تفويض بلا إجماع.. إثيوبيا بعد انتخابات يونيو ٢٠٢٦ ومستقبل النظام الحاكم

يوليو 22, 2026

إعداد: أحمد ياسر عبد العظيم

باحث بالشأن الأفريقي

جاءت الانتخابات العامة السابعة، التي أُجريت في الأول من يونيو 2026، محطةً لتثبيت موازين القوة القائمة أكثر منها لحظةَ انتقال سياسي؛ فقد دخل حزب الازدهار الحاكم السباق بتفوق تنظيمي واسع في مواجهة معارضة مجزأة، فيما كانت مناطق رئيسية من البلاد تعيش نزاعات مسلحة أو توترات ما بعد الحرب. ولذلك لا تُقاس دلالة هذه الانتخابات بعدد المقاعد وحده، بل بقدرتها على إنتاج تمثيل مقبول في دولة ما زالت فيها قضايا السلطة والهوية والأرض والعلاقة بين المركز والأقاليم موضع نزاع مفتوح. ومن هذه الزاوية تكشف النتائج عن مفارقة مركزية: سلطة اتحادية أشد تماسكًا برلمانيًا، في مقابل بيئة وطنية لم تزدد اندماجًا ولا توافقًا.

أعلن المجلس الوطني للانتخابات فوز حزب الازدهار بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد بـ438 مقعدًا من أصل 501 مقعد شملتها النتائج في مجلس نواب الشعب، وهي أغلبية تقارب تسعين بالمئة من المقاعد المتنافس عليها، وتتجاوز بفارق كبير عتبة الأغلبية البالغة 274 مقعدًا. ولم تكن مقاعد المجلس كلها، البالغ عددها 547 مقعدًا، مطروحة للاقتراع؛ إذ لم يُنظَّم التصويت في تيجراي وفي أجزاء من أمهرة. ووفق النتائج الرسمية بلغت نسبة المشاركة 94 بالمئة من أكثر من خمسين مليون ناخب مسجل، ويُنتظر أن ينعقد البرلمان الجديد في أكتوبر لإعادة انتخاب آبي أحمد لولاية جديدة مدتها خمس سنوات.

غير أن هذه الأرقام لا تعني أن العملية الانتخابية كانت شاملة على المستوى الوطني؛ فقد حالت الأوضاع الأمنية في أمهرة وأوروميا دون فتح 143 مركز اقتراع، وبقي إقليم تيجراي خارج الانتخابات للمرة الثانية على التوالي، بما حرم سكانه من التمثيل الاتحادي. وقبل إعلان النتائج النهائية، كانت الهيئة قد نظّمت التصويت في 1,139 دائرة اتحادية وإقليمية، واعتمدت نتائج 723 دائرة فيما ظلت نتائج أخرى قيد المراجعة والتدقيق، وتلقت شكاوى تخص 129 دائرة وأنشأت فريقًا مستقلًا للنظر في الشكاوى المتبقية. وتكشف هذه البيانات أن إدارة الانتخابات لم تكن مجرد عملية فرز أصوات، بل عملية مؤسسية معقدة جرت تحت ضغط أمني واعتراضات سياسية واسعة.

وقد جرت انتخابات مجلس نواب الشعب بنظام الأغلبية البسيطة في دوائر فردية، وهو نظام يضاعف بطبيعته مكاسب القوة الأكبر ويحوّل التفوق الانتخابي إلى هيمنة برلمانية. وشاركت في السباق عشرات الأحزاب وآلاف المرشحين، لكن هذا التعدد العددي لم يتحول إلى منافسة وطنية متكافئة؛ إذ لم يمتلك أي حزب معارض انتشارًا وطنيًا يضاهي حزب الازدهار، وقاطعت قوى بارزة في أوروميا السباق أو قلّصت مشاركتها بسبب العنف والقيود، ومُنعت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي من المشاركة بعد سحب وضعها القانوني. ومن ثم تعكس الأغلبية قوة الحزب الحاكم، لكنها تعكس أيضًا أثر النظام الانتخابي وتشتت البدائل واستبعاد قوى مؤثرة.

القيمةالمؤشر
547إجمالي مقاعد مجلس نواب الشعب
501المقاعد المطروحة للتنافس في 1 يونيو
486المقاعد التي صُدّقت نتائجها في 21 يونيو
438مقاعد حزب الازدهار
48مقاعد المعارضة والمستقلين
15دوائر أُلغيت نتائجها لإعادة الاقتراع
46 دائرة: 38 في تيجراي و8 في أمهرةدوائر لم تُجرَ فيها الانتخابات
94%نسبة المشاركة المعلنة رسميًا

المصادر: المجلس الوطني للانتخابات؛ رويترز؛ أسوشيتد برس؛ The Reporter Ethiopia

أولًا: تداعيات الانتخابات وحدود التفويض

أبرز تداعيات النتيجة انتقال حزب الازدهار من موقع الهيمنة القوية إلى وضع يكاد يخلو من أي قيد برلماني فعال؛ فالأغلبية الجديدة تتيح للحكومة تمرير التشريعات والموازنات وبرامج الإصلاح من دون مساومات ائتلافية، وتمنح المستثمرين والمؤسسات الدولية قدرًا من وضوح الاتجاه السياسي. لكن الوجه الآخر لهذه السهولة اتساع عجز المساءلة؛ إذ يغدو البرلمان أقل قدرة على مراجعة قرارات السلطة التنفيذية، ويزداد احتمال انتقال الاعتراض من المؤسسات الرسمية إلى الشارع أو الحركات المسلحة. ومن ثم فإن الاستقرار التشريعي الذي أنتجته الانتخابات لا يساوي بالضرورة استقرارًا سياسيًا أو اجتماعيًا.

كما من المتوقع اتساع الفجوة بين الشرعية القانونية والشرعية الوطنية. فمن الناحية الإجرائية أدارت الهيئة عملية واسعة، واستخدمت أدوات رقمية لتسجيل الناخبين وإدارة البيانات، وشاركت في المتابعة منظمات محلية وبعثات إقليمية. غير أن هذا التحديث الإداري اصطدم بتفاوت البنية الرقمية بين الأقاليم، وصعوبات التسجيل في المناطق الريفية ومناطق النزاع، وغياب التصويت عن دوائر كاملة. كما انصبّت التقييمات الإقليمية الإيجابية أساسًا على انتظام يوم الاقتراع، في حين رأت قوى معارضة أن البيئة السياسية الأوسع اتسمت بالخوف وعدم تكافؤ الفرص. وهكذا جددت الانتخابات شرعية المؤسسات القائمة، لكنها لم تنتج إجماعًا وطنيًا جديدًا حول قواعد الحكم.

ولم تحسم المراقبة الدولية الجدل حول المصداقية. فقد شاركت بعثتان من الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية في شرق أفريقيا «إيجاد»، لكن حضورهما ظل متركزًا في أديس أبابا ومحدود الانتشار قياسًا إلى اتساع البلاد ومناطق النزاع فيها. ورأت المعارضة أن التركيز على هدوء مراكز الاقتراع لا يلتقط القيود التي سبقت الحملات، ولا غياب قوى رئيسية، ولا مناخ الخوف في الأقاليم؛ في حين أكدت رئيسة المجلس الوطني للانتخابات حياد المؤسسة وعملها وفق القانون. ويعني ذلك أن تقييم الانتخابات ينبغي أن يفصل بين انتظام الإجراءات في المراكز التي فتحت أبوابها وعدالة المجال السياسي والجغرافي الذي سبق يوم التصويت.

الاحتمال الثالث يتمثل في إضعاف الحافز السياسي لتقديم تنازلات للخصوم. فالحكومة التي خرجت بأغلبية كاسحة لم تعد بحاجة إلى شركاء برلمانيين، في حين عجزت المعارضة، رغم تعدد أحزابها ومرشحيها، عن بناء قوة وطنية موحدة؛ فهي تعددية في الشكل، لكنها مجزأة تنظيميًا ومقيدة أمنيًا وغير متكافئة في الموارد والوصول إلى الناخبين. وفي تيجراي وأوروميا وأمهرة تتجاوز الخصومة أصلًا حدود التنافس الحزبي إلى نزاع حول الحكم الذاتي وحدود السلطة الاتحادية والتمثيل والسلاح. وبذلك قد تتحول الأغلبية، إذا استُخدمت بديلًا عن التوافق، من مصدر قدرة حكومية إلى عامل يعمّق شعور الأطراف بالتهميش.

وعلى صعيد التداعيات الإقليمية، فقد يخفض توطيد السلطة داخليًا الكلفة السياسية المحلية للسياسات الخارجية الأكثر حزمًا. فالانتخابات لم تغيّر أهداف أديس أبابا المتصلة بالوصول إلى البحر أو إدارة علاقاتها المتوترة مع إريتريا والسودان، لكنها منحت القيادة مساحة أوسع للتحرك من دون معارضة برلمانية مؤثرة. ولأن الاستقرار الداخلي الإثيوبي يعمل كمتغير حاسم في استقرار القرن الأفريقي كله، فإن تركيز السلطة قد يفضي إلى مفارقة متمثلة في قدرة أكبر على اتخاذ القرار، مع احتمال أعلى لتشكّل تحالفات إقليمية مضادة وارتفاع مخاطر التصعيد.

ثانيًا: ملامح حكم آبي أحمد وحزب الازدهار

الملمح الأول للمرحلة الجديدة هو ترسيخ نموذج الحزب المهيمن المرتبط بالدولة. فقد أنشأ آبي أحمد حزب الازدهار عام 2019 من دمج الأحزاب الإقليمية التي كانت تشكل الائتلاف الحاكم السابق، وقدّم المشروع بوصفه إطارًا وطنيًا يتجاوز الانقسامات الإثنية. غير أن الحزب استفاد كذلك من امتداده الإداري ونفوذه الواسع في مؤسسات الدولة، بينما ظلت المعارضة منقسمة على أسس قومية وإقليمية وأيديولوجية. وتدل النتيجة على أن النظام لن يتحول في المدى القريب إلى تنافس حزبي متوازن، بل سيحتفظ بتعددية محدودة تعمل داخل مجال يرسم الحزب الحاكم حدوده العملية.

وسيظل احتواء المعارضة المدنية ملفًا قائمًا بذاته. فقد واجهت قوى أورومية وأمهراوية وقومية أخرى قيودًا على المقار والحملات، واتهمت أحزابٌ الحكومةَ باعتقال مرشحين أو حرمانهم من فرص متساوية، بينما امتنعت شخصيات معارضة بارزة عن خوض الانتخابات ووصفتها بأنها غير حرة. وفي المقابل، سمح خفض شروط المشاركة بوجود عشرات الأحزاب، بما أتاح للحكومة إظهار قدر من التعدد لا يهدد سيطرتها. ولذلك يرجح أن يستمر نمط «الانفتاح المنضبط» الذي يسمح بتمثيل محدود وانتقادات لا تتحول إلى منافسة على السلطة، مع استخدام القانون والأمن في مواجهة القوى التي تعدّها الحكومة مرتبطة بالعنف أو مهددة لوحدة الدولة.

الملمح الثاني هو استمرار إعادة توزيع السلطة لمصلحة المركز الاتحادي. فقد ارتبط صعود آبي بمشروع لتقوية المركز وإعادة تشكيل نظام تقاسم السلطة بين القوميات، بعد عقود من الفيدرالية الإثنية التي منحت الأقاليم صلاحيات واسعة رسميًا. والمسار الأرجح ليس إلغاء البنية الفيدرالية دستوريًا، بل الإبقاء عليها شكليًا مع انتقال مزيد من السلطة الفعلية إلى الحكومة الاتحادية. وقد توفر لجنة الحوار الوطني غطاءً لمناقشة تعديلات تزيد نفوذ السلطة التنفيذية وتحد من الاستقلال الفعلي للأقاليم، فيما تزيل الأغلبية البرلمانية العقبات التشريعية أمام هذا الاتجاه.

غير أن المركزية لن تُنهي التعبئة القومية بمجرد إعادة هندسة المؤسسات. فحرب تيجراي اندلعت أصلًا في سياق صدام بين سلطة إقليمية والحكومة الاتحادية حول توقيت الانتخابات وحدود الاختصاص، كما ترتبط تمردات فانو في أمهرة وجيش تحرير أورومو في أوروميا، بدرجات متفاوتة، بخلافات حول شروط النظام الفيدرالي وشعور جماعات بالتهميش. ولهذا فإن تقليص الحكم الذاتي من دون تسوية سياسية حقيقية قد يزيد التوتر بدل تجاوزه. والمتوقع بالتالي أن يحافظ الحكم على شكل فيدرالي معلن، مع ممارسة مركزية متزايدة تتفاوت شدتها بحسب قدرة الحكومة على السيطرة والتفاوض في كل إقليم.

الملمح الثالث هو الجمع بين التحرير الاقتصادي واستمرار الدولة القائدة. فمنذ 2019 تبنت الحكومة برنامج الإصلاح الاقتصادي المحلي، ففتحت قطاعات أمام رأس المال الخاص والأجنبي، وخففت قيود النقد الأجنبي، وعوّمت العملة، وسمحت بدخول شركة سفاريكوم إلى قطاع الاتصالات. ومع ذلك يظل حزب الازدهار ذا توجه دولتي؛ إذ تحتفظ الدولة والحزب بنفوذ حاسم على الأرض والمؤسسات الاستراتيجية والتدفقات المالية. وعليه ستواصل الحكومة استخدام التحرير لجذب الاستثمار والتمويل، من دون التخلي عن السيطرة على الأدوات الاقتصادية المرتبطة بالنفوذ السياسي.

الملمح الرابع هو الاعتماد على شرعية الإنجاز التنموي والمشروعات الكبرى. فقد جعل حزب الازدهار النمو الاقتصادي وتحسين الأمن الغذائي وتطوير البنية الأساسية وإعادة تشكيل أديس أبابا عناصر مركزية في خطابه الانتخابي، وقد نما الناتج المحلي بنسبة 9.2 في المئة في السنة المالية 2024-2025، مع بقاء إثيوبيا بين الدول الأفقر في المنطقة. ولذلك ستسعى الحكومة إلى تقديم الطرق والمطارات والطاقة والمشروعات الحضرية دليلًا ملموسًا على فاعلية الحكم، خصوصًا في ظل ضعف التنافس الحزبي. غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيتوقف على وصول ثمار النمو إلى الأسر، لا على المؤشرات الكلية وحدها.

الملمح الخامس هو أولوية الأمن على الانفتاح السياسي حين يتعارض الاثنان. فقد دخل آبي السلطة عام 2018 بخطاب إصلاحي وسّع المجال السياسي في بدايته، لكن حرب تيجراي وتعدد النزاعات الداخلية صاحبهما توسع في الدور السياسي والأمني للسلطة التنفيذية. واتهمت أحزاب معارضة الحكومة باعتقال قياداتها ووضع عراقيل قانونية أمام نشاطها، بينما نفت الحكومة هذه الاتهامات وربطت تعطل الانتخابات بهجمات الجماعات المسلحة. ويوحي شكل المرحلة الجديدة بتعددية مسموح بها ما دامت لا تعطل مركز القرار، وباستخدام خطاب الحفاظ على وحدة الدولة لتبرير استمرار الأدوات الأمنية في مواجهة الخصوم المسلحين والسياسيين على السواء.

ثالثًا: الملفات الرئيسة وسياسات التعامل المتوقعة

سيكون ملف أمهرة وأوروميا الاختبار الأمني الأول. ففي أمهرة حافظت جماعات فانو على وجودها وسيطرتها في مناطق ريفية منذ 2023، وفي أوروميا استمرت المواجهات بين القوات الحكومية وجيش تحرير أورومو، بما تسبب في مقتل المئات خلال السنوات الماضية وتعطيل الاقتراع في مناطق من الإقليمين. وليس في الأفق ما يدل على تسوية سياسية شاملة وشيكة؛ بل إن نجاح الإصلاح الاقتصادي يمنح الحكومة موارد إضافية لتمويل الرواتب والتسليح والعمليات الشرطية والعسكرية. ومن ثم فإن المسار الأرجح هو استمرار الضغط الأمني ومحاولات إضعاف الجماعات المسلحة، مع بقاء جذور النزاع المتعلقة بالتمثيل والفيدرالية من دون حسم.

وقد تحقق هذه المقاربة قدرًا من الاستقرار العملياتي في المدى القصير، لكنها تحمل خطرًا بنيويًا. ففانو وجيش تحرير أورومو لم يحققا سيطرة استراتيجية شاملة، لكنهما احتفظا بالتنظيم وبالقدرة على تعطيل الطرق والانتخابات والحياة العامة، كما أن إغلاق المجال المؤسسي أمام الاعتراض قد يدفع المعارضة إلى قنوات غير رسمية أو مسلحة. ولهذا يُتوقع أن يتحسن موقف الحكومة ميدانيًا بصورة محدودة، فيما يتفاقم الخطر الأمني طويل المدى إذا استُخدمت النتيجة الانتخابية دليلًا على انتفاء المظالم بدل التعامل معها. وستقاس فاعلية الحكومة بقدرتها على الجمع بين استعادة الأمن وفتح مسارات سياسية حقيقية، لا بمجرد خفض مستوى الهجمات.

ويمثل تيجراي أخطر الملفات، لأن أزمة الإقليم تجمع بين إرث حرب مدمرة واتفاق سلام ناقص التنفيذ وتنازع على السلطة والأرض والتمثيل. فقد أنهى اتفاق بريتوريا عام 2022 الحرب رسميًا، لكن بنودًا أساسية فيه ظلت غير منفذة، واستمرت قضايا النازحين ونزع السلاح والأراضي المتنازع عليها من دون حل. وفي 2026 أعادت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي هياكل الحكم السابقة بقيادة دبرصيون جبرميكائيل، متحدية الإدارة الانتقالية المدعومة اتحاديًا، بينما لم تجرِ الانتخابات في الإقليم. وتؤشر هذه التطورات إلى أن الإقصاء الانتخابي أصبح جزءًا من أزمة النظام السياسي لما بعد الحرب، لا مجرد مشكلة لوجستية.

وفي التعامل مع تيجراي يبرز مساران متنافسان: الأول العودة إلى التفاوض وتنفيذ اتفاق بريتوريا، وهو الأقل كلفة على الدولة والإقليم؛ والثاني استخدام التفويض البرلماني لتشديد الضغط على الجبهة وإعادة فرض ترتيب سياسي من المركز. غير أن الأغلبية قد تقلل حافز آبي لتقديم تنازلات، ومحاولة حسم الأزمة بالقوة قد تعيد الحرب وتستدعي إريتريا إلى الصراع؛ بل تتصاعد أصلًا المخاوف من أن يوظف رئيس الوزراء توطيد سلطته لمعالجة صراع تيجراي بصورة نهائية. لذلك سيظل تجنب التصعيد مرهونًا بإحياء التفاوض، لا بالاعتماد على اختلال ميزان القوة البرلماني.

أما الملف الاقتصادي فهو المصدر الأهم لشرعية الحكومة اليومية. فقد أنتجت الإصلاحات تحسنًا في الاحتياطيات والصادرات وميزان المدفوعات، وانخفض التضخم من ذروته ليستقر قرب 12 بالمئة. غير أن المكاسب جاءت غير متساوية؛ إذ استفاد منها المصدّرون والبنوك والشركات كثيفة رأس المال أكثر من المواطنين الذين يواجهون ضغوط المعيشة، فيما ترفع النزاعات الإنفاق العسكري وتسبب النزوح وتزيد مخاطر الاستثمار. ومن ثم فإن التحدي ليس استمرار النمو فحسب، بل منع اتساع الفجوة بين الاقتصاد الرسمي المزدهر وتجربة الأسر اليومية في الأسعار والدخل والخدمات.

وتوفر الفترة التالية للانتخابات للحكومة فرصة سياسية لإطلاق نسخة محدثة من برنامج الإصلاح الاقتصادي المحلي. والمتوقع تسريع الإجراءات التي سبق الالتزام بها، مثل تحرير قطاعات إضافية وجذب الاستثمار، مع تباطؤ الإصلاح كلما هدد السيطرة السياسية على الأرض أو الشركات الاستراتيجية أو التمويل. ويعني ذلك استمرار نموذج مزدوج يقوم على سوق أكثر انفتاحًا في الخطاب وفي بعض القطاعات من جهة، ودولة قوية في مراكز القرار الاقتصادي من جهة ثانية. وستحاول الحكومة تعويض الكلفة الاجتماعية عبر إبراز النمو والمشروعات العامة، لكن استمرار غلاء المعيشة أو التفاوت بين العاصمة والأقاليم قد يحوّل الإصلاح نفسه إلى مصدر جديد للاحتقان.

وتبقى الفيدرالية والحوار الوطني الملف الدستوري الأعمق. فقد أُنشئ حزب الازدهار أصلًا لتجاوز بنية الائتلافات الإقليمية القائمة على القومية، بينما لا تزال قطاعات واسعة ترى في الحكم الذاتي الإقليمي ضمانة ضد هيمنة المركز. ومن المرجح أن تناقش لجنة الحوار الوطني تغييرات تعزز السلطة التنفيذية وتقلص الاستقلال دون الوطني، غير أن العملية تواجه مشكلة تمثيل القوى المسلحة والمعارضة المقيدة أو الممتنعة عن المشاركة. ولذلك يُرجح أن تستخدم الحكومة الحوار لإضفاء شرعية على إعادة ترتيب العلاقة بين المركز والأقاليم، لكن قدرته على إنتاج استقرار ستتوقف على شمول الخصوم الحقيقيين، لا على موافقة القوى الموجودة داخل المجال الرسمي وحدها.

وعلى صعيد السياسة الخارجية سيظل الوصول إلى البحر الأحمر هدفًا مركزيًا. فإثيوبيا تعتمد في معظم تجارتها على جيبوتي، وقد وصف آبي الحصول على منفذ بحري بأنه ضرورة وجودية، بينما أثارت مذكرة التفاهم مع إقليم صوماليلاند الانفصالي عام 2024 اعتراض الصومال ودفعت إلى اصطفاف مضاد ضم إريتريا والصومال ومصر. وقد دفعت الوساطة التركية إثيوبيا إلى التراجع عن المذكرة من دون تأكيد إلغائها. وبعد الانتخابات تقل القيود الداخلية على مواصلة هذا الهدف، بما يرجح استمرار الضغط الدبلوماسي والبحث عن ترتيبات تجارية أو سيادية، مع تجنب إعلان التخلي عن الطموح البحري.

وتبقى إريتريا أخطر نقطة احتكاك في هذا الملف. فقد تدهورت العلاقة التي منحت آبي جائزة نوبل للسلام عام 2019، وترى أسمرة في الحديث عن ميناء عصب تهديدًا لسيادتها، بينما تتهم أديس أبابا إريتريا بدعم جماعات معادية لها، وهي اتهامات تنفيها أسمرة. ويزيد التداخل مع ملف تيجراي الخطر؛ فالتحالف الإثيوبي-الإريتري الذي قام خلال الحرب السابقة انهار، وبات أي حسم عسكري اتحادي في الإقليم قابلًا للتحول إلى مواجهة إقليمية. لذلك قد تجمع حكومة آبي بين خطاب بحري حازم ومحاولة إبقاء النزاع تحت مستوى الحرب، لكن هامش الخطأ سيظل ضيقًا للغاية.

ويضيف السودان طبقة أخرى من عدم اليقين. فقد تبادلت أطراف سودانية وإثيوبية اتهامات بدعم خصوم مسلحين، وأثيرت شبهات حول صلة الأراضي الإثيوبية بعمليات مساندة محتملة لقوات الدعم السريع، مع بقاء الأدلة محل نزاع وغير حاسمة. ويتشابك الملف كذلك مع حدود الفشقة وبني شنقول-قمز، ومع مخاوف من تحول السودان قاعدةً لقوى معادية لأديس أبابا. ولأن هذه الادعاءات لم تُحسم، لا يمكن اعتبار التدخل الإثيوبي المباشر حقيقة ثابتة؛ لكن المؤكد أن استمرار الحرب السودانية يجعل الحدود الغربية ساحة ضغط، ويفرض على الحكومة موازنة الأمن الحدودي مع تجنب الانزلاق إلى حرب بالوكالة.

وأمام هذه الملفات ستعتمد الحكومة رواية سياسية موحدة مفادها أن الدولة تواجه جماعات مسلحة تعطل الطرق والاقتراع، وأن قوة المركز شرط لحماية الاستقرار واستمرار التنمية. وقد اتهم مكتب رئيس الوزراء فانو وجيش تحرير أورومو بمحاولة تقويض الانتخابات، بينما رفضت الحركتان العملية وفرضتا قيودًا على الحركة في مناطق نفوذهما. وتوفر هذه الرواية أساسًا لتوسيع الإجراءات الأمنية، لكنها لا تلغي أن النزاعات مرتبطة أيضًا بمطالب سياسية وفيدرالية. وكلما قُدمت المشكلة باعتبارها أمنية فقط، زاد خطر أن يتحول غياب التسوية إلى مبرر دائم للمركزية، وأن تبقى الانتخابات منفصلة عن مناطق واسعة لا تخضع للسلطة الاتحادية بصورة مستقرة.

وختاما تمنح انتخابات 2026 آبي أحمد وحزب الازدهار قدرة حكم واسعة، لكنها لا تمنحهما تلقائيًا تفويضًا لحسم النزاعات الوطنية من طرف واحد. فالأغلبية تزيل العوائق التشريعية أمام الإصلاح الاقتصادي وتقوية المركز وتنفيذ السياسات الخارجية، لكنها جاءت في انتخابات غابت عنها تيجراي وأجزاء من أمهرة وأوروميا، وفي مناخ اشتكت فيه المعارضة من التضييق وعدم تكافؤ الفرص. ولذلك ستتحدد قيمة التفويض بقدرته على تحويل القوة البرلمانية إلى تسويات سياسية وخدمات وفرص اقتصادية، لا بمجرد استخدامه لتعزيز السلطة التنفيذية.

والسيناريو الأرجح هو استمرار حكم مركزي قوي يحتفظ بالبنية الفيدرالية رسميًا، ويمضي في تحرير اقتصادي انتقائي تقوده الدولة، ويعطي الأولوية للضغط الأمني على فانو وجيش تحرير أورومو، مع بقاء تيجراي نقطة الفصل بين التسوية والحرب. وخارجيًا سيستمر السعي إلى منفذ بحري في بيئة تتزايد فيها حساسية إريتريا والسودان والصومال ومصر تجاه تحركات أديس أبابا. وهكذا لا تكمن المعضلة الأساسية في قدرة آبي على اتخاذ القرار، فالانتخابات زادت هذه القدرة فعلًا، بل فيما إذا كان سيستخدمها لتوسيع التوافق أم لتقليص المساحات المتبقية للتفاوض.

قائمة المصادر

  1. Cosatti, Sara, and Federico Donelli. “Ethiopia’s 2026 Election: Credibility, Inclusion and Legitimacy at Stake.” Istituto per gli Studi di Politica Internazionale (ISPI), May 29, 2026.
  2. Stanley, Aaron. “After the Supermajority: Ethiopia’s Trajectory Following the 2026 Election.” Critical Questions. Center for Strategic and International Studies (CSIS), June 18, 2026.
  3. Bigg, Matthew Mpoke. “What to Know About Ethiopia’s Election.” The New York Times, June 1, 2026.
  4. “NEBE Approves Results from 723 Constituencies.” Ethiopian News Agency (ENA), June 17, 2026.
  5. Moges, Kaleb. “Ethiopia PM’s Party Wins Landslide as Fears Grow of New Conflict.” BBC News, June 21, 2026.
  6. Associated Press. “Ethiopia’s Ruling Party Retains Parliamentary Majority in Election Marred by Insecurity.” AP News, June 21, 2026.
  7. شيماء البكش. “الانتخابات الإثيوبية 2026 بين التحديث الإجرائي ومحدودية الشمول السياسي.” المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 13 يونيو 2026.