كتبت – أسماء حمدي
في قلب شمال غانا، تختبئ مأساة صامتة داخل معسكرات يطلق عليها اسم “معسكرات الساحرات”. مئات النساء، معظمهن مسنات أو معزولات، وجدن أنفسهن منبوذات ومطرودات من عائلاتهن ومجتمعاتهن بعد اتهامهن بممارسة السحر.
هذه الاتهامات التي لا تقوم على أي دليل، تحوّلت إلى حكم بالإعدام الاجتماعي، حيث تُجبر النساء على قضاء بقية حياتهن في مخيمات تشبه السجون في الهواء الطلق، وسط ظروف معيشية قاسية وانعدام للأمان.
حياة في المنفى الداخلي
منذ أكثر من 10 سنوات، تعيش سلاماتو في معسكر جوشييجو، أحد أشهر تلك المخيمات الواقعة في شمال البلاد. قصتها بدأت حين سقط أحد أبناء قريتها مريضًا، فسارعت أصابع الاتهام إلى تحميلها المسؤولية. تقول: “شخص ما مرض، فأشار الجميع إليّ باعتباري السبب، اتهموني بأنني ساحرة، ولم يكن أمامي خيار سوى الهروب”.
سلاماتو ليست وحدها، هناك نحو 70 امرأة أخرى يشاركنها المصير ذاته في المخيم نفسه، معظمهن وجدن أنفسهن ضحايا اتهامات غير عقلانية، لمجرد أنهن كبيرات في السن أو لأن وجودهن أصبح يُنظر إليه كعبء على المجتمع.
من بينهن نياجمي، أمّ عزباء لطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة عانت من نظرات الريبة، قبل أن يُطلَق ضدها الاتهام المدمّر بأنها “ساحرة”. لم تجد مكانًا سوى المعسكر لتنجو بنفسها من العنف، لكن ثمن النجاة كان العيش في عزلة قسرية، بحسب موقع “بول أفريكا”.

بين الإقصاء والموت
كثير من النساء اللاتي يدخلن هذه المعسكرات لا يخرجن منها أبدًا، بل ينتهي بهن المطاف إلى الموت هناك بعيدًا عن عائلاتهن. لكن رغم قتامة المشهد، تلوح بارقة أمل بفضل جهود ناشطين محليين.
بارناباس دالابرا، مؤسس جمعية Outcasts Project، يعمل منذ سنوات على إعادة إدماج النساء المطرودات في قراهن الأصلية. يزور القرى ويتحدث مع السكان لإقناعهم بالتخلي عن تلك المعتقدات، في محاولة لاستعادة حياة طبيعية للنساء.
يقول دالابرا: “نقوم بتوعية الناس، ومع مرور الوقت تقلّصت اتهامات السحر، في غضون عامين فقط، نجحنا في إعادة نحو 30 امرأة إلى قراهن”، مؤكدًا أن التغيير ممكن، حتى وإن كان بطيئًا.
جريمة تهز الضمير الوطني
هذا التحول في الوعي لم يأتِ من فراغ. ففي عام 2020، تعرّضت البلاد لهزة عميقة بعد الجريمة البشعة التي طالت أكوا دينتيه، امرأة مسنّة تجاوزت الـ90 عامًا، اتهمها أهل قريتها بالسحر. جرى اقتيادها إلى مكان معزول وأُجبرت على الاعتراف بكونها “ساحرة”. لكنها رفضت، فانهالوا عليها بالضرب حتى فارقت الحياة.
انتشرت مقاطع الفيديو المروعة لعملية القتل على وسائل التواصل الاجتماعي، وأثارت موجة غضب عارمة في أنحاء البلاد. بعد 5 سنوات على الحادثة، لا يزال ابنها يستعيد تفاصيل المأساة: “أخذوها إلى مكان بعيد، وطلبوا منها الاعتراف، لكنها قاومت. حين رفضت، بدأوا بضربها حتى ماتت”، يقول بصوت يختلط فيه الحزن بالغضب.
حادثة دينتيه أطلقت جدلًا وطنيًا حول ضرورة مواجهة هذه الممارسات البربرية، وأجبرت السياسيين على الالتفات إلى قضية طالما اعتُبرت “منسية”.

معركة القانون بين الرفض والأمل
في عام 2023، صوّت البرلمان الغاني على قانون يجرّم توجيه اتهامات بالسحر، ويُلزم الدولة بتعويض الضحايا وتأمين برامج لإعادة إدماجهم في المجتمع. القانون شكّل خطوة تاريخية، لكنه اصطدم برفض الرئيس آنذاك نانا أكوفو أدو، الذي رفض التوقيع عليه، ما حال دون دخوله حيز التنفيذ.
يرى البروفيسور أزومه، مدير معهد سانه ورئيس الائتلاف ضد اتهامات السحر، أن رفض الرئيس لم يكن مفاجئًا: “الإيمان بالسحر متجذر في المجتمع الغاني. بعض الزعماء التقليديين يؤمنون به، وكذلك بعض عناصر الشرطة وحتى الأطباء. الرئيس خشي أن يخسر أصواتًا انتخابية لو وقّع القانون”، يقول أزومه موضحًا حجم التعقيد الذي يواجه الإصلاح.
السياسة تفتح نافذة جديدة
لكن الانتخابات التشريعية والرئاسية في ديسمبر 2024 قلبت الموازين. النائب فرانسيس-كزافييه سوسو، صاحب مشروع القانون في 2023، انتقل من مقاعد المعارضة إلى صفوف الأغلبية، ما عزز فرص تمرير القانون.
خلال إحياء الذكرى الخامسة لوفاة أكوا دينتيه، قال سوسو بثقة: “اليوم لدينا 9 نواب داعمين للقانون، ولدينا أيضًا دعم الرئيس الجديد. قبل نهاية هذا العام، سيكون لدينا قانون نافذ”، مؤكدًا أن الدولة على وشك طي صفحة مؤلمة من تاريخها.
الحضور الحكومي في المناسبة كان له رمزية إضافية، إذ شاركت وزيرة المجتمع للمرة الأولى في مثل هذا الحدث، في إشارة واضحة إلى أن السلطة التنفيذية تتبنى الملف بجدية.

نحو إغلاق “معسكرات الساحرات”
القانون المرتقب لا يقتصر على تجريم الاتهامات وتعويض الضحايا، بل يتضمن بندًا أساسيًا يقضي بإغلاق معسكرات الساحرات تدريجيًا، ما قد ينهي معاناة آلاف النساء اللواتي عشن لعقود في عزلة.
بالنسبة للنساء مثل سلاماتو ونياجمي، يمثل هذا التحول أكثر من مجرد تعديل قانوني، إنه أمل في استعادة الكرامة المفقودة، وفي العودة إلى مجتمعاتهن بعد سنوات من الإقصاء.
أما بالنسبة لغانا ككل، فإن تمرير القانون سيشكل اختبارًا حقيقيًا لإرادة الدولة في مواجهة الموروثات الثقافية المؤلمة، وتحقيق العدالة لفئة طالما عاشت في الظل.
وصمة تاريخية تبحث عن العدالة
“معسكرات الساحرات” في شمال غانا ليست مجرد مخيمات مؤقتة، بل وصمة على جبين المجتمع، تختزل مزيجًا من الفقر، الجهل، والعادات الموروثة. النساء هناك عشن أعمارهن تحت رحمة الخوف والنبذ، محاصرات بوصمة “السحر”، التي لا تترك لهن مخرجًا سوى الموت في عزلة.
لكن مع تطور الوعي، ونضال الجمعيات الحقوقية، وضغط الرأي العام بعد مأساة أكوا دينتيه، يزداد الأمل في أن تصبح تلك المعسكرات مجرد ذكرى مؤلمة من الماضي.
وربما يشهد العام 2025 ولادة قانون طال انتظاره، يعيد للضحايا بعضًا من حقهن، ويمنح غانا فرصة لتصحيح مسار طويل من الظلم.







