تحالف المعارضة المسلحة في إثيوبيا.. هل تتجه البلاد نحو مواجهة شاملة لإسقاط حكومة آبي أحمد؟

سبتمبر 22, 2026

كتب – عاطف محمود دبل

باحث في العلوم السياسية

تمر إثيوبيا بمنعطف بالغ الدقة في مسار أزمتها الأمنية والسياسية المتفاقمة منذ اندلاع الحرب الأهلية في تيجراي، إذ لم يعد التحدي الذي تواجهه حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد مقتصرًا على مواجهة جبهات مسلحة متفرقة تعمل كل منها في نطاقها الإقليمي المحدود، بل بات يتمثل في ظهور تحالف معارض متعدد الأطراف، يحمل اسم “تسيمدو”، يسعى إلى توحيد جهود فصائل مسلحة تحت هدف سياسي وعسكري مشترك يتمثل في إزاحة الحكومة القائمة. وينطلق هذا التطور في سياق تصعيد ميداني متعدد الجبهات، بدا واضحًا في تجدد الاشتباكات على الحدود مع تيجراي وأمهرة، واتساع رقعة تمرد فانو وتعطيله للعملية الانتخابية الفيدرالية، فضلًا عن الديناميكيات المتقلبة والمتناقضة أحيانًا التي تحكم موقف (جيش تحرير أورومو). وفي ضوء هذا المشهد المتشابك، يسعى المقال إلى استشراف المسارات المحتملة التي قد تفضي إليها هذه المواجهة المتصاعدة.

التحول في بنية المعارضة الإثيوبية المسلحة عبر تحالف “تسيمدو”

في 15 أغسطس 2026، أعلن “زيميني كاسي”، رئيس حركة (أمهرة فانو الوطنية)، عن اختتام مفاوضات استمرت من سبعة إلى ثمانية أشهر مع سبع قوات مسلحة أخرى على الأقل، من فصائل من تيجراي وأوروميا والصومال وبني شنقول-جوموز والسودان.

وحدّد “كاسي” هدفين للتحالف الناشئ: هدفًا فوريًا يتمثل في إزاحة رئيس الوزراء آبي أحمد، وهدفًا طويل الأمد يتمثل في بناء دولة “تكون صالحة للعيش فيها بعد سقوط آبي أحمد”.

وأشار إلى أن فانو تحشد مئات الآلاف من المقاتلين تحت قيادة موحدة، وتسيطر على أكثر من 80% من ريف أمهرة وعشرات البلدات الصغيرة، وقد اشتبكت مع عشر من أصل ثلاث عشرة قيادة عسكرية نشرتها الحكومة الاتحادية ضدها.

اكتسب هذا الإعلان زخمًا متصاعدًا خلال الأيام التالية؛ وفي 17 أغسطس أعلنت (جبهة تحرير أوغادين الوطنية) أنها ستتعاون بشكل كامل مع القوى الساعية إلى تغيير حقيقي.

وفي 18 أغسطس، نشرت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية ردًا مطولًا رفضت فيه مزاعم “كاسي” الإقليمية، لكنها أقرّت في الوقت ذاته بأن فانو باتت جزءًا من شبكة متعددة الأطراف تُعرف باسم “تسيمدو”، وهو ما يمثل، رغم صيغة النفي، نوعًا من التأكيد الضمني لوجود التحالف وتسميته.[1]

انتقال التحالف من طور التعاون غير الرسمي إلى بنية مؤسسية

في سبتمبر الجاري، أكد “ديبريتسيون جبريميكائيل”، رئيس حكومة تيجراي، أن التحالف المشكَّل مع قوى سياسية ومعارضة أخرى أصبح مؤسسيًا ولا رجعة فيه، وله قيادته وخططه واتفاقيته الموقعة، مشيرًا إلى أن التحالف تجاوز مرحلة التعاون غير الرسمي وبات يعمل وفق هيكل تنظيمي معتمد، مع توقع انضمام قوات إضافية إليه مستقبلًا.

وأوضح أن التحالف لم يُؤسَّس فقط لمواجهة الحكومة الفيدرالية التي يقودها (حزب الازدهار)، بل استهدف أيضًا توفير إطار للتعاون يتجاوز الأهداف السياسية والأمنية المباشرة التي يشترك فيها أعضاؤه، مضيفًا: “مصالحنا ليست متطابقة، فلكل منا مصالحه الخاصة، ولكن على الأقل لدينا شيء مركزي واحد يربطنا”.[2]

تتجسد ملامح التحالف الناشئ ميدانيًا من خلال خلفية من تصاعد التطورات الأمنية على جبهات متعددة

تشهد الساحة الإثيوبية حاليًا تصعيدًا متزامنًا على عدة جبهات، أبرزها: تيجراي وأمهرة وأوروميا، بما يعكس اتساع نطاق المواجهة المسلحة مع الحكومة الفيدرالية وتعدد أطرافها.

جبهة تيجراي:

بدأت التطورات الأخيرة في الأول من أغسطس 2026، حين اشتبكت قوات دفاع تيجراي بقيادة (جبهة تحرير شعب تيجراي) مع قوات الدفاع الوطني الإثيوبية و(كتيبة تيكيزي زيب) وشرطة مكافحة الشغب في منطقة أمهرة، قرب الحدود الإثيوبية السودانية في شيررينا، قبل أن تسيطر قوات الدفاع الوطني الإثيوبية على المنطقة بعد معركة استُخدمت فيها المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة.

وأعقب القتال حشدٌ وانتشارٌ إضافيان لقوات دفاع تيجراي في مواقع متعددة ضمن منطقتي رايا ألاماتا وأوفلا في تيجراي الجنوبية، كما عزّزت هذه القوات مواقعها على طول الحدود الإقليمية بين تيجراي وعفار، بما في ذلك مناطق أراغوري وتونسا وبيسوبر.

وفي العاشر من أغسطس، استهدفت أربع غارات جوية على الأقل بطائرات مسيّرة تابعة لقوات الدفاع الإثيوبية الكتيبة 26 من قوات دفاع تيجراي في منطقة ميروا، على بُعد نحو 45 كيلومترًا جنوب غرب مدينة ألاماتا، لكن عناصر الكتيبة كانوا قد أقاموا مواقع محصّنة حول ميروا قبل أيام من الغارات. [3]

جبهة أمهرة:

رغم تركّز الاهتمام على تيجراي، لا تزال قوات الأمن الفيدرالية الإثيوبية منخرطة انخراطًا راسخًا في إقليم أمهرة، حيث لم يقتصر تمرد فانو على الصمود، بل ازداد حدة؛ ففي يناير 2026 توحدت عدة جماعات رئيسية من فانو لإطلاق حركة (أمهرة فانو الوطنية)، وهو توحيد جعل الحركة أكثر تنسيقًا.

وبين مارس ومايو 2026، ارتفع المعدل الشهري لهجمات فانو بأكثر من 50% مقارنة بالربع السابق من العام، وخاض مقاتلوها معارك في بلدات على الطرق السريعة المؤدية إلى بحر دار عاصمة الإقليم.

كما سُجّلت خلال الأسبوع الممتد من 1 إلى 7 يونيو اشتباكات في أكثر من 64 إدارة محلية موزعة على 12 منطقة، متداخلة مباشرة مع فترة الانتخابات الفيدرالية. وقد عرقلت قوات فانو الاستعدادات لهذه الانتخابات في أنحاء الإقليم، ورفضت حركة (أمهرة فانو الوطنية) رسميًا شرعية انتخابات يونيو 2026، بحجة أن النزاع المسلح والنزوح الجماعي وخوف المدنيين جعل المشاركة الديمقراطية الحرة مستحيلة. [4]

جبهة أوروميا:

تشهد أوروميا تطورًا تكتيكيًا لافتًا يتمثل في تعاون ميداني غير مسبوق بين (جيش تحرير أورومو) وقوات الأمن الحكومية ضد فانو، بالتزامن مع استمرار (جيش التحرير) في تنفيذ عمليات منفصلة ضد الحكومة.

في 8 أغسطس، في منطقة جيدا أيانا ويدا بشرق ووليجا في أوروميا، اشتبكت قوات (كوماندوز أوروميا جادا) وميليشيا (كيبيلي) المحلية مع عناصر من (جيش تحرير أورومو) بقيادة “جال موسي”، ضد ميليشيات فانو، في تحول تكتيكي ملحوظ يمثل أول تنسيق ميداني بين مقاتلي جيش تحرير أورومو وقوات الأمن الحكومية. وهو ما يعكس سيولة التحالفات وتعدد الأطراف الفاعلة في المشهد الإثيوبي. لكن من ناحية أخرى، لم يمنع هذا التنسيق (جيش تحرير أورومو) من مواصلة عملياته ضد الحكومة في جبهات أخرى.[5]

ففي الرابع من سبتمبر، نفّذت الجماعة هجومًا على منجم تولو كابي للذهب أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص. وبالعودة إلى 29 مايو، فقد تم رصد تحركات مسلحة لأول مرة في منطقة ديليتا تشافا، ما استدعى نشر عناصر من الميليشيات المحلية ووحدات من شرطة مكافحة التمرد في أوروميا، واندلعت اشتباكات أخرى بين قوات الأمن والجماعة المسلحة تعرض فيها العديد من المدنيين للهجوم.

وقد نفى (جيش تحرير أورومو) تورطه في أعمال العنف، واتهم السلطات الفيدرالية وسلطات إقليم أوروميا بتدبير التوترات الطائفية واستغلال الاضطرابات التي أعقبت الانتخابات الأخيرة، زاعمًا أن مسؤولين حكوميين أثاروا الانقسام بين الناس بشكل ممنهج في المنطقة. [6]

إثيوبيا على مفترق طرق: ثلاثة مسارات محتملة لمصير تحالف “تسيمدو” ومستقبل حكم آبي أحمد

يظل المشهد الإثيوبي قابلًا للعديد من الاحتمالات المتباينة، والتي تتحكم فيها عوامل التماسك الداخلي للتحالف، وقدرة الحكومة الفيدرالية على المناورة العسكرية والسياسية، وسيولة الولاءات بين الفاعلين المسلحين أنفسهم. وفي هذا الإطار، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتطور هذه الأزمة:

نجاح التحالف في تحقيق زخم عسكري وسياسي كافٍ لإسقاط الحكومة

يفترض هذا السيناريو أن يترجم “تسيمدو” الطابع المؤسسي الذي أُعلن عنه إلى تنسيق عملياتي فعلي بين جبهاته المتعددة، بحيث يتحول التصعيد المتزامن الحاصل حاليًا على الجبهات المتعددة من ضغط متوازٍ إلى ضغط متضافر يُنهك قدرة قوات الدفاع الوطني الإثيوبية في آن واحد على كل الجبهات. ويستند هذا الاحتمال إلى مؤشرات ميدانية قائمة بالفعل، من بينها سيطرة فانو على أكثر من 80% من ريف أمهرة، وقدرتها على تعطيل الانتخابات الفيدرالية في 64 إدارة محلية، إضافة إلى إعلان (جبهة تحرير أوغادين الوطنية) انضمامها إلى القوى الساعية إلى التغيير، وهو ما يوسّع نطاق التحالف، ويشجع المزيد من الجماعات للانضمام.

تفكك التحالف من الداخل قبل تحقيق أهدافه المعلنة.

يستند هذا السيناريو إلى قراءة نقدية قائمة على تاريخ تحالفات (جبهة تحرير شعب تيجراي)، والتي تنتهي بالطريقة نفسها؛ استغلال الشريك، ثم إخضاعه وتحييده؛ فـقد دخلت الجبهة في حرب مع (جبهة تحرير شعب إريتريا) التي أنشأتها في البداية، و(جبهة تحرير أورومو) التي انضمت إلى حكومة مع التيجراي كان مصيرها السجن والنفي، والحركات التي أُنشئت كأدوات مثل (حركة الديمقراطية الوطنية الأندلسية) و(حركة تحرير شعب أورومو الديمقراطية) و(حركة تحرير شعب جنوب شرق آسيا) كانت مكافأتها التهميش. [7]

ووفق هذا المنطق، فإن تصريح “ديبريتسيون” نفسه بأن “مصالحنا ليست متطابقة، فلكل منا مصالحه الخاصة” يحمل في طياته إقرارًا ضمنيًا بهشاشة الرابط الجامع بين مكونات “تسيمدو”، وهو ما قد يفتح الباب أمام تكرار نمط استغلال الشركاء عند أول تعارض جوهري في المصالح، خصوصًا في ظل التعقيد الذي تضيفه علاقة كل من فانو وجبهة تحرير شعب تيغراي التاريخية المضطربة.

وقد تبرهن حالة التعاون الميداني بين (جيش تحرير أورومو) وقوات الأمن الحكومية ضد فانو في فانداكا كيبيلي على أن الولاءات داخل هذا الفضاء المسلح المتعدد الأطراف تبقى سيولة قابلة للانعكاس، بما يهدد تماسك “تسيمدو” من الداخل قبل أن يبلغ هدفه المعلن.

استمرار حالة الاستنزاف المتوازي دون حسم عسكري لصالح أي طرف

يفترض هذا السيناريو أن تستمر المواجهات على الجبهات الثلاث بالوتيرة والنمط الحاليين دون أن يحقق أي طرف تفوقًا حاسمًا يغيّر موازين القوى بشكل جوهري؛ إذ تُظهر التطورات الميدانية أن الحكومة الفيدرالية قادرة على استعادة مواقع بعينها عبر التفوق الجوي والمدفعية الثقيلة، كما حدث في شيررينا، وعلى شن غارات مركّزة بطائرات مسيّرة كما في ميروا، لكنها في المقابل عاجزة عن حسم الملف في أمهرة رغم الانخراط العسكري الفيدرالي الراسخ هناك، بينما تحافظ فانو على قدرتها على الصمود والتوسع الميداني.

وفي أوروميا، يعكس تزامن التعاون التكتيكي بين (جيش تحرير أورومو) وقوات الأمن الحكومية ضد فانو من جهة، واستمرار عمليات الجيش نفسه ضد الحكومة من جهة أخرى، حالة من التشابك المصلحي المتقلب يصعب معها ترجيح كفة طرف واحد بشكل نهائي.

ويفضي هذا المسار إلى إطالة أمد الصراع وتوسّع رقعته الجغرافية والإنسانية دون أن يقترب أي من الطرفين من تحقيق حسم شامل في المدى المنظور.

وختامًا

تكشف قراءة المسار الذي قطعه تحالف “تسيمدو”، من إعلانه في أغسطس إلى إقراره بصفته بنية مؤسسية، عن أن إثيوبيا تواجه اليوم تهديدًا يختلف نوعيًا عمّا واجهته في مراحل سابقة من الصراع، إذ لم يعد الأمر يتعلق بتمردات إقليمية متفرقة يمكن احتواء كل منها على حدة، بل بمحاولة جادة لصياغة جبهة معارضة موحدة الهدف، وإن ظلت متعددة المرجعيات والمصالح. غير أن العامل الحاسم في تحديد مآل هذه المواجهة لا يكمن في حجم القوى المتحالفة أو في اتساع الجبهات التي يخوضها، بقدر ما يكمن في قدرته على تجاوز التناقضات بين مكوناته، وبين احتمال أن يترجم هذا التحالف زخمه الحالي إلى ضغط كافٍ لإحداث تحول جذري في موازين القوى، واحتمال أن يستنسخ نمطًا تاريخيًا متكررًا من الانفراط الداخلي، يبقى المشهد الإثيوبي مرشحًا في المدى المنظور لسيناريو استمرار حالة الاستنزاف المتعدد الجبهات دون حسم واضح لأي طرف، بما يديم حالة عدم الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي ويرفع من كلفتها الإنسانية والسياسية.


[1] Dailynewsegypt, “Ethiopia: Seven fronts – Fano, TPLF, OLA”، https://africa.dailynewsegypt.com/ethiopia-seven-fronts-fano-tplf-ola/.

[2] All Africa، “Africa: Sahel Security and the Growing Russian Footprint”, 10/9/2026, https://allafrica.com/stories/202609100582.html.

[3] ACLED,  “Has Conflict Resumed Between Ethiopian Federal Government and TPLF?”، 19 يوليو 2024، https://acleddata.com/expert-comment/has-conflict-resumed-between-ethiopian-federal-government-and-tplf.

[4] Addis Standard, “The Fire Next Door: Sudan, Tigray, and Ethiopia’s Strategic Encirclement,” https://addisstandard.com/the-fire-next-door-sudan-tigray-and-ethiopias-strategic-encirclement/.

[5] AllAfrica, “Afrique: Sécurité et enjeux géopolitiques dans le Sahel,” September 16, 2026, https://fr.allafrica.com/stories/202609160591.html.

[6] Addis Standard, “Rights Commission Links Oromo Liberation Army to Deadly Attack in Arsi Despite Group’s Denial,” https://addisstandard.com/rights-commission-links-oromo-liberation-army-to-deadly-attack-in-arsi-despite-groups-denial/.

[7] Borkena, “Tsimdo Ethiopia: The Alliance That Will Eat Its Partner — Why Fano Cannot Survive a Tactical Pact with the TPLF or PFDJ,” https://borkena.com/tsimdo-ethiopia-the-alliance-that-will-eat-its-partner-why-fano-cannot-survive-a-tactical-pact-with-the-tplf-or-pfdj/.