الجفاف الحاد وانخفاض منسوب المياه بنسبة 90% منذ ستينيات القرن الماضي، وما نتج عنه من أزمات مائية وغذائية ونزوح جماعي، لتعزيز نفوذها وتجنيد الأفراد اليائسين الذين فقدوا مصادر رزقهم بسبب تدهور الأراضي الزراعية والرعوية. وقد أكدت دراسات، منها بحث للمعهد الأمريكي للسلام (2011)، أن التغير المناخي كان أحد العوامل الرئيسية في نشأة “بوكو حرام”، حيث استغل محمد يوسف (مؤسس الجماعة) موجات الجفاف والنزوح لتعزيز قاعدة التنظيم.

وفي مناطق مثل “لبيتاكو غورما”، زادت التنظيمات الإرهابية من انتشارها عبر استغلال الصراعات بين المزارعين والرعاة على الموارد الشحيحة نتيجة الجفاف والتصحر، حيث قدمت نفسها كبديل للدولة في توفير الاحتياجات الأساسية. أما في الصومال، فقد استغلت حركة “الشباب” أزمات الجفاف وانعدام الأمن الغذائي لتوسيع سيطرتها ومنع وصول المساعدات الإنسانية، بل وتجنيد الشباب مقابل المال.

وأمام هذا الوضع الخطير، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 2349 (2017) الذي حذر من استغلال التنظيمات الإرهابية لتداعيات التغير المناخي، ودعا إلى دعم حكومات المنطقة لتعزيز قدراتها في مواجهة هذه التحديات. ويبقى السؤال الأكبر: هل يمكن كسر هذه الحلقة المفرغة بين التدهور البيئي وانتشار العنف دون معالجة جذرية لأزمات المناخ والفقر؟[12]

وعلى صعيد آخر تشكل التغيرات المناخية تهديداً متصاعداً للأمن المائي في حوض نهر السند، حيث تتفاعل العوامل البيئية مع التحديات السياسية لتخلق وضعاً معقداً ينذر بتصاعد التوترات. فعلى الرغم من أن سوء إدارة الموارد المائية يُسهم بشكل كبير في ندرة المياه، إلا أن تداعيات تغير المناخ تضاعف من حدة الأزمة. تظهر الدراسات أن الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا، التي تعتبر المصدر الرئيسي لمياه النهر، في تراجع مستمر، مما سيؤدي إلى اختلالات كبيرة في النظام الهيدرولوجي. بينما قد يشهد الحوض زيادة مؤقتة في التدفق المائي بسبب ذوبان الجليد، فإن المدى البعيد يحمل انخفاضاً حاداً في الموارد المائية مع استنفاد المخزون الجوفي، وهو ما يهدد الاستقرار المائي للمنطقة بأكملها.

تتفاقم هذه التحديات البيئية بسبب التغيرات في أنماط هطول الأمطار، حيث أصبحت الرياح الموسمية أقل انتظاماً وأكثر عنفاً. هذه التحولات المناخية تخلق تحديات جديدة في إدارة المياه، خاصة فيما يتعلق بالتحكم في الفيضانات وتوزيع الموارد المائية. وقد أدت هذه التطورات إلى تصاعد التوترات بين الهند وباكستان، حيث أصبحت قضية المياه أداة في الصراع السياسي بين البلدين. تستخدم وسائل الإعلام في كلا البلدين خطاباً متشدداً، حيث تتهم الهند باكستان بـ”الإرهاب المائي”، بينما توجه باكستان انتقادات حادة للهند بسبب سياستها في بناء السدود وإدارة الموارد المائية.

تتجلى هذه التوترات بشكل واضح في النزاع حول مشروعات السدود، خاصة سد كيشانجانجا الذي تبنيه الهند على نهر نيلوم. ترى باكستان في هذه المشروعات تهديداً مباشراً لأمنها المائي، مما دفعها إلى معارضتها بشكل مستمر خلال العقدين الماضيين. يعكس هذا الصراع هشاشة التعاون الإقليمي في إدارة الموارد المائية المشتركة، خاصة في ظل غياب الثقة بين الطرفين وتصاعد الخطاب القومي. تكمن الخطورة في أن هذه التوترات المائية تتفاعل مع التوترات السياسية القائمة بين الهند وباكستان، مما يزيد من مخاطر التصعيد في منطقة تعد من أكثر بؤر التوتر الجيوسياسي سخونة في العالم.

في النهاية، تظهر أزمة حوض نهر السند كيف يمكن للتغيرات المناخية أن تتفاعل مع العوامل السياسية والاجتماعية القائمة لتخلق وضعاً شديد التعقيد. فبينما تتفاقم التحديات البيئية، تزداد حدة الصراعات حول الموارد المائية، مما يهدد ليس فقط الاستقرار البيئي ولكن أيضاً الأمن الإقليمي. يشكل هذا الوضع اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع الدولي على معالجة التداعيات الأمنية لتغير المناخ، وإيجاد آليات فعالة لإدارة الموارد المائية المشتركة في ظل ظروف مناخية متغيرة.[13]

أوجه الاختلاف:

1 – طبيعة النزاع

تتميز طبيعة الصراع حول الأنهار الدولية في جنوب آسيا بتعقيد كبير، نظراً لتقاطع الموارد المائية مع السيادة الوطنية والمصالح الجيوسياسية، حيث تنبع معظم الأنهار الكبرى في المنطقة، مثل نهر السند والجانج والبراهمابوترا، من التبت أو جبال الهيمالايا، وتجري عبر عدة دول ذات سيادة، وهو ما يجعل أي مشروع مائي في دولة المنبع مؤثراً بشكل مباشر على مصالح دول المصب. فعلى سبيل المثال، يُعد نهر السند محور صراع بين الهند وباكستان، حيث تتهم الأخيرة الهند بانتهاك اتفاقية السند المائية الموقعة عام 1960 عبر إقامة مشروعات كهرومائية تؤثر على تدفق المياه[14] .

كذلك الحال بين الهند وبنغلاديش حول نهر الجانج، حيث أدى إنشاء سد “فاركا” الهندي إلى خلافات دامت عقوداً حتى توقيع اتفاق مؤقت عام 1996. وعلى صعيد آخر، يثير بناء الصين مشروعات على نهر البراهمابوترا مخاوف لدى الهند وبنغلاديش من تقليص تدفقات المياه.

هذه النزاعات تتم بين دول ذات سيادة ولا تخضع لأطر إقليمية ملزمة، ما يُضعف جهود التسوية القانونية. وفي ظل غياب آليات حوكمة مائية فعالة، تبقى هذه الأنهار بؤراً مرشحة للتوترات الجيوسياسية المستمرة.

بينما في أفريقيا،  يمكن ملاحظة أن أكثر النزاعات تحدث أما بين الجماعات المختلفة داخل دول القارة أو بين  تلك الجماعات والحكومات او السلطات فى تلك المناطق، ويمكن تصنيف النزاعات الداخلية حول الأنهار الدولية إلى نوعين من النزاعات هما:[15]

  • نزاعات تحدث داخل الجماعة؛ حيث من الممكن أن يحدث النزاع بين أعضاء الجماعة الواحدة.
  • على المستوى الوطني عندما تتنازع جماعات في نفس البلد حول حقوقها المائية مع الجماعات الأخرى أو السلطات في نفس الدولة حول المياه التي لا تقع في نطاق اقليمهم الجغرافي.

ولعل أبرز صور النزاع على المستوى الوطني هي تلك التى تظهر جليًّا حال قيام الحكومة بإقامة أحد مشروعات المياه مثل سد أو قناطر، والتي قد ترى الجماعة التي تقيم في المنطقة المُزمع إقامة المشروع فيها أن الهدف منه هو إبعادها عن أرضها، وسرقة مواردهم خصوصًا مع عدم إدراكها للمصالح التي تعود على الوطن بأكلمه، وتغلب مصالحها الخاصة، وهو ما يؤدي – في كثير من الأحيان – إلى فشل أو تعطيل إقامة تلك المشروعات.

ولعل المثال الأبرز على ذلك ما حدث فى حوض نهر الزامبيزي، والذي يعد أحد أكبر أنظمة الأنهار التي تصب في المحيط الهادي، وتشترك فيه ثماني دول، ويدعم الحياة لأكثر من 20 مليون شخص في تلك البلاد الواقعة على حوض النهر، فالعديد من المشروعات المقترحة على حوض النهر تم تعطيلها في البداية بسبب النزاع الذي نشب بين الحكومة والسكان القاطنين في المنطقة المزمع إنشاء السد عليها، إذ لم تستطع الجماعات التي تعيش في المنطقة تقدير حجم المنافع المتصورة في المستقبل من إنشاء مثل هذا السد، وترى أن الهدف من المشروع هو تهجيرها وتشريدها بعيدًا عن أراضيها، وكذلك رأى سكان المناطق في شمال غرب زامبيا أن الهدف من المشروع هو سرقة مواردهم، الأمر الذي أثار نزاعًا حول المشروع، وقد تمت تسوية النزاع عبر التفاوض مع السكان بعد توفير مساكن أخرى لهم[16].

ومن ناحية أخرى قد تحدث النزاعات على المستوى الوطني بين المواطنين والسطات عند قيام الأخيرة بخصخصة المياه، الأمر الذى يحول دون حصول المواطنين على المياه الصالحة للاستخدامات الخاصة بهم؛ فنتيجة للاتجاه العالمي المتسارع  نحو نقل خدمات توزيع وإنتاج المياه من القطاع العام إلى القطاع الخاص أصبحت المياه سلعة قابلة للتداول، ويؤدي سوء تنفيذ هذه السياسات والفساد في الدول النامية إلى حرمان فئات المجتمع المهمشة والفقيرة من حقها في المياه، وهذه السياسات تتجاهل بالطبع احتياجات الفقراء، ونظرًا لضعف الرقابة في تلك البلدان فقد حدث ارتفاع كبير في أسعار المياه، وسحب المياه للاستخدام الصناعي على حساب الاستخدامات الأخرى، الأمر الذي يؤدي إلى الاضطرابات الاجتماعية العنيفة والنزاع حول موارد المياه[17].

2 – إطار الاتفاقيات

يتشارك سكان العالم في أكثر من ثلاثمائة نهر دولي حول العالم من بينها 158 نهرًا تفتقر إلى أية إدارة تعاونية، وذلك على الرغم من توقيع أكثر من 300 اتفاقية دولية بشأن الأنهار خلال الستين عامًا الماضية فقط، إلا أن أغلب تلك الاتفاقيات كانت على المستوى الثنائي بين الدول، وهي لم تعد فعالة بالشكل الذي يمكن من خلاله إدارة الموارد المائية للنهر بشكل فعال، فعلى الرغم من كل تلك الأنهار إلا أنه يوجد 116 نهرًا فقط فى العالم تتمتع بمنظمات لإدارة النهر بشكل مؤسسي يمكن من خلاله تنظيم إدارته، وتوزيع المنافع بشكل توافقي بين كافة دول الحوض.[18]

ففي جنوب آسيا، تُعد اتفاقية مياه السند (IWT، الموقعة عام 1960 بين الهند وباكستان، نموذجًا لاتفاقات تقاسم الأنهار التي تعكس منطق “التقسيم الصارم” أكثر من الإدارة المشتركة للمورد، فالاتفاقية تمنح الهند السيطرة الكاملة على الأنهار الشرقية الثلاثة (رافي، سوتليج، وبياس)، بينما تحظر عليها استخدام الأنهار الغربية الثلاثة (جيلوم، تشيناب، والسند) إلا في إطار محدد وغير استهلاكي، بهدف تأمين تدفقات مائية كافية لاحتياجات باكستان الزراعية والكهرومائية. ورغم ما تتمتع به الاتفاقية من قوة قانونية؛ إذ لا تحتوي على تاريخ انتهاء أو بند خروج، فهي لا تتعامل مع قضايا الاستدامة البيئية أو الطلب المتزايد على المياه والطاقة، ولا تواكب تطورات التغير المناخي أو النمو السكاني والاقتصادي.

ومع مرور الوقت، ظهرت تحديات سياسية وهيدرولوجية جديدة تهدد فعالية الاتفاقية، فقد اعترضت باكستان على مشروعات كهرومائية هندية على أنهارها الغربية، ورغم أن المحكمين الدوليين اعتبروا هذه المشروعات قانونية، فإنها أثارت توتراً دبلوماسياً مستمراً. كما أن الاتفاقية، بوضعها الحالي، تعزل الأنهار عن طبيعتها العابرة للحدود، وتحول دون اعتماد نهج تكاملي ومستدام في إدارتها. ومع تغير أنماط الطقس وذوبان الأنهار الجليدية وتزايد الكوارث الطبيعية، أصبح من الضروري إعادة النظر في الاتفاقية بما يضمن حماية النظم البيئية النهرية وتحقيق عدالة مائية مستدامة للطرفين.[19]

بينما في أفريقيا، تفتقر العديد من المناطق إلى اتفاقيات مائية ملزمة، مما يزيد من هشاشة الوضع، لذا تُعاني القارة الأفريقية من ضعف واضح في منظومة الاتفاقيات الإقليمية الملزمة لإدارة الأنهار الدولية، على الرغم من احتوائها على أكثر من 60 نهرًا عابرًا للحدود، من أبرزها نهر النيل والكونغو والنيجر والسنغال، ويُعد هذا الافتقار لأطر قانونية وتنظيمية شاملة أحد أبرز أسباب تصاعد النزاعات بين الدول المتشاطئة، خاصة في ظل تزايد الطلب على المياه بسبب النمو السكاني، والتوسع العمراني، وتغير المناخ. فباستثناء عدد محدود من الاتفاقيات الثنائية أو الإقليمية ذات الطابع غير الملزم، لا تمتلك أفريقيا اتفاقًا جامعًا وفعالاً لإدارة المياه على المستوى القاري.

على سبيل المثال، ورغم توقيع اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل (اتفاقية عنتيبي) عام 2010 من قِبل عدد من دول المنبع، إلا أنها لم تحظَ بتوافق شامل، حيث رفضتها مصر والسودان بسبب ما اعتبرته مساسًا بحصتهما التاريخية. كما أن العديد من الاتفاقيات الأفريقية تُعاني من غياب آليات تنفيذ واضحة أو مؤسسات فاعلة للرقابة والفضّ في النزاعات.

إضافة إلى ذلك، فإن القارة تفتقر إلى تطبيق حقيقي لمبدأ الإدارة المتكاملة للموارد المائية (IWRM)، الذي يضمن الاستخدام المنصف والمستدام للمياه بين القطاعات والدول. ويُعزَى هذا إلى نقص التمويل، وضعف القدرات الفنية، وغياب التنسيق بين السياسات الوطنية. وقد أشار تقرير اللجنة الاقتصادية لأفريقيا بالأمم المتحدة إلى أن “الإدارة المجزأة للمياه تُضعف من القدرة على مواجهة التحديات البيئية والاقتصادية”.

وفي ظل هذه الثغرات، تبقى القارة الأفريقية بحاجة ماسة إلى إطار قانوني موحّد وإرادة سياسية حقيقية لتحقيق التكامل المائي، بما يضمن الأمن المائي ويُقلّل من فرص نشوب النزاعات مستقبلاً.[20]

ثالثًا: هشاشة الاتفاقيات الدولية في مواجهة التغيرات المناخية

أبرزت التغيرات المناحية المتزايدة حول العالم هشاشة الاتفاقيات الدولية  المتعلقة بالتغيرات المناخية ويرجع ذلك إلى العديد من الأسباب منها عدم وجود آليات قوية للتفيذ، والاعتبارات السياسية والاقتصادية للدول وصعوبة تحقيق التوازن بين المصالح المتضاربة للدول المتشاطئة على نفس النهر.

1 – غياب آليات قوية للتنفيذ

يعد التحدي الرئيسي المرتبط بالعديد من الاتفاقيات الدولية هو قابلية التنفيذ، فبينما يتطلب اتفاق باريس مراقبة الانبعاثات الكربونية والإبلاغ عنها، إلا أنه لا يملك القدرة على إجبار أي دولة على خفض الانبعاثات. معظم الإجراءات المتعلقة بتقليل الانبعاثات الكربونية يجب أن يتم إقرارها من قبل الهيئات التشريعية أو رؤساء الدول، وتأتي الاتفاقيات مع المجتمع الدولي في المرتبة الثانية بعد تلك الأشكال من صنع القرار. إذا فشلت دولة موقعة على اتفاق باريس في الوفاء بالتزاماتها، فقد تستخدم دول أخرى القوة الناعمة لإجبارها على اتخاذ إجراءات، عبر عقوبات أو وسائل دبلوماسية. ومع ذلك، فإن القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين أقل عرضة لهذا النوع من الضغط من الأقران، وهي أيضًا الدول المسؤولة حاليًا عن أكبر قدر من الانبعاثات.

كما يشكك البعض فيما إذا كان اتفاق باريس يذهب بعيدًا بما يكفي في وضع أهداف طموحة لخفض الانبعاثات الكربونية، وللحصول على دعم واسع النطاق، كان لا بد من التخلي عن بعض العناصر المكلفة والقاسية، واستنادًا إلى السياسات التي تم سنها، فإن الأرض ليست حاليًا على المسار الصحيح للبقاء دون الهدف المعلن المتمثل في زيادة درجة الحرارة بمقدار درجتين مئويتين.[21]

2 – التحديات السياسية والاقتصادية

تسهم العوامل السياسية والاجتماعية داخل الدول الفردية أيضًا في صعوبة التوصل إلى اتفاقيات مناخية دولية، فالاعتبارات السياسية المحلية، مثل تأثير الصناعات القوية أو الرأي العام، يمكن أن تشكل موقف الدولة تجاه تغير المناخ. كما أن التغييرات في الحكومات قد تؤدي إلى تحولات في السياسات المناخية، مما يجعل الحفاظ على الالتزامات طويلة الأجل أمرًا صعبًا.

ويختلف مستوى الوعي العام والدعم لاتخاذ إجراءات مناخية بشكل كبير بين الدول. ففي بعض الدول، هناك طلب شعبي قوي على سياسات تعالج تغير المناخ، بينما يسود الشك أو اللامبالاة في دول أخرى. وهذا يمكن أن يؤثر على استعداد الحكومات لاتخاذ إجراءات جريئة تجاه تغير المناخ.

3 – صعوبة التوفيق بين المصالح:

تُعد مسألة التوفيق بين مصالح الدول في اتفاقيات الأنهار الدولية من أعقد التحديات في إدارة الموارد المائية، حيث تتباين أولويات واستخدامات المياه بين دول المنبع والمصب، وكذلك بين الدول الغنية بالمياه وتلك التي تعاني من الندرة. فبينما تسعى دول المنبع إلى استغلال الموارد المائية في توليد الطاقة أو توسيع الرقعة الزراعية، تتمسك دول المصب بضمان تدفق المياه وفق مستويات تاريخية تضمن أمنها الغذائي والسكاني. هذا التباين في الأهداف يُنتج بيئة تفاوضية مشحونة، تُفاقمها غياب الثقة والتفاوت في القدرات الاقتصادية والفنية، ما يؤدي إلى اتفاقيات جزئية أو هشّة، غير قادرة على تحقيق التوازن المستدام بين الحقوق التنموية والحصص التاريخية. [22]

وتُظهر الأحداث الأخيرة في جنوب آسيا وأفريقيا هشاشة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمياه في مواجهة التغيرات المناخية وما ستخلفها من نزاعات، فمعاهدة مياه نهر السند، التي صمدت لأكثر من ستة عقود، تم تعليقها في ظل تصاعد التوترات، وتكشف آليات تسوية النزاعات في اتفاقية نهر السند، عن قصور واضح في التعامل مع التحديات المتغيرة التي يفرضها المناخ والسياسة المعاصرة. تنص المادة التاسعة من الاتفاقية على نظام ثلاثي المستويات لحل النزاعات: بدءًا بلجنة نهر السند، ثم خبير محايد، وصولًا إلى محكمة تحكيم دولية، بيد أن الخلافات المزمنة بين الهند وباكستان بشأن آلية التطبيق، ولا سيما حول مشروعات مثل “كيشينجانجا” و”راتلي”، أظهرت مدى هشاشة الاتفاقية في الاستجابة السريعة والفعالة للنزاعات، ففي حين تصر الهند على الاكتفاء بالخبير المحايد لتقليص التدخلات الخارجية، تلجأ باكستان إلى محكمة التحكيم، ما أدى إلى تأخير تنفيذ مشروعات مائية حيوية، وزاد من التوترات الثنائية. حتى تدخل البنك الدولي لتفعيل المسارين في وقت واحد عام 2016 قُوبل برفض هندي، واعتبر مساسًا بسيادة آلية المعاهدة.

إلى جانب ذلك، فإن التغير المناخي يضع ضغوطًا إضافية على المعاهدة التي صُممت لواقع مناخي مختلف. يعتمد نهر السند على الأنهار الجليدية وذوبان الثلوج بنسبة تصل إلى 30%، وهو ما يجعله شديد التأثر بارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الرياح الموسمية. من المتوقع أن تواجه المنطقة عجزًا مائيًا يصل إلى 50% بحلول عام 2030، مما يُنذر بعواقب وخيمة على الزراعة ومياه الشرب في كل من الهند وباكستان. وبينما تتفاقم الأزمات المناخية، يتّضح أن المعاهدة بصيغتها الحالية عاجزة عن توفير آليات للتكيف أو إدارة مرنة ومستدامة للموارد المائية المشتركة، الأمر الذي يفرض ضرورة ملحة لإعادة صياغتها بما يتماشى مع متطلبات القرن الحادي والعشرين وتحديات المناخ المتسارعة.[23]

وختامًا تشير المعطيات الجيوسياسية والبيئية في جنوب آسيا إلى أن ندرة المياه لم تعد مجرد أزمة بيئية، بل تحوّلت إلى ورقة ضغط جيوسياسي وسلاح استراتيجي في علاقات الهند وباكستان. إذ تسود حالة من الترقّب والتوتر الدائم بسبب تحكّم الهند في منابع الأنهار التي تغذي الاقتصاد الباكستاني، وفي مقدمتها نهر السند، ضمن اتفاقية مياه مضى على توقيعها أكثر من نصف قرن (اتفاقية السند 1960). ومع تنامي التحديات المناخية وازدياد الطلب على المياه بفعل النمو السكاني والتوسع الزراعي، يزداد احتمال انهيار هذا الاتفاق، أو استخدامه كأداة للمساومة والردع السياسي.

في هذا الإطار، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات للصراع الهندي – الباكستاني حول المياه:

السيناريو التصعيدي: يتمثل في قيام الهند بإعادة تفسير أو تعطيل اتفاقية السند، أو إقامة مشروعات مائية كبرى تغير منسوب المياه المتدفقة إلى باكستان، ما يدفع الأخيرة إلى التصعيد دبلوماسيًا وربما عسكريًا، خاصة في ظل اتهامات متكررة باستغلال المياه كسلاح.

السيناريو التفاوضي: استمرار الوضع الراهن مع تجدد المفاوضات عبر القنوات الثنائية أو بوساطة دولية (مثل البنك الدولي، أو الولايات المتحدة الأمريكية) لتحديث بنود الاتفاق، بما يتوافق مع المتغيرات المناخية والاحتياجات المتزايدة للطرفين.

السيناريو التشاركي الإقليمي: تبني نهج تشاركي جديد لإدارة الموارد المائية، يشمل آليات رقابة وتبادل بيانات وتقنيات تنبيه مبكر، لكن هذا السيناريو يظل ضعيف الاحتمال في ظل التوترات الحدودية والعسكرية بين الجانبين.

وهذا النمط من الصراع لا يختلف كثيرًا عن حالة القرن الأفريقي وحوض النيل، حيث تسعى إثيوبيا إلى فرض هيمنة مائية على جيرانها عبر مشروعات كبرى مثل “سد النهضة”، ما يهدد الأمن المائي لكل من السودان ومصر، بل ويحوّل المياه إلى عنصر أساسي في إعادة تشكيل موازين القوى في أفريقيا.

وتتشابه الحالتان من حيث تحكّم دول المنبع في الموارد المائية دون التوافق مع دول المصب، وغياب آليات قانونية ملزمة أو ضعف فاعليتها فضلاً عن تسييس المشاريع المائية واستخدامها كأداة ضغط في ملفات أمنية أو اقتصادية وأخيرًا تورّط أطراف دولية في دعم طرف على حساب آخر وفقًا لحسابات استراتيجية أوسع.

وتأسيسًا على ذلك، فإن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في وفرة المياه، بل في حوكمة الموارد المشتركة والالتزام بمبادئ القانون الدولي للمجاري المائية الدولية، خاصة مبدأ “الانتفاع المنصف والمعقول”، و”عدم التسبب في ضرر جسيم”.

إن أفريقيا، كما جنوب آسيا، تواجه اليوم لحظة فارقة: إما أن تتحول الأنهار إلى محاور تعاون وتنمية إقليمية، أو تصبح بؤرًا لصراعات إقليمية مسلّحة تتغذى على الجفاف، والانفجار السكاني، والضعف المؤسسي.

وعليه، فإن الحاجة إلى إطار قانوني دولي وإقليمي أكثر فاعلية، وإلى إنشاء آليات دائمة للتفاوض وحل النزاعات المائية، أصبحت ضرورة ملحّة، ليس فقط لحفظ السلم والاستقرار، بل لضمان مستقبل مستدام لأجيال قادمة.


المراجع:

[1] مونت كارلو الدولية، الهند تطالب الباكستانيين لديها بمغادرة البلاد وإسلام آباد تغلق الحدود والمجال الجوي بين البلدين، 24/4/2025 على الرابط :
https://2u.pw/DsqUh

[2] سكاي نيوز عربية، الهند تعلن أنها ستقطع مياه الأنهار عن باكستان، 6 مايو 2025 على الرابط :

https://2u.pw/4h0uD

[3] Shariful Islam, Water Resource is a Significant Cause of Conflict in South Asia, at, Saudi journal of humanities and social sciences ( Dubai, Scholars Middle East Publishers, vol(6) . No(8), 2021) P.P,249-250

[4] Lori Pottinger, “Extreme Vulnerability to Climate Change Increases Pressure on Rivers”, World Rivers Review (August 2006) at:

www.internationalrivers.org/climate-change/impacts-adaptation/africas-perfect-storm

[5] United Nations, UNISDR, “Water risk in Africa A community leaders guide”, (Cap town: UNISDR, VOL. 2, Issue 1, March 2004)P.P. 28 – 29

[6] لماذا أصبج سد النهضة قنبلة موقوتة؟ هذه أسباب الأزمة ونقاط الخلاف، في جريدة الشرق، 8 يوليو 2021 على الرابط :

https://2u.pw/L7IssaM4

[7] Madeline Romm, A Climate of Terror? Climate Change as an Indirect Contributor to Terrorism, College Park, MD: START, 2022. University of Maryland, March 2022 , P.2

[8]Djiby Sow,  institute for security studies, Does climate change fuel terrorism in the Sahel?, at :
https://issafrica.org/iss-today/does-climate-change-fuel-terrorism-in-the-sahel
[9] Jihad AzourAbebe Aemro Selassieو Africa’s Fragile States Are Greatest Climate Change Casualtiesat at:
https://www.imf.org/en/Blogs/Articles/2023/08/30/africas-fragile-states-are-greatest-climate-change-casualties

[10]  سما جمال، أثر التغيرات المناخية على استقرار دول الساحل، مركز رع للدراسات الاستراتيجية، على الرابط https://rcssegypt.com/19402 :

[11]  د. عطية محمود الطنطاوي، أثر التغيرات المناخية على الأمن الغذائي في اقليم الساحل الأفريقي، في مجلة الدراسات الأفريقية ( جامعة القاهرة، معهد البحوث والدراسات الأفريقية، عدد 39، 2014) ص ص 420- 421

[12] أية أشرف، من التغيّرِ المُناخي إلى التطرف العنيف “مساراتُ التفاعلِ في منطقة الساحل والصحراء”، مركز شاف 10 نوفمبر 2024 عىل الرابط :
https://n9.cl/tve3az
[13] climate Diplomacy, Water conflict and cooperation between India and Pakistan,  at:
https://climate-diplomacy.org/case-studies/water-conflict-and-cooperation-between-india-and-pakistan

[14] Fact Sheet: The Indus Waters Treaty 1960 and the Role of the World Bank  at:

https://www.worldbank.org/en/region/sar/brief/fact-sheet-the-indus-waters-treaty-1960-and-the-world-bank

[15] Peter J. Ashton , “Disputes and Conflicts Over Water in Africa”, Violent Conflicts, Fragile Peace: Perspectives on Africa’s Security (London: Adonis and abbey press ,2007) PP. 5- 6 .

[16] Cecil D. Nundwe and B. C. Mulendema,” Mitigration of Conflicts Derived From Water Use Related Problems – Zambia “, Water for Peace in the Middle East and Southern Africa (Hague: Green Cross International, March 2000), P.P, 133-134.

[17] Mohammed H.K. Al-Essawi , Elijah M. Ntuli, “Accentuating River Border Conflicts and Water Privatization: The Southern African Development Community”, Journal of Applied Sciences (Hubei: Asian Network for Scientific Information, Vol. 7, Issue 4, 2007), PP.536-538.

[18] Dursun Yildiz, A new International  Hydro diplomacy; from water cooperation to comprehensive collaboration (Baku, Paper Presented to Global and Regional Hydropolitical Problems in the Context of International Cooperation and Security Conference, 25 November 2014) P.P., 2- 3

[19] Ambika Vishwanath,  Ruth Gamble . Parting the waters: India v Pakistan, at:

https://www.lowyinstitute.org/the-interpreter/parting-waters-india-v-pakistan

[20] Larry A. Swatuk, “Political challenges to implementing IWRM in Southern Africa”, Physics and Chemistry of the Earth  (Amsterdam: Elsevier Ltd, No.30, 2005)P.874.

[21]ـjulia nahm , failures and successes of the paris agreement, at:

https://2u.pw/MpUDP

[22] Why Are International Climate Agreements So Difficult?  At :

https://climate.sustainability-directory.com/question/why-are-international-climate-agreements-so-difficult/#:~:text=Political%20and%20social%20factors%20within,country’s%20stance%20on%20climate%20change.

[23]  مصطفى شلشل، صراع الماء بين الهند وباكستان، مركز الدراسات العربية الأوراسية، 5 مايو 2025 على الرابط :

https://2u.pw/FudSU