بقلم : شاهيناز جلال
جميلة بوحيرد تُعد واحدة من أبرز رموز النضال العربي في القرن العشرين، حيث ارتبط اسمها ارتباطًا وثيقًا بالثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، فكانت مناضلة جسدت معاني الشجاعة والإصرار، فحملت السلاح دفاعًا عن وطنها وصمدت أمام أشد أشكال التعذيب، لتصبح رمزًا للنضال النسوي في العالم العربي، ويبقي اسمها محفورًا في صفحات التاريخ الوطني كرمز للتضحية التي لا تعرف حدودًا، وكرمز للإيمان العميق بالحرية وعدالة القضية ضد المستعمر في عالمنا العربي.
نشأة وطفولة بطلة
وُلدت جميلة بوحيرد في حي القصبة بمدينة الجزائر العاصمة عام 1935، لأسرة متوسطة الحال من أب جزائري وأم تونسية، وعرفت عائلتها بالوطنية فكان أبوها مثقفًا ومناهضًا للاستعمار الفرنسي، وعمها الشهيد مصطفى بوحيرد أحد أبطال الثورة الجزائرية، وكانت البيئة التي نشأت فيها بوحيرد تأثرت بشكل مباشر بالاحتلال الفرنسي للجزائر الذي فرض سيطرته عام 1830، واستمر لأكثر من 130 عامًا، وما صاحب ذلك من سياسات قمعية، وتقييد الحريات العامة، والتمييز ضد السكان المحليين.
في طفولتها تعلمت جميلة الرقص الكلاسيكي وركوب الخيل، وبعد إنهاء دراستها المدرسية التحقت بمعهد للخياطة والتفصيل، حيث أتقنت فن التطريز.
وكان لدى المناضلة بوحيرد منذ طفولتها وعيًا وطنيًّا مبكرًا وشعورًا بالمسؤولية وأهمية العدالة، لما شهدته من مظاهر للظلم والقهر التي مارسها المستعمر ضد الجزائريين، ما دفعها لاحقًا للانضمام إلى صفوف المقاومة الجزائرية.
الانخراط في الكفاح المسلح
مع اندلاع الثورة الجزائرية في عام 1954، كانت بوحيرد في مطلع العشرينيات من عمرها، فآثرت أن تسلك طريق النضال فالتحقت بالعمل الثوري وانضمت إلى صفوف “جبهة التحرير الوطني” لتنخرط في العمل الثوري المسلح وتشارك بشكل فعال في أنشطة المقاومة، والنزول إلى العمليات الميدانية، حيث عرفت بقدرتها على مواجهة أخطر المهام، فكانت مؤمنة بأن التحرر الوطني يحتاج إلى تضحيات جسدية وروحية كبيرة.
فأسندت إلى بوحيرد مهمة التواصل مع صانعي القنابل ونقلها إلى المكلفين بزرعها في أحياء مدينة الجزائر، كما أوكل إليها وضع بعضها في المقاهي والملاهي التي يرتادها الفرنسيون، وبسبب نشاطها الفدائي هذا، أصبحت من أبرز المطلوبين لدى سلطات الاستعمار الفرنسي، والتي كثفت جهودها لإلقاء القبض عليها.
صمود في وجه المستعمر
تم القبض على جميلة بوحيرد من قبل السلطات الاستعمارية الفرنسية في 9 أبريل عام 1957، بشارع سفنكس في حي القصبة بالجزائر العاصمة، في أثناء محاولتها إيصال وثائق مهمة إلى ياسف سعدي وعلي لابوانت، وهما من أبرز قادة العمل الفدائي خلال ما عرف بـ “معركة الجزائر”، وأصيبت برصاصة في كتفها وهي تحاول الفرار، ومع ذلك أطلقت صرخات لتنبيه رفاقها ومنحهم فرصة الهرب، وخضعت المناضلة الجزائرية لعملية جراحية لاستخراج الرصاصة، وبدأ التحقيق معها وهي لا تزال تحت تأثير الجراح واستمر التحقيق لمدة 17 يومًا، تعرضت خلالها لتعذيب قاس شمل الضرب والصعق بالكهرباء والإهانة، في محاولة لانتزاع اعترافات أو الكشف عن أسماء رفاقها الفدائيين، لكنها رفضت بشجاعة نادرة، وأبدت صمودًا استثنائيًّا، ولم تدلِ بأي معلومات.
من الإعدام إلى رمز عالمي للمقاومة
أحيلت الأيقونة الجزائرية لاحقًا إلى محاكمة عسكرية فرنسية أواخر عام 1957، وكانت تبلغ من العمر آنذاك 22 عامًا، وحظيت المحاكمة باهتمام إعلامي واسع، وصدر بحقها حكم بالإعدام، وفور النطق بالحكم رددت جملتها الشهيرة: “أعرف أنكم سوف تحكمون علي بالإعدام لكن لا تنسوا أنكم بقتلي تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم ولكنكم لن تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة مستقلة”.
وبعدما أثارت موجة تضامن دولية واسعة قادها محامون ومثقفون في فرنسا وخارجها، طالبت بإنقاذ حياتها، وأسهمت الضغوط في تعليق تنفيذ الحكم بالإعدام، وتعديله إلى السجن مدى الحياة، لتتحول قضيتها إلى رمز عالمي لمقاومة الاستعمار والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتصبح جميلة بوحيرد رمزًا عالميًا لمقاومة الظلم والاستعمار، ما أكسبها شهرة واسعة داخل الجزائر وخارجها.
نُقلت جميلة بوحيرد إلى السجون الفرنسية، حيث قضت نحو ثلاث سنوات إلى أنه أُفرج عنها بعد استقلال الجزائر في 5 يوليو 1962، ومع بزوغ فجر الاستقلال عادت إلى وطنها، وتزوجت من محاميها الفرنسي جاك فيرجيس الذي تولى الدفاع عنها وعن عدد من مناضلي الثورة، وقامت هي وزوجها بعد ذلك بإصدار مجلة تعرف باسم (الثورة الأفريقية)، وكانت تُنشر بالفرنسية وتركز على الحركات القومية والثورات التحررية في أفريقيا، وتولت بوحيرد لفترة قصيرة رئاسة الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات بقرار من الرئيس الجزائري في ذلك الوقت أحمد بن بلة، إلا أنها فضلت الاستقالة بعد عامين، لتبتعد عن الأضواء والمناصب الرسمية.
المرأة شريكة في النضال الوطني
لم يكن حضور جميلة بوحيرد مقتصرًا على بعدها الفردي في الثورة الجزائرية، بل مثل نموذجًا لدور المرأة الجزائرية في الثورة إلى جانب شخصيات نسائية أخرى شاركن في الثورة، فقد أثبتت الثورة الجزائرية أن المرأة لم تكن عنصرًا ثانويًّا، بل شريكًا فاعلًا في العمل النضالي، وأصبحت بوحيرد أيقونة للمرأة العربية في نضالها من أجل التحرر والدفاع عن الوطن، إذ جسدت قدرة المرأة على المشاركة في صناعة القرار الوطني، ما أعاد تشكيل صورة المرأة في العالم العربي.
الأيقونة الجزائرية في الفن والأدب
بعد استقلال الجزائر، وبالرغم من انسحاب جميلة بوحيرد من العمل السياسي إلا أنه بقى اسمها حاضرا في الذاكرة الجزائرية والعربية بوصفه أحد رموز الكفاح، فتم تدريس سيرتها في المدارس، واستشهد بشجاعتها في الكتب والمقالات، وحازت على اهتمام عالمي باعتبارها رمزًا للمقاومة النسائية.
وألهمت المناضلة الجزائرية العديد من السينمائيين والشعراء والفنانين، فخلدوا شجاعتها وصمودها في مواجهة التعذيب والإعدام في أعمالهم الإبداعية، فغنت المطربة اللبنانية فيروز أغنية بعنوان “رسالة إلى جميلة”؛ تعبيرًا عن تقديرها لشجاعتها ونضالها ضد الاستعمار الفرنسي، كما خصصت الفنانة الجزائرية الراحلة وردة أغنية بعنوان “كلنا جميلة”؛ تكريمًا لبطولاتها ودورها في الثورة.
وتناولت السينما حياتها في أفلام وثائقية وروائية مثل: فيلم جميلة (1958) بطولة الفنانة ماجدة وللمخرج يوسف شاهين، بينما كتب شعراء ونقاد عرب عنها قصائد ومقالات أبرزت تضحياتها وبطولتها مثل: الشاعر صلاح جاهين في قصيدة “اللي جرى لجميلة”، والشاعر أحمد عبد المعطي حجازي بقصيدته “القديسة”، والشاعر نزار قباني بقصيدة “جميلة بوحيرد”، وشاعرون آخرون تناولوا تجربتها كنموذج للمقاومة والتضحية، لتصبح قصتها مصدر إلهام مستمر في الأدب والفن على الصعيدين العربي والعالمي.
رمز الكرامة والحرية
رغم مرور عقود على أحداث الثورة الجزائرية، لا تزال المناضلة جميلة بوحيرد تحتفظ بمكانتها كرمز خالد للمقاومة الوطنية وصمود المرأة في مواجهة الظلم والاستعمار، فقد أثبتت أن الشجاعة لا تعرف حدودًا، وعلى الرغم من عروض التكريم الكثيرة والظهور الإعلامي، فضلت بوحيرد والتي تجاوزت الثمانين من عمرها التواضع والابتعاد عن الأضواء، محافظة على استقلالها، مع ظهور نادر في مناسبات وطنية محدودة، مثل مشاركتها في الاحتفالات السنوية للثورة الجزائرية أو بعض الفعاليات الرمزية التي تكرم المرأة المناضلة، وقد انعكس هذا الاختيار على صورتها لدى الشعب، حيث يظل اسمها مرتبطًا بالكرامة، والحرية، بعيدًا عن أي استغلال سياسي أو إعلامي، لتظل سيرتها حافزًا للشباب والأجيال الجديدة على التضحية والعطاء للوطن.





