كتبت – أسماء حمدي
في إحدى قاعات العرض بالعاصمة الكينية نيروبي، لم يكن الجمهور يشاهد مجرد عمل فني، بل كان يعيش تجربة مؤلمة تتكرر يوميًا في حياة آلاف النساء. صفعة على وجه زوجة، صرخات مكتومة، وامرأة تسقط أرضًا أمام الحضور، وبينما خيم الصمت على القاعة، خرجت عبارة بطلة المسرحية: “أتمنى لو أستطيع أن أجنبكم هذا”.
في تلك اللحظة تحولت الخشبة إلى مرآة لواقع كيني يزداد قتامة مع ارتفاع معدلات العنف ضد النساء، ومن هنا جاءت مسرحية “حرروني” لتصبح أكثر من عرض فني، إنها شهادة حية على الألم، ونداء جماعي لكسر الصمت وإعادة فتح النقاش حول واحدة من أكثر الأزمات الاجتماعية إلحاحًا في كينيا.
سيرة امرأة.. وقصة مجتمع
المسرحية مستوحاة من السيرة الذاتية للكاتبة والمنتجة الكينية غاثوني كيمويو، التي قررت تحويل تجربتها الشخصية مع الزواج المسيء إلى عمل فني يواجه المجتمع بحقيقة العنف القائم على النوع الاجتماعي.
نجاح العرض، الذي قدم للمرة الأولى في نوفمبر الماضي ثم عاد إلى المسارح مجددًا، لم يكن حدثًا فنيًا عابرًا، بل جاء متزامنًا مع موجة غضب شعبي متصاعدة بسبب ارتفاع معدلات قتل النساء والاعتداءات الجسدية والجنسية في البلاد.
خلال الأشهر الماضية، خرجت مئات النساء في شوارع نيروبي مطالبات باعتبار العنف ضد المرأة أزمة وطنية، كما أطلقت حملات إلكترونية واسعة تحت وسوم تدعو إلى وقف قتل النساء ومحاسبة الجناة، ما دفع الحكومة إلى تشكيل فريق عمل لرصد أسباب الظاهرة وتقديم توصيات لمواجهتها.
أزمة تتجاوز الأرقام
خلص التقرير الحكومي إلى أن جذور الأزمة تمتد إلى البنى الأبوية المتجذرة وعدم المساواة بين الجنسين، واقترح إدراج جريمة قتل النساء كتصنيف قانوني مستقل وإعلان العنف القائم على النوع الاجتماعي أزمة وطنية.
لكن هذه التوصيات بقيت حبرًا على ورق، فيما استمرت أخبار الاعتداءات في تصدر العناوين. وترى كيمويو أن إعادة تقديم المسرحية اليوم ترتبط مباشرة بهذا الواقع، قائلة إن أرقام الاعتداءات والعنف ضد النساء لا تزال ترتفع بصورة مقلقة.
بالنسبة لها، فإن الفن يمكن أن يتحول إلى أداة للتغيير، وإلى مساحة تمنح الضحايا القدرة على رؤية أنفسهن في قصص الآخرين، وربما العثور على الشجاعة للحديث عن تجاربهن الخاصة.
رحلة من الانكسار إلى النجاة
تتبع المسرحية مسار حياة كيمويو منذ مراهقتها في ضواحي نيروبي الشرقية، مرورًا بزواجها في سن مبكرة ثم دخولها دائرة العنف والإساءة، وصولًا إلى قرار الانفصال وإعادة بناء حياتها من جديد.
تظهر البطلة في مراحل عمرية مختلفة، فتاة مفعمة بالأحلام، ثم زوجة شابة تواجه الإيذاء، ثم أم تقرر الهروب من علاقة سامة، قبل أن تعود امرأة قادرة على النهوض واستعادة حياتها.
ويرى مخرج العمل موغامبي نثيغا أن قوة المسرحية لا تكمن فقط في كونها مستوحاة من قصة حقيقية، بل لأنها تمثل واقعًا تعيشه نساء كثيرات لا يحالفهن الحظ في الحصول على نهاية سعيدة.
عندما يصبح الصمت جريمة
الممثلة رينيه جيتشوكي، التي تؤدي دور كيمويو في مرحلة المراهقة، تؤكد أن العرض جاء في توقيت بالغ الحساسية، لأن العنف القائم على النوع الاجتماعي تحول إلى أزمة مجتمعية تمس الجميع، وفقًا لصحيفة الجارديان البريطانية.
أما الممثل توبيت توم، الذي يجسد شخصية الزوج المعتدي، فيقول إن أداء هذا الدور يضع على عاتقه مسؤولية كبيرة، لأنه يذكر الرجال بحقيقة مؤلمة مفادها أن معظم مرتكبي هذا النوع من العنف هم رجال، وأن مواجهة الظاهرة تبدأ بالاعتراف بوجودها.
وفي قاعة المسرح، لم يكن التفاعل مقتصرًا على الدموع والصمت، فقد خرجت بعض المشاهدين وهن يشعرن بأن العمل منح الضحايا وجهاً إنسانياً، وأظهر أن المعتدي قد يكون شخصًا عاديًا لا يبدو مختلفًا عن الآخرين.
الفن كطريق إلى التغيير
تبلغ ذروة المسرحية عندما تخبر البطلة زوجها بأنها ستغادره. يرد عليها قائلًا: “لن تجدي أبدًا من يحبك كما أحبك”. حينها تنفجر القاعة بالتصفيق بعدما تجيب: “حبك هو تحديدًا نوع الحب الذي سأبتعد عنه إلى الأبد”.
بهذه العبارة تختصر “حرروني” رسالتها الأساسية: العنف ليس حبًا، والصمت ليس قدرًا وتؤمن غاثوني كيمويو أن مشاركة قصتها الشخصية بدلًا من كتابة حكاية خيالية تمنح النساء الأمل، لأن رؤية ناجية تقف أمامهن وتروي تجربتها تجعل فكرة النجاة ممكنة.
وفي بلد لا تزال فيه النساء يناضلن من أجل الأمان والعدالة، تحولت هذه المسرحية إلى أكثر من عمل فني، أصبحت صرخة جماعية تطالب بإنهاء العنف، ومساءلة المعتدين، وإعادة تعريف معنى الحب والكرامة والنجاة.





