كتبت – منى جمال شلقامي
باحثة ماجستير في العلوم السياسية – جامعة القاهرة
يُمثل انخراط كييف في أفريقيا تحوّلًا استراتيجيًا، يحوّل القارة إلى جبهة جديدة في التنافس الروسي الأوكراني المستمر، ومنذ تصاعد وتيرة الحرب في عام 2022، كثَّفت أوكرانيا جهودها لتعزيز حضورها الدبلوماسي في المنطقة، وقد تجسدت هذه الاستراتيجية في عدة محاور، فبعد أشهر قليلة من بدء الحرب، عيّنت كييف مبعوثًا خاصًا لأفريقيا والشرق الأوسط، وأطلقت منذ ذلك الحين استراتيجية تواصل مُركزة، وأجرت سلسلة من الزيارات الوزارية، فضلًا عن تضاعف عدد سفاراتها الأفريقية، وأطلقت أوكرانيا برنامجًا إنسانيًا بعنوان “حبوب من أوكرانيا” بتنسيق من برنامج الغذاء العالمي، استفاد منه حوالي )8(ملايين شخص تضرروا من أزمة الغذاء الناجمة عن الحرب في (12) دولة أفريقية.([1])
وانطلاقًا من ذلك، وفي خضم الصراع الروسي الأوكراني، الذي أفرز تحالفات جديدة وأعاد رسم خرائط النفوذ العالمية، تبرز موريتانيا كنقطة انطلاق غير متوقعة للصراع العالمي المتزايد بين روسيا وأوكرانيا، وتجدر الإشارة بأن أي تقارب بين نواكشوط وكييف يثير تساؤلات حول أسبابه ودوافعه، وما إذا كان يمثل خروجًا عن الأعراف السياسية السائدة في منطقة غرب أفريقيا، وبالتالي تهدف هذه الورقة إلى تحليل الأسباب والدوافع وراء التقارب المحتمل بين موريتانيا وأوكرانيا في سياق الصراع الروسي الأوكراني، واستكشاف تداعيات هذا التطور على المشهد السياسي الإقليمي والدولي.
أولًا: دوافع أوكرانيا للتقارب مع موريتانيا
تحتل موريتانيا مكانة إقليمية ودولية بارزة تمثلت في ترؤسها عددًا من المنظمات السياسية والاقتصادية والثقافية العربية والإسلامية والأفريقية، وفي تولي عدد من دبلوماسييها مناصب سامية في الأمم المتحدة ومنظمات إقليمية ودولية مرموقة، وقد برزت موريتانيا كلاعب استراتيجي محوري في المنطقة، بفضل موقعها الجغرافي الحيوي واستقرارها النسبي مقارنة بجيرانها.([2]) وتُعتبر موريتانيا دولة استراتيجية لكونها حلقة الوصل بين الساحل الأفريقي والمغرب العربي، وهي الدولة المؤسسة لتحالف دول الساحل الخمس، وتتمتع بوضع أمني مستقر ، على عكس الدول الأخرى.[3]
وفي خضم التوترات بين موريتانيا ومالي، قال مبعوث أوكرانيا إلى أفريقيا لوكالة “رويترز” في يونيو من العام الجاري 2025، إن كييف تعرض تقديم تدريبات عسكرية للقوات الموريتانية، في الوقت الذي تقوم فيه موسكو بنشر جنود ومرتزقة في العديد من دول غرب ووسط أفريقيا، وفي الوقت ذاته، تتواجد شركات التعدين الروسية بكثافة في منطقة الساحل، التي تعد مالي جزءًا منه، كما تدعم موسكو القوات الحكومية المالية مواجهة حركات التمرد “الطوارق”.([4])
وقد أكدت أوكرانيا في المقترح على استعدادها لمواصلة تدريب الضباط والممثلين عن القوات المسلحة الموريتانية، ويشمل التدريب مشاركة الخبرات والتقنيات العسكرية التي طورتها أوكرانيا في مواجهة روسيا. وفي هذا السياق، أشار مبعوث أوكرانيا في أفريقيا إلى أن أوكرانيا قدّمت تدريبًا مماثلًا لموريتانيا قبل الغزو الروسي([5]) وبالتالي يتضح أن هناك عدة دوافع رئيسية وراء عرض أوكرانيا الذي اقترحته على موريتانيا، وهي مواجهة النفوذ الروسي في أفريقيا والذي يشكّل تهديدًا لمصالحها، خاصًة وأن روسيا تستخدم مرتزقة وشركات تعدين للتأثير على الحكومات المحلية، فضلًا عن استغلال أوكرانيا التوترات بين موريتانيا ومالي، لتعزيز علاقاتها مع موريتانيا وتقديم الدعم العسكري كجزء من استراتيجية أوسع لمواجهة النفوذ الروسي، حيث تنظر كل من كييف وموسكو إلى أفريقيا كساحة صراع على الشرعية والنفوذ العالمي، فهي تسعى إلى تعويض التأخير الكبير الذي حققته في مواجهة عدوها الروسي في القارة الأفريقية.([6])
ثانيًا: دوافع موريتانيا لتعزيز قدراتها العسكرية
تُظهر التوترات الحدودية بين موريتانيا وجيرانها، خصوصًا في منطقة الساحل وشمال أفريقيا، حجم التحديات الأمنية التي تواجهها نواكشوط على المستويين الداخلي والخارجي، وقد أكدت هذه التوترات حاجتها الملحة إلى تعزيز قدراتها العسكرية بشكل متنامٍ، فبغضِّ النظر عن كونها ليست السبب الأوحد وراء توجّه موريتانيا الحالي نحو تطوير القوات المسلحة، إلا أن هذه الحوادث كشفت بوضوح أهمية المجال العسكري كوسيلة استراتيجية وأساسية لمواجهة التهديدات الأمنية المستمرة والمتزايدة في المنطقة.[7]
ومن هذا المنطلق، يمكن ربط ذلك بعرض أوكرانيا بتقديم تدريبات عسكرية للقوات الموريتانية في إطار صورة أكبر من التعاون الدفاعي والدبلوماسي، لتلبية هذا الاحتياج العسكري المتزايد، فاقتراح أوكرانيا لا يقتصر على مجرد نقل خبرة فنية وعسكرية، بل يأتي بهدف دعم موريتانيا في تقوية قدراتها لمواجهة التهديدات التي تتصل بالاضطرابات الإقليمية المتصاعدة، وخاصة في منطقة الساحل حيث تتداخل عدة أزمات، وتعكس السياسة الموريتانية رغبة في الاستفادة من هذا الوضع عبر استثمار وضعها المتميز نسبيًا مقارنًة بدول الساحل في تعزيز قدراتها الشاملة، بما يؤهلها لأن تتقدم تدريجيًا لتصبح “قطبًا ثالثًا” في الشمال الأفريقي.[8]
ثالثًا: موريتانيا وغياب التعليق الرسمي على عرض أوكرانيا
رغم حاجة موريتانيا إلى تعزيز قدراتها العسكرية، إلا أنه فيما يتعلق برد الفعل على مُقترح أوكرانيا بشأن تقديم تدريب عسكري للجنود الموريتانيين، لم تصدر موريتانيا حتى الآن قبولًا أو رفضًا رسميًا واضحًا لعرض أوكرانيا، بل ظل الطرف الموريتاني صامتًا ولم تستجب لطلب التعليق على هذا العرض،([9]) فضلًا عن أنها أكدت موقفها الحيادي وأعلنت عدم تورطها في أي صراع خارجي، كما نفت صحة الادعاءات حول مشاركة أراضيها أو قواتها في أي عمليات ضد دولة مالي المجاورة أو دعم المسلحين هناك. ([10])
وفي وقت سابق، نفي وزير الخارجية الموريتاني، وجود جنود أوكرانيين في بلاده، وقد أثار ذلك اهتمام المحللين، خاصًة مع سعي أوكرانيا لتقويض النفوذ الروسي في غرب أفريقيا، وقد يُفسر نفي الوزير للتعاون العسكري خلال لقائه مع نظيره الروسي على أنه تأكيد ضمني لوجود هذا التعاون، لا سيما بعد افتتاح السفارة الأوكرانية في نواكشوط، وتصريحات الوزير الموريتاني السابقة التي رحب فيها بالتعاون الوثيق مع أوكرانيا، واحتفائه بمكالمته الهاتفية الأولى مع نظيره الأوكراني ووصفه إياها بأنها “صنعنا التاريخ اليوم)”.[11]).
رابعًا: تداعيات محتملة للتقارب الأوكراني الموريتاني على المشهد الإقليمي والدولي
في سياق التقارب العسكري المحتمل بين أوكرانيا وموريتانيا، وفي حال نجاح مبادرة أوكرانيا، سيتوسع النفوذ الأوكراني والدعم العسكري لموريتانيا، وتأمل كييف فيما بعد في أن توسع شراكتها الدفاعية لتشمل دولًا أخرى في منطقة الساحل، هذا النجاح قد يمثل نموذجًا يمكن لأوكرانيا اتباعه لتعزيز نفوذها في المنطقة، وتكوين تحالفات جديدة لمواجهة النفوذ الروسي المتزايد. ([12]) فبينما تجتذب روسيا القادة الأفارقة بالأسلحة والمساعدات الأمنية والدبلوماسية البراغماتية، ترد أوكرانيا بالتعاون العسكري وسرديات النضال المشترك ضد الاستعمار، وذلك في ظل تراجع الدعم الغربي. ([13]) وقد تعتبر روسيا هذه السياسة جزءًا من محاولات أوكرانيا لفتح جبهة ثانية في الصراع ضدها خارج أوكرانيا، وبالتالي يشكل تهديدًا للمصالح الروسية، وقد تمارس روسيا ضغوطًا بأي شكل من الأشكال ضد هذا التقارب، وبالتالي تصاعد التوترات بينهما، واستمرار التوترات والتنافس على النفوذ في القارة الأفريقية.
أيضًا قد ينتج عن هذا التقارب تصاعد التوترات الإقليمية، وقد يؤدي هذا التعاون إلى تعقيد المشهد الأمني المتوتر بالفعل في إقليم الساحل؛ حيث تُعد منطقة الحدود بين موريتانيا ومالي واحدة من أبرز بؤر الاضطراب، حيث تتعدد فيها التهديدات الأمنية، وبالتالي احتمالية الانزلاق في مواجهات أكبر.[14]
وختامًا، يعكس التقارب المحتمل بين أوكرانيا وموريتانيا تحولات جيوسياسية كبيرة، فمن ناحية، تستغل أوكرانيا التوترات الإقليمية، وتراجع الدعم الغربي كفرصة لفتح جبهات جديدة ضد روسيا، لتعزيز نفوذها في أفريقيا عبر تقديم خبراتها العسكرية، ومن ناحية أخرى، يُعد هذا العرض فرصة لموريتانيا لتعزيز قدراتها العسكرية لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة في منطقة الساحل، مع الحفاظ على سياسة خارجية متوازنة تتجنب الانحياز الصريح، ورغم ذلك، فإن أي خطوات عملية نحو تعاون دفاعي بين نواكشوط وكييف قد تترتب عليها تداعيات إقليمية ودولية كبيرة، فضلًا عن أن مستقبل هذا التقارب سيعتمد بشكل كبير على قدرة موريتانيا على تحقيق مصالحها الأمنية دون أن تنجرف إلى صراعات تتجاوز حدودها الإقليمية.
[1] Suzanne Tisserand, “The Other Counter-Offensive: Ukraine’s Diplomatic Push in Africa.” European Council on Foreign Relations (ECFR), 2025, https://2u.pw/vYKKy.
[2] الوكالة الموريتانية للأنباء، https://2u.pw/lvcOV، تاريخ الدخول (1 أغسطس 2025)
[3] Nerea Belmonte. “Mauritania: moving ever closer to the West.” Atalayar, 2022, https://2h.ae/pkPL.
[4] Reuters, “Africa on a Shoestring, Ukraine Seeks Allies with Aid, Embassies.”, 2025, https://2u.pw/1vS0N.
[5] Ibid
[6] North Africa Post, “Ukraine steps up engagement in Africa to counter Russia’s influence in the Sahel, 2025, https://2u.pw/WkWWY.
[7] مركز المستقبل للدراسات المتقدمة، “توظيف التحالفات.. دوافع عسكرة الاستجابة الموريتانية لأزمات الحدود مع مالي.” 2024، https://2h.ae/fkbQ.
[8] المرجع السابق.
[9] Reuters, Op. cit.
[10] “أوكرانيا تسعى للتعاون العسكري مع موريتانيا في ظل تنامي النفوذ الروسي في افريقيا “، مجموعة الرؤية الاستراتيجية، 2025، https://2u.pw/nP7OQ.
[11] العربية، “تسعى للتقرب من حلفاء روسيا: هل أرسلت كييف عسكريين لموريتانيا؟”، 2024، https://2u.pw/t9a5r.
[12] Russia-Islworld.ru. “Ukraine seeks military cooperation with Mauritania amid growing Russian influence in Africa.”, 2025, https://2h.ae/LkPE.
[13] North Africa Post, Op. cit.
[14] مركز المستقبل للدراسات المتقدمة، مرجع سابق.





