كتب – محمد الجزار
باحث في الشؤون الأفريقية
إن التوسعات التي قامت بها شركة “ستار لينك” لخدمات الاتصالات والإنترنت المملوكة لرجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك في أفريقيا جنوب الصحراء علي مدار العامين الماضيين أثارت العديد من ردود الأفعال المتباينة، ما بين مُرحِّب بتوسعات الشركة بسبب توفيرها لخدمات الإنترنت عالية السرعة وخاصة في المناطق المحرومة والنائية، وما بين محذر من هذه التوسعات بسبب المخاطر الاقتصادية والأمنية الناجمة عنها، والتي كانت من بين الأسباب التي جعلت الشركة تخوض مجموعة من المعارك مع بعض الحكومات الأفريقية من أجل تحقيق أهدافها التوسعية، ومن خلال هذا التقرير يمكن تسليط الضوء على توسعات الشركة، والمعارك التي خاضتها في سبيل تلك التوسعات، بجانب عرض المزايا والمخاطر الاقتصادية والتداعيات الأمنية لتلك التوسعات وذلك فيما يلي:
أولًا- توسعات متصاعدة
1-نيجيريا نقطة البداية: لقد كانت نيجيريا هي نقطة بداية انطلاق شركة “ستار لينك” في القارة الأفريقية، وذلك بعد أن سمحت لها الحكومة النيجيرية بتوفير خدمات الإنترنت عن طريق الأقمار الصناعية عبر المدار الأرضي المنخفض (LEO) في يناير 2023، ونظرًا لجودة الخدمات التي تقدمها الشركة فقد تسارع صعودها داخل نيجيريا حتي أصبحت ثاني أكبر مزود لخدمات الإنترنت بعد شركة سبيكترانت المحلية.
ومع مساعيها الحثيثة للانتشار داخل أسواق القارة الأفريقية فلم يمر عام 2023 حتي قامت 7 دول أفريقية أخرى ممثلة في كل من رواندا، وموزمبيق، وكينيا، ومالاوي، وزامبيا، وبنين، وإسواتيني، بمنح شركة ستار لينك التراخيص اللازمة للعمل داخل دولهم . [1]
2-الصفقات الناجحة في عام 2024: استطاعت الشركة في عام 2024 الدخول إلى أسواق 10 مناطق جديدة في القارة، متمثلة في كل من مدغشقر، وسيراليون، وجنوب السودان، وبوتسوانا، وغانا، وبوروندي، وزيمبابوي، والرأس الأخضر، وريونيون، ومايوت، حيث استفادت الشركة من الحاجة الملحة للعديد من هذه المناطق للحصول علي خدمات الإنترنت، وخاصة بعد حوادث انقطاع الكابلات البحرية الموصلة للإنترنت، مما سهل لستار لينك مسألة الحصول علي التراخيص اللازمة للتشغيل الرسمي داخل تلك الدول، وعلى رأسها غانا التي منحت الشركة التراخيص بعد تكرر مشكلة قطع الكابلات البحرية.
3-من التوسع لمحاولة الهيمنة: في ظل استمرار عمليات الشركة وتوسعاتها في أفريقيا فقد نجحت في دخول سوق الاتصالات وخدمات الإنترنت في عدة دول أفريقية أخرى في النصف الأول من عام 2025، وتتمثل هذه الدول في كل من ليبيريا، والنيجر، وليسوتو، والصومال، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وآخرهم غينيا بيساو التي تم الإعلان في يونيو 2025 عن دخول الخدمة إليها بصورة رسمية، وذلك بهدف علاج مشكلة ضعف وصول الإنترنت لشريحة كبيرة من السكان تصل نسبتهم إلي 67.5% . [2]
ومع نجاحها في هذه التوسعات أعلنت الشركة أنها تسعي إلى إطلاق الخدمة في 26 دولة أفريقية جديدة مع نهاية عام 2026، وهو ما يعني أن الشركة لديها رغبة في الهيمنة على سوق الاتصالات وخدمات الإنترنت في القارة الأفريقية مستقبلًا، والتحول من مجرد منافس إلى مهيمن ومحتكر لسوق خدمات الإنترنت.
ثانيًا- معارك مستمرة وضغوط أمريكية
لم تكن التوسعات التي تقوم بها شركة “ستار لينك” في أفريقيا خالية من المعوقات؛ حيث إنها واجهت العديد من قرارات الرفض الحكومي في أكثر من دولة، وهو ما جعلها تنخرط في معارك متعددة، لا يزال بعضها مستمرًّا حتى الآن، بجانب حصول الشركة علي دعم من الإدارة الأمريكية خلال تلك المعارك وهو ما يتضح فيما يلي:
1-معركة التراخيص جنوب أفريقيا وناميبيا نموذجًا: رفضت حكومة جنوب أفريقيا منح شركة ستار لينك تراخيص التشغيل اللازمة للدخول إلى السوق المحلي، وذلك بسبب رفض الشركة الخضوع للتشريعات المحلية المتعلقة بالتمكين الاقتصادي للسود المهمشين والمحرومين اقتصاديًا، والتي تستلزم منح السود 30% من أسهم الشركات الراغبة في العمل داخل جنوب أفريقيا، وهو ما يرفضه إيلون ماسك رئيس شركة ستار لينك، الذي اتهم حكومة جنوب أفريقيا بالعنصرية، وحظي بدعم الرئيسي الأمريكي دونالد ترامب في هجومه علي جنوب أفريقيا، ولا تزال محاولات ستار لينك مستمرة حتى الآن للدخول إلى سوق جنوب أفريقيا دون جدوى، وفي ذات السياق لا تزال دولة ناميبيا ترفض منح ستار لينك التراخيص اللازمة للعمل فيها لعدم التزامها بتوفير شريك محلي يمتلك حصة نسبتها 51% . [3]
2-الضغوط الأمريكية لدعم توسعات الشركة: لقد مارست الإدارة الأمريكية بزعامة الرئيس دونالد ترامب ضغوطًا على بعض الدول الأفريقية من أجل دعم عمليات توسع شركة ستار لينك، وذلك لتحقيق أهداف استراتيجية الولايات المتحدة المتعلقة بمنافسة النفوذ التكنولوجي الصيني والروسي في القارة، فضلا عن أن إيلون ماسك مالك شركة ستار لينك كان من المقربين للرئيس الأمريكي ترامب وقد قام بدعمه بملايين الدولارات خلال حملته الانتخابية، ولهذا فقد حاول ترامب رد الدعم له من خلال ممارسة ضغوط على بعض الدول الأفريقية التي تعوق عملية دخول ستار لينك إلى أسواقها، ومن بين تلك الدول ليسوتو؛ حيث استخدمت الإدارة الأمريكية التعريفات الجمركية كوسيلة ضغط عليها لكي تخضع لإيلون ماسك وتسمح لشركة ستار لينك بالعمل داخل أسواقها، حيث فرضت على ليسوتو أعلي نسبة تعريفات جمركية أمريكية في العالم بنسبة وصلت 50% ، وهو ما جعلها تتخلي عن رفضها السابق لستار لينك، حيث قامت بمنحها رخصة للعمل في السوق المحلي لمدة 10 سنوات، وفي المقابل تم تخفيف الرسوم الجمركية عليها لتصبح 10% بصورة مؤقتة مثل غيرها من الدول التي خفضت فيها الرسوم لمدة 90 يوم .[4]
ثالثًا- مزايا متعددة
يوجد مجموعة من المزايا الناجمة عن دخول شركة ستار لينك إلى دول القارة الأفريقية، ويمكن ذكرها فيما يلي:
1-توفير خدمات الإنترنت للمناطق النائية والريفية والمحرومة من خدمات الإنترنت، والتي لم تصل إليها خدمات الإنترنت المحلية، بسبب بعدها عن البنية التحتية للكابلات الأرضية، وأبراج إعادة البث، وهو ما يساعد على سد الفجوة الرقمية، ويفتح فرصًا جديدة للسكان للحصول علي الموارد التعليمية، والخدمات الحكومية الإلكترونية، والاقتصاد الرقمي، والتجارة الإلكترونية، فضلا عن التطبيب عن بعد، والصحة الإلكترونية . [5]
ويوضح الرسم البياني التالي أداء شبكة ستار لينك في بعض الدول الأفريقية في الربع الأول من عام 2025 :

Source : Omoleye Omoruyi : ” Starlink beats local ISPs in sub-Saharan Africa, but is it widening the digital divide? ” , (accessed on 21/7/2025) available on, https://technext24.com/2025/05/18/starlink-local-isps-sub-saharan-africa
2-تحفيز مقدمي خدمات الإنترنت المحليين داخل الدول الأفريقية علي تحسين خدمات الإنترنت المقدمة من جانبهم للسكان، مع تقديمهم لعروض أسعار أكثر مرونة، وهو ما يصب في صالح المستهلكين، ويجعل المنافسة في سوق الاتصالات المحلية والعالمية أكثر جدية.
3- التصدي لمشكلة انقطاع خدمات الإنترنت الناجمة عن انقطاع الكابلات البحرية الموصلة للإنترنت، مع تفادي مشكلة القطع المتعمد للخدمة في أوقات الأزمات، حيث كانت أفريقيا قد شهدت انقطاعين في الكابلات البحرية في فبراير ومارس 2024 مما أدى إلى قطع خدمات الإنترنت عن 11 دولة أفريقية .
رابعا- مخاطر اقتصادية وأمنية
رغم المزايا المتعددة التي توفرها ستار لينك بدخولها في دول القارة الأفريقية إلا أن هناك مجموعة من المخاطر الاقتصادية والأمنية الناجمة عن تواجدها في أسواق الاتصالات وخدمات الإنترنت في أفريقيا أبرزها ما يلي:
1-التأثير بالسلب على شركات الاتصالات الوطنية والمحلية التي تقدم خدمات الإنترنت داخل الدول الأفريقية، وذلك لعدم قدرتها على منافسة شركة ستار لينك، لكونها تعاني من سوء البنية التحتية، والأعباء البيروقراطية، والضرائب الحكومية المتعددة، مما يجعلها عاجزة عن منافسة شركة ستار لينك، وهو ما يهدد بهيمنتها علي سوق الاتصالات في جميع أنحاء القارة خلال الفترة المقبلة.
2- ضعف استثمارات شركة ستار لينك في البنية التحتية وعمليات التوظيف إلا بصورة ضعيفة، كما أنها لا تُسهم في مكافحة البطالة في أفريقيا لأنها لا توظف إلا عددًا قليلًا من السكان المحليين الأفارقة على حساب توظيف الأجانب التابعين لها الوافدين إلى القارة، على عكس شركات الاتصالات المحلية التي تستثمر مبالغ كبيرة في إنشاء ورفع وتطوير كفاءة البنية التحتية، بجانب توظيفها لآلاف الأشخاص المحليين . [6]
3-وجود مجموعة من المخاطر الأمنية تتمثل في احتمالات استخدام الشبكة في التجسس السيبراني على دول القارة الأفريقية بما فيها المؤسسات السيادية كالجيوش والمؤسسات الأمنية والمالية، والتحكم في الشبكة من خارج القارة وإمكانية استخدامها كسلاح لتعطيل كافة الخدمات المرتبطة بالإنترنت داخل الدول كعقوبة، بجانب استخدام الجماعات الإرهابية للشبكة في تنفيذ بعض عملياتها وخاصة في منطقة الساحل، فضلا عن استخدامها من قبل المتمردين في بعض المناطق التي تشهد حروبا وصراعات داخلية . [7]
وختامًا: يمكن القول إن المزايا التي توفرها شركة ستار لينك لدول القارة الأفريقية رغم أهميتها إلا أنه من المهم أن تسعى الدول الأفريقية لتنمية قطاعات الاتصالات وخدمات الإنترنت المحلية حتى تمنع ستار لينك من الهيمنة على الأسواق، مع ضرورة إبعاد المؤسسات الحيوية والهامة من الحصول على خدمات هذه الشركة تفاديا للمخاطر الأمنية مثلما فعلت نيجيريا حيث وفرت خدمات الإنترنت للوكالات الحكومية الرئيسية عبر الأقمار الصناعية المملوكة للدولة حفاظا على أمنها السيبراني وبياناتها المهمة والحساسة .
المراجع :
[1]-” All 46 African countries to get Starlink before South Africa ” , at , https://extensia.tech/all-46-african-countries-to-get-starlink-before-south-africa , 25/4/2025.
[2]-” Starlink in Africa: awards and arguments ” , at , https://developingtelecoms.com/telecom-technology/satellite-communications-networks/18366-starlink-in-africa-awards-and-arguments.html , 21/4/2025.
[3]-Kim Harrisberg ; ” Musk’s Starlink stalls in South Africa over equity laws ” , at , https://www.context.news/money-power-people/musks-starlink-stalls-in-south-africa-over-equity-laws , 10/3/2025 .
[4]-” US pushes nations facing tariffs to approve Musk’s Starlink, Washington Post reports ” , at , https://www.reuters.com/world/us/us-pushes-nations-facing-tariffs-approve-musks-starlink-washington-post-reports-2025-05-07 , 7/5/2025 .
[5]-Taha Sakr ; ” Starlink Expands Across Africa, Now in 18 Countries ” , at , https://africa.dailynewsegypt.com/starlink-expands-across-africa-now-in-18-countries , 13/4/2025.
[6]-Patricia R. Blanco ; ” Starlink satellites: Elon Musk’s other destabilizing power in Africa ” , at , https://english.elpais.com/economy-and-business/2024-12-06/starlink-satellites-elon-musks-other-destabilizing-power-in-africa.html , 6/12/2024.
[7]-Daniel Ugwu ; ” What are the security implications of Starlink expansion for Africa? ” , at , https://panafricanreview.com/what-are-the-security-implications-of-starlink-expansion-for-africa , 9/2/2023.





