بين الماء والوحل.. حكايات الصمود في جنوب السودان

ديسمبر 27, 2025


كتبت – أسماء حمدي
عندما غمرت مياه النيل الأبيض مدينة بور في جنوب السودان أواخر عام 2020، بدا المشهد كأنه نهاية حتمية لمدينة اعتادت العيش على حافة الكارثة. منازل مغمورة، طرق مقطوعة، وبنية تحتية منهارة، فيما وجد عشرات الآلاف أنفسهم محاصرين بالماء والمرض.
لكن بعد 4 سنوات، تغيّرت القصة، من قلب الركام، خرجت بور كنموذج أفريقي نادر حوّل الصدمة المناخية إلى فرصة لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بالماء. لم تعد الفيضانات مجرد تهديد وجودي، بل نقطة انطلاق نحو مشروع أعاد الكرامة، وغيّر تفاصيل الحياة اليومية، وفتح نافذة أمل في بلد يرزح تحت أزمات متراكمة.
فيضانات غير مسبوقة… ومدينة على المحك
عرفت بور، عاصمة ولاية جونقلي، الفيضانات الموسمية منذ نشأتها، حتى إن اسمها في لغة الدينكا يعني «الفيضان». غير أن ما حدث في عام 2020 تجاوز كل الذاكرة الجمعية للسكان، فيضانات وُصفت بأنها الأعنف منذ 6 عقود، غمرت المدينة بالكامل تقريبًا. ومع انهيار المناخ وازدياد تطرف الظواهر الجوية، تحولت المياه الراكدة إلى مصدر للأوبئة، فيما تعطلت شبكات المياه القليلة أصلًا.
تقول نيانجدونج تشانج، إحدى سكان المدينة: «كنا نذهب إلى النيل مباشرة. الماء متسخ، لكنه الخيار الوحيد». كانت النساء والأطفال يقطعون المسافات يوميًا لجلب مياه غير آمنة للشرب والطهي والغسيل، في مشهد يلخص هشاشة الحياة في جنوب السودان.
من استجابة طارئة إلى حل مستدام
أمام حجم الكارثة، بدأت التدخلات كاستجابة إنسانية عاجلة، لكن ما ميّز تجربة بور هو التحول اللاحق من منطق الإغاثة المؤقتة إلى التخطيط طويل الأمد.
بدعم من هولندا وكوريا الجنوبية، وبتمويل بلغ 5.4 ملايين دولار، أُنجز مشروع متكامل لإعادة بناء نظام المياه في المدينة، وسُلّم رسميًا لإدارة المؤسسة الحكومية للمياه.
يشرح ثيودروس مولوجيتا، رئيس قسم المياه والصرف الصحي في اليونيسف بجنوب السودان، أن الفيضانات «دمّرت البنية التحتية وجعلت المجتمع عرضة للأمراض المنقولة بالمياه»، ما فرض الانتقال من الإسعاف إلى الوقاية، وهكذا وُلدت فكرة إنشاء محطة معالجة «مرنة مناخيًا» قادرة على الصمود أمام فيضانات مستقبلية.


بنية تحتية تتحدى المناخ
لم يكن المشروع مجرد ترميم لما تهدّم، شُيّدت سواتر ترابية على طول النهر، وأُنشئت أنظمة لتصريف مياه الأمطار، فيما جرى تحديث محطة معالجة قائمة وبناؤها على أرض مرتفعة، وتشغيلها بالطاقة الشمسية لتقليل الكلفة والانبعاثات، والنتيجة كانت شبكة أنابيب تمتد 33 ميلًا، تربط المدينة بمصدر مياه نظيفة وآمن.
حتى الآن، استفاد من المشروع نحو 96 ألف شخص، أي 80% من سكان بور، ورُبطت مئات المنازل، و7 مدارس، ومستشفى، إضافة إلى 28 كشكًا مجتمعيًا أصبحت نقاط حياة يومية.
الماء.. كرامة وفرص عمل
لم يقتصر أثر المشروع على الصحة العامة، فقد وفر فرص عمل محلية، مع تدريب 30 موظفًا لتشغيل المحطة، من كهربائيين وميكانيكيين وفنيي مختبرات ومحاسبين.
ويؤكد مدير المشروع جون جوركوتش ياك، أن الإدارة التجارية كانت عنصرًا حاسمًا في الاستدامة، عبر الفوترة وقراءة العدادات وبناء ثقة السكان بالخدمة.
حاكم ولاية جونقلي، ريك جاي كوك، وصف المشروع بأنه «يعيد كرامة شعبنا»، فيما قال الوزير المحلي جاكوب تشول، إن بور «تعيش مفارقة دائمة: نهر عظيم ومياه شرب شحيحة»، قبل أن يبدأ هذا التناقض بالانحسار.
النساء في الواجهة.. من عبء إلى مصدر رزق
في أكشاك المياه، تدير نساء مثل أدينج ليك نقاط التوزيع. الأرملة التي تعيل 4 أطفال تقول إن الكشك أصبح مركزًا اجتماعيًا، ومصدر دخل ثابت. يمكن للناس الحصول على الماء مجانًا للشرب، فيما يدفع الزبائن المنتظمون مبالغ رمزية.
بالنسبة لآتشول تيريزا، غيّر الصنبور المثبت في حديقتها مسار حياتها، الري المنتظم مكّنها من حصاد البامية 3 مرات في عام واحد، وبيع المنتجات لتسديد فاتورة المياه ومساعدة جيرانها المسنين. «كان ملء جِرّة واحدة يستغرق أكثر من ساعة»، تقول، «الآن كل شيء أسهل».


المدارس.. تعليم بلا انقطاع
انعكس توفر المياه مباشرة على التعليم، في مدرسة سانت أندرو الثانوية، يؤكد المدير جون كوير باراش أن الحضور والتحصيل تحسّنا، بعدما كان نقص المياه يجبر الطلاب على مغادرة المدرسة مبكرًا.
الطلاب أنفسهم يشعرون بالفارق، يروي ناثانيال ثون (17 عامًا) كيف أُصيب بالبلهارسيا بعد فيضانات 2020 بسبب المياه الملوثة، قبل أن تختفي هذه المخاطر اليوم.
أما الفتيات، فكان التغيير أعمق، تقول أبوول أجو (14 عامًا) إن جلب المياه كان خطرًا يوميًا، بينما تشير تونا (13 عامًا) إلى أن توفر المرافق الصحية في المدرسة سمح لهن بالبقاء في الصفوف حتى خلال الدورة الشهرية.
نموذج ملهم.. لكن الطريق طويل
رغم نجاح بور، يبقى الواقع في جنوب السودان قاسيًا، إذ لا يحصل سوى 40% من السكان على مياه شرب ضمن مسافة 30 دقيقة سيرًا، وفق اليونيسف. وترى المديرة العامة للمؤسسة الحكومية للمياه، يار بول كول، أن بور تمثل نموذجًا بسبب انخفاض كلفة التشغيل، لكنها تؤكد الحاجة إلى استثمارات حكومية أوسع.
على ضفاف النيل، يواصل باعة المياه المتجولون عملهم بدراجاتهم، لكنهم يعترفون بأن النظام الجديد خفف معاناتهم. «لم نعد نضطر لجلب ماء ملوث من النهر»، يقول سيروانجا حمزة، «الآن يمكننا خدمة الناس بكرامة».
في مدينة وُلد اسمها من الفيضان، تعلّم أهل بور درسًا جديدًا، أن الكارثة ليست قدرًا نهائيًا، بل قد تكون بداية طريق نحو التكيّف، إذا توافرت الإرادة والرؤية.